باب ما ادعي على القرآن من اللحن
٦٤٦ فقرة، ج ١ ص ٣٦
الصفحة ٩ من ١٧
- ج ١ ص ٩٦
والناس يقولون لما يكرهون ويستثقلون: أفّ له. وأصل هذا نفخك للشيء يسقط عليك من تراب أو رماد وغير ذلك، وللمكان تريد إماطة الشيء عنه لتقعد فيه. فقيل لكل مستثقل: أفّ لك، ولذلك تحرّك بالكسر للحكاية، كما يقولون: غاق غاق، إذا حكوا صوت الغراب.
-
والوجه أن يسكّن هذا، إلا أنه يحرّك لاجتماع الساكنين، فربما نوّن، وربما لم ينوّن، وربما حرّك إلى غير الكسر أيضا.
-
ومنه قوله تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [المائدة: ٦٤] يريد كلما هاجوا شرّا وأجمعوا أمرا ليحاربوا النبي صلّى الله عليه وسلّم- سكّنه الله ووهّن أمرهم.
-
ومنه قوله سبحانه: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:
١٥٧] . الإصر: الثّقل الذي ألزمه الله بني إسرائيل في فرائضهم وأحكامهم، ووضعه عن المسلمين. ولذلك قيل للعهد: إصر.
قال تعالى: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي [آل عمران: ٨١] أي عهدي، لأن العهد ثقل ومنع من الأمر الذي أخذ له.
-
وَالْأَغْلالَ: تحريم الله عليهم كثيرا مما أطلقه لأمّة محمد، صلّى الله عليه وسلم، وجعله أغلالا لأن التحريم يمنع كما يقبض الغلّ اليد، فاستعير.
قال أبو ذؤيب «١» :
فليس كعهد الدّار يا أمّ مالك ... ولكن أحاطت بالرّقاب السّلاسل
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى العدل شيئا فاستراح العواذل
يقول: ليس الأمر كعهدك إذ كنا في الدّار ونحن نتبسّط في كل شيء ولا نتوقّى، ولكن أسلمنا فصرنا من موانع الإسلام في مثل الأغلال المحيطة بالرّقاب القابضة للأيدي.
-
ومن هذا قوله: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا [يس: ٨] ، أي قبضنا أيديهم عن الإنفاق في سبيل الله بموانع كالأغلال.
- ج ١ ص ٩٧
ومن ذلك قوله: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة: ١٣٨] ، يريد الختان، فسماه صبغة، لأن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء ويقولون: هذا طهرة لهم كالختان للحنفاء، فقال الله تعالى، صِبْغَةَ اللَّهِ أي الزموا صبغة الله لا صبغة النصارى أولادهم، وأراد بها ملة إبراهيم عليه السلام.
-
ومنه قوله: ما لَها مِنْ فَواقٍ [ص: ١٥] أي ما لها من تنظّر وتمكّث إذا بدأت، ولذلك سمّاها ساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة.
-
وأصل الفواق أن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى يجتمع اللبن ثم تحلب فما بين الحلبتين فواق، فاستعير الفواق في موضع الانتظار.
-
ومنه قوله: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ [الذاريات: ٥٩] ، أي حظّا ونصيبا.
-
وأصل الذّنوب: الدّلو، وكانوا يستقون الماء، فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب، فاستعير في موضع النّصيب، وقال الشاعر «١» :
إنّا إذا نازعنا شريب ... لنا ذنوب وله ذنوب
والعرب تقول: (أخي وأخوك أيّنا أبطش؟) يريدون: أنا وأنت نضطرع فنطر أيّنا أشدّ؟ فيكنى عن نفسه بأخيه، لأن أخاه كنفسه.
وقال العبديّ «٢» :
أخي وأخوك ببطن النّسير ... ليس به من معدّ عريب
ويكنى عن أخيه بنفسه.
ج ١ ص ٩٨قال الله تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] ، أي لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين، لأنهم كأنفسكم.
وقال: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النور: ١٢] أي بأمثالهم من المسلمين.
-
وبعض المفسّرين يقول في قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً [النور: ٦١] ، أي على أهليكم، جعلهم أنفسهم على التّشبيه.
وقال: ابن عباس في تفسير ذلك: البيوت: المساجد، إذا دخلتها سلّمت على نفسك وعلى عباد الله الصالحين.
وقال تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] ، أي إلى الجهاد الذي يحيي دينكم ويعليكم.
وقال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] ، أي لا تقتلوا إخوانكم، وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: ١٨٨] ، أي أموال إخوانكم.
-
وإن جعلته بمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض، ولا يقتل بعضكم بعضا- فهو أيضا قريب المعنى من الأوّل.
وقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [الأعراف:
١١] أراد: خلقنا آدم وصوّرناه، فجعل الخلق لهم، إذ كانوا منه.
-
ومنه قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ، [ق: ٣٧] أي عقل لأن القلب موضع العقل، فكنى عنه به.
-
وقوله: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا [الطور: ٣٢] ، أي تدلهم عقولهم عليه لأن الحلم يكون من العقل، فكنى عنه به.
-
ومنه قوله: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) [الفجر: ١٣] لأن التعذيب قد يكون بالسوط.
-
ومنه قوله: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً [النساء: ١٥٧] يعني العلم، لم يتحقّقوه ويستيقنوه.
-
وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة. يقول: فلم يكن علمهم بقتل المسيح علما أحيط به، إنما كان ظنّا.
- ج ١ ص ٩٩
ومنه قوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: ١٤٦] أي كلّ ذي مخلب من الطير، وكلّ ذي حافر من الدّواب كذلك قال المفسّرون:
وسمّى الحافر ظفرا على الاستعارة، كما قال الآخر وذكر ضيفا طرقه «١» :
فما رقد الولدان حتّى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر
فجعل الحافر موضع القدم.
وقال آخر «٢» :
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقّق
يريد بالأظلاف: قدميه، وإنما الأظلاف للشاء والبقر.
-
والعرب تقول للرجل: (هو غليظ المشافر) تريد الشفتين، والمشافر للإبل.
وقال الحطيئة «٣» :
قروا جارك العيمان لمّا جفوته ... وقلّص عن برد الشّراب مشافره
ومنه قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) [الحاقة: ٤٤، ٤٦] .
قال ابن عباس: اليمين هاهنا: القوّة. وإنما أقام اليمين مقام القوّة، لأن قوة كل شيء في ميامنه.
-
ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر قد جرى الناس على اعتياده: أن كان الله عز وجل أراده في هذا الموضع، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذ بيده وافعل به كذا
ج ١ ص ١٠٠وكذا. وأكثر ما يقول السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم: خذ بيده واسفع بيده.
-
ونحوه قول الله: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ [العلق: ١٥، ١٦] أي لنأخذنّ بها، ثم لنقيمنّه ولنذّلنّه إما في الدنيا وإما في الآخرة، كما قال تعالى: فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ [الرحمن: ٤١] أي يجرّون إلى النار بنواصيهم وأرجلهم. ثم قال: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) [العلق: ١٦] وإنما يعني صاحبها. والناس يقولون: هو مشؤوم الناصية. لا يريدونها دون غيرها من البدن. ويقولون: قد مرّ على رأسي كذا. أي مر عليّ.
-
فكأنه تعالى قال: لو كذب علينا في شيء مما يلقيه إليكم عنّا، لأمرنا بالأخذ بيده، ثمّ عاقبناه بقطع الوتين.
-
وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقال في قوله تعالى: لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) [الحاقة: ٤٥] أي بالميامن، ثم عاقبناه بقطع الوتين، وهو: عرق يتعلق به القلب، إذا انقطع مات صاحبه.
-
ولم يرد أنا نقطعه بعينه، فيما يرى أهل النظر، ولكنّه أراد: ولو كذّب علينا لأمتناه أو قتلناه، فكان كمن قطع وتينه.
-
ومثله
قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «ما زالت أكلة خيبر تعادّني، فهذا أوان قطعت أبهري» «١» .
-
والأبهر: عرق يتصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه. فكأنّه قال: فهذا أوان قتلني السّمّ، فكنت كمن انقطع أبهره.
-
ومنه قوله سبحانه: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) [القلم: ١٦] ذهب بعض المفسّرين فيه: إلى أنّ الله عزّ وجلّ يسم وجهه يوم القيامة بالسّواد.
-
وللعرب في مثل هذا اللفظ مذهب نخبر به، والله أعلم بما أراد.
-
تقول العرب للرجل يسبّ الرجل سبّة قبيحة، أو ينثو عليه فاحشة: وقد وسمه بميسم سوء. يريدون: ألصق به عارا لا يفارقه، كما أنّ السّمة لا تنمحي ولا يعفو أثرها.
-
وقال جرير»
- :
- ج ١ ص ١٠١
لما وضعت الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث، جدعت أنف الأخطل
يريد: أنه وسم الفرزدق وجدع أنف الأخطل بالهجاء، أي أبقى عليه عارا كالجدع والوسم.
وقال أيضا «١» :
رفع المطيّ بما وسمت مجاشعا ... والزّنبريّ يعوم ذو الإجلال
يريد: أن هجاءه قد سارت به المطيّ، وغنّي به في البر والبحر. وقال «٢» :
وأوقدت ناري بالحديد فأصبحت ... لها وهج يصلي به الله من يصلي
شبّه شعره بالنّار، وهجاءه بمواسم الحديد.
وقال الكميت بن زيد يذكر قصيدة له «٣» :
تعلّط أقواما بميسم بارق ... وتقطم أوباشا زنيما ومسندا
والعلاط: سمة في العنق.
-
وربما استعاروا للهجاء غير الوسم، كقول الهذليّ «٤» :
ج ١ ص ١٠٢متى ما أشأ غير زهو الملو ... ك أجعلك رهطا على حيّض
وأكحلك بالصّاب أو بالجلا ... ففقّح لكحلك أو غمّض
وأسعطك في الأنف ماء الآباء ... ممّا يثمّل بالمخوض
جهلت سعوطك: حتى ظننت ... بأن قد أرضت، ولم تؤرض
والرّهط: جلد تلبسه المرأة أيام الحيض.
-
والصاب: شجر له لبن يحرق العين.
-
والجلا: كحل يحكّ على حجر ثم يكتحل به.
-
والأباء: القصب، وماؤه شرّ المياه.
-
ويقال: الأباء هاهنا: الماء الذي تشرب منه الأروى، فتبول فيه وتدمّنه. ويثمّل:
ينقع.
-
وهذه أمثال ضربها لما يهجوه به.
وقال آخر «١» :
سأكسوكما يا ابني يزيد بن جعثم ... رداءين من قار ومن قطران
في أشباه لهذا كثيرة.
-
وهذه الآية «٢» نزلت في الوليد بن المغيرة، ولا نعلم أن الله عزّ وجل وصف أحدا وصفه له، ولا بلغ من ذكر عيوبه ما بلغه من ذكرها منه لأنه وصفه بالخلف، والمهانة، والعيب للناس، والمشي بالنّمائم، والبخل، والظلم، والإثم، والجفاء، والدّعوة.