باب ما ادعي على القرآن من اللحن
٦٤٦ فقرة، ج ١ ص ٣٦
الصفحة ٧ من ١٧
- ج ١ ص ٧٩
وأخبرنا عن طائفة منهم سمعوا القرآن فولّوا إلى قومهم منذرين، وقال:
ج ١ ص ٨٠الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥] ، والمسّ: الجنون، سمّي مسّا، لأنه عن إلمام الشيطان ومسّه، يكون.
-
هذا مع أخبار كثيرة صحاح تؤثر عن الرّسول، صلّى الله عليه وسلّم، وعن السلف في الرّئيّ والنّجيّ.
-
وما ننكر مع هذا الفلوات قد يعرض فيها ما يذكرون، ولكنّ ذلك لا يدفع به حقائق ما يسمعون ويبصرون.
-
ولم تكن العرب طرّا- مع أفهامها وألبابها- لتتواطأ على تخيّل وظنون، ولا كلّها أسمعه الخوف، وأراه الجبن، فهذا أبو البلاد الطّهويّ، وتأبّط شرّا-: وهما من مردة العرب، وشياطين الإنس. - يصفان الغول، ويحلّيانها ويساورانها.
-
وهذا أبو أيوب الأنصاري يأسرها.
-
وهذا عمر رضي الله عنه، يصارع الجنّيّ.
-
وما جاء في هذا أكثر من أن تحيط به.
-
فمن آمن بمحمد، صلّى الله عليه وسلّم، وبأنّ ما جاء به الحقّ، آمن بجميع هذا، وشرح صدره به.
-
ومن أنكره-: لأنه لا يؤمن إلّا بما أوجبه النظر والقياس على ما شاهد ورأى في الموات والحيوان- فماذا بقي على المسلمين؟ وأيّ شيء ترك للملحدين؟.
-
وذهب (أهل القدر) في قول الله عزّ وجل: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [النحل: ٩٣، وفاطر: ٨] إلى أنه على جهة التسمية والحكم عليهم بالضلالة، ولهم بالهداية.
وقال فريق منهم: يضلّهم: ينسبهم إلى الضلالة، ويهديهم: يبيّن لهم ويرشدهم.
-
فخالفوا بين الحكمين، ونحن لا نعرف في اللغة أفعلت الرجل: نسبته. وإنما يقال إذا أردت هذا المعنى: فعّلت: تقول: شجّعت الرجل وجنبّنته وسرّقته وخطّأته، وكفّرته وضلّلته وفسّقته وفجّرته ولحنته. وقرىء: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ [يوسف: ٨١] ، وأي نسب إلى السّرق.
-
ولا يقال في شيء من هذا كله: أفعلته، وأنت تريد نسبته إلى ذلك.
-
وقد احتج رجل من النحويين كان يذهب إلى (القدر) - لقول العرب: كذّبت
ج ١ ص ٨١الرجل وأكذبته- بقول الله تعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام: ٣٣] ولا يكذبونك، وذكر أنّ أكذبت وكذّبت جميعا، بمعنى: نسبت إلى الكذب.
-
وليس ذاك كما تأوّل، وإنما معنى أكذبت الرجل: ألفيته كاذبا. وقول الله تبارك وتعالى: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ بالتخفيف أي: لا يجدونك كاذبا فيما جئت به، كما تقول: أبخلت الرجل وأجبنته وأحمقته، أي وجدته جبانا بخيلا أحمق.
وقال عمرو بن معد يكرب لبني سليم: قاتلناكم فما أجبنّاكم، وسألناكم فما أبخلناكم، وهجوناكم فما أفحمناكم أي: لم نجدكم جبناء، ولا بخلاء، ولا مفحمين.
وقال الكسائي «١» : العرب تقول: أكذبت الرجل: إذا أخبرت أنه رواية للكذب:
وكذّبته: إذا أخبرت أنه كاذب. ففرق بين المعنيين.
-
واحتج أيضا لأفعلت في معنى نسبت، بقول ذي الرّمة يصف ربعا «٢» :
وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبه
وتأوّل في أسقيه معنى أسقّيه من طريق النّسبة.
-
ولا أعلم (له) في هذا حجّة، لأنا نقول: قد أرعى الله هذه الماشية، أي: أنبت لها ما ترعاه، فكذلك تقول: أسقى الله الربع، أي أنزل عليه مطرا يسقيه، وأنا أرعى الماشية، وأسقي الربع، أي أدعو لها بالمرعى، وله بالسّقيا.
- واحتج آخر ببيت ذكر أنه لطرفة «٣» :
- ج ١ ص ٨٢
وما زال شربي الرّاح حتّى أشرّني ... صديقي وحتّى ساءني بعض ذلك
وتوهّم أن قوله: أشرّني، نسبني إلى الشرّ.
-
وليس ذاك كما تأوّل، وإنما أراد شهرني وأذاع خبري، من قولك: أشررت الأقط وشرّرته، إذا بسطته على شيء ليجف. وقال الشاعر وذكر يوم صفّين «١» :
وحتى أشرّت بالأكف المصاحف يريد: شهرت وأظهرت.
-
وروى عبد الله بن محمد بن أسماء، عن جويرية، قال: كنت عند قتادة فسئل عن القدر، فقال: ما زالت العرب تثبت القدر في الجاهلية والإسلام.
-
وحدثني أبو حاتم «٢» : سهل بن محمد، عن الأصمعي «٣» قال: قلت لدرواس الأعرابيّ: ما جعل بني فلان أشرف من بني فلان؟ قال: الكتاب. يعني (القدر) ، ولم يقل: المكارم والفعال.
-
وكان الأصمعي ينشد من الشعر أبياتا في القدر ذكرتها وغيرها:
قال: أنشدني عيسى بن عمر لبدويّ «٤» :
كلّ شيء حتى أخيك متاع ... وبقدر تفرّق واجتماع
وقال المرّار بن سعيد الأسديّ «٥» :
ومن سابق الأقدار إذ دأبت به ... ومن نائل شيئا إذا لم يقدّر؟
ج ١ ص ٨٣وقال جميل «١» :
أقدّر أمرا لست أدري: أناله؟ ... وما يقدر الإنسان؟ فالله قادر
وقال ابن الدّمينة «٢» :
زوروا بنا اليوم سلمى أيّها النّفر ... ونحن لمّا يفرّق بيننا القدر
وقال الفرزدق «٣» :
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... غدت مني مطلّقة نوار
ولو ضنّت بها كفّي ونفسي ... لكان عليّ للقدر الخيار
وقال القسّ «٤» :
قد كنت أعذل في السّفاهة أهلها ... فاعجب لما تأتي به الأيّام
فاليوم أعذرهم، وأعلم أنّما ... سبل الغواية والهدى أقسام
وقال ابن أحمر حين سقي بطنه «٥» :
شربنا وداوينا، وما كان ضرّنا ... إذا الله حمّ القدر- ألّا نداويا
وقال الشّمّاخ «٦» :
وإنّي عداني عنكما غير ماقت ... نواران مكتوب عليّ بغاهما
أي حاجتان عسيرتان. والنّوار: النّفور. مكتوب عليّ أي مقدور عليّ طلبهما.
وقال الأعشى «٧» :
ج ١ ص ٨٤في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل
يعني: هم موقنون بأن ما قدّر وحتم لا يدفع بالحيلة، فهم موطّنون أنفسهم عليه.
وقال أبو زبيد «١» :
فلا تك كالموقوص عن ظهر رحله ... تردّت به أسبابه وهو ينظر
أسبابه: المقادير، تردّت به وهو ينظر لا يقدر أن يدفع ذلك. والموقوص: الذي قد اندقّت عنقه.
وقال الراعي «٢» :
وهنّ يحاذرن الرّدى أن يصيبني ... ومن قبل خلقي خطّ ما كنت لاقيا
وكائن ترى من مسعف بمنيّة ... يجنّبها أو معصم ليس ناجيا
وقال أفنون التّغلبي «٣» :
لعمرك ما يدري الفتى كيف يتّقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
وقال لبيد بن ربيعة العامري «٤» :
إنّ تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل
من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال، ومن شاء أضل
ج ١ ص ٨٥أفترى لبيدا أراد بقوله: من شاء أضل، أي سمّي ضالا؟ لا لعمر الله ما عرف هذا لبيد ولا وجده في شيء من اللغات. والمعنى في ضلّلت، وأضللت، ويشرح صدره للإسلام، ويجعل صدره ضيّقا حرجا- يمتنع على التأويل المطلوب بالحيلة عند من عرف اللغة.
-
وربما جعلت العرب (الإضلال) في معنى الإبطال والإهلاك، لأنه يؤدّي إلى الهلكة، ومنه قوله تعالى: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة:
١٠] ، أي بطلنا ولحقنا بالتراب وصرنا منه. والعرب تقول: ضلّ الماء في اللبن: إذا غلب اللبن عليه فلم يتبيّن.
وقال النابغة الذبياني يرثي بعض الملوك «١» :
وآب مضلّوه بعين جليّة ... وغودر بالجولان حزم ونائل
أي قابروه، سمّاهم مضلّين لأنهم غيّبوه وأفقدوه فأبطلوه.
-
هذا مذهب العرب في (القدر) ، وهو مذهب كل أمة من العجم، وأنّ الله في السماء، ما تركت على الجبلّة والفطرة، ولم تنقل عن ذلك بالمقاييس والتّلبيس.
-
وقد أعلمتك في كتاب (غريب الحديث) أن فريقا منهم يقولون: لا يلزمنا اسم (القدر) من طريق اللغة، لأنه يتأوّل علينا أنا نقول: لا قدر، فكيف ننسب إلى ما نجحد؟.
-
وأن هذا تمويه، وإنما نسبوا إلى (القدر) لأنهم يضيفونه إلى أنفسهم، وغيرهم يجعله لله دون نفسه، ومدّعي الشيء لنفسه أولى بأن ينسب إليه ممن جعله لغيره.
-
وأما الطاعنون على القرآن (بالمجاز) فإنهم زعموا أنه كذب. لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل.
-
وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلّها على سوء نظرهم، وقلة أفهامهم.
-
ولو كان المجاز كذبا، وكلّ فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا- كان أكثر كلامنا فاسدا، لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشّجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السّعر.
- ج ١ ص ٨٦
وتقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كوّن.
-
وتقول: كان الله. وكان بمعنى حدث، والله، جل وعز: قبل كل شيء بلا غاية، لم يحدث: فيكون بعد أن لم يكن.
-
والله تعالى يقول: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [محمد: ٢١] وإنما يعزم عليه.
-
ويقول تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة: ١٦] وإنما يربح فيها.
-
ويقول: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف: ١٨] وإنما كذّب به.
-
ولو قلنا للمنكر لقوله: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف: ٧٧] كيف كنت أنت قائلا في جدار رأيته على شفا انهيار: رأيت جدارا ماذا؟ لم يجد بدّا من أن يقول: جدارا يهمّ أن ينقضّ، أو يكاد أن ينقضّ، أو يقارب أن ينقضّ. وأيّا ما قال فقد جعله فاعلا، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم، إلا بمثل هذه الألفاظ.
-
وأنشدني السّجستاني «١» عن أبي عبيدة «٢» في مثل قول الله: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ «٣» :
يريد الرّمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل
- وأنشد الفرّاء «٤» :
-
إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان
والعرب تقول: بأرض فلان شجر قد صاح. أي طال، لمّا تبيّن الشّجر للنّاظر بطوله، ودلّ على نفسه- جعله كأنه صائح: لأن الصائح يدلّ على نفسه بصوته.
- ومثل قول العجاج «١» :
-
كالكرم إذ نادى من الكافور ويقال: هذا شجر واعد، إذا نوّر، كأنّه نوّر لمّا وعد أن يثمر. ونبات واعد، إذا أقبل بماء ونضرة.
قال سويد بن كراع «٢» :
رعى غير مذعور بهنّ وراقه ... لماع تهاداه الدّكادك واعد
في أشباه لهذا كثيرة، سنذكر ما نحفظ منها في كتابنا هذا مما أتى في كتاب الله، عز وجل، وأمثاله من الشعر، ولغات العرب، وما استعمله الناس في كلامهم.