٤ - مكانته وثناء العلماء عليه
٨ فقرات، ج ١ ص ٢٢
- ج ١ ص ٢٢
إن لأبي عبيد من حصافة الرأي ورجاحة العقل وبعد النظر والتمكن من العلم ما جعله يحظى بالمنزلة الرفيعة لدى جلسائه وندمائه ومن عاصره من الولاة والأئمة والحفاظ، ومن وصلت إليهم مصنفاته وسيرته.
قال أبو الحسن النحوي: كان طاهر بن الحسين حين مضى إلى خراسان نزل بمرو فطلب رجلا يحدثه ليلة فقيل: ما هاهنا إلا رجل مؤدب فأدخل عليه أبو عبيد القاسم بن سلام، فوجده أعلم الناس بأيام الناس والنحو واللغة والفقه، فقال له: من الظلم تركك بهذا البلد، ودفع إليه ألف دينار.
-
ولما عمل أبو عبيد كتاب: غريب الحديث وعرضه على عبد الله بن طاهر استحسنه وقال: إن عقلا بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب لحقيق ألا يحوج إلى طلب المعاش فأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر (١) .
- ج ١ ص ٢٣
وبينما أبو عبيد في صحبة عبد الله بن طاهر إذ وجه إليه أبو دلف (١) يستهديه أبا عبيد مدة شهرين، فأنفذ أبا عبيد إليه فأقام شهرين بمثابة الأستاذ الزائر، فلما أراد أبو عبيد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم فلم يقبلها وقال: أنا في جنبة رجل ما يحوجنى إلى صلة غيره ولا آخذ ما فيه علي نقص (٢) .
-
ولما مات أبو عبيد بمكة نعي إلى عبد الله بن طاهر فرثاه بقصيدة قال فيها:
يا طالب العلم قد مات ابن سلّام ... وكان فارس علم غير محجام
مات الذي كان فيكم ربع أربعة ... لم يلف مثلهم إسناد أحكام
حبر البرية عبد الله أولهم ... وعامر ولنعم الثاويا عامي
هما اللذان أنافا فوق غيرهما ... والقاسمان ابن معن وابن سلام (٣)
-
ولقد اتفق أهل عصره في الثناء عليه والاعتراف بعلو قدره وإنزاله مدارج العلماء الكبار، أثنى عليه المحدثون والفقهاء والأدباء وعلماء اللغة ونطقوا في بيان أمانته وورعه وسعة علمه وجودة مؤلفاته وتصانيفه.
ج ١ ص ٢٤قال إسحاق بن راهويه: الحق يحبه الله عز وجل أبو عبيد القاسم بن سلام أفقه مني وأعلم مني وقال: أبو عبيد أوسعنا علما وأكثرنا جمعا. إنا نحتاج إلى أبى عبيد وأبو عبيد لا يحتاج إلينا (١) .
وقال الإمام أحمد: أبو عبيد القاسم بن سلّام ممن يزداد كل يوم عندنا خيرا (٢) .
وقال حمدان بن سهل: سألت يحيى بن معين عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع منه فتبسم وقال: مثلي يسأل عن أبي عبيد؟ ! أبو عبيد يسأل عن الناس لقد كنت عند الأصمعي يوما إذ أقبل أبو عبيد فشق إليه بصره حتى اقترب منه فقال: أترون هذا المقبل؟ قالوا: نعم. قال: لن تضيع الدنيا أو لن يضيع الناس ما حيى هذا (٣) .
وقال القاضي أحمد بن كامل: أبو عبيد فاضل في دينه وعلمه متفنن في أصناف علوم الإسلام من القرآن والفقه والعربية والأخبار، حسن الرواية صحيح النقل لا أعلم أحدا من الناس طعن عليه في شيء من أمر دينه (٤) .
وقال الهلال بن العلاء الرقي: منّ الله تعالى على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعي تفقه في حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم وبالإمام أحمد ثبت في المحنة ولولا ذلك لكفر الناس أو قال ابتدعوا، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلم وبأبي عبيد القاسم بن سلّام فسر غريب الحديث ولولا ذلك لاقتحم الناس الخطأ (٥) .
ج ١ ص ٢٥وقال الحاكم: هو الإمام المقبول عند الكل (١) .
وقال عمرو بن بحر الجاحظ: ومن المعلمين ثم الفقهاء والمحدثين، ومن النحويين والعلماء بالكتاب والسنة والناسخ والمنسوخ وبغريب الحديث، وإعراب القرآن، وممن قد جمع صنوفا من العلم أبو عبيد القاسم بن سلام، وكان مؤدبا لم يكتب الناس أصح من كتبه ولا أكثر فائدة (٢) .
-
وبالغ السيوطى في الثناء عليه فقال: كان أبو عبيد إمام أهل عصره في كل فن من العلم (٣) .
-
وقال ابن درستويه الفارسي النحوي؛ كان أبو عبيد ذا فضل ودين وستر ومذهب حسن (٤) .
-
وبعد فهذه شخصية أبي عبيد العلمية من خلال شهادات علماء كبار وأئمة حفاظ تتلمذ على بعضهم، والبعض الآخر أخذوا عنه وسمعوا تصانيفه، فكانوا كما قال ابن درستويه: وكتبه مستحسنة مطلوبة في كل بلد والرواة عنه مشهورون ثقات ذوو ذكر ونبل (٥) .