باب ما ادعي على القرآن من اللحن

٦٤٦ فقرة، ج ١ ص ٣٦

الصفحة ٥ من ١٧

  1. وقوله: (وعالت البيقورا) يعني: سنة الجدب أثقلت البقر بما حمّلت من الشجر والنار فيها والعائل: الفقير.

    ج ١ ص ٦٤
  2. والدليل على أنّ الرّواية (سلع ما) قول الآخر «١» :

    أجاعل أنت بيقورا مسلّمة ... ذريعة لك بين الله والمطر

    وحدثني أيضا أبو حاتم، عن الأصمعي، أنه قال في بيت امرئ القيس «٢» :

    نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرّك لأمين على نابل

    ذهب من يحسن هذا الكلام.

    وقال مثل ذلك في بيت الحارث بن حلّزة «٣» :

    زعموا أنّ كلّ من ضرب العي ... ر موال لنا وأنّا الولاء

    وفسّره الأصمعيّ فقال: أراد نطعنهم طعنة سلكى، أي مستوية، ومخلوجة: عادلة ذات اليمين وذات الشمال، كما تردّ سهمين على صاحب سهام قد دفعهما إليك لتنظر

    ج ١ ص ٦٥إليهما، وإذا أنت ألقيتهما إليه: لم يقعا جميعا مستويين على جهة واحدة، ولكن أحدهما يعوجّ، ويستوي الآخر. فشبّه جهتي الطعنتين، بجهتي هذين السهمين.

    وقال الزّيادي «١» : كان زيد بن كثوة العنبريّ يقول: الناس يغلطون في لفظ هذا البيت ومعناه، وإنما هو: كرّ كلامين على نابل. أي: نطعن طعنتين متواليتين لا نفصل بينهما، كما تقول للرامي: ارم ارم، فهذان كلامان لا فصل بينهما، شبّه بهما الطعنتين في موالاته بينهما. وكان يستحسن هذا المعنى.

  3. وأما (العير) فقد اختلفوا فيه: فكان بعضهم يجعله الوتد، سمّاه عيرا لنتوئه مثل عير نصل السّهم، وهو الناتئ وسطه. يريد: أن كل من ضرب خباء من أهل العمد، فضرب له وتدا- رمونا بذنبه.

    وقال بعضهم: هو كليب وائل، والعير: سيّد القوم، سمّي بذلك لأنّ العير أكبر الوحش، ولذلك

    قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، لأبي سفيان: «كلّ الصّيد في جوف العير» «٢» .

    وقال آخر: العير جبل بالمدينة، ومنه: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حرّم ما بين عير إلى ثور «٣» . يرد كلّ من ضرب إلى ذلك الموضع وبلغه.

    وقال آخر: هو الحمار نفسه، يريد أنفسهم يضيفون إلينا ذنوب كلّ من ساق حمارا.

  4. ومعنى هذا كله: أنهم يلزموننا بذنوب الناس جميعا، ويجعلوننا أولياءهم.

    وقال الأصمعي: لا أدري ما معنى قول رؤبة «٤» :

    يغمسن من غمسنه في الأهيغ ثم قال بعده: يوهم أنّ ثمّ ماء.

    وقال ابن الأعرابي «٥» : يقال: فلان منغمس في الأهيغين، يراد: الأكل والنّكاح.

  5. ونحو منه: ذهب منه الأطيبان، يراد: الأكل والنكاح.

    وقال أيضا: لا أدري ما معنى قول رؤبة في صفة الثور «١» :

    كأنه حامل جنب أخذعا وقال ابن الأعرابي: أراد: كأنه ضرب بالسيف ضربة فتعلّقت جنبه وهو حاملها، وذلك لميله من بغيه على أحد جانبيه. والخذع: الميل.

    ج ١ ص ٦٦
  6. ومثل هذا كثير، وفيما ذكرنا منه ما أقنع ودلّ على ما أردناه، إن شاء الله تعالى.

  7. ولسنا ممن يزعم: أنّ المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم.

  8. وهذا غلط من متأوّليه على اللّغة والمعنى.

  9. ولم ينزل الله شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده، ويدلّ به على معنى أراده.

  10. فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطّاعن مقال، وتعلّق علينا بعلّة.

  11. وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول، الله صلّى الله عليه وسلّم، لم يكن يعرف المتشابه؟!.

  12. وإذا جاز أن يعرفه مع قول الله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧] جاز أن يعرفه الرّبّانيون من صحابته، فقد علّم عليّا التفسير.

  13. ودعا لابن عباس فقال: «اللهم علّمه التأويل، وفقّهه في الدين» «٢» .

  14. وروى عبد الرّزّاق «٣» ، عن إسرائيل»

  15. ، عن سماك بن حرب «٥» ، عن عكرمة،

    ج ١ ص ٦٧عن ابن عباس أنه قال: كلّ القرآن أعلم إلا أربعا: غسلين، وحنانا، والأوّاه، والرّقيم.

  16. وكان هذا من قول ابن عباس في وقت، ثمّ علم ذلك بعد.

  17. حدثني محمد بن عبد العزيز، عن موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: تعلمونه وتقولون: آمنا به.

  18. ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [آل عمران: ٧] - لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على جهلة المسلمين، لأنهم جميعا يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا.

  19. وبعد:
  20. فإنّا لم نر المفسرين توقّفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمرّوه كلّه على التفسير، حتى فسروا (الحروف المقطّعة) في أوائل السّور، مثل: الر، وحم، وطه، وأشباه ذلك. وسترى ذلك في الحروف المشكلة، إن شاء الله.

  21. فإن قال قائل: كيف يجوز في اللغة أن يعلمه الراسخون في العلم، والله تعالى يقول: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ، [آل عمران: ٧] وأنت إذا أشركت الراسخين في العلم انقطعوا عن (يقولون) ، وليست هاهنا واو نسق توجب للراسخين فعلين. وهذا مذهب كثير من النحويين في هذه الآية، ومن جهته غلط قوم من المتأوّلين؟.

  22. قلنا له: إن (يقولون) هاهنا في معنى الحال، كأنه قال: الرّاسخون في العلم قائلين: آمنا به. ومثله في الكلام: لا يأتيك إلا عبد الله، وزيد يقول: أنا مسرور بزيارتك. يريد: لا يأتيك إلا عبد الله وزيد قائلا: أنا مسرور بزيارتك.

  23. ومثله لابن مفرّغ الحميريّ يرثي رجلا في قصيدة أولها «١» :

    أصرمت حبلك من أمامه ... من بعد أيّام برامه

    والرّيح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في غمامه

    أراد: والبرق لا معا في غمامة تبكي شجوه أيضا، ولو لم يكن البرق يشرك الرّيح في البكاء، لم يكن لذكره البرق ولمعه معنى.

  24. وأصل (التّشابه) : أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر، والمعنيان مختلفان. قال الله جل وعز في وصف ثمر الجنة: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [البقرة: ٢٥] ، أي متّفق المناظر، مختلف الطّعوم. وقال: تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة: ١١٨] أي يشبه بعضها بعضا في الكفر والقسوة.

    ج ١ ص ٦٨
  25. ومنه يقال: اشتبه عليّ الأمر، إذا أشبه غيره فلم تكد تفرّق بينهما، وشبّهت عليّ:

    إذا لبّست الحقّ بالباطل، ومنه قيل لأصحاب المخاريق أصحاب الشّبه، لأنهم يشبّهون الباطل بالحق.

  26. ثم قد يقال لكلّ ما غمض ودقّ متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشّبه بغيره، ألا ترى أنه قد قيل للحروف المقطّعة في أوائل السّور: متشابه، وليس الشك فيها، والوقوف عندها لمشاكلتها غيرها، والتباسها بها.

  27. ومثل المتشابه (المشكل) . وسمي مشكلا: لأنه أشكل، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله.

  28. ثم قد يقال لما غمض- وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة-: مشكل.

  29. وقد بيّنت ما غمض من معناه لا لتباسه بغيره، واستتار المعاني المختلفة تحت لفظه، وتفسير (المشكل) الذي ادّعي على القرآن فساد النّظم فيه.

  30. وقدّمت قبل ذلك (أبواب المجاز) : إذ كان أكثر غلط المتأوّلين من جهته.

  31. وأرجو أن يكون في ذلك ما شفي مرض القلوب، وهدى من الحيرة، إن شاء الله.

  32. باب القول في المجاز

    وأما (المجاز) فمن جهته غلط كثير من الناس في التأويل، وتشعّبت بهم الطرق، واختلفت النّحل: فالنصارى تذهب في قول المسيح عليه السّلام في الإنجيل: (أدعوا أبي، وأذهب إلى أبي) وأشباه هذا، إلى أبوّة الولادة.

    ج ١ ص ٦٩
  33. ولو كان المسيح قال هذا في نفسه خاصة دون غيره، ما جاز لهم أن يتأوّلوه هذا التأويل في الله- تبارك وتعالى عما يقولون علوا كبيرا- مع سعة المجاز، فكيف وهو يقوله في كثير من المواضع لغيره؟ كقوله حين فتح فاه بالوحي: إذا تصدّقت فلا تعلم شمالك بما فعلت يمينك، فإنّ أباك الذي يرى الخفيّات يجزيك به علانية، وإذا صلّيتم فقولوا: يا أبانا الذي في السماء ليتقدّس اسمك، وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير أبيك.

  34. وقد قرؤوا في (الزّبور) أن الله تبارك وتعالى قال لداود عليه السّلام: سيولد لك غلام يسمّى لي ابنا وأسمّى له أبا.

  35. وفي (التّوراة) أنه قال ليعقوب عليه السلام: أنت بكري.

  36. وتأويل هذا أنه في رحمته وبرّه وعطفه على عباده الصالحين، كالأب الرحيم لولده.

  37. وكذلك قال المسيح للماء: (هذا أبي) ، وللخبز: (هذا أمي) ، لأنّ قوام الأبدان بهما، وبقاء الروح عليهما، فهما كالأبوين اللّذين منهما النّشأة، وبحضانتهما النّماء.

  38. وكانت العرب تسمّي الأرض أمّا، لأنها مبتدأ الخلق، وإليها مرجعهم، ومنها أقواتهم، وفيها كفايتهم.

    وقال أميّة بن أبي الصّلت «١» :

    ج ١ ص ٧٠والأرض معقلنا وكانت أمّنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد

    وقال يذكرها «١» :

    منها خلقنا وكانت أمّنا خلقت ... ونحن أبناؤها لو أننا شكر

    هي القرار فما نبغي بها بدلا ... ما أرحم الأرض إلا أنّنا كفر

    وقال الله تعالى في الكافر: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) [القارعة: ٩] لمّا كانت الأمّ كافلة الولد وغاذيته، ومأواه ومربّيته، وكانت النار للكافر كذلك- جعلها أمّه.

    وقال في أزواج النبي، صلّى الله عليه وسلم: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] ، أي: كأمهاتهم في الحرمات.

  39. وفي (التوراة) (إنّ الله برّك اليوم السابع وطهّره، من أجل أنه استراح فيه من خليقته التي خلق) .

  40. وأصل الاستراحة: أن تكون في معاناة شيء ينصبك ويتعبك، فتستريح.