باب ما ادعي على القرآن من اللحن

٦٤٦ فقرة، ج ١ ص ٣٦

الصفحة ٤ من ١٧

  1. وأما قوله: وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) [الرعد: ٤٠] . فإنه لم يرد أن عليك البلاغ بعد الوفاة كما ظنّوا، وإنما أراد:

    إن أريناك بعض الذي نعدهم في حياتك، أو توفيناك قبل أن نريك ذلك- فليس عليك إلا أن تبلّغ، وعلينا أن نجازي.

    ج ١ ص ٥٧
  2. ومثل هذا: رجل بعثته واليا وقلت له: سر إلى بلد كذا فادعهم، فإن استجابوا لك فأحسن فيهم السيرة، وابسط المعدلة، وإن عصوك فعظهم وحذّرهم عقاب المعصية، فإن أقاموا على الغواية أعلمتني ليأتيهم النّكير. فصار إليهم فمانعوه، ووعظهم فخالفوه، وأقام حينا مستبطئا ما أوعدتهم به، فقلت: إن أريناك ما وعدناهم من العقوبة أو عزلناك قبل أن نريك ذلك- فليس لك أن تستبطئنا، إنما عليك التّبليغ والعظة، وعلينا الجزاء والمكافأة.

  3. وأما قوله: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢] .

  4. وقوله: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [الأحزاب: ١٠] .

  5. وقوله: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ [الأنفال: ٥] .

  6. وقوله: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) [القلم: ١٦] .

  7. فقد ذكرنا الجواب عن ذلك في (باب المجاز) ، وكرهنا إعادته في هذا الموضع وستراه هناك كافيا، إن شاء الله.

  8. باب المتشابه

    وأما قولهم: ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن، من أراد بالقرآن لعباده الهدى والتّبيان؟.

    ج ١ ص ٥٨
  9. - فالجواب عنه: أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة والتوكيد، والإشارة إلى الشيء، وإغماض بعض المعاني حتى لا يظهر عليه إلا اللّقن «١» ، وإظهار بعضها، وضرب الأمثال لما خفي.

  10. ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل، لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر.

  11. ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة.

    وقالوا: عيب الغنى أنه يورث البله، وفضيلة الفقر أنه يبعث الحيلة.

    وقال: أكثم بن صيفيّ: ما يسرّني أني مكفيّ كلّ أمر الدنيا. قيل له: ولم؟ قال:

    أكره عادة العجز.

  12. وكل باب من أبواب العلم: من الفقه والحساب والفرائض والنحو، فمنه ما يجلّ، ومنه ما يدقّ، ليرتقي المتعلم فيه رتبة بعد رتبة، حتى يبلغ منتهاه، ويدرك أقصاه ولتكون للعالم فضيلة النظر، وحسن الاستخراج، ولتقع المثوبة من الله على حسن العناية.

  13. ولو كان كل فن من العلوم شيئا واحدا: لم يكن عالم ولا متعلم، ولا خفيّ ولا جليّ لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها، فالخير يعرف بالشر، والنفع بالضرّ، والحلو بالمر، والقليل بالكثير، والصغير بالكبير، والباطن بالظاهر.

  14. وعلى هذا المثال كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وكلام صحابته والتابعين، وأشعار الشعراء، وكلام الخطباء- ليس منه شيء إلا وقد يأتي فيه المعنى اللطيف الذي يتخيّر فيه

    ج ١ ص ٥٩العالم المتقدّم، ويقرّ بالقصور عنه النّقّاب المبرّز.

    قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: «تجدون الناس كإبل مائة ليس فيها راحلة» «١» .

    وقال: «لا تستضيئوا بنار المشركين» «٢» .

    وقال: «إنّ ممّا ينبت الرّبيع ما يقتل حبطا أو يلمّ» «٣» .

    وقال للضحّاك بن سفيان حين بعثه إلى قومه: «إذا أتيتهم فاربض في دارهم ظبيا» «٤» .

    وقال: «الكاسيات العاريات لا يدخلن الجنة» «٥» .

  15. وكتب في كتاب صلح: «وإن بيننا وبينكم عيبة مكفوفة» «٦» .

    وقال: «أجد نفس ربّكم من قبل اليمن» «٧» .

    ج ١ ص ٦٠وقال أبو بكر الصديق: نحن حفنة من حفنات الله «١» .

    وقال عمر بن الخطاب للعريف الذي أتاه بالمنبوذ: عسى الغوير أبؤسا «٢» .

    وقال عليّ بن أبي طالب: من يطل هن أبيه ينتطق به «٣» .

  16. وحدّثت عن الأصمعي أنه قال: أعياني أن أعلم معنى قول عمر: أيما رجل بايع عن غير مشاورة، فلا يؤمّر واحد منهما تغرّة أن يقتلا «٤» .

    وقال المازنيّ «٥» : سألت الأخفش «٦» عن حرف رواه سيبويه «٧» عن الخليل «٨» في

    ج ١ ص ٦١(باب من الابتداء يضمر فيه ما بني على الابتداء) وهو قوله: ما أغفله عنك شيئا، أي دع الشّكّ: ما معناه؟.

    قال الأخفش: أنا مذ ولدت أسأل عن هذا.

    وقال المازنيّ: سألت الأصمعي «١» وأبا زيد «٢» ، وأبا مالك «٣» عنه، فقالوا: ما ندري ما هو.

  17. والعرب تقول:

    (حور في محارة) «٤» .

  18. و (جري المذكّيات غلاب) «٥» .

  19. و (عيل ما هو عائله) «٦» .

  20. و (إنّه لشرّاب بأنقع) «٧» .

  21. و (عاط بغير أنواط) «٨» .

  22. و (إلّا ده فلا ده) «٩» .

  23. و (النّفاض يقطّر الجلب) «١٠» .

  24. و (به داء ظبي) «١» .

    ج ١ ص ٦٢
  25. و (أراك بشر ما أحار مشفر) «٢» .

  26. و (أفلت فلان بجريعة الذّقن) «٣» .

  27. و (غبار ذيل المرأة الفاجرة يورث السّلّ) «٤» .

  28. و (هو كبارح الأرويّ) «٥» .

  29. و (عبد وخلى في يديه) «٦» .

  30. و (رمّدت الضأن فربّق ربّق، ورمّدت المعزى فرنّق رنّق) «٧» .

  31. و (أفواهها مجاسّها) «٨» .

  32. و (نجارها نارها) «٩» .

  33. في أشباه لهذا كثيرة، لولا العلماء المنقّبون في البلاد، المنقّرون عن الخبء، الناظرون للخلوف، الطالبون أعقاب الأحاديث، ولسان الصّدق في الباقين- لطال علينا أن نطلع على خفيّاتها، أو نظهر مستورها.

  34. وإن آثرت أن تعرف معانيها التمستها في كتابنا المؤلف في (تفسير غريب الحديث) فإنك واجدها أو أكثرها هناك، إن شاء الله تعالى.

  35. وحدثني أبو حاتم «١٠» ، عن الأصمعي أنه قال: سألت عيسى بن عمر «١١» عن قول أمية بن أبي الصّلت «١٢» :

    ج ١ ص ٦٣والأرض نوّخها الإله طروقة ... للماء حتّى كلّ زند مسفد

    فقال: لا أعرفه، وقد سألت عنه فلم أجد من يعرفه.

  36. فهذا الأصمعي، وعيسى بن عمر، ومن سأله عيسى من أهل اللّغة، لم يعرفوا هذا البيت، وفسّره من دونهم فقال: معناه: أن الله جعل الأرض كالأنثى للماء، وجل الماء كالذكر للأرض، فإذا مطرت أنبتت.

    ثم قال: وهكذا كل شيء حتى الزّنود، فإن على الزّندين ذكر، والأسفل أنثى، والنار لهما كالولد.

  37. و (مسفد) بمعنى: منكح. تقول: سفد الذكر الأنثى، والله أسفده، كما تقول:

    نكح والله أنكحه.

  38. ومثل هذا قول ذي الرّمة «١» .

    وسقط كعين الدّيك عاورت صحبتي ... أباها وهيّأنا لموقعها وكرا

    مشهّرة لا تمكن الفحل أمّها ... إذا هي لم تمسك بأطرافها قسرا

    أراد بالسّقط: النار، وأراد بالأب: الزّند الأعلى، وبالأمّ: الزند الأسفل.

  39. وحدثني أبو حاتم عن الأصمعي أيضا، عن عيسى بن عمر، أنه قال: لا أدري ما معنى قول أميّة بن أبي الصّلت الثّقفي، ولا رأيت أحدا يحسنه «٢» :

    عسل ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البيقورا

    هكذا رواه عسل ما وإنما هو: سلع ما.

  40. ومعنى البيت: أنهم كانوا يستمطرون بالسّلع والعشر، وهما ضربان من الشجر، فيعقدونهما في أذناب البقر، ويضرمون فيهما النار.

    ج ١ ص ٦٤