كمال النفس ومكارم الأخلاق

٧٩ فقرة، ج ١ ص ٤٤٤

الصفحة ١ من ٢

  1. كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يمتاز بفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي.

    ج ١ ص ٤٤٤
  2. وكان الحلم والإحتمال، والعفو عند المقدرة، والصبر على المكاره، صفات أدبه الله بها، وكل حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هفوة، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يزد مع كثرة الأذى إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما، قالت عائشة: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا

    ج ١ ص ٤٤٥اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها «١» ، وكان أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضا.

    1. (٣)صحيح مسلم ٢/ ٢٥٦. جونة عطار: التي يعد فيه الطيب ويحرز.
    2. (١)صحيح البخاري ١/ ٥٠٣.
  3. وكان من صفة الجود والكرم على ما لا يقادر قدره، كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، قال ابن عباس: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة «٢» . وقال جابر. ما سئل شيئا قط فقال: لا «٣» .

    1. (٢)نفس المصدر ١/ ٥٠٢.
    2. (٣)نفس المصدر ١/ ٥٠٢.
  4. وكان من الشجاعة والنجدة والبأس بالمكان الذي لا يجهل، كان أشجع الناس، حضر المواقف الصعبة، وفر عنه الكماة والأبطال غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة، وحفظت عنه جولة سواه، قال علي: كنا إذا حمي البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه «٤» . قال أنس: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عرى، في عنقه السيف، وهو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا «٥» .

    1. (٤)انظر الشفاء للقاضي عياض ١/ ٨٩ ومثل ذلك روى أصحاب الصحاح والسنن.
    2. (٥)صحيح مسلم ٢/ ٢٥٢، وصحيح البخاري ١/ ٤٠٧.
  5. وكان أشد الناس حياء وإغضاء، قال أبو سعيد الخدري: كان أشد حياء من العذراء في خدرها، وإذا كره شيئا عرف في وجهه «٦» ، وكان لا يثبت نظره في وجه أحد، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، لا يشافه أحدا بما يكره حياء وكرم نفسه، وكان لا يسمي رجلا بلغ عنه شيء يكرهه، بل يقول: ما بال أقوام يصنعون كذا. وكان أحق الناس بقول الفرزدق:

    يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فلا يكلم إلا حين يبتسم

    وكان أعد الناس، وأعفهم، وأصدقهم لهجة، وأعظمهم أمانة، اعترف له بذلك محاوروه وأعداؤه، وكان يسمى قبل نبوته الأمين، ويتحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام، روى الترمذي عن علي أن أبا جهل قال له: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به،

    ج ١ ص ٤٤٦فأنزل الله تعالى فيهم فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ، وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ «١» [الأنعام: ٣٣] وسأل هرقل أبا سفيان، هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا.

    1. (٦)صحيح البخاري ١/ ٥٠٤.
    2. (١)مشكاة المصابيح ٢/ ٥٢١.
  6. وكان أشد الناس تواضعا، وأبعدهم عن الكبر، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك، وكان يعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس في أصحابه كأحدهم، قالت عائشة: كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته، وكان بشرا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه «٢» .

    1. (٢)نفس المصدر ٢/ ٥٢٠.
  7. وكان أوفى الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأعظم شفقة ورأفة ورحمة بالناس، أحسن الناس عشرة وأدبا، وأبسط الناس خلقا، أبعد الناس من سوء الأخلاق، لم يكن فاحشا، ولا متفحشا، ولا لعانا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وكان لا يدع أحدا يمشي خلفه، وكان لا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس، ويخدم من خدمه، ولم يقل لخادمه أف قط، ولم يعاتبه على فعل شيء أو تركه، وكان يحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيرا لفقره. كان في بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاة، فقال رجل: علي ذبحها وقال آخر: علي سلخها، وقال آخر: علي طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم: وعلي جمع الحطب، فقالوا: نحن نكفيك. فقال: قد علمت أنكم تكفوني، ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه، وقام وجمع الحطب «٣» .

    1. (٣)خلاصة السير ص ٢٢.
  8. ولنترك هند بن أبي هالة يصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال هند فيما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه- لا بأطراف فمه- ويتكلم بجوامع الكلم، فصلا لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئا، ولم يكن يذم ذواقا- ما يطعم- ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها- سماحة- وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام.

  9. وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه، يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم،

    ج ١ ص ٤٤٧ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره.

  10. يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر على الحق، ولا يجاوزه إلى غيره.. الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.

  11. كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن- لا يميز لنفسه مكانا- إذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه؛ حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجته صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوى، مجلسه حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم- لا تخشى فلتاته- يتعاطفون بالتقوى، ويوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب.

  12. كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافىء «١» .

    وقال خارجة بن زيد: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم من غير جميل، كان ضحكة تبسما، وكلامه فصلا، لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم، توقيرا له واقتداء به «٢» .

    1. (١)انظر الشفا للقاضي عياض ١/ ١٢١، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥، ١٢٦، وانظر أيضا شمائل الترمذي.
    2. (٢)نفس المصدر ١/ ١٠٧.
  13. وعلى الجملة فقد كان النبيّ صلى الله عليه وسلم محلى بصفات الكمال المنقطعة النظير، أدبه ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنيا عليه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] وكانت هذه الخلال مما قرب إليه النفوس، وحببه إلى القلوب، وصيره قائدا تهوى إليه الأفئدة، وألان من شكيمة قومه بعد الإباء، حتى دخلوا في دين الله أفواجا.

    ج ١ ص ٤٤٨
  14. وهذ الخلال التي أتينا علنى ذكره خطوط قصار من مظاهر كماله وعظيم صفاته، أما حقيقة ما كان عليه من الأمجاد والشمائلب فأمر لا يدرك كنهه، ولا يسبر غوره، ومن يستطيع معرفة كنه أعظم بشر في الوجود بلغ أعلى قمة من الكمال، استضاء بنور ربه، حتى صار خلقه القرآن؟.

  15. اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

  16. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

  17. صفي الرحمن المباركفوري الجامعة السلفية ١٣/ ١١/ ١٣٩٦ هـ بنارس الهند ٦/ ١١/ ١٩٧٦ م

    ج ١ ص ٤٤٩ثبت المراجع

    ١- إخبار الكرام بأخبار المسجد الحرام: شهاب الدين أحمد بن محمد الأسدي المكي (م ١٠٦٦ هـ) . المطبعة السلفية بنارس الهند ١٣٩٦/ ١٩٧٦ م.

  18. ٢- الأدب المفرد: محمد بن إسماعيل البخاري (٣٥٦ هـ) . طبع استامبول ١٣٠٤ هـ.

  19. ٣- الأعلام: خير الدين الزركلي. الطبعة الثانية القاهرة ١٩٥٤ م.

  20. ٤- البداية والنهاية: إسماعيل بن كثير الدمشقي مطبعة السعادة مصر ١٩٣٢ م.

  21. ٥- بلوغ المرام من أدلة الأحكام: أحمد بن حجر العسقلاني (٧٧٣- ٨٥٤ هـ) المطبع القيومي كانفور الهند ١٣٢٣ هـ.

  22. ٦- تاريخ أرض القرآن: السيد سليمان الندوي (١٣٧٣ هـ) معارف بريس أعظم كده- الهند ١٩٥٥ م (الطبعة الرابعة) .

  23. ٧- تاريخ إسلام: شاه أكبر خان نجيب آبادي مكتبة رحمت ديوبند يوبي الهند.

  24. ٨- تاريخ الأمم والملوك:
  25. ٩- تاريخ عمر بن الخطاب: أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي.

  26. ١٠- تحفة الأحوذي: أبو العلى عبد الرحمن المباركفوري (م ١٣٥٣ هـ- ١٩٣٥ م) جيد برقي بريس دهلي الهند ١٣٤٦- ١٣٥٣ هـ.

  27. ١١- تفسير ابن كثير: إسماعيل بن كثير الدمشقي.

  28. ١٢- تفهيم القرآن: الأستاذ السيد أبو الأعلى المودودي مركزي مكتبة جماعت إسلامي الهند.

  29. ١٣- تلقيح فهوم أهل الأثر: أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (م ٥٩٧ هـ) جيد برقي بريس دهلي الهند.

  30. ١٤- جامع الترمذي: أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (٢٠٩ هـ- ٢٧٩ هـ) المكتبة (الرشيدية دهلي الهند) .

  31. ١٥- الجهاد في الإسلام (الأردو) : الأستاذ السيد أبو الأعلى المودودي، إسلامك ببليكشنز لميد لاهور (باكستان) الطبعة الرابعة ١٩٦٧ م.

    ج ١ ص ٤٥٠
  32. ١٦- خلاصة السير: محب الدين أبو جعفر أحمد بن عبد الله الطبري م ٦٧٤ هـ دلي برنئينك بريس دهلي الهند ١٣٤٣ هـ.

  33. ١٧- رحمة للعالمين: محمد سليمان سلمان المنصور فوري (م ١٩٣٠ م) حنيف بكديودلي.

  34. ١٨- رسول أكرم كي سياسي زندكي: الدكتور حميد الله، باريس سالم كمبيني ديوبنديو- بي الهند ١٩٦٣ م.

  35. ١٩- الروض الأنف: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي (٥٠٨- ٥٨١ هـ) المطبعة الجمالية بمصر ١٣٣٢ هـ/ ١٩١٤ م.

  36. ٢٠- زاد المعاد: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن بكر بن أيوب المعروف بابن القيم (٦٩١- ٧٥١ هـ) .

  37. ٢١- سفر التكوين:
  38. ٢٢- سنن ابن ماجة: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني (٢٠٩- ٢٧٣ هـ) .

  39. ٢٣- سنن أبي داود: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني ٢٠٢- ٢٧٥ هـ ج/ ١ المطبع المجيدي كانفور الهند ١٣٧٥ هـ ٢ المكتبة الرحيمية ديوبنديو بي الهند.

  40. ٢٤- سنن النسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (٢١٥- ٣٠٣ هـ) المكتبة السلفية لاهور (باكستان) .