التمييز بين التخصيص والنسخ

٣٨ فقرة، ج ١ ص ٢٢

  1. وَرَاوِي أَحَدِهِمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَرَاوِي أَحَدِهِمَا مُعَاذٌ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْفَرَائِضِ، وَرَاوِي أَحَدِهِمَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَهَلُمَّ جَرَّا فِي بَقِيَّةِ الْعُلُومِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْبَرَاعَةِ وَالْحِذْقِ فِي فَنِّهِ، وَهَلْ يَصْلُحُ هَذَا فِي بَابِ التَّرْجِيحِ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ التَّرْجِيحُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ أَبْلَغُ فِي تَقْوِيَةِ الظَّنِّ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ.

    ج ١ ص ٢٢
  2. وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَدَّمْنَا قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عَلَى قَوْلِ التَّابِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:

    أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ. فَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي مَوْضُوعِ التَّرْجِيحَاتِ، وَثَمَّ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ أَضْرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهَا كَيْ لَا يَطُولَ بِهِ هَذَا الْمُخْتَصَرُ.

  3. فَصْلٌ

    وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ فِي بَابِ التَّرْجِيحَاتِ، وَتَمْيِيزِ النَّاسِخِ مِنَ الْمَنْسُوخِ، لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ، إِذْ هُوَ مِنْ لَوَازِمِهِ، وَلَا

    غِنًى لِمَنْ يُرِيدُ مَعْرِفَةَ النَّاسِخِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ؛ لِحُصُولِ اللَّبْسِ فِيهِمَا، وَاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْأَخَصِّ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ بِبَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، غَيْرَ أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ خَمْسَةٍ:

    أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّاسِخَ لَا يَكُونُ إِلَّا مُتَأَخِّرًا عَنِ الْمَنْسُوخِ، وَالتَّخْصِيصُ يَصِحُّ اتِّصَالُهُ بِالْمَخْصُوصِ، وَيَصِحُّ تَرَاخِيهِ عَنْهُ، وَعِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ يَجِبُ اتِّصَالُهُ بِهِ.

  4. وَالثَّانِي: أَنَّ دَلِيلَ النَّسْخِ لَا يَكُونُ إِلَّا خِطَابًا، وَالتَّخْصِيصُ قَدْ يَقَعُ بِقَوْلٍ وَفِعْلٍ وَقِيَاسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

  5. الثَّالِثُ: أَنَّ نَسْخَ الشَّيْءِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِمَا هُوَ مِثْلُهُ فِي الْقُوَّةِ، أَوْ بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فِي الرُّتْبَةِ، وَالتَّخْصِيصُ جَائِزٌ بِمَا هُوَ دُونَ الْمَخْصُوصِ مِنْهُ فِي الرُّتْبَةِ.

  6. الرَّابِعُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ فِي الْأُمُورِ بِمَأْمُورٍ وَاحِدٍ، وَالنَّسْخُ

    ج ١ ص ٢٣جَائِزٌ فِي مِثْلِهِ، سِيَّمَا عَلَى أَصْلِ لَا يُرَى نَسْخُ الشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِهِ.

  7. الْخَامِسُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ يَخْرُجُ مِنَ الْخِطَابِ مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ، وَالنَّسْخُ رَافِعٌ مَا أُرِيدَ إِثْبَاتُ حُكْمِهِ.

  8. ذِكْرُ وُقُوعِ النَّسْخِ فِي السُّنَّةِ عَلَى نَحْوِ وُقُوعِهِ فِي الْكِتَابِ

    وُقُوعُ النَّسْخِ فِي السُّنَّةِ - اسْتِعْرَاضُ بَعْضِ الْآثَارِ الْمُؤَيِّدَةِ لِذَلِكَ.

  9. أَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْجَوْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَارِئُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زِيَادٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إِنَّ أَحَادِيثِي يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا.

  10. إِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، وَهُوَ صَاحِبُ مَنَاكِيرَ لَا يُتَابَعُ فِي حَدِيثِهِ، وَجَدَهُ يُعَدُّ فِي مَوَالِي عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

  11. قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَكْفَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِيهِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ هُوَ ابْنُ الشِّخِّيرِ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ حَدِيثُهُ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

  12. قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَاهِرٍ رَوْحِ بْنِ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ الصُّوفِيِّ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْقَاسِمِ غَانِمُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخِ، حَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْعَجَمِيُّ، عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي التَّمِيمِيُّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ لَاحِقِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: إِنَّمَا حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ الْقُرْآنِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

  13. أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بُلَيْمَانَ بْنِ يُوسُفَ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ سَعْدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعِجْلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرَيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَحْمُودٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ،

    ج ١ ص ٢٤حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي يُحَدِّثُنِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ الْقَوْلَ، ثُمَّ يَلْبَثُ أَحْيَانًا، ثُمَّ يَنْسَخُهُ بِقَوْلٍ آخَرَ كَمَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

  14. بَابُ

    أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ يَقُولُ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْيَاءَ يَوْمَ خَيْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ رَجُلٌ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، وَأَنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ.

  15. وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْعَدَوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الْكِسَائِيُّ الْفَقِيهُ، قَالَ: الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَّبِعُوا الْقُرْآنَ، وَلَا يُخَالِفُوهُ، فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِأَنَّ فِي السُّنَنِ مَا يُخَالِفُ التَّنْزِيلَ، قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ. وَكُلُّ سُنَّةٍ ثَبَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَجُوزُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّهَا خِلَافُ التَّنْزِيلِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ التَّنْزِيلَ، وَالسُّنَّةُ كَانَ يَنْزِلُ بِهَا جِبْرِيلُ، وَيُعَلِّمُهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَا يَقُولُ قَوْلًا يُخَالِفُ التَّنْزِيلَ إِلَّا مَا نُسِخَ مِنْ قَوْلِهِ بِالتَّنْزِيلِ، فَمَعْنَى التَّنْزِيلِ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ ثَبَتَ عَنْهُ.

  16. وَبِالْإِسْنَادِ قَالَ الْكِسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ رَجُلٌ: دَعُونَا مِنْ هَذَا وَجِيئُونَا بِكِتَابِ اللَّهِ.

    ج ١ ص ٢٥فَقَالَ عِمْرَانُ: إِنَّكَ أَحْمَقُ، أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الصَّلَاةَ مُفَسَّرَةً؟ أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الصِّيَامَ مُفَسَّرًا؟ إِنَّ الْقُرْآنَ جَمَعَ ذَلِكَ، وَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ ذَلِكَ.

    قُلْتُ: وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ السُّنَّةَ مُبَيِّنَةٌ لِلْكِتَابِ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، هَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.

  17. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ:

    إِحْدَاهُمَا: جَوَازُ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ.

  18. وَالثَّانِيَةُ: جَوَازُ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ.

  19. وَاتَّفَقُوا عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ:

    إِحْدَاهُمَا: نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ.

  20. الثَّانِيَةُ: جَوَازُ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ.

  21. أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، فَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَهَبُوا إِلَى الْجَوَازِ وَقَالُوا: لَا اسْتِحَالَةَ فِي وُقُوعِهِ عَقْلًا، وَقَدْ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى وُقُوعِهِ، فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ.

  22. أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْغِطْرِيفِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى الْعَدَوِيُّ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، وَلَيْسَ الْكِتَابُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ.

  23. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى، قَالَ: السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: تُفَسِّرُهُ.

  24. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ الْمَدِينِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْكِسَائِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: الْقُرْآنُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ.

  25. أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ قَالَ: ذِكْرُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ، قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.

    وَقَالَ: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ

    ج ١ ص ٢٦لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ.

  26. فَنَسَخَ الْمِيرَاثَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ.

  27. وَنَسْخُ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ.

    قَالَ: وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ الْحُرَّ، وَلَا الْحُرُّ يَرِثُ الْعَبْدَ، وَقَالَ تَعَالَى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ وَنُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تُنْكَحُ الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى، وَلَا الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى.

  28. وَنُسِخَ أَيْضًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.

    وَقَالَ تَعَالَى: وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا. فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ ارْتَدَّتْ فَلَحِقَتْ بِالْمُشْرِكِينَ فَقَدْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا.

  29. وَإِنَّ مَنْ صَارَ مِنْ نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مُسْلِمَاتٍ أَوْ مُسْتَأْمَنَاتٍ بِغَيْرِ أَسْرٍ وَلَا قَهْرٍ أَنَّهُنَّ حَرَائِرُ، وَحِلٌّ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وَلَا عِوَضَ عَلَى أَحَدٍ لِأَحَدٍ فِي ذَلِكَ، وَسَقَطَ حُكْمُ الْقُرْآنِ.

    وَقَالَ تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَعَمَّ بِهِ كُلَّ سَارِقٍ، ثُمَّ نَسَخَ مِنْ ذَلِكَ سَارِقَ الْغَنَمِ، بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ الْغَنَمِ، وَإِنْ كَثُرَتْ وَكَثُرَتْ قِيمَتُهَا إِذَا لَمْ يَأْوِهَا الْمُرَاحُ، وَلَا قَطْعَ عَلَى سَارِقِ التَّمْرِ إِذَا لَمْ يَأْوِهِ الْجَرِينُ.

    وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ، وَقَطْعٌ فِي قِيمَتِهِ مَعْلُومَةً.

    وَقَالَ تَعَالَى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ، فَأَطْلَقَ قَلِيلَ الْوَصِيَّةِ وَكَثِيرَهَا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدٍ: الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ

    وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا الْآيَةَ، ثُمَّ حَرَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ.

    وَقَالَ - عَزَّ وَجَلَّ -: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْآيَةَ، وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.

    وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ - الْآيَةَ، وَإِنَّمَا أَبَاحَ الْقَصْرَ مَعَ الْخَوْفِ ثُمَّ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَصْرَ فِي السَّفَرِ بِكُلِّ حَالٍ.

  30. هَذِهِ آخِرُ كَلَامِ أَبِي الشَّيْخِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ

    ج ١ ص ٢٧حَدِيثٍ يُحَقَّقُ فِيهِ شَرْطُ النَّسْخِ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  31. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَنَفَرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ إِلَى مَنْعِ ذَلِكَ، وَقَالُوا: كَمَا خَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْمُتَوَاتِرَ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي اللَّوَازِمِ وَالتَّوَابِعِ، كَذَلِكَ السُّنَّةُ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ، لِتَبَايُنِهِمَا فِي الْحَقَائِقِ وَاللَّوَاحِقِ، وَرُوِّينَا مَعْنَى ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

  32. أَخْبَرَنِي الْأَمِيرُ أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ

    طَاهِرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَالنَّاسِخُ مِنَ الْقُرْآنِ الْأَمْرُ يُنْزِلُهُ اللَّهُ بَعْدَ الْأَمْرِ يُخَالِفُهُ، كَمَا حَوَّلَ الْقِبْلَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَكُلُّ مَنْسُوخٍ يَكُونُ حَقًّا مَا لَمْ يُنْسَخْ، فَإِذَا نُسِخَ كَانَ الْحَقُّ فِي نَاسِخِهِ، وَلَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إِلَّا كِتَابُهُ، وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَنْسَخُهَا إِلَّا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

  33. أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ، أَخْبَرَنَا أَبُو زَكَرِيَّا الْعَبْدِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْكَاتِبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ

    مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ - قَالَ: لَا أَجْتَرِئُ أَنْ أَقُولَ فِيهِ، وَلَكِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ، وَلَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ.

  34. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ، فَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى جَوَازِهِ، وَقَالُوا: النَّاسِخُ فِي الْحَقِيقَةِ - هُوَ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْكُلُّ مِنْ عِنْدِهِ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْهُ؟ وَأَيُّ تَأْثِيرٍ لِاعْتِبَارِ التَّجَانُسِ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُهُ، وَالسَّمْعَ دَلَّ عَلَى وُقُوعِهِ؟ وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ فِي سَنَدِهِ مَقَالٌ.

  35. قَرَأْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ ذَاكِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَارِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْقَنْطَرِيُّ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ، حَدَّثَنَا جَبْرُونُ بْنُ وَاقِدٍ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ

    ج ١ ص ٢٨رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلَامِي، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

  36. جَبَرُونُ بْنُ وَاقِدٍ لَا يُعْرَفُ لَهُ سِوَى حَدِيثَيْنِ؛ هَذَا أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُنْكَرٌ، وَلَا أَعْلَمُ رَوَاهُ غَيْرُهُ.

  37. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَقَالُوا: لَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ التَّجَانُسِ، قَالُوا:

    الْكِتَابُ مُجْمَلٌ، وَالسُّنَّةُ مُبَيِّنَةٌ، وَفِي تَجْوِيزِ نَسْخِ الْمُبَيَّنِ بِالْمُجْمَلِ إِخْلَالٌ بِمَقْصُودِ التَّفَاهُمِ، وَتَفَاصِيلُ مَذَاهِبِ الْكُلِّ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالْقَصْدُ هُنَا الْإِيمَاءُ إِلَى جُمَلٍ مِنْ ذَلِكَ.

  38. وَإِذْ تَمَّتِ الْمُقَدِّمَةُ، فَلْنَشْرَعِ الْآنَ فِي الْمَقْصُودِ، مُرَتَّبًا عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ؛ لِيَكُونَ أَسْهَلَ تَنَاوُلًا، وَاللَّهُ تَعَالَى يُدِيمُ بِهِ النَّفْعَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.