أمر ثقيف وإسلامها

٢٠ فقرة، ج ٢ ص ٣١٣

  1. ٢٧٢ - فلمّا أسلموا وكتب لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابهم؛ أمَّرَ عليهم عثمان بن أبي العاص -وكان من أحدثِهم سنًّا- وذلك أنه كان أحرصَهم على التفقه في الإسلام وتعلّم القرآن، فقال أبو بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله؛ إني قد رأيتُ هذا الغلام فيهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلّم القرآن (٢) . (٣: ٩٩) .

    1. (٢)خبر تأمير عثمان بن أبي العاص على أهل الطائف صحيح كما أخرج ابن ماجه (باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه / ح ٣٥٤٨) عن عثمان بن أبي العاص قال: لما استعملني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي. الحديث. وأخرج أبو داود في سننه (١/ ١٤٦ / ح ٥٣١) عن عثمان بن أبي العاص (قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي. قال: أنت إمامهم واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) وإسناده صحيح. وأخرج ابن ماجه (١ / ح ٩٨٧) عن عثمان بن أبي العاص قال: (كان آخر ما عهد إليّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أمّرني على الطائف قال لي: يا عثمان تجاوز في الصلاة واقدر الناس بأضعفهم = = فإن فيهم الكبير والصغير والسقيم والبعيد وذا الحاجة) اهـ وحديث عثمان بن أبي العاص أخرجه أحمد (٤/ ٢١٧) والله تعالى أعلم.
    ج ٢ ص ٣١٣
  2. وفي هذه السنة غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبوك. [ذكر الخبر عن غزوة تبوك] (١) .

    1. (١)٣/ ١٠٠ قال الحافظ في الفتح (٨/ ١١١) كانت غزوة تبوك في شهر رجب من سنة تسع قبل حجة الوداع بلا خلاف. اهـ.
    ج ٢ ص ٣١٤
  3. ٢٧٣ - ثم إنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - جَدَّ في سفره، فأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحضَّ أهل الغنَى على النفقة والحُمْلان في سبيل الله، ورغَّبهم في ذلك، فحمل رجال من أهل الغنى فاحتسبوا، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحدٌ أعظمَ من نفقته (٢) . (٣: ١٠٢) .

    1. (٢)أخرج الحاكم في المستدرك عن عبد الرحمن بن سمرة قال: (جاء عثمان رضي الله عنه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بألف دينار حين جهز جيش العسرة ففرغها عثمان في حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فجعل النبي يقلبها ويقول: ما ضر ما عمل بعد هذا اليوم. قالها مرارًا). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك مع التلخيص ٣/ ١٠٢). والحديث أخرجه الترمذي في سننه (باب مناقب عثمان بن عفان / ح ٣٧٠١) وأحمد (٥/ ٦٣) والله أعلم. وأما حثه - صلى الله عليه وسلم - أصحابه على النفقة في سبيل الله وتجهيز جيش العسرة فقد جاء في صحيح البخاري / كتاب الوصايا / باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا من حديث أبي عبد الرحمن أن عثمان رضي الله عنه حين حوصر ... الحديث وفيه: (ألستم تعلمون أنه قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزتهم قال: فصدقوه بما قال).
  4. ٢٧٤ - قال ابن إسحاق: وخلّف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عليّ بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، واستخلَف على المدينة سِبَاع بن عُرْفُطَة، أخا بني غِفار، فأرجف المنافقون بعليّ بن أبي طالب، وقالوا: ما خَلّفه إلا استثقالًا له، وتخفّفًا منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ عليٌّ سلاحَه ثم خرج حتى أتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجُرف فقال: يا نبيّ الله؛ زعم المنافقون أنّك إنّما خَلّفتَني؛ أنك استثقلتَني وتخفَّفتَ منّي! فقال: كذبوا، ولكني إنما خلّفتُك لما ورائي، فارجع فاخلُفْني في أهلي وأهلك؛ أفلا ترضَى يا عليّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؛ إلّا

    ج ٢ ص ٣١٥أنه لا نبيّ بعدي! فرجع عليٌّ إلى المدينة، ومضى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على سفره (١) . (٣/ ١٠٣: ١٠٤) .

    1. (١)لقد ذكر الطبري هذا الخبر من قول ابن إسحاق بلا إسناد وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معضلًا. ولكن استخلاف علي فثابت في الصحيح -فقد أخرج البخاري في صحيحه / كتاب المغازي / باب غزوة تبوك / ح ٤٤١٦، من طريق مصعب بن سعد عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى تبوك واستخلف عليًّا فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء. قال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي. والحديث أخرجه مسلم (باب فضائل علي ح ٢٤٠٤).
  5. ٢٧٥ - ثم إنّ أبا خَيثَمة أخا بني سالم رجع -بعد أن سارَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيامًا- إلى أهله في يوم حارّ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط، قد رشّتْ كلُّ واحدة منهما عريشَها وبرَّدتْ له فيه ماءً، وهيَّأتْ له فيه طعامًا؛ فلمّا دخل فقام على باب العريشين؛ فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، قال: رسولُ الله في الضِّحِّ والريح، وأبو خيثمة في ظلال باردة وماء بارد وطعام مهيّأ وامرأة حسناء، في ماله مقيمٌ! ما هذا بالنَّصَف! ثمّ قال: والله لا أدخل عريش واحدةٍ منكما حتى ألحقَ برسول الله؛ فهيّئَا لي زادًا؛ ففعلتَا. ثم قدّم ناضِحَه فارتحله، ثمّ خرج في طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أدركه حين نزل تبُوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عميرُ بن وهب الجُمحيّ في الطريق، يطلب رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فترافقا حتى إذا دَنَوا من تبوك قال أبو خيثمة لعُمير بن وهب: إنّ لي ذنبًا، فلا عليك أن تَخلّفَ عنّي حتى آتيَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. ففعل، ثم سار حتى إذا دنا من رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو نازل بتَبوك قال الناس: يا رسول الله، هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله: كُنْ أبا خيثمة! فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة! فلمّا أناخ أقبلَ فسلّم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له رسولُ الله: أوْلَى لك يا أبا خيثمة! ثم أخبر رسولَ الله الخبر، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خيرًا، ودعا له بخير (٢) . (٣/ ١٠٤ / ١٠٥) .

    1. (٢)ذكر الطبري هذا الخبر من قول ابن إسحاق وهو كذلك في سيرة ابن هشام وفي رواية مسلم (لحديث كعب بن مالك وتوبته) إشارة إلى أصل القصة فقد جاء في (صحيح مسلم / كتاب التوبة / باب الصدق في التوبة / ح ٢٧٦٩) من حديث كعب بن مالك الطويل وفيه: (فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبينما هو على ذلك إذ رأى رجلًا مبيضًا يزول به السراب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري ... الحديث). = = وأخرج الطبراني في المعجم الكبير (ح ٥٤١٩) عن سعد بن خيثمة قال: تخلفت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخلت حائطًا فرأيت عريشًا قد رُش بالماء ورأيت زوجتي، فقلت: ما هذا بالإنصاف، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السموم والحميم وأنا في الظل والنعيم فقمت إلى ناضح فاحتقبته وإلى ثمرات فتزودتها، فنادت زوجتي: إلى أين يا أبا خيثمة؟ فخرجت أريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنت ببعض الطريق لقيني عمير بن وهب فقلت لما اطلعت: إنك رجل جريء وإني أعرف لِمَ جئت النبي - صلى الله عليه وسلم - وإني امرؤ مذنب، فتخلف عني حتى أخلو برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتخلف عني عمير، فلما طلعت على العسكر؛ فرآني الناس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كن أبا خيثمة" فجئت فقلت: كدت أهلك يا رسول الله. فحدثته حديثي فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيرًا ودعا لي. وذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني وفيه يعقوب بن محمد الزهري وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٦/ ١٩٣). قلنا: ويعقوب بن محمد الزهري هذا ضعفه أبو زرعة وأبو حاتم وأحمد. وقال ابن عدي: ليس بمعروف. فتعقبه الذهبي بقوله: قلت: سبب عدم معرفته ابن عدي به أنه ما لحق أصحابه ولا نشط كتابة حديثه عن أصحاب أصحابه وإلّا فالرجل مشهور مكثر ونقل الذهبي قول ابن سعد فيه: جالس العلماء وكان حافظًا وقال ابن معين: ما حدّث عن الثقات فاكتبوه (الميزان ٤/ ٤٥٤ / ت ٩٨٢٦). قلنا: ومثل هذا يصلح حديثه في الشواهد والمتابعات والله تعالى أعلم. وفي حديث مسلم تأييد لأصل القصة أي تخلفه في بداية الغزوة ثم لحوقه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إضافة إلى ما سبق فقد قال الحافظ ابن كثير بعد سرده لقصة أبي خيثمة عن ابن إسحاق معضلًا: وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبي خيثمة بنحوٍ من سياق محمد بن إسحاق وأبسط (البداية والنهاية ٣/ ٦٧٤) وهذه الطرق تتقوى ببعضها ويؤيدها ما في رواية مسلم والله تعالى أعلم.
  6. ٢٧٦ - وقد كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حين مرّ بالحِجْر نزلها واستقى الناس من بئرها، فلمّا راحوا منها قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تشربُوا من مائها شيئًا، ولا تتوضّؤوا منها للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئًا، ولا يخرجنّ أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له؛ ففعل الناس ما أمرهم به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلا رجُلين من بني ساعدة؛ خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خُنِقَ على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملْته الريح حتى طرحته في جبلَي

    ج ٢ ص ٣١٧طيّئ، فأخبر بذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحدٌ إلا ومعه صاحب له! ثم دعا للّذي أصيب على مذهبه فشُفِيَ، وأما الآخر الذي وقع بجبلَي طيّئ؛ فإنّ طيئًا هدتْهُ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة.

    قال أبو جعفر: والحديث عن الرجلين (١) . (٣: ١٠٥) .

    1. (١)هكذا ذكر الطبري هذا الخبر عن ابن إسحاق وكذلك أخرجه ابن هشام عن ابن إسحاق معضلًا (٢/ ٥٢١) ولكن ابن كثير أخرج هذه الرواية من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن العباس بن سهل الساعدي به (كما عند ابن إسحاق) (البداية والنهاية ٣/ ٦٧٨). وهذا إسناد مرسل حسن إلى مرسله (العباس). وأخرج البخاري في صحيحه / باب قوله تعالى {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} (ح / ٣٣٧٩). عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها فقالوا: قد عجنا منها واستقينا. فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء. والحديث أخرجه مسلم / باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم (ح ٢٩٨١). وليس في رواية الصحيحين ما ورد في الشطر الأخير من رواية الطبري وابن كثير عن الرجلين والله تعالى أعلم.
    ج ٢ ص ٣١٦
  7. ٢٧٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن العبّاس بن سهل بن سعد الساعديّ: فلما أصبح النّاس -ولا ماءَ معهم- شكَوْا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فدعا الله، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى ارتوَى الناس، واحتملوا حاجتهم من الماء (٢) . (٣: ١٠٥) .

    1. (٢)هذا إسناد مرسل ضعيف وله ما يؤيده من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما أخرج البزار والطبراني عن ابن عباس قال: قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن العسرة؟ فقال عمر: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك في قيظٍ شديد، فنزلنا منزلًا، أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا يذهب يلتمس الخلاء حتى يظن أن رقبته تنقطع وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويضعه على بطنه. فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله: إن الله عوّدك في الدعاء خيرًا، فادع الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أتحب ذلك يا أبا بكر؟ " قال: نعم. قال: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء، فأظلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. = = وقال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ١٩٥) وراجع تعليق الألباني (السيرة النبوية للغزالي / ٤٤٠) والحديث أخرجه البيهقي (دلائل النبوة ٥/ ٢٣١) وجوّد الحافظ إسناده. وقال: ولم يخرجوه من هذا الوجه (البداية والنهاية ٣/ ٦٧٥) والله تعالى أعلم.
  8. ٢٧٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قلت لمحمود بن لَبِيد: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم؛ والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمّه ومن عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضًا على ذلك؛ ثم قال محمود: لقد أخبرني رجالٌ من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقُه، كان يسير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحِجْر ما كان، ودعا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حين دعا، فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى ارتوى الناس، أقبلنا عليه نقول: ويحَك! هل بعد هذا شيء! قال: سحابة مارَّةٌ (١) . (٣: ١٠٥/ ١٠٦) .

    1. (١)شيخ الطبري هذا ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام عن طريق ابن إسحاق هذا وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث (٢/ ٥٢٣) ولكنه مرسل فمحمود بن لبيد لم يذكر أسماء الصحابة الذين رووا له الحادثة إلّا أن محمودًا هذا صحابي صغير كما قال الحافظ وجلّ روايته عن الصحابة (ت ٦٥١٧) فلعل روايته هذه من مراسيل الصحابة والله تعالى أعلم.
    ج ٢ ص ٣١٨
  9. ٢٧٩ - ثمّ إنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلّتْ ناقتُه، فخرج أصحابُه في طلَبها، وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ من أصحابه، يقال له عُمارة بن حزم، وكان عقَبيًّا بدريًّا، وهو عمّ بني عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن لُصَيب القَينُقاعيّ، وكان منافقًا، فقال زيد بن لُصَيب وهو في رحل عُمارة وعُمارة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أليس يزعم محمد أنه نبيّ يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وعمارة عنده: إن رجلًا قال: إنّ محمدًا هذا يخبركم أنه نبيّ، وهو يزعم أنه يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! وإني والله ما أعلم إلّا ما علّمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي من شِعْب كذا وكذا قد حبستْها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتُوا بها، فذهبوا فجاؤوا بها، فرجع عُمارة بن حزم إلى أهله، فقال: والله لَعجبٌ من شيء حدّثناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آنفًا عن مقالة قائل أخبره الله عنه كذا وكذا -للذي قال زيد بن اللُّصَيب- فقال رجُلٌ ممن كان في رحْل عمارة، ولم يحضر رسول الله:

    ج ٢ ص ٣١٩زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتيَ. فأقبل عمارة على زيد يَجَأ في عنقه، ويقول: يا عباد الله، والله إنّ في رَحْلِي لداهية وما أدري! اخرج يا عدوّ الله من رحلي فلا تصحبني (١) . (٣: ١٠٦) .

    1. (١)ذكر الطبري هذا الخبر من قول ابن إسحاق وأخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر عن محمد بن لبيد عن رجال من بني عبد الأشهل.
  10. ٢٨٠ - ثم مضى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - سائرًا؛ فجعل يتخلَّف عنه الرجل فيقولون: يا رسولَ الله، تخلّف فلان، فيقول: دعوه، فإن يكُ فيه خير فسيُلْحِقه الله بكم، وإنْ يكُ غير ذلك فقد أراحكم الله منه؛ حتى قيل: يا رسول الله، تخلّف أبو ذرّ وأبطأ به بعيره؛ فقال: دعوه، فإنْ يك فيه خير فسيُلحقه الله بكم، وإن يكُ غيرَ ذلك فقد أراحكم الله منه.

    قال: وتلوّم أبو ذرّ على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعَه، فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ماشيًا، ونزل رسولُ الله في بعض منازله، فنظره ناظرٌ من المسلمين، فقال: يا رسولَ الله، إنّ هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: كن أبا ذرّ! فلمّا تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله، هو أبو ذرّ! فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: يرحم الله أبا ذرّ! يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبْعث وحده.

  11. حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بُرَيدة بن سفيان الأسلميّ، عن محمّد بن كعب القُرظيّ، قال: لما نفى عثمان أبا ذرّ نزل أبو ذرّ الرّبَذَة، فأصابه بها قَدَره، ولم يكن معه أحدٌ إلّا امرأته وغلامه، فأوصاهما أن غَسِّلاني وكَفّناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأوّل ركْب يمرّ بكم فقولوا: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا ذلك به، ثم وضعاه على قارعة الطريق، فأقبل عبد الله بن مسعود ورهطٌ من أهل العراق عُمّارًا، فلم يَرُعْهم إلّا بجنازة على الطريق قد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله، فأعينونا على دفنه. قال: فاستهلّ عبدُ الله بن مسعود يبكي، ويقول: صدق رسول الله! تمشي وحدَك، وتموت وحدك، وتُبْعث وحدك! ثم نزل هو وأصحابه فوارَوْه.

  12. ثمّ حدّثهم ابن مسعود حديثه وما قال له رسول الله في مسيره إلى تبوك (١) (٣: ١٠٧) .

    1. (١)لم يذكر الطبري إسناد الرواية ولكنه بيّن في نهاية الصفحة أن الصحابي راوي الحديث هو عبد الله بن مسعود والذي روى عنه هو محمد بن كعب القرظي. ولقد أخرج الحافظ ابن كثير هذا الخبر بطوله من طريق رواية ابن إسحاق (يونس بن بكير) عن شيخه محمد بن إسحاق عن بريدة بن سفيان عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود ثم قال في نهاية الخبر: إسناده حسن ولم يخرجوه (البداية والنهاية ٣/ ٦٧٤).
    ج ٢ ص ٣٢٠
  13. ٢٨١ - قال: وقد كان رهط من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو بن عوف، ومنهم رجل من أشْجَع حليفٌ لبني سلمة، يقال له مَخشيّ بن حُمَيِّر، يسيرون مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم! والله لكأنّي بكم غدًا مُقَرَّنين في الحبال؛ إرْجَافًا وترهيبًا للمؤمنين. فقال مخشيّ بن حميِّر: والله لوَدِدْتُ أنّى أقاضَى على أن يُضرب كلّ رجل منّا مئة جلدة، وأنا ننفلت أن يُنزِل الله فينا قرآنًا لمقالتكم هذه. وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني- لعمّار بن ياسر: أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلْهم عمّا قالوا؛ فإن أنكروا فقل: بلى قد قلتم كذا وكذا. فانطلق إليهم عمّار فقال لهم ذلك، فأتوْا رسول الله يعتذرون إليه، فقام وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على ناقته، فجعل يقول وهو آخذ بحَقبِها: يا رسول الله، كنّا نخوض ونلعب؛ فأنزل الله عزّ وجلّ فيهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} وقال مخشي بن حميِّر: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي؛ فكان الذي عُفِيَ عنه في هذه الآية مخشيّ بن حميِّر، فسمّي عبد الرحمن، وسأل الله أنْ يقتله شهيدًا لا يُعلم مكانه، فقُتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر (٢) . (٣: ٢٠٨) .

    1. (٢)ذكر الطبري هذا الخبر من قول ابن إسحاق معضلًا، وأما متنه فلم نجد ما يشهد للشطر الأول سوى ما أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٦٣) عن ابن عمر بسند رجاله ثقات غير هشام بن سعد الذي قال فيه ابن عدي مع ضعفه: يكتب حديثه. وقال الحاكم: أخرج له مسلم في الشواهد (الميزان ٤ / ت ٩٢٢٤). ولفظه: (قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ولا أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنك منافق = = لأخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا رأيته متعلقًا بحقب ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحجارة تنكيه، وهو يقول: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}. وأما الجزء الباقي من حديث الطبري فيؤيده حديث كعب بن مالك عند ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٦٤) ولفظه: (قال مخشي بن حمير: لوددت أني أقاضى على أن يضرب كل رجل منكم مئة على أن ينجو من أن ينزل فينا قرآن. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمار بن ياسر: "أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم عما قالوا؟ فإن هم أنكروا وكتموا فقل بل: قد قلتم كذا وكذا" فأدركهم فقال لهم: فجاؤوا يعتذرون فأنزل الله {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ ... } الآية فكان الذي عفا الله عنه مخشي بن حمير فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيدًا وألا يعلم بمقتله، فقتل باليمامة لا يعلم مقتله ولا من قتله ولا يرى له أثر ولا عين). قلنا: ورجاله ثقات والله تعالى أعلى وأعلم.
  14. ٢٨٢ - فلما انتهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوكَ، أتاه يُحَنّة بن رُؤبة، صاحب أيلَة، فصالح رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطاه الجزية، وأهل جَرْباء وأذْرُح أعطوْه الجزية، وكتب رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لكل كتابًا؛ فهو عندهم (١) . (٣: ١٠٨) .

    1. (١)ذكر الطبري هذا الجزء من قول ابن إسحاق بلاغًا ولكن أخرج البخاري في مواضع من صحيحه منها ما أخرجه في (كتاب الزكاة / باب مرض النبي ح / ١٤١١) عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: غزونا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك. الحديث وفيه: (وأهدى ملك أيلة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بغلة بيضاء وكساه بردًا وكتب له ببحرهم ... إلى آخر الحديث). وأخرجه مسلم في (صحيحه / كتاب الفضائل / باب في معجزاته - صلى الله عليه وسلم - / ح ١٣٩٢) من حديث أبي حميد كذلك وفيه: (وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله بكتاب وأهدى له بغلة بيضاء فكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأهدى له بردًا. الحديث) والله تعالى أعلم. والحديث أخرجه أحمد والله تعالى أعلم.
    ج ٢ ص ٣٢١
  15. ٢٨٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: رأيتُ قَباء أكيدر حين قُدِم به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجّبون منه، فقال رسول الله: أتَعْجَبون من هذا! فو الذي نفس محمد بيده

    ج ٢ ص ٣٢٢لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسنُ من هذا! (١) (٣: ١٠٩) .

    1. (١)هذا إسناد ضعيف ولكن أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر عن أنس بن مالك وإسناده حسن (٢/ ٥٢٦). وأخرج مسلم في صحيحه (باب فضائل سعد بن معاذ / ح ٢٤٦٩) وأحمد في المسند (٣/ ١١١) والترمذي في سننه (ح ١٧٢٣) من حديث أنس رضي الله عنه قال: (إن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلة من سندس فعجب الناس منها فقال: والذي نفس محمد بيده إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا). (٣/ ١٠٩) لقد ذكرنا الرواية (٣/ ١٠٩ / ٣٦٦) في الضعيف. والصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - مكث في تبوك عشرين ليلة كما أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢٩٥) من حديث جابر وابن حبان (الإحسان / ح ٢٧٣٨). وصححه أبو داود (ح ١٢٣٥) والله تعالى أعلى وأعلم.
  16. ٢٨٤ - ثم انصرَف قافلًا إلى المدينة، فكان في الطريق ماء يخرج من وَشَلٍ ما يرْوي الراكبَ والراكبَين والثلاثة، بوادٍ يقال له وادي المُشَقّق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ سبقنا إلى ذلك الماء فلا يَسْتَقِيَنَّ منه شيئًا حتى نأتيَه. قال: فسبقه إليه نفرٌ من المنافقين فاستقوْا ما فيه، فلما أتاه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - وقف عليه فلم يرَ فيه شيئًا؛ فقال: مَنْ سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له: يا رسول الله، فلان وفلان، فقال: أوَ لم نَنْهَهم أن يستقُوا منه شيئًا حتى نأتيه! ثم لعنهم رسولُ الله، ودعا عليهم. ثمّ نزل - صلى الله عليه وسلم -، فوضع يده تحت الوَشَل، فجعل يصبّ في يده ما شاء الله أن يصبّ، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بما شاء الله أن يدعوَ، فانخرق من الماء - كما يقول مَنْ سمعه: إنّ له حِسًّا كحمى الصواعق؛ فشرب الناس واستقوْا حاجتهم منه، فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: مَنْ بَقيَ منكم ليَسمعنّ بهذا الوادي؛ وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه (٢) . (٣: ١٠٩/ ١١٠) .

    1. (٢)إن كان هذا الخبر تكملة للذي قبله، فإسناده مرسل وإلا فهو من كلام ابن إسحاق كما عند ابن هشام (٢/ ٥٢٧) ولمتنه ما يؤيده فقد أخرج أحمد في مسنده (٥/ ٤٠٠) عن حذيفة رضي الله عنه قال: (خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم غزوة تبوك فبلغه: أن في الماء قلة -الذي يرده- فأمر مناديًا فنادى في الناس: "أن لا يسبقني إلى الماء أحد" فأتى الماء وقد سبقه قوم فلعنهم). وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح (المجمع ٦/ ١٩٥). وأخرج مسلم في صحيحه / كتاب الفضائل / باب في معجزاته - صلى الله عليه وسلم - (٤/ ١٧٨٤) عن أبي الطفيل عامر بن وائلة "إن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام تبوك = = فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال: فأخر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا ثم قال: (إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي). قال: فجئنا وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (هل مسستما من مائها شيئًا؟ ) قالا: نعم. فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلًا قليلًا حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله فيه وجهه ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانًا).
  17. ٢٨٥ - قال: وقدم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ- وقد كان تخلّف عنه رهط من المنافقين، وتخلّف أولئك الرّهط من المسلمين من غير شكّ ولا نفاق: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أميّة- فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يكلّمن أحدٌ أحدًا من هؤلاء الثلاثة، وأتاه مَنْ تخلّف عنه من المنافقين، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم رسول الله ولم يعذِرْهم الله ولا رسوله، واعتزل المسلمون كلامَ هؤلاء الثلاثة النفر، حتى أنزل الله عزّ وجلّ قوله: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} -إلى قوله- {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} ، فتاب الله عليهم (١) . (٣: ١١١) .

    1. (١)ذكر الطبري خبر الثلاثة الذين خلفوا عن ابن إسحاق بدون إسناد. وخبره هنا مختصر جدًّا وخبرهم (من حديث كعب بن مالك) وهو أحدهم عند البخاري ومسلم وغيرهما والله تعالى أعلم. فقد أخرجه البخاري بطوله [كتاب المغازي / باب حديث كعب بن مالك / ح ٤٤١٨] و (مسلم / كتاب التوبة / ح ٢٧٦٩) وأحمد (٣/ ٤٥٦) والبيهقي (الدلائل ٥/ ٢٧٣) وغيرهم والله أعلم وسنذكر هنا رواية البخاري إذ قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها إنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن = = قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حر شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا وعدوًا كثيرًا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم. فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد الديوان). قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظنّ أنه سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال. وتجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئًا فأقول في نفسي: أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد فأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقضِ شيئًا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقضِ شيئًا فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه. فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجّه قافلًا حضرنى همِّي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدًا واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أظل قادمًا زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدًا بشيء فيه كذب. فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادمًا وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له. وكانوا بضعة وثمانين رجلًا فقبل منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله فجئته فلما سلمت عليه تبسَّم تَبَسّم المغضب ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال: لي ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك. فقلت: بلى إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلًا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليّ ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله لا والله ما كان لي من عذر والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت وثار رجال من بني = = سلمة فاتبعوني فقالوا لي: ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعتذر إليه المتخلفون قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد قالوا نعم: رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه. فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم عليه وهو في مجلسه، بعد الصلاة فأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا ثم أصلي قريبًا منه فأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فوالله ما رد عليّ السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته. فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابًا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعةٍ فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذه أيضًا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتيني فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك فقلت: لامرأتي الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال لا ولكن لا يقربك قالت إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يدريني ما يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا =
    ج ٢ ص ٣٢٣
  18. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٢ ص ٣٢٤
  19. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٢ ص ٣٢٥
  20. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = استأذنته فيها وأنا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلعٍ بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر قال: فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشرون وركض إليّ رجل فرسًا وسعى ساعٍ من أسلم فأوفى على الجبل وكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئوني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس حوله الناس فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك قلت: أمن عندك يا رسول الله أم عند الله؟ قال: لا بل من عند الله. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. فقلت: يَا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقًا ما بقيت فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن مما أبلاني ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومي هذا كذبًا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله تعالى على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} إلى قوله: {مَعَ الصَّادِقِينَ}. فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال تبارك وتعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ} إلى قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}. قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه =
    ج ٢ ص ٣٢٦