باب ما ادعي على القرآن من اللحن
٦٤٦ فقرة، ج ١ ص ٣٦
الصفحة ٨ من ١٧
- ج ١ ص ٨٧
ونبدأ بباب الاستعارة، لأن أكثر المجاز يقع فيه.
- ج ١ ص ٨٨
باب الاستعارة
فالعرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة، إذا كان المسمى بها بسبب من الأخرى، أو مجاورا لها، أو مشاكلا. فيقولون للنبات: نوء لأنه يكون عن النوء عندهم.
قال رؤية بن العجاج «١» :
وجفّ أنواء السّحاب المرتزق أي جفّ البقل.
-
ويقولون للمطر: سماء، لأنه من السماء ينزل، فيقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم.
قال الشاعر «٢» :
إذا سقط السّماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
ويقولون: ضحكت الأرض: إذا أنبتت، لأنها تبدي عن حسن النبات، وتنفتق عن الزهر، كما يفترّ الضاحك عن الثغر، ولذلك قيل لطلع النخل إذا انفتق عنه كافوره:
الضّحك، لأنه يبدو منه للناظر كبياض الثغر. ويقال: ضحكت الطّلعة، ويقال: النّور يضاحك الشمس، لأنه يدور معها.
ج ١ ص ٨٩وقال الأعشى يذكر روضة «١» :
يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزّر بعميم النّبت مكتهل
وقال آخر «٢» :
وضحك المزن بها ثمّ بكى يريد بضحكه انعقاقه «٣» بالبرق، وببكائه: المطر.
-
ويقولون: لقيت من فلان عرق القربة، أي شدّة ومشقّة. وأصل هذا أن حامل القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه، فاستعير عرقها في موضع الشّدّة.
-
ويقول الناس: لقيت من فلان عرق الجبين، أي شدّة.
-
ومثل هذا في كلام العرب كثير يطول به الكتاب، وسنذكر ما في كتاب الله تعالى منه.
-
فمن الاستعارة في كتاب الله قوله عز وجل: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [القلم: ٤٢] أي عن شدّة من الأمر، كذلك قال قتادة «٤» . وقال ابراهيم «٥» : عن أمر عظيم.
-
وأصل هذا أنّ الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجدّ فيه- شمّر عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة.
وقال دريد بن الصّمّة «٦» :
ج ١ ص ٩٠كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الجلّاء طلّاع أنجد
وقال الهذليّ «١» :
وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمّر حتّى ينصف السّاق مئزري
ومنه قول الله عز وجل: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء: ٤٩] وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً [النساء: ١٢٤] والفتيل: ما يكون في شقّ النّواة. والنّقير: النّقرة في ظهرها. ولم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه، وإنما أراد أنهم إذا حوسبوا لم يظلموا في الحساب شيئا ولا مقدار هذين التّافهين الحقيرين.
-
والعرب تقول: ما رزأته زبالا. (والزبال) ما تحمله النّملة بفمها، يريدون ما رزأته شيئا.
وقال النابغة الذّبياني «٢» :
يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدوّ فتيلا
وكذلك قوله عز وجل: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر: ١٣] وهو (الفوقة) التي فيها النّواة. يريد ما يملكون شيئا.
-
ومنه قوله عز وجل: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) [الفرقان: ٢٣] أي قصدنا لأعمالهم وعمدنا لها. والأصل أنّ من أراد القدوم إلى موضع عمد له وقصده.
-
والهباء المنثور: ما رأيته في شعاع الشمس الداخل من كوّة البيت.
-
والهباء المنبثّ: ما سطع من سنابك الخيل. وإنما أراد أنّا أبطلناه كما أنّ هذا مبطل لا يلمس ولا ينتفع به.
-
ومنه قوله: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [إبراهيم: ٤٣] يريد أنها لا تعي خيرا، لأن المكان إذا
ج ١ ص ٩١كان خاليا فهو هواء حتى يشغله الشيء.
-
ومثله قوله عز وجل: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ [الكهف: ٢١] يريد أطلعنا عليهم.
-
وأصل هذا أنّ من عثر بشيء وهو غافل نظر إليه حتى يعرفه. فاستعير العثار مكان التّبيّن والظهور. ومنه يقول الناس: ما عثرت على فلان بسوء قطّ. أي ما ظهرت على ذلك منه.
-
ومنه قوله عز وجل: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ [ص:
٣٢] أراد الخيل، فسمّاها الخير لما فيها من المنافع.
-
قال الرّاجز بعد أن عدّد فضائلها وأسباب الانتفاع بها- «١» :
- فالخيل والخيرات في قرنين وقال طفيل «٢» :
-
وللخيل أيّام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيّامها الخير تعقب
ومنه قوله عز وجل أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الانعام: ١٢٢] . اى كان كافرا فهديناه وجعلنا له ايمانا يهتدى به سبل الخير والنّجاة كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [الأنعام: ١٢٢] أي في الكفر. فاستعار الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهداية، والنّور مكان الإيمان.
-
ومنه قوله عز وجل: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) [الشرح: ٢] أي إثمك. وأصل الوزر: ما حمله الإنسان على ظهره. قال الله عز وجل: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ [طه: ٨٧] أي أحمالا من حليّهم. فشبه الإثم بالحمل، فجعل مكانه، وقال في موضع آخر: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت: ١٣] يريد آثامهم.
-
ومن ذلك قوله: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا [البقرة: ٢٣٥] أي نكاحا، لأن النكاح يكون سرا ولا يظهر، فاستعير له السرّ.
قال رؤبة «٣» :
- فعفّ عن أسرارها بعد العسق
- والعسق: الملازمة:
-
ومنه قوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٢٣] أي مزدرع لكم كما تزدرع الأرض.
-
ومنه قوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة: ٢٦٧] أي تترخّصوا. وأصل هذا أن يصرف المرء بصره عن الشيء ويغمضه، فسمّي الترّخّص إغماضا. ومنه يقول الناس للبائع: أغمض وغمّض. يريدون لا تستقص وكمن كأنّك لم تبصر.
-
ومنه قوله: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ [البقرة: ١٨٧] لأنّ المرأة والرجل يتجردان ويجتمعان في ثوب واحد، ويتضامّان فيكون كلّ واحد منهما للآخر بمنزلة اللباس.
قال النابغة الجعديّ «١» :
إذا ما الضّجيع ثنى جيدها ... تداعت عليه فكانت لباسا
ومنه قوله: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) [المدثر: ٤] أي طهّر نفسك من الذنوب، فكنى عن الجسم بالثياب، لأنّها تشتمل عليه.
قالت ليلى الأخيلية وذكرت إبلا «٢» :
رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلّا النّعام المنفّرا
أي ركبوها فرموها بأنفسهم.
وقال آخر «٣» :
ج ١ ص ٩٣لا همّ إنّ عامر بن جهم ... أو ذم حجّا في ثياب دسم
أي هو متدنّس بالذنوب.
-
والعرب تقول: قوم لطاف الأزر. أي خماص البطون، لأنّ الأزر تلاث عليها.
-
ويقولون: فدى لك إزاري. يريدون: بدني، فتضع الإزار موضع النّفس.
قال الشاعر «١» :
ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري
وقد يكون الإزار في هذا البيت: الأهل. قال الهذليّ «٢» :
تبرّأ من دمّ القتيل وبزّه ... وقد علقت دمّ القتيل إزارها
أي نفسها.
-
ويقولون للعفاف: إزار، لأنّ العفيف كأنّه استتر لمّا عفّ.
وقال عديّ بن زيد «٣» :
أجل أنّ الله قد فضّلكم ... فوق ما أحكي بصلب وإزار
فالصّلب: الحسب، سمّاه صلبا لأنّ الحسب: العشيرة. والخلق. من ماء الصّلب. والإزار: العفاف.
-
ويجوز أن يكون سمّى العشيرة صلبا لأنّهم ظهر الرجل، والصّلب في الظّهر.
ج ١ ص ٩٤وقال: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً [الفرقان: ٤٧] : أي سترا وحجابا لأبصاركم.
قال ذو الرّمة «١» :
ودوّيّة مثل السّماء اعتسفتها ... وقد صبغ اللّيل الحصى بسواد
أي لمّا ألبسه الليل سواده وظلمته، كان كأنّه صبغه.
-
وقد يكنون باللباس والثوب عما ستر ووقى، لأنّ اللباس والثوب واقيان ساتران.
وقال الشاعر «٢» :
كثوب ابن بيض وقاهم به ... فسدّ على السّالكين السّبيلا
قال الأصمعي: (ابن بيض) رجل نحر بعيرا له على ثنيّة فسدّها فلم يقدر أحد أن يجوز، فضرب به المثل فقيل: سدّ ابن بيض الطريق «٣» .
وقال غير الأصمعي: (ابن بيض) رجل كانت عليه إتاوة فهرب بها فاتّبعه مطالبه، فلما خشي لحاقه وضع ما يطالبه به على الطريق ومضى، فلما أخذ الإتاوة رجع وقال:
«سدّ ابن بيض الطريق» أي منعنا من اتباعه حين وفى بما عليه، فكأنه سدّ الطريق «٤» .
-
فكنى الشاعر عن البعير- إن كان التفسير على ما ذكر الأصمعي.
-
أو عن الإتاوة- إن كان التفسير ما ذكر غيره- بالثوب، لأنهما وقيا كما يقي الثوب.
-
وكان بعض المفسرين يقول في قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً [الفرقان: ٤٧] أي سكنا، وفي قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ [البقرة: ١٨٧] أي سكن لكم.
-
وإنما اعتبر ذلك من قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [يونس: ٦٧] ومن قوله:
ج ١ ص ٩٥وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [الأعراف: ١٨٩] .
-
ومن الاستعارة: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) [آل عمران: ١٠٧] يعني جنّته، سمّاها رحمة، لأن دخولهم إيّاها كان برحمته.
-
ومثله قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ [النساء:
١٧٥] . وقد توضع (الرحمة) موضع (المطر) لأنه ينزل برحمته.
قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف: ٥٧] يعني المطر.
وقال تعالى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي [الإسراء: ١٠٠] يعني مفاتيح رزقه.
وقال تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها [فاطر: ٢] أي من رزق.
-
ومن الاستعارة: اللسان يوضع موضع القول، لأنّ القول يكون بها. قال الله، عز وجل، حكاية عن إبراهيم عليه السلام: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) [الشعراء:
٨٤] . أي ذكرا حسنا. وقال الشاعر «١» :
إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر
أي أتاني خبر لا أسرّ به.
-
ومنه الذّكر يوضع موضع الشرف، لأنّ الشّريف يذكر قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤] يريد أن القرآن شرف لكم.
وقال تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [الأنبياء: ١٠] أي شرفكم.
وقال: بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [المؤمنون: ٧١] أي أتيناهم بشرفهم.
-
ومنه قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما [الإسراء: ٢٣] أي لا تستثقل شيئا
ج ١ ص ٩٦من أمرهما، وتضق به صدرا، ولا تغلظ لهما.