باب ما ادعي على القرآن من اللحن
٦٤٦ فقرة، ج ١ ص ٣٦
الصفحة ١٢ من ١٧
- ج ١ ص ١١٧
وقوله: بِغَيْرِ حِسابٍ [ص: ٣٩] مردود إلى قوله: هذا عَطاؤُنا بغير حساب.
- ج ١ ص ١١٨
باب المقلوب
ومن المقلوب: أن يوصف الشيء بضدّ صفته للتطيّر والتفاؤل، كقولهم للّديغ:
سليم، تطيّرا من السّقم، وتفاؤلا بالسّلامة. وللعطشان: ناهل أي سينهل. يعنون:
يروى. وللفلاة: مفازة. أي منجاة، وهي مهلكة.
-
وللمبالغة في الوصف، كقولهم للشمس: جونة، لشدّة ضوئها. وللغراب: أعور، لحدّة بصره.
-
وللاستهزاء، كقولهم للحبشيّ: أبو البيضاء. وللأبيض: أبو الجون.
-
ومن هذا قول قوم شعيب: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود: ٨٧] .
-
كما تقول للرجل تستجهله: يا عاقل، وتستخفه: يا حليم.
قال الشاعر «١» :
فقلت لسيّدنا: يا حلي ... م إنّك لم تأس أسوا رفيقا
قال قتادة: ومن الاستهزاء قول الله تعالى: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) [الأنبياء: ١٢، ١٣] .
-
وفي قول عبيد بن الأبرص لكندة- طرف من هذا المعنى «٢» :
هلا سألت جموع كن ... دة يوم ولّوا: أين أينا؟
-
يستهزىء بهم حين انهزموا، يريد أين تذهبون؟ ارجعوا.
- ج ١ ص ١١٩
وأما قول الله سبحانه: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) [الدخان: ٤٩] .
-
فبعض الناس يذهب به هذا المذهب، أي أنت الذليل المهان.
-
وبعضهم يريد: أنت العزيز الكريم عند نفسك. وهو معنى تفسير ابن عباس لأن أبا جهل قال: ما بين جبليها أعزّ مني ولا أكرم، فقيل له: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) [الدخان: ٤٩] .
-
ومن ذلك أن يسمّى المتضادّان باسم واحد، والأصل واحد.
-
فيقال للصبح: صريم، ولليل: صريم. قال الله سبحانه: فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) [القلم: ٢٠] ، أي سوداء كالليل، لأنّ الليل ينصرم عن النّهار، والنهار ينصرم عن الليل.
-
وللظّلمة: سدفة. وللضوء: سدفة. وأصل السّدفة: السّترة، فكأن الظلام إذا أقبل ستر للضّوء، والضوء إذا أقبل ستر للظلام.
-
وللمستغيث: صارخ. وللمغيث: صارخ، لأن المستغيث يصرخ في استغاثته، والمغيث يصرخ في إجابته.
-
ولليقين: ظنّ، لأنّ في الظن طرفا من اليقين. قال الله عز وجل: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ [البقرة: ٢٤٩] ، أي يستيقنون. وكذلك: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) [الحاقة: ٢٠] ، وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [الكهف: ٥٣] ، وإِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: ٢٣٠] ، هذا كلّه في معنى (اليقين) .
قال دريد بن الصّمة «١» :
فقلت لهم: ظنّوا بألفي مدجّح ... سراتهم في الفارسيّ المسرّد
أي تيقنوا بإتيانهم إيّاكم.
-
وكذلك جعلوا (عسى) شكّا ويقينا، (ولعلّ) شكّا ويقينا. كقوله: فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [الأنبياء: ٣١] ، أي ليهتدوا.
- ج ١ ص ١٢٠
وللمشتري: شار، وللبائع: شار، لأنّ كلّ واحد منهما اشترى.
-
وكذلك قولهم لكل واحد منهما: (بائع) لأنه باع وأخذ عوضا مما دفع، فهو (شار) و (بائع) .
قال الله عز وجل: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ [يوسف: ٢٠] ، أي باعوه. وقال:
وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ [البقرة: ١٠٢] .
وقال ابن مفرّغ «١» :
وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه
(وبرد) : غلام كان له فباعه وندم على بيعه.
-
و (وراء) تكون بمعنى (خلف) وبمعنى (قدّام) .
-
ومنها المواراة والتّواري. فكلّ ما غاب عن عينك فهو وراء، كان قدّامك أو خلفك.
قال الله عز وجل: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [الكهف: ٧٩] ، أي أمامهم.
وقال: مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ [الجاثية: ١٠] ، أي أمامهم.
وقال: وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم: ١٧] .
وقالوا للكبير: (جلل) ، وللصغير: (جلل) ، لأنّ الصغير قد يكون كبيرا عند ما هو أصغر منه، والكبير يكون صغيرا عند ما هو أكبر منه، فكلّ واحد منهما صغير كبير.
-
ولهذا جعلت (بعض) بمعنى (كلّ) ، لأنّ الشيء يكون كلّه بعضا لشيء، فهو بعض وكلّ.
وقال عز وجل: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف: ٦٣] (وكلّ) بمعنى (بعض) ، كقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣] ، ويَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ [النحل: ١١٢] ، وقال: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [الأحقاف: ٢٥] .
-
وجعلت (فوق) بمعنى (دون) في قول الله عز وجل:
ج ١ ص ١٢١إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [البقرة: ٢٦] ، أي فما دونها، لأن (فوق) قد تكون (دون) عند ما هو فوقها، و (دون) قد تكون (فوق) عند ما هو دونها.
-
و (خشيت) بمعنى: (علمت) . قال عز وجل: فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً [الكهف: ٨٠] ، أي علمنا. وفي قراءة أبيّ: فخاف ربك.
-
ومثله: إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: ٢٢٩] . وقوله: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً [البقرة: ١٨٢] ، أي علم.
-
وقوله: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ [الأنعام: ٥١] ، لأنّ في الخشية والمخافة طرفا من العلم.
-
و (رجوت) بمعنى: (خفت) . قال الله سبحانه: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) [نوح: ١٣] ، أي: لا تخافون لله عظمته، لأن الرّاجي ليس بمستيقن، ومعه طرف من المخافة.
قال الهذلي «١» :
إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عوامل
أي: لم يخفها.
-
و (يئست) بمعنى: (علمت) من قول الله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً [الرعد: ٣١] ، لأنّ في علمك الشيء وتيقّنك له يأسك من غيره.
قال لبيد «٢» :
ج ١ ص ١٢٢حتّى إذا يئس الرّماة فأرسلوا ... غضفا دواجن قافلا أعصامها
أي: علموا ما ظهر لهم فيئسوا من غيره.
وقال آخر «١» :
أقول لهم بالشّعب إذ يأسرونني ... : ألم تيئسوا أنّي ابن فارس زهدم
أي: ألم تعلموا.
-
ومن المقلوب: أن يقدّم ما يوضّحه التأخير، ويؤخّر ما يوضحه التقديم.
-
كقول الله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ [إبراهيم: ٤٧] ، أي مخلف رسله وعده، لأنّ الإخلاف قد يقع بالوعد كما يقع بالرّسل، فتقول: أخلفت الوعد، وأخلفت الرّسل، وكذلك قوله سبحانه: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) [الشعراء: ٧٧] أي:
فإنّي عدوّ لهم، لأنّ كل من عاديته عاداك.
-
وكذلك قوله: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) [النجم: ٨] أي: تدلى فدنا، لأنّه تدلّى للدّنوّ، ودنا بالتّدلّي.
-
ومنه قوله سبحانه: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)
-
[القيامة: ١٤] أي: بل على الإنسان من نفسه بصيرة. يريد شهادة جوارحه عليه، لأنها منه، فأقامه مقامها.
قال الشاعر «٢» :
ترى الثّور فيها مدخل الظلّ رأسه ... وسائره باد إلى الشمس أجمع
أراد (مدخل رأسه الظلّ) فقلب، لأن الظلّ التبس برأسه فصار كل واحد منهما داخلا في صاحبه. والعرب تقول: (اعرض النّاقة على الحوض) تريد: اعرض الحوض على الناقة، لأنك إذا أوردتها الحوض: اعترضت بكل واحد صاحبه.
ج ١ ص ١٢٣وقال الحطيئة «١» :
فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره
وكان الوجه أن يقول: (ما أمسك حافره الحبل) فقلب، لأنّ ما أمسكته فقد أمسكك، والحافر ممسك للحبل لا يفارقه ما دام به مربوطا، والحبل ممسك للحافر.
وقال الأخطل «٢» :
على العيارات هدّاجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوآتهم هجر
وكان الوجه أن يقول: (سوآتهم- بالرفع- نجران وهجر) فقلب، لأن ما بلغته فقد بلغك.
قال الله تعالى: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [آل عمران: ٤٠] أي بلغته.
وقال آخر «٣» :
قد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشّجعما
(فنصب) الأفعوان والشجاع، وكان الوجه أن يرفعهما، لأن ما حالفته فقد حالفك، فهما فاعلان ومفعولان.
وقال الشمّاخ يذكر أباه «٤» :
منه ولدت ولم يؤشب به حسبي ... لمّا، كما عصب العلباء بالعود
وكان الوجه أن يقول: (كما عصب العود بالعلباء) فقلب، لأنك قد تقول:
عصبت العباء على العود، كما تقول: عصبت العود بالعلباء.
ج ١ ص ١٢٤وقال ذو الرّمّة «١» :
وتكسو المجنّ الرّخو خصرا كأنه ... إهان ذوى عن صفرة فهو أخلق
وكان الوجه أن يقول: (وتكسو الخصر مجنا) فقلب، لأنّ كسوت يقع على الثوب، وعلى الخصر، وعلى القميص ولابسه، تقول: كسوت الثوب عبد الله، وكسوت عبد الله الثوب.
وقال أبو النّجم «٢» :
قبل دنوّ الأفق من جوزائه وكان الوجه أن يقول: (قبل دنوّ الجوزاء من الأفق) فقلب، لأن كل شيء دنا منك فقد دنوت منه.
وقال الرّاعي يصف ثورا «٣» :
فصبّحته كلاب الغوث يوسدها ... مستوضحون يرون العين كالأثر
وكان الوجه أن يقول: (يرون الأثر كالعين) لعلمهم بالصيد وآثاره فقلب، لأنهم إذا رأوا الأثر كالعين، فقد رأوا العين كالأثر.
وقال النابغة «٤» :
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل
وكان الوجه أن يقول: (حتى ما تزيد مخافة وعل على مخافتي) فقلب، لأن المخافتين استوتا.
ج ١ ص ١٢٥وقال رؤبة بن العجّاج «١» :
ومهمه مغبرّة أرجاؤه ... كأنّ لون أرضه سماؤه
وكان الوجه أن يقول: (كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه) فقلب، لأن اللونين استويا.
وقال الآخر «٢» :
وصار الجمر مثل ترابها أي صار ترابها مثل الجمر.
وقال عز وجل: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء: ٣٧] أي خلق العجل من الإنسان، يعني العجلة. كذلك قال أبو عبيدة.
-
ومن المقلوب ما قلب على الغلط:
- كقول خداش بن زهير «٣» :
-
وتركب خيل لا هوادة بينها ... وتعصى الرّماح بالضّياطرة الحمر
ج ١ ص ١٢٦أي: (تعصي الضياطرة بالرّماح) وهذا ما لا يقع فيه التّأويل، لأن الرماح لا تعصى بالضّياطرة وإنما يعصى الرجال بها، أي يطعنون.
- ومنه قول الآخر «١» :
-
أسلمته في دمشق كما ... أسلمت وحشيّة وهقا
أراد: (كما أسلم وحشية وهق) فقلب على الغلط.
وقال آخر «٢» :
كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزّناء فريضة الرجم
أراد (كما كان الرجم فريضة الزنى) .
-
وكان بعض أصحاب اللغة يذهب في قول الله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً [البقرة: ١٧١] إلى مثل هذا في القلب، ويقول: وقع التشبيه بالراعي في ظاهر الكلام، والمعنى للمنعوق به وهو الغنم. وكذلك قوله سبحانه: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ [القصص: ٧٦] أي: تنهض بها وهي مثقلة.
وقال آخر في قوله سبحانه: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) [العاديات: ٨] أي: وإن حبّه للخير لشديد.
-
وفي قوله سبحانه: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: ٧٤] أي: اجعل المتّقين لنا إماما في الخير.