باب ما ادعي على القرآن من اللحن

٦٤٦ فقرة، ج ١ ص ٣٦

الصفحة ١١ من ١٧

  1. ومثله قول الشاعر «١» :
  2. يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزيل مواطىء الأقدام

    أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء، يزيل الأقدام عن مواطئها.

  3. فتفهّم قول الله عز وجل: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ أي يقاربون أن يفعلوا ذلك، ولم يفعلوا. وتفهّم قول الشاعر: (نظرا يزيل) ولم يقل: يكاد يزيل، لأنه نواها في نفسه.

  4. وكذلك قول الله عز وجل: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) [مريم: ٩٠] إعظاما لقولهم.

  5. وقوله جل وعز: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [إبراهيم: ٤٦] .

  6. إكبارا لمكرهم. وقرأها بعضهم: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ [إبراهيم: ٤٦] .

  7. وأكثر ما في القرآن من مثل هذا فإنه يأتي بكاد، فما لم يأت بكاد ففيه إضمارها، كقوله: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠] ، وأي كادت من شدّة الخوف تبلغ الحلوق: .

  8. وقد يجوز أن يكون أراد: أنها ترجف من شدّة الفزع وتجف ويتصل وجيفها «٢» بالحلوق، فكأنها بلغت الحلوق بالوجيب. وهم يصفون القلوب بالخفقان، والنّزو عند المخافة والذّعر.

  9. قال الشاعر في وصف مفازة تنزو من مخافتها قلوب الأدلّاء «٣» :

    كأنّ قلوب أدلّائها ... معلّقة بقرون الظّباء

    وهذا مثل قوله امرئ القيس «٤» :

    ج ١ ص ١١٠ولا مثل يوم في قدار ظللته ... كأنّي وأصحابي على قرن أعفرا

    أي كأنّا من القلق على قرن ظبي، فنحن لا نستقر ولا نسكن.

  10. وكان بعض أهل اللغة يأخذ على الشعراء أشياء من هذا الفنّ، وينسبها فيه إلى الإفراط وتجاوز المقدار. وما أرى ذلك إلا جائزا حسنا على ما بيّنّاه من مذاهبهم..

  11. كقول النابغة في وصف سيوف «١» :
  12. تقدّ السّلوقيّ المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفاح نار الحباحب

    ذكر أنها تقطع الدّروع التي هذه حالها، والفارس حتى تبلغ الأرض فتورى النار إذا أصابت الحجارة.

  13. وقول النّمر بن تولب في صفة سيف «٢» :

    تظلّ تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والسّاقين والهادي

    يقول: رسب في الأرض بعد أن قطع ما ذكر، واحتاج أن يحفر عنه ليستخرجه من الأرض.

  14. ومثله قوله مهلهل «٣» :
  15. ولولا الرّيح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور

    ج ١ ص ١١١وقال قيس بن الخطيم يصف طعنة «١» :

    ملكت بها كفّي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها

    وقال أيضا «٢» :

    لو أنّك تلقي حنظلا فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي سامة المتقارب

    يقول: تراصّ القوم في القتال حتى لو أن ملقيا ألقى على بيضهم حنظلا لجرى عليها كما يجري على الأرض ولم يسقط لشدّة تراصفهم.

  16. و (عن) بمعنى (على) .

  17. وذو سامه: بيضه المذهب. والسّام: عروق الذّهب.

  18. وقول عنترة «٣» :
  19. وأنا المنيّة في المواطن كلها ... والطّعن منّي سابق الآجال

    وقال بشار «٤» :

    إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما

    وقال طريح الثقفي «٥» :

    لو قلت للسّيل: دع طريقك وال ... موج عليه بالهضب يعتلج

    ج ١ ص ١١٢لارتدّ أوساخ أو لكان له ... في سائر الأرض عنك منعرج

    وقال ابن ميّادة «١» :

    ولو أنّ قيسا قيس عيلان أقسمت ... على الشّمس لم تطلع عليك حجابها

    وقال الطرمّاح «٢» :

    ولو أنّ حرقوصا على ظهر قملة ... يكرّ على صفّي تميم لولّت

    وقال آخر بذكر حديث امرأة «٣» :

    حديث لو أنّ اللّحم يصلى بحرّه ... غريضا أتى أصحابه وهو منضج

    وقال أبو النجم يذكر سيلا «٤» :

    كأنّ فوق الأكم من غثائه ... قطائف الشّام على عبائه

    والشّيح يهديه إلى طحمائه يقول: صار الجبل والسهل واحدا، وصار الغثاء على رؤوس الأكم.

  20. والطّحماء: شجر ينبت في الجبال.

  21. والشّيح ينبت في السّهول، فأراد أنّه حمل نبت السهل إلى الجبل.

    وقال وذكر ظليما يعدو ويطير «٥» :

    هاو تضلّ الطّير في خوائه والخواء: ما بين قوائمه وبطنه، وبين الأرض إذا عدا وطار. يريد أن الطير يطير بينه وبين الأرض حتى يضلّ.

  22. وقد يروى «٦» :

    ج ١ ص ١١٣تضلّ الرّيح في خوائه وقال الكميت وذكر الرّياح «١» :

    ترامى بكذّان الإكام ومروها ... ترامي ولدان الأصارم بالخشل

    أراد أن الرياح ترامى بالحجارة الكبار، كما يترامى الصّبيان بنوى المقل.

    وقال آخر «٢» :

    زعمت غدانة أنّ فيها سيّدا ... ضخما يوازنه جناح الجندب

    يرويه ما يروي الذّباب فيتتشي ... سكرا وتشبعه كراع الأرنب

    هذه الأبيات التي ذكرناها ومثلها في الشعر كثير.

  23. والعرب تقول: له الطّمّ والرّمّ، إذا أرادوا تكثير ماله.

  24. والطمّ: البحر، والرّم: الثرى. وهذا لا يملكه إلا الله تعالى.

  25. ويقولون: (فلان دون نائله العيّوق) ويقولون: (له الضّحّ والرّيح) يريدون ما طلعت عليه الشمس، وجرت عليه الرّيح.

  26. ويقولون: (فلان يثير الكلاب عن مرابضها) يريدون أنه لشرهه ولؤمه- يثيرها عن مواضعها، يطلب تحتها شيئا فاضلا من طعمها ليأكله. وهذا ما لا يفعله بشر.

    وقال الشاعر «٣» :

    تركوا جارهم يأكله ... ضبع الوادي ويرميه الشّجر

    والشجر لا يرمي أحدا.

  27. وهذا كله على المبالغة في الوصف، وينوون في جميعه يكاد يفعل، وكلهم يعلم المراد به.

    وقال آخر «١» :

    إذا رأيت أنجما من الأسد ... جبهته أو الخراة والكتد

    بال سهيل في الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللّقاح فبرد

    وهذا وقت يذهب فيه الفضيخ، لأنّه يكون من البسر، والبسر يصير عند طلوع هذه الأنجم رطبا، فلما كان فساده عن طلوع سهيل، وكان الشراب يفسد بأن يبال فيه- جعل سهيلا كأنه بال فيه لمّا أفسده وقت طلوعه.

    وقال دكين «٢» :

    وقد تعاللت ذميل العنس ... بالسّوط في ديمومة كالتّرس

    إذ عرّج الليل بروح الشمس فجعل الشمس روحا عرّج بها الليل.

    ج ١ ص ١١٤
  28. والأصل في هذا كله: أن كلّ حيوان يموت تقبض روحه، فلما أبطل الليل الشمس جعله كأنه قبض لها روحا.

    وقال ذو الرّمّة يصف إبلا في مسيرها «٣» :

    إذا اغتبطت نجما فغار تسخّرت ... علالة نجم آخر الليل طالع

    يقول: تهتدي بكوكب طلع أوّل الليل، حتى إذا غاب اهتدت بكوكب آخر طالع في السّحر، ولم يردها، وإنما أراد ركبانها فجعلها تغتبق النّجم، وتتسحّر بالنّجم.

    ج ١ ص ١١٥وقال مزرّد «١» :

    ولو أنّ شيخا ذا بنين كأنّما ... على رأسه من شامل الشّيب قونس

    تبيّت فيه العنكبوت بناتها ... نواشىء حتّى شبن أو هنّ عنّس

    وإنما أراد طول مكث العناكب في رأسه، فجعلهنّ قد شبن وعنّسن.

  29. وأصل هذا: أنّ المرأة إذا طال مكثها في بيت أبيها لا تزوّج عنّست وشابت، فاستعار الشيب والتّعنيس مثلا لطول مكث العناكب.

    وقال المسيّب بن علس «٢» :

    دعا شجر الأرض داعيهم ... لينصره السّدر والأثأب

    أراد أنه دعا عليهم الخلق يستنصرهم، فضرب الشجر مثلا لكثرة الناس والعوام تقول: جاءنا بالشّوك والشجر. إذا جاء في جيش عظيم.

  30. ومنه قوله سبحانه: وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً [يوسف: ٣١] أي طعاما، يقال: اتّكأنا عند فلان، أي طعمنا.

    وقال جميل «٣» :

    فظللنا بنعمة واتّكأنا ... وشربنا الحلال من قلله

    والأصل: أن من دعوته ليطعم أعددت له التكأة للمقام والطمأنينة فسمّى الطعام متّكئا على الاستعارة.

  31. ومنه قوله تعالى: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [هود: ٥٦] أي يقهرها ويذلّها بالملك والسّلطان. وأصل هذا: أن من أخذت بناصيته فقد قهرته وأذللته، ومنه قيل في الدعاء: ناصيتي بيدك. أي أنت مالك لي وقاهر.

  32. ومنه قوله عز وجل: إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [آل عمران: ٧٥] أي مواظبا بالاقتضاء والمطالبة. وأصله أن المطالب بالشيء يقوم فيه ويتصرّف، والتارك له يقعد عنه.

    ج ١ ص ١١٦قال الأعشى «١» :

    يقوم على الوغم في قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقم

    أي يطالب بالذّحل «٢» ولا يقعد عنه.

    وقال: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ [آل عمران: ١١٣] أي عاملة غير تاركة.

    وقال: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [الرعد: ٣٣] أي آخذ لها بما كسبت.

  33. ومنه قوله تعالى حكاية عن المنافقين: وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ [التوبة: ٦١] أي يقبل كلّ ما بلغه. والأصل: أن الأذن هي السامعة، فقيل لكل من صدّق بكلّ خبر يسمعه:

    أذن، ومنه يقال: آذنتك بالأمر فأذنت، كما تقول: أعلمتك فعلمت، إنما هو أوقعته في أذنك. يقول الله عزّ وجلّ: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩] أي اعلموا، ومن قرأها (فآذنوا) أراد فأعلموا.

  34. ومنه ما قالت الشعراء «٣» :
  35. آذنتنا ببينها أسماء ومنه الأذان إنما هو إعلام الناس وقت الصلاة.

  36. وقوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ٣] أي إعلام.

  37. وكان المنافقون يقولون: إن محمدا أذن فقولوا ما شئتم، فإنا متى أتيناه فاعتذرنا إليه صدّقّنا. فأنزل الله تبارك وتعالى: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [التوبة: ٦١] أي كان الأمر

    ج ١ ص ١١٧كما تذكرون، ولكنه إنّما يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦١] أي يصدّق الله ويصدّق المؤمنين، لا أنتم، (والباء) و (اللام) زائدتان.

  38. ومنه قوله: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ [الأحزاب: ٢٣] أي قتل والنّحب: النّذر.

  39. وأصل هذا: أنّ رجالا من أصحاب رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، نذروا إن لقوا العدوّ ليصدقنّ القتال أو ليقتلنّ، هذا أو نحوه، فقتلوا، فقيل لمن قتل: قضى نحبه. واستعير النّحب مكان الأجل، لأن الأجل وقع بالنّحب وكان النّحب له سببا.

  40. ومنه قيل للعطية: المنّ، لأنّ من أعطى فقد منّ. قال الله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) [المدثر: ٦] أي لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت.

    وقال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ [ص: ٣٩] ، أي فأعط أو أمسك.