ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
٩٣ فقرة، ج ٩ ص ٨٧٣
الصفحة ١ من ٣
- ج ٩ ص ٨٧٣
* ذكر الخبر عن مخرج محمد بن عبد الله ومقتله:
ذكر عمر أنّ محمد بن يحيى حدّثه، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال. لما انحدر أبو جعفر ببني حسن، رجع رياح إلى المدينة، فألحّ في الطلب، وأَخْرج محمدًا حتى عزم على الظهور.
قال عمر: فحدّثت إبراهيم بن محمد بن عبد الله الجعفريّ أن محمدًا أُحرِج، فخرج قبل وقته الذي فارق عليه أخاه إبراهيم، فأنكر ذلك، وقال: ما زال محمّد يُطلَب أشدّ الطلب حتى سقط ابنه فمات وحتى رهقه الطلب، فتدلَّى في بعض آبار المدينة يناول أصحابه الماء، وقد انغمس فيه إلى رأسه، وكان بدنه لا يخفى عِظَمًا؛ ولكن إبراهيم تأخَّر عن وقته لجُدَريٍّ أصابه.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: تحدّث أهل المدينة بظهور محمد؛ فأسرعنا في شراء الطعام حتى باع بعضهم حليّ نسائه؛ وبلغ رياحًا أنّ محمدًا أتى المذاد، فركب في جنده يريده وقد خرج قبلَه محمد يريده، ومعه جُبَير بن عبد الله السلَميّ، وجُبَير بن عبد الله بن يعقوب بن عطاء وعبد الله بن عامر الأسلميّ؛ فسمعوا سقَّاءَةً تحدّث صاحبتها أنّ رباحًا قد ركب يطلب محمدًا بالمَذَاد، وأنه قد سار إلى السوق، فدخلوا دارًا لجُهينة وأجافوا بابها عليهم، ومرّ رياح على الباب لا يعلم بهم، ثم رجع إلى دار مَرْوان؛ فلما حضرت العشاء الأخيرة صلى في الدار ولم يخرج.
- ج ٩ ص ٨٧٤
وقيل: إنّ الذي أعلم رياحًا بمحمد سليمان بن عبد الله بن أبي سَبرة من بني عامر بن لؤيّ.
-
وذكر عن الفضل بن دُكين، قال: بلغني أن عبيد الله بن عمرو بن أبي ذُؤيب وعبد الحميد بن جعفر دخلوا على محمد قبل خروجه، فقالوا له: ما ننتظر بالخروج! والله ما نجد في هذه الأمة أحدًا أشأم عليها منك. ما يمنعك أن تخرج وحدك!
قال: وحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: بعث إلينا رياح فأتيته أنا وجعفر بن محمد بن عليّ بن حسين، وحسين بن عليّ بن حسين بن على، وعليّ بن عمر بن عليّ بن حسين بن عليّ، وحسن بن عليّ بن حسين بن عليّ بن حسين بن علي ورجال من قريش؛ منهم إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة، ومعه ابنه خالد، فإنّا لعنده في دار مَرْوان إذ سمعْنا التكبير قد حال دون كلّ شيء، فظنناه من عند الحرَس، وظنّ الحرَس أنه من الدار، قال: فوثب ابن مسلم بن عقبة - وكان مع رياح - فاتَّكأ على سيفه، فقال: أطعني في هؤلاء فاضرب أعنَاقهم؛ فقال عليّ بن عمر: فكدنا والله تلك الليلة أن نطيح حتى قام حسين بن عليّ، فقال: والله ما ذاك لك؛ إنّا على السمع والطاعة، قال: وقام رياح ومحمد بن عبد العزيز، فدخلا جنبذًا في دار يزيد؛ فاختفيا فيه، وقمنا قخرجنا من دار عبد العزيز بن مروان حتى تسوّرنا على كِبًا كانت في زقاق عاصم بن عمرو، فقال إسماعيل بن أيوب لابنه خالد: يا بنيّ، والله ما تجيبني نفسي إلى الوثوب، فارفعني، فرفعه.
-
وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران (١) قال: حدّثني أبي قال: جاء الخبر إلى رياح وهو في دار مَرْوان أنّ محمدًا خارج الليلة، فأرسل إلى أخي محمد بن عمران وإلى العباس بن عبد الله بن الحارث بن العباس وإلى غير واحد، قال: فخرج أخي وخرجت معه، حتى دخلنا عليه بعد العشاء الآخرة، فسلمنا عليه فلم يردّ علينا، فجلسنا فقال أخي: كيف أمسى الأمير
ج ٩ ص ٨٧٥أصلحه الله! قال: بخير - بصوت ضعيف - قال: ثم صمت طويلًا ثم تنبّه، فقال: إيهًا يا أهلَ المدينة! أميرُ المؤمنين يطلب بغيتَه في شرق الأرض وغربها؛ وهو ينتفق بين أظهركم! أقسم بالله لئن خرج لا أترك منكم أحدًا إلا ضربت عنقه، فقال أخي: أصلحك الله! أنا عذيرك منه، هذا والله الباطل، قال: فأنت أكثر مَنْ هاهنا عشيرة، وأنت قاضي أمير المؤمنين، فادعُ عشيرتك، قال: فوثب أخي ليخرج، فقال: اجلس، اذهب أنت يا ثابت، فوثبتُ، فأرسلت إلى بني زُهرة ممن يسكن حشّ طلحة ودار سعد ودار بني أزهر: أن أحضِروا سلاحكم.
قال: فجاء منهم بِشر، وجاء إبراهيم بن يعقوب بن سعد بن أبي وقاص متنكبًا قوسًا - وكان من أرمى الناس - فلما رأيتُ كثرتهم، دخلت على رياح، فقلت: هذه بنو زهرة في السلاح يكونون معك. ائذن لهم، قال: هيهات! تريد أن تُدخل عليّ الرجال طروقًا (١) في السلاح، قل لهم: فليجلسوا في الرحبة؛ فإن حدث شيء فليقاتلوا، قال: قلت لهم: قد أبى أن يأذن لكم، لا والله ما هاهنا شيء، فاجلسوا بنا نتحدّث.
قال: فمكثنا قليلًا، فخرج العباس بن عبد الله بن الحارث في خيل يعسُّ حتى جاء رأس الثنيَّة، ثم انصرف إلى منزله وأغلقه عليه؛ فوالله إنا لعلى تلك الحال إذْ طَلع فارسان من قبَل الزّوْرَاء يركضان؛ حتى وقفا بين دار عبد الله بن مُطيع ورحبة القضاء في موضع السقاية، قال: قلنا: شرّ الأمر والله جدّ، قال: ثم سمعنا صوتًا بعيدًا، فأقمنا ليلًا طويلًا، فأقبل محمد بن عبد الله من المذاد ومعه مئتان وخمسون رجلًا، حتى إذا شرع على بني سَلِمة وبُطْحَان، قال: اسلكوا بني سَلِمة، سلمنا إن شاء الله، قال: فسمعنا تكبيرًا؛ ثم هدأ الصوت فأقبل حتى إذا خرج من زُقاق ابن حبين استبطن السوق حتى جاء على التمّارين، حتى دخل من أصحاب الأقفاص، فأتى السجن وهو يومئذ في دار ابن هشام، فدقّه، وأخرج مَن كان فيه، ثم أقبل حتى إذا كان بين دار يزيد ودار أويس نظرنا إلى هَوْل من الهوْل (٢) .
قال: فنزل إبراهيم بن يعقوب، ونكب كنانته وقال: أرمي؟ فقلنا: لا تفعل،
ج ٩ ص ٨٧٦ودار محمد بالرحبة، حتى جاء بيت عاتكة بنت يزيد، فجلس على بابها، وتناوش الناس حتى قتِل رجل سنديّ كان يستصبح في المسجد، قتله رجل من أصحاب محمد.
قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، أخبرني جهم بن عثمان؛ قال: خرج محمد من المذاد على حمار ونحن معه، فولّى خوّات بن بكير بن خوّات بن جبير الرّجالة، وولّى عبد الحميد بن جعفر الحربة، وقال: اكفنيها، فحملها ثم استعفاه منها فأعفاه؛ ووجّهه مع ابنه حسن بن محمد.
قال: وحدثني عيسى، قال: حدّثني جعفر بن عبد الله بن يزيد بن ركانة قال: بعث إبراهيم بن عبد الله إلى أخيه بِحِمْلَى سيوف، فوضعها بالمذاد، فأرسل إلينا ليلة خرج وما نكون؟ مئة رجل! وهو على حمار أعرابيّ أسود، فافترق طريقان: طريق بُطْحان وطريق بني سلمة، فقلنا له: كيف نأخذ؟ قال: عليّ بني سلمة يسلمكم الله؛ قال: فجئنا حتى صرنا بباب لمروان.
قال: وحدّثني محمد بن عمرو بن رُتبيل بن نهشل أحد بني يربوع، عن أبي عمرو المديني (١) شيخ من قريش - قال: أصابتْنا السماء بالمدينة أيامًا، فلما أقلعت خرجتُ في غبّها متمطرًا، فانتسأت عن المدينة؛ فإنّي لفي رَحْلي إذ هبط عليّ رجل لا أدري من أين أتى، حتى جلس إليّ، وعليه أطمار له درِنة وعمامة رَثَّة، فقلت له: مِنْ أين أقبلت؟ قال: من غُنَيمة لي أوصيتُ راعيَها بحاجة لي، ثم أقبلت أريد أهلي، قال: فجعلت لا أسلك من العلم طريقًا إلا سبقني إليه، وكثرني فيه، فجعلت أعجب له ولما يأتي به، قلت: ممن الرجل؟ قال: من المسلمين، قلت: أجل، فمن أيهم أنت؟ قال: لا عليك؛ ألا تريد؟ قلت: بلى عليّ ذلك، فمن أنت؟ قال: فوثب وقال:
منخرق الخُفّيْن يشكو الوجى
الأبيات الثلاثة.
قال: ثم أدبر فذهب؛ فوالله ما فات مدى بصري حتى ندمت على تركه قبل معرفته؛ فاتبعته لأسأله؛ فكأنّ الأرض التأمت عليه، ثم رجعتُ إلى رَحْلي، ثم
ج ٩ ص ٨٧٧أتيت المدينة فما غبرت إلّا يومي وليلتي؛ حتى شهدت صلاة الصبح بالمدينة، فإذا رجل يصلّي بنا، لا أعرِف صوته، فقرأ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} ، فلما انصرف صعد المنبر، فإذا صاحبي، وإذا هو محمد بن عبد الله بن حسن.
قال: وحدّثني إسماعيل بن إبراهيم بن هود مولى قريش، قال: سمعت إسماعيل بن الحكم بن عوانة يخبر عن رجل قد سمّاه بشبيهة بهذه القصة.
قال إسماعيل: فحدّثت بها رجلًا من الأنبار يكنى أبا عبيد؛ فذكر أن محمدًا - أو إبراهيم - وجّه رجلًا من بني ضَبة - فيما يحسب إسماعيل بن إبراهيم بن هود - ليعلم له بعض علم أبي جعفر، فأتى الرّجلُ المسيّبَ وهو يومئذ على الشُّرَط، فمتّ إليه برحِمه، فقال المسيّب: إنه لابدّ من رفعك إلى أمير المؤمنين، فأدخله على أبي جعفر فاعترف، فقال: ما سمعتَه يقول؟ قال:
- (١)عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز قال النسائي متروك الحديث وقال البخاري منكر الحديث لا يكتب حديثه [تهذيب الكمال/ تر ٤٠٥٣].
- (١)طروقًا، أي ليلًا. القاموس ص ١١٦٦.
- (٢)جهم بن عثمان: "قال أبو حاتم مجهول [الجرح والتعديل ٢/ ٥٢٢، تر ٢١٩٩].
- (١)أبو عمرو المديني لم نجد له ترجمة والله أعلم.
-
شَرَّدَهُ الخَوْفُ فأزرى به ... كذاك من يكرهُ حَرّ الجلاد
قال أبو جعفر: فأبلغه أنا نقول:
وخُطَّةِ ذُلٍّ نجعلُ الموتَ دونها ... نقول لها للموت أهلًا ومرحبَا
وقال: انطلق فأبلغه (١) .
قال عمر: وحدثني أزهر بن سعيد بن نافع - وقد شهد ذلك - قال: خرج محمد في أول يوم من رجب سنة خمس وأربعين مئة، فبات بالمذاد هو وأصحابه، ثم أقبل في الليل، فدق السجن وبيت المال، وأمر برياح وابن مسلم فحبِسا معًا في دار ابن هشام (٢) .
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، قال: خرج محمد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين ومئة (٣) .
- (١)الملاحظ في الروايات التي أوردها الطبري في خبر خروج محمد ذي النفس الزكية وأخيه أنه يورد في أسانيده مجاهيل ومبهمين بصورة متزايدة كما هاهنا (من رجل) و (رجلًا من الأنبار يكنى أبا عبيد) .... إلخ.
- (٢)أزهر بن سعيد بن نافع لم نجد له ترجمة فيما بين أيدينا من المصادر.
- (٣)ذكرت كتب التراجم ثلاثة من الرواة بهذا الاسم الأول سمع هيثم بن شداخ كوفي قال ابن معين ليس بشيء كان بعد المئتين، والثاني هو النجار البصري ذكره ابن حبان في الثقات يروى عن الوقاص عن مكحول عن حذيفة روى عنه أبو حاتم والثالث شيخ أسند عنه ابن = = عساكر وسمى جده طبيح بن الحسن، انظر كتاب الثقات [٨/ ٤٦١] ولسان الميزان [تر ٥٨٩٥]. ولم يبيّن الطبري من يقصد بعلي الراوي هنا سوى أنه ذكر في (٧/ ٥٧٨) أن الراوي عنه يعقوب بن القاسم لقبه بصنعاء: فالله أعلم.
- ج ٩ ص ٨٧٨
وحدّثني عمر بن راشد، قال: خرج لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، فرأيت عليه ليلة خرج قَلَنْسُوة صفراء مضريّة وجبّة صفراء، وعمامة قد شدّ بها حَقْوَيْه وأخرى قد اعتمّ بها، متوشحًا سيفًا، فجعل يقول لأصحابه: لا تقتلوا، لا تقتلوا، فلما امتنعت منهم الدار، قال: ادخلوا من باب المقصورة، قال: فاقتحموا وحرّقوا باب الخَوْخة التي فيها، فلم يستطع أحد أن يمرّ، فوضع رزام مولى القسريّ تُرسه على النار، ثم تخطّى عليه، فصنع الناس ما صنع، ودخلوا من بابها، وقد كان بعض أصحاب رياح مارسوا على الباب، وخرج من كان مع رياح في الدار من دار عبد العزيز من الحمام، وتعلّق رياح في مشربَة في دار مَرْوان، فأمر بدرجها فهُدمت، فصعدوا إليه فأنزلوه وحبسوه في دار مَرْوان، وحبسوا معه أخاه عباس بن عثمان، وكان محمد بن خالد وابن أخيه النذير بن يزيد ورزام في الحبْس، فأخرجهم محمد، وأمر النذير بالاستيثاق من رياح وأصحابه.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: حبس محمد رياحًا وابن أخيه وابن مسلم بن عُقْبة في دار مروان.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن خاله راشد بن حفص، قال: قال رزام للنذير: دَعْني وإياه فقد رأيتَ عذابَه إيايَ، قال: شأنك وإياه، ثم قام ليخرج، فقال له رياح: يا أبا قيس؛ قد كنتُ أفعل بكم ما كنت أفعل؛ وأنا بسؤددكم عالم، فقال له النذير: فعلتَ ما كنت أهله، ونفعل ما نحن أهله، وتناوله رزام فلم يزل به رياح أيصلب إليه حتى كفّ، وقال: والله إن كنتَ لبَطِرًا عند القدرة، لئيمًا عند البلية.
قال: وحدّثني موسى بن سعيد الجُمحيّ، قال: حبس، ياح محمد بن لمَرْوان بن أبي سليط من الأنصار، ثم أحد بني عمرو بن عوف، فمدحه وهو محبوس، فقال:
ج ٩ ص ٨٧٩وما نَسِيَ الذِّمامَ كريمُ قيس ... ولا مُلقَى الرجالِ إلى الرجالِ
إذا ما الباب قَعْقَعَهُ سعيدٌ ... هَدَجنا نحوه هَدْجَ الرّئال
دبيبَ الذَّر تُصبحُ حين (١) يمشي ... قِصارَ الخطو غيرَ ذوي اختيال
قال: حدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني إسماعيل بن يعقوب التيميّ قال: صعد محمد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أما بعد أيها الناس؛ فإنه كان من أعر هذا الطاغية عدوّ الله أبي جعفر ما لم يخفَ عليكم، من بنائه القبّة الخضراء التي بناها معاندًا لله في ملكه، وتصغيرًا للكعبة الحرام؛ وإنما أخذ الله فرعون حين قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} وإنّ أحقَّ الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين.
- (١)إسماعيل بن يعقوب ضعيف الحديث وله حكاية منكرة عن مالك (لسان الميزان/ تر ١٣٩٥). وانظر الجرح والتعديل (٢/ ٢٠٤/ تر ٦٩٠).
-
اللهمَّ إنَهم قد أحلّوا حرامَك، وحرّموا حلالك، وآمنوا من أخفت، وأخافوا من آمنت، اللهمّ فأحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا، أيّها الناس إني والله ما خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي أهل قُوّة ولا شدّة، ولكني اخترتكم لنفسي؛ والله ما جئت هذه وفي الأرض مصْرٌ يعبَد الله فيه إلا وقد أخِذَ لي في البيعة.
قال: وحدّثني موسى بن عبد الله، قال: حدّثني أبي عن أبيه، قال: لما وجهني رياح بلغ محمدًا فخرج من ليلته؛ وقد كان رياع تقدّم إلى الأجناد الّذين معي، إن اطّلع عليهم من ناحية المدينة رجل أن يضربوا عنقي؛ فلما أُتِيَ محمد برياح، قال. أين موسى؟ قال: لا سبيل إليه، والله لقد حدرته إلى العراق، قال: فأرسل في أثره فردّه، قال: قد عهدت إلى الجند الذين معه إن رأوا أحدًا مقبلًا من المدينة أن يقتلوه، قال: فقال محمد لأصحابه: مَنْ لي بموسى؟ فقال: ابنُ خضير: أنا لك به، قال: فانظر رجالًا، فانتخب رجالًا ثم أقبل. قال: فوالله ما راعنا إلّا وهو بين أيدينا؛ كأنما أقبل من العراق، فلما نظر إليه الجند قالوا: رسل أمير المؤمنين، فلما خالطونا شَهروا السلاح، فأخذني القائد وأصحابه،
ج ٩ ص ٨٨٠وأناخ بي وأطلقني من وَثاقي، وشخص بي حتى أقدمني على محمد.
قال عمر: حدثني عليّ بن الجعد، قال: كان أبو جعفر يكتب إلى محمد عن ألسن قوّاده يدعونه إلى الظهور، ويخبرونه أنهم معه؛ فكان محمد يقول: لو التقينا مال إليّ القوّاد كلهم.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما أخذ محمد المدينة استعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزوميّ، وعلى الشّرَط أبا القلمّس عثمان بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مخرمة، وبعث إلى محمد بن عبد العزيز: إني كنت لأظنك ستنصرنا، وتقيم معنا، فاعتذر إليه وقال: أفعل؛ ثم انسلّ منه فأتى مكة.
قال: وحدّثني إسماعيل بن إبراهيم بن هود، قال: حدّثني سعيد بن يحيى أبو سفيان الحميريّ، قال: حدّثني عبد الحميد بن جعفر، قال: كنت على شُرَط محمد بن عبد الله حتى وجّهني وجهًا، وولى شرَطه الزبيريّ.
قال: وحدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: لم يتخلّف عن محمد أحد من وجوه الناس إلّا نفر، منهم الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام، وأبو سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وخُبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير.
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثتني جدتي كلثم بنت وهب قالت: لما خرج محمد تنحَّى أهلُ المدينة، فكان فيمن خرج زوجي عبد الوهاب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير إلى البَقيع، فاختبأت عند أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبد الله بن عباس، قالت: فكتب إليّ عبد الوهاب بأبيات قالها، فكتبت إليه:
رَحمَ اللهُ شبابًا ... قاتلوا يومَ الثنيّهْ
قاتلوا عنه: بُنيَّا ... تٌ وأحسابٌ نقيَّهْ
فرّ عنهُ الناسُ طُرًّا ... غيرَ خَيلٍ أَسديَّهْ
ج ٩ ص ٨٨١قالت: فزاد الناس:
قَتَل الرحمنُ عيسى ... قاتل النفسِ الزَّكيّهْ
قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن سنان الحكميّ أخُو الأنصار، قال: أخبرني غير واحد أنّ مالك بن أنس استُفتى في الخروج مع محمد، وقيل له: إنّ في أعناقنا بيعةً لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين، وليس على كل مكرَه يمين، فأسرع الناس إلى محمد، ولزم مالك بيته.
-
وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني ابنُ أبي مليكة مولَى عبد الله بن جعفر، قال: أرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر - وقد كان بلغ عُمْرًا - فدعاه محمد حين خرج إلى البيعة، فقال: يا بن أخي، أنت والله مقتول، فكيف أبايعك! فارتدع الناس عنه قليلًا، وكان بنو معاوية قد أسرعوا إلى محمد، فأتته حمادة بنت معاوية، فقالت: يا عمّ، إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم، وإنك إن قلت هذه المقالة ثبّطت عنه الناس، فيقتل ابن خالي وإخوتي، قال: فأبى الشيخ إلّا النهي عنه، فيقال: إنّ حمّادة عدتْ عليه فقتلته؛ فأراد محمد الصلاة عليه، فوثب عليه عبد الله بن إسماعيل، فقال: تأمر بقتل أبي ثم تصلي عليه! فنحّاه الحرس، وصلى عليه محمد.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدثني أبي، قال: أتِيَ محمد بعبيد الله بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ مغمضًا عينيه، فقال: إن عليّ يمينًا إن رأيته لأقتلنّه، فقال عيسى بن زيد: دعني أضرب عنقه، فكفّه عنه محمد.
قال: وحدّثني أيوب بت عمر، قال: حدّثني محمد بن معن، قال: حدّثني محمد بن خالد القَسْريّ، قال: لما ظهر محمد وأنا في حَبْس ابن حيّان أطلقني؛ فلما سمعت دعوته التي دعا إليها على المنبر، قلت: هذه دعوة حقّ؛ والله لأبلِينّ الله فيها بلاء حسنًا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قد خرجت في هذا البلد؛ والله لو وُقف على نقْب من أنقابه مات أهلُه جوعًا وعطشًا، فانهض معي؛ فإنما هي عشر حتى أضربه بمئة ألف سيف، فأبى عليّ، فإني لعنده يومًا إذ قال لي: ما وجدنا من حُرّ المتاع شيئًا أجودَ من شيء وجدناه عند ابن أبي فَرْوة، ختَن أبي الخصيب - وكان انتهبَه - قال: فقلت: ألا أراك قد أبصرتَ حُرّ المتاع! فكتبتُ
ج ٩ ص ٨٨٢إلى أمير المؤمنين فأخبرته بقلة مَنْ معه، فعطف عليّ، فحبسني حتى أطلقني عيسى بن موسى بعد قتله إياه.
قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثتني أختي بُريكةُ بنت عبد الحميد، عن أبيها، قال: إني لعند محمد يومًا ورجله في حِجْري؛ إذ دخل عليه خَوّات بن بكير بن خوّات بن جُبير، فسلم عليه.
-
فردّ عليه سلامًا ليس بالقوي، ثم دخل عليه شابٌّ من قريش، فسلَّم عليه فأحسن الردّ عليه، فقلت: ما تدع عصبِيّتَك بعد! قال: وما ذلك؟
قلت: دخل عليك سيد الأنصار فسلم فرددت عليه ردًّا ضعيفًا، ودخل عليك صُعلوك من صعاليك قريش فسلَّم فاحتفلت في الردّ عليه! فقال: ما فعلتُ ذاك؛ ولكنك تفقدتَ مني ما لا يتفقد أحد من أحد.
قال: وحدّثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم، قال: استعمل محمد الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر على مكة، ووجّه معه القاسم بن إسحاق واستعمله على اليمن.
قال: وحدثني محمد بن إسماعيل عن أهله، أن محمدًا استعمل القاسم بن إسحاق على اليمن وموسى بن عبد الله على الشأم، يدعوان إليه؛ فقُتل قبل أن يصلا.
قال: وحدّثني أزهر بن سعيد، قال: استعمل محمد حين ظهر عبد العزيز بن الدراورديّ على السلاح.
قال: وأخبرني محمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زَبَالة وغيرهما، قالوا: لما ظهر محمد، قال ابن هَرْمة - وقد أنشد بعضهم ما لم ينشد غيرُه لأبي جعفر:
غلبتَ على الخلافة مَن تمنَّى ... ومنَاه المُضِلُّ بها الضَّلُولُ
فأَهلك نفسَه سَفَهًا وجُبْنًا ... ولم يُقسَمْ له منها فتيلُ
ووآزرَهُ ذَوو طَمَعٍ فكانوا ... غُثاءَ السَّيْل يجمعه السُّيولُ
دَعوا إبليسَ إذ كذبوا وجارُوا ... فلم يُصرِخْهمُ المُغوِي الخَذول
وكانوا أهلَ طاعتِهِ فولَّى ... وسار وراءَه منهم قبيل
وهُمْ لم يُقصِرُوا فيها بحقّ ... على أثَرِ المُضِلِّ ولم يُطِيلوا
ج ٩ ص ٨٨٣وما النّاسُ احْتَبَوْك بها، ولكن ... حَبَاك بذلك الملك الجليلُ
تراثُ محمد لكمُ وكنتمْ ... أصولَ الحقِّ إذ نُفِيَ الأُصولُ (١)
قال: وحدّثني محمود بن مَعْمر بن أبي الشدائد الفزاريّ وموهوب بن رشيد بن حيّان الكلابي، قال: قال أبو الشدائد لما ظهر محمد وتوجّه إليه عيسى:
أتتك النجائبُ والمُقْرَباتُ ... بعيسى بن موسى فلا تَعْجَل
قال: وحدّثني عيسى، قال: كان محمد آدم شديد الأدْمة، أدلم (٢) جسيمًا عظيمًا؛ وكان يلقب القارئ من أدْمته، حتى كان أبو جعفر يدعوه محمّمًا.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني إبراهيم بن زياد بن عنبسة، قال: ما رأيتُ محمدًا رَقِيَ المنبر قطّ إلا سمعت بقعقعة من تحته؛ وإني لبمكاني ذلك.
قال: وحدّثني عبد الله بن عمر بن حبيب، قال: حدثني من حضر محمدًا على المنبر يخطب؛ فاعترض بَلْغَم في حلقه فتنحنح، فذهب ثم عاد فتنحنح، فذهب ثم عاد فتنحنح، ثم عاد فتنحنح ثم نظر فلم ير موضعًا؛ فرمى بنُخامته سَقْف المسجد فألصقها به.
قال: وحدّثني عبد الله بن نافع، قال: حدّثني إبراهيم بن عليّ من آل أبي رافع، قال: كان محمد تمتامًا، فرأيته على المنبر يتلجلج الكلام في صدره، فيضرب بيده على صَدْره، ويستخرج الكلام.
قال: وحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: دخل عيسى بن موسى يومًا على أبي جعفر، فقال: سرّك الله يا أمير المؤمنين! قال: فيم؟ قال: ابتعتُ وجه دار عبد الله بن جعفر من بني معاوية؛ حسن ويزيد وصالح، قال أتفرح! أما والله ما باعوها إلّا ليثبِوا عليك بثمنها.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن عبد الله بن الربيع بن عبيد الله بن عبد المدان بن عبيد الله، قال: خرج محمّد بالمدينة، وقد خطّ المنصور مدينته بغداد
ج ٩ ص ٨٨٤بالقصب، فسار إلى الكوفة وسرتُ معه، فصيَّح بي فلحقتُه، فصَمتَ طويلًا ثم قال: يا بن الربيع، خرج محمد، قلت: أين؟ قال: بالمدينة، قلت: هلك والله وأهلك؛ خرج والله في غير عدد ولا رجال يا أميرَ المؤمنين؛ ألا أحدّثك حديثًا حدّثنيه سعيد بن عمرو بن جعدة المخزوميّ؟ قال: كنت مع مَرْوان الزّاب واقفًا، فقال: يا سعيد، مَنْ هذا الذي يقاتلني في هذه الخيل؟ قلتُ: عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: أيّهم هو؟ عَرِّفْه، قلت: نعم، رجل أصفر حَسَن الوجه رقيق الذراعين، رجل دخل عليك يشتم عبد الله بن معاوية حين هزم؛ قال: قد عرفته، والله لوددت أن عليّ بن أبي طالب يقاتلني مكانه؛ إن عليّا وولده لاحظّ لهم في هذا الأمر، وهذا رجل من بني هاشم وابن عمّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عباس، معه ريح الشأم ونصر الشأم، يا بن جعدة، تدري ما حملني على أن عقدتُ لعبد الله وعبيد الله ابني مروان، وتركتُ عبدَ الملك وهو أكبر من عبيد الله؟ قلتُ: لا، قال: وجدتُ الذي يلي هذا الأمر عبد الله؛ وكان عبيد الله أقربَ إلى عبد الله من عبد الملك، فعقدتُ له، فقال: أنشدك الله! أحدّثك هذا ابن جعدة! قلت: ابنةُ سفيان بن معاوية طالق البتّة إن لم يكن حدثني ما حدتتك.
قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: خرج إلى أبي جعفر في الليلة التي ظهر فيها محمد رجل من آل أويس بن أبي سَرْح من بني عامر بن لؤيّ، فسار تسعًا من المدينة، فتهدم ليلًا، فقام على أبواب المدينة، فصاح حتى نُذِر به، فأدخِل، فقال له الربيع: ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم! قال: لابدّ لي منه، قال: أعلمْنا نُعلمْه، فأبى فدخل الرّبيع عليه فأعلَمه، فقال: سلْه عن حاجته ثم أعلمني؛ قال: قد أبى الرّجلُ إلا مشافهتك، فأذن له، فدخل عليه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، خرج محمد بن عبد الله بالمدينة، قال: قتلتَه وانته إن كنت صادقًا! أخبرني مَنْ معه؟ فسمَّى له مَن خرج معه من وجوه أهل المدينة وأهل بيته، قال: أنتَ رأيتَه وعاينتَه؟ قال: أنا رأيته وعاينته وكلمتُه على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسًا، فأدخله أبو جعفر بيتًا، فلما أصبح جاءه رسول لسعيد بن دينار، غلام عيسى بن موسى كان يلي أموال عيسى بالمدينة، فأخبره بأمر محمد، وتواترت عليه أخباره، فأخرج الأويسيّ فقال: لأوطئنّ الرجال عَقِيبك ولأغنينّك؛ وأمر له بتسعة آلاف، لكلّ ليلة سارَها ألفًا.
- (١)ج: "إذ بقى".
- (٢)الأدلم: الشديد السواد من الرجال. القاموس ص ١٤٣١.
- ج ٩ ص ٨٨٥
قال: وحدّثني ابن أبي حرب، قال: لما بلغ أبا جعفر ظهورُه أشفق منه؛ فجعل الحارث المنجّم يقول له: يا أميرَ المؤمنين، ما يجزعك منه! فوالله لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يومًا (١) [٧/ ٥٥٢ - ٥٦٤] .
قال: وحدّثني سهل بن عقيل بن إسماعيل، عن أبيه، قال: لما بلغ أبا جعفر خبره بادر إلى الكوفة، وقال: أنا أبو جعفر؛ استخرجت الثعلب من جُحْره.
قال: وحدّثني عبد الملك بن سليمان، عن حبيب بن مرزوق، قال: حدّثني تسنيم بن الحواريّ، قال: لما ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد الله، أرسل أبو جعفر إلى عبد الله بن عليّ وهو محبوس عنده: إنّ هذا الرجل قد خرج؛ فإن كان عندك رأي فأشِرْ به علينا - وكان ذا رأي عندهم - فقال: إنَّ المحبوس محبوس الرأي، فأخرجني حتى يخرج رأيي؛ فأرسل إليه أبو جعفر: لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك؛ وأنا خير لك منه، وهو مُلْك أهل بيتك، فأرسل إليه عبد الله: ارتحل الساعة حتى تأتيَ الكوفة، فاجثم على أكبادهم؛ فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم، ثم احففْها بالمسالح؛ فمن خرج منها إلى وَجْه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه؛ وابعث إلى سَلْم بن قتيبة ينحدر عليك - وكان بالرّيّ - واكتب إلى أهل الشأم فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد، فأحسِنْ جوائزهم، ووجّههم مع سَلْم ففعل.
قال: وحدّثني العباس بن سفيان بن يحيى بن زياد، قال: سمعتُ أشياخنا يقولون: لما ظهر محمد ظهر وعبد الله بن عليّ محبوس، فقال أبو جعفر لإخوته: إن هذا الأحمق لا يزال يطلع له الرأي الجيّد في الحرب؛ فادخلوا عليه فشاوروه ولا تُعلموه أني أمرتكم، فدخلوا عليه، فلما رآهم قال: لأمر ما جئتم؛ ما جاء بكم جميعًا وقد هجرتموني منذ دَهْر! قالوا: استأذنَّا أميرَ المؤمنين فأذن لنا، قال: ليس هذا بشيء؛ فما الخبر؟ قالوا: خرج ابن عبد الله، قال: فما ترون ابن سلامة صانعًا؟ يعني أبا جعفر - قالوا: لا ندري والله، قال: إنّ البُخل قد
ج ٩ ص ٨٨٦قتله، فمروه فليُخرج الأموال، فليُعْط الأجناد، فإن غلب فما أوشك أن يعود إليه مالُه، وإن غُلب لم يقدم صاحبُه على درهم واحد.
قال: وحدّثنا عبد الملك بن شيبان، قال: أخبرني زيد مولى مسمع بن عبد الملك، قال: لما ظهر محمد دعا أبو جعفر عيسى بن موسى، فقال له: قد ظهر محمد فسرْ إليه، قال: يا أمير المؤمنين؛ هؤلاء عمومتك حولك، فادْعهُم فشاورهم، قال: فأين قول ابن هَرْمة:
تروْن امْرَأً لا يُمْحِض القومَ سِرّهُ ... ولا يَنْتَجِي الأُذْنَيْنِ فيما يحاولُ
إذا ما أَتى شيئًا مضى كالذي أَبَى ... وإن قال إني فاعِلٌ فهو فاعِلُ
قال: وحدّثني لمحمد بن يحيى، قال: نسختُ هذه الرسائل من محمد بن بشير؛ وكان بشير يصححها؛ وحدّثنيها أبو عبد الرحمن من كُتّاب أهل العراق والحكم بن صدقة بن نزار، وسمعت ابن أبي حرب يصحّحُها؛ ويزعم أن رسالة محمد لما وردتْ على أبي جعفر، قال أبو أيوب: دعني أجبْه عليها، فقال أبو جعفر: لا بل أنا أجيبه عنها؛ إذ تقارعنا على الأحساب فدعني وإيّاه.
قالوا: لما بلغ أبا جعفر المنصور ظهورُ محمد بن عبد الله المدينة كتب إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن عبد الله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (١) ولك على عهد الله وميثاقه وذمَّتُه وذِمَّةُ رسوله - صلى الله عليه وسلم - إنْ تبت ورجَدْت منَ قبل أن أقدر عليك أن أؤمنك وجميعَ ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومَن اتّبعكم على دمائكم وأموالكم، وأسوّغك ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف درهم، وما سألت من الحوائج، وأنزِلَك من البلاد حيث شئتَ، وأن أطلق مَنْ في حبسي من أهل بيتك، وأن أؤمّن كلّ مَنْ جاءك وبايعك واتبعك، أو دخل معك في شيء من أمرك، ثم لا أتبع أحدًا منهم بشيء كان منه أبدًا، فإن أردت أن
ج ٩ ص ٨٨٧تتوثّق لنفسك، فوجِّه إليّ مَنْ أحببتَ يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تثق به.
- (١)وهنا خبر منكر آخر من مناكير المجهول ابن أبي حرب والروايات الصحيحة التي سنذكرها في سيرة أبي جعفر بعد ذكر وفاته تبين أنه كان يستثير العلماء ويتقرب إليهم بعكس ما صوره ابن أبي حرب في أكثر من موضع من أنه كان يستشير المنجمين ويسمع لهم.
- (١)المائدة: ٣٣، ٣٤.
-
وكتب على العنوان: من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله. فكتب إليه محمد بن عبد الله:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الله المهديّ محمد بن عبد الله إلى عبد الله بن محمد: {طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} (١) وأنا أعرضُ عليك من الأمان مثلَ الذي عرضْتَ عليّ، فإنْ الحقّ حَقُّنا؛ وإنما ادّعيتم هذا الأمر بنا، وخرجتم له بشيعتنا، وحظيتم بفضلنا؛ وإنّ أبانا عليًّا كان الوصيّ وكان الإمام؛ فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء! ثم قد علمتَ أنه لم يطلب هذا الأمر أحدٌ له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا؛ لسنا من أبناء اللعنَاء ولا الطرداء ولا الطلَقاء، وليس يمتّ (٢) أحدٌ من بني هاشم بمثل الذي نمتُّ به من القَرابة والسابقة والفَضْل؛ وإنا بنو أمّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة بنت عمرو في الجاهليّة وبنو بنته فاطمة في الإسلام دونكم.
- (١)القصص: ١ - ٥.
- (٢)يمت، أي يتوسل، القاموس ص ٢٠٥. وبعدها في الكامل: "دونكم".
-
إن الله اختارنا واختار لنا؛ فوالدنا من النبيين محمد - صلى الله عليه وسلم -، ومن السلف أوّلهم إسلامًا عليّ، ومن الأزواج أفضلهنّ خديجة الطاهرة، وأوّل مَنْ صلى القبلة، ومن البنات خيرهُنّ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ومن المولودين في الإسلام حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنة؛ وإنّ هاشمًا ولد عليًّا مرتين (٣) ؛ وإن عبد المطلب ولد حسنًا مرتين (٤) وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولدني مرّتين من قِبل حسن
ج ٩ ص ٨٨٨وحسين؛ وإني أوسط بني هاشم نسبًا، وأصرحُهم أبًا، لم تعرّق فيّ العجم (١) ، ولم تنازع فيّ أمهاتُ الأولاد؛ فما زال الله يختارُ لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في النار؛ فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأهونهم عذابًا في النار (٢) ، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير الأشرار، وابن خير أهل الجنة، وابن خير أهل النار، ولك الله عليّ إن دخلتَ في طاعتي، وأجبت دعوتي أن أؤمّنك على نفسك ومالك؛ وعلى كل أمر أحدثته؛ إلا حدًّا من حدود الله أو حقًّا لمسلم أو معاهد؛ فقد علمتَ ما يلزمك من ذلك، وأنا أوْلى بالأمر منك وأوفى بالعهد؛ لأنك أعطيتَني من العهد والأمان ما أعطيته رجالًا قبلي؛ فأيّ الأمانات تعطيني! أمان ابن هبيرة، أم أمان عمّك عبد الله بن عليّ، أم أمان أبي مسلم (٣) !
- (٣)يعني علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وعليا زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
- (٤)يعني جده وأبا جده، فهو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
- (١)يعرض بالمنصور؛ وكانت أمه أم ولد يقال لها سلامة بربرية؛ انظر مروج الذهب (٢: ٢٩٤).
- (٢)يعني جده أبا طالب.
- (٣)كامل المبرد: (١١٣ - ١١٦).
-
فكتب إليه أبو جعفر:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعدُ، فقد بلغني كلامُك، وقرأتُ كتابَك، فإذا جلُّ فخرك بقرابة النساء؛ لتضلَّ به الجُفاة والغوغاء؛ ولم يجعل الله النساء كالعمُومة والآباء، ولا كالعَصبة والأولياء؛ لأن الله جعل العمّ أبًا، وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا (٤) ، ولو كان اختيارُ الله لهنّ على قدر قرابتهنّ كانت آمنةُ أقرَبهن رحِمًا، وأعظمهن حقًّا؛ وأوّل من يدخل الجنة غدًا؛ ولكن اختيار الله لخلقه على علمه لما مضى منهم، واصطفائه لهم.
- (٤)الكامل: "الوالد الأدنى"، وبعدها هناك: "فقال جل ثناؤه عن نبيه يوسف عليه السلام {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}.
-
وأما ما ذكرت من فاطمة أمّ أبي طالب وولادتها؛ فإن الله لم يرزق أحدًا من ولدها (٥) الإسلام لا بنتًا ولا ابنًا؛ ولو أن أحدًا رُزق الإسلام بالقرابة رُزقه عبد الله
ج ٩ ص ٨٨٩أوْلاهم بكلّ خير في الدنيا والآخرة؛ ولِكنّ الأمر لله يختارُ لدينه من يشاء؛ قال الله عزّ وجل: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (١) ؛ ولقد بعث الله محمدًا عليه السلام وله عُمومة أربعة، فأنزل الله عز وجل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (٢) . فأنذرهم ودعاهم، فأجاب اثنان أحدهما أبي، وأبى اثنان أحدهما أبوك؛ فقطع الله ولايتهما منه؛ ولم يجعل بينه وبينهما إلَّا ولا ذمة ولا ميراثًا. وزعمتَ أنك ابن أخفّ أهل النار عذابًا وابن خير الأشرار؛ وليس في الكفر بالله صغير، ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير؛ وليس في الشرّ خيار؛ ولا ينبغمي لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار، وستردُ فتعلم، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} (٣) .
- (٥)ذكر الطبري أن أولادها هم: "عبد الله أبو رسول الله، والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وبرة، وأميمة، ولد عبد المطلب إخوة، وأمهم جميعًا فاطمة بنت عمرو".
- (١)القصص: ٥٦.
- (٢)الشعراء: ٢١٤.
- (٣)الشعراء: ٢٢٧.
-
وأما ما فخرت به من فاطمة أمّ عليّ وأنّ هاشمًا ولده مرتين، ومن فاطمة أمّ حسن، وأن عبد المطلب ولده مرتين؛ وأن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ولدك مرتين؛ فخير الأوّلِين والآخرين رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يلده هاشم إلّا مرةً ولا عبد المطلب إلا مرّة.
-
وزعمت أنك أوسط بني هاشم نسبًا، وأصرحهم أمًّا وأبًا؛ وأنه لم تلدك العجَمُ ولم تعرّق فيك أمّهاتُ الأولاد؛ فقد رأيتُك فخرت عليّ بني هاشم طرًّا؛ فانظر ويحك أين أنْتَ من الله غدًا! فإنك قد تعدَّيتَ طَوْرك، وفخرت على مَنْ هو خير منك نفسًا وأبًا وأولًا وآخرًا، إبراهيم (٤) بن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى والد ولده؛ وما خيار بني أبيك خاصّة وأهل الفضل منهم إلّا بنو أمهات أولاد، وما وُلد فيكم بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضلُ من عليّ بن حسين، وهو لأمّ (٥) ولد؛ ولهو خير من جدّك حسن بن حسن؛ وما كان فيكم بعده مثلُ ابنه محمد بن عليّ، وجدّتُه أمّ ولد؛ ولهو خيرٌ من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر وجدّته أمّ ولد؛ ولهو خيرٌ منك.
- (٤)أم إبراهيم مارية التي أهداها المقوقس عظيم القبط إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
- (٥)أم علي زين العابدين؛ سبية من بنات يزدجرد. وانظر ابن خلكان (١: ٣٢٠).
-
وأما قولك: إنكم بنو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن الله تعالى يقول في كتابه: {مَا كَانَ
ج ٩ ص ٨٩٠مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} (١) ، ولكنكم بنو ابنته؛ وإنها لقرابة قريبة؛ ولكنها لا تحوز الميراث، ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإمامة؛ فكيف تورَث بها! ولقد طلبها أبوك بكلّ وجه فأخرجها نهارًا، ومَرضها سرًّا، ودفنها ليلًا؛ فأبى الناس إلا الشيخين وتفضيلهما، ولقد جاءت السنّة التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أن الجدّ أبا الأم والخال والخالة لا يرثون.
- (١)الأحزاب: ٤٠.
-
وأما ما فخرت به من عليّ وسابقته، فقد حضرتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - الوفاةُ، فأمر غيرَه بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلًا بعد رجل فلم يأخذوه؛ وكان في الستّة فتركوه كلهم دفعًا له عنها، ولم يروْا له حقًّا فيها؛ أما عبد الرحمن فقدّم عليه عثمان، وقُتِل عثمان وهو له متَّهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبى سعد بيعَته، وأغلق دونه بابه، ثم بايع معاويةَ بعده، ثم طلبها بكلّ وجه وقاتل عليها، وتفرّق عنه أصحابه، وشكّ فيه شيعتُه قبل الحكومة، ثم حكَّم حكَمين رضي بهما، وأعطاهما عهده وميثاقه، فاجتمعا على خلعه، ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرَق ودراهم ولحق بالحجاز، وأسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غير أهله؛ وأخذ مالًا من غير ولائه ولا حِلّه، فإنْ كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه، ثم خرج عمّك حسين بن عليّ على ابن مَرْجانة (٢) ، فكان الناس معه عليه حتى قتلوه، وأتْوا برأسه إليه، ثم خرجتم عليّ بني أميّة، فقتلوكم وصلَّبوكم على جُذوع النخل، وأحرقوكم بالنيران، ونفوْكم من البلدان؛ حتى قُتِل يحيى بن زيد بخُراسان، وقتلوا رجالكم وأسروا الصِّبيْة والنساء، وحملوهم بلا وطاء في المحامل (٣) كالسّبْي المجلوب إلى الشأم؛ حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم وديارهم، وسنّينا سلفكم وفضّلناه، فاتخذتَ ذلك علينا حجة.
- (٢)هو عبيد الله بن زياد، ومرجانة أمه.
- (٣)الوطاء: المهاد الوطئ. القاموس ص ٧٠. والمحمل: شقان على البعير؛ يحمل فيهما العديلان؛ وجمعه محامل. القاموس ص ١٢٧٦. في الكامل: "ثم أتوابكم على الأقتاب من غير أوطئة كالسبي المجلوب".
-
وظننت أنا إنما ذكرنا أباك وفضلناه للتقدمة منّا له على حمزة والعباس
ج ٩ ص ٨٩١وجعفر؛ وليس ذلك كما ظننت؛ ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين، متسلَّمًا منهم، مجتمَعًا عليهِم بالفضل، وابتُلي أبوك بالقتال والحرب؛ وكانت بنو أميّة تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة، فاحتججنا له وذكّرناهم فضله وعنّفناهم وظلّمناهم بما نالوا منه، ولقد علمتَ أن مكرُمتنا في الجاهلية سقايةُ الحجيج الأعظم، وولاية زمزم؛ فصارت للعباس من بين إخوته؛ فنازعَنا فيها أبوك، فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام، ولقد قحط أهلُ المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربّه ولم يتقرّب إليه إلا بأبينا، حتى نعَشهم الله وسقاهم الغيث، وأبوك حاضرٌ لم يتوسّل به؛ ولقد علمت أنه لم يبق أحدٌ من بني عبد المطلب بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - غيرُه؛ فكان وراثَه من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غيرُ واحد من بني هاشم فلم يَنَلْه إلا ولدُه؛ فالسقايةُ سقايتُه وميراثُ النبيّ له، والخلافة في ولده، فلم يبق شَرَفٌ ولا فضل في جاهلية ولا إسلام في دنيا ولا آخرة إلّا والعباس وارثه ومورّثه.
-
وأما ما ذكرت من بَدْر؛ فإن الإسلام جاء والعباس يمون أبا طالب وعياله، وينفق عليهم للأزمة التي أصابته؛ ولولا أنّ العباس أخرج إلى بدر كارهًا لمات طالب وعَقِيل جوعًا، وَلَلَحسا جفان عُتْبة وشيبة؛ ولكنه كان من المطعِمين، فأذهب عنكم العار والسبَّة، وكفَاكم النَّفقة والمؤونة، ثم فدى عَقِيلًا يوم بَدْر؛ فكيف تفخر علينا وقد عُلْناكم في الكفر، وفديناكم من الأسر، وحُزْنا عليكم مكارم الآباء، وورثنا دونكم خاتم الأنبياء، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه؛ ولم تدركوا لأنفسكم! والسلام عليك ورحمة الله (١) .
قال عمر بن شبّة: حدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: أجمع ابن القسريّ على الغدر بمحمد، فقال له: يا أمير المؤمنين، ابعث موسى بن عبد الله ومعه رزامًا مولايَ إلى الشأم يدعوان إليك.
- (١)كامل المبرد ٤: ١١٦ - ١٢٠.
-
فبعثهما فخرج رزام بموسى إلى الشأم، وظهر محمد على أن القسريّ كتب إلى أبي جعفر في أمره، فحبسه في نفر ممن كان معه في دار ابن هشام التي في قبلة مصلى الجنائز - وهي اليوم لفرج الخصيّ - وورد رزام بموسى الشأم، ثم
ج ٩ ص ٨٩٢انسلَّ منه، فذهب إلى أبي جعفر، فكتب موسى إلى محمد: إني أخبرك أني لقيت الشأم وأهله، فكان أحسنهم قولًا الذي قال: والله لقد مللنا البلاء، وضقنا به ذرعًا؛ حتى ما فينا لهذا الأمر موضع، ولا لنا به حاجَة؛ ومنهم طائفة تحلف: لئن أصبحنا من ليلتنا أو مسّينا من غد ليرفعنّ أمرنا وليدلنّ علينا؛ فكتبت إليك وقد غيبت وجهي، وخفت على نفسي، قال الحارث: ويقال إنّ موسى ورزامًا وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور توجهوا إلى الشأم في جماعة؛ فلما ساروا بتيْماء، تخلّف رزام ليشتري لهم زادًا، فركب إلى العراق، ورجع موسى وأصحابه إلى المدينة.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدثني موسى بن عبد الله، ببغداد ورزام معنا، قال: بعثني محمد ورزامًا في رجال معنا إلى الشأم، لندعُوَ له؛ فإنا لبدَوْمَة الجِندل؛ إذا أصابنا حرٌّ شديد؛ فنزلنا عن رواحلنا نغتسل في غدير، فاستلَّ رزام سيفه، ثم وقف على رأسي، وقال: يا موسى، أرأيتَ لو ضربتُ عنقك ثم مضيت برأسك إلى أبي جعفر؛ أيكون أحد عنده في منزلتي! قال: قلت: لا تدع هزلَك يا أبا قيس! شمْ سيفك غفر الله لك. قال: فشام سيفه، فركبنا، قال عيسى: فرجع موسى قبل أن يصل إلى الشأم، فأتى البصرة هو وعثمان بن محمد، فدُلّ عليهما، فأخِذا.
قال: وحدّثني عبد الله بن نافع بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير، قال: حدّثني أخي عبد الله بن نافع الأكبر، قال: لما ظهر محمد لم يأته أبي نافع بن ثابت، فأرسل إليه، فأتاه وهو في دار مَرْوان، فقال: يا أبا عبد الله، لم أرك جئتنا! قال: ليس فيّ ما تريد، فألحّ عليه محمد؛ حتى قال: البس السلاحَ يتأسّ بك غيرك، فقال: أيها الرجل؛ إني والله ما أراك في شيء، خرجتَ في بلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كُراع ولا سلاح؛ وما أنا بمهلك نفسي معك، ولا معين على دمي، قال: انصرفْ؛ فلا شيء فيك بعد هذا قال: فمكث يختلف إلى المسجد إلى أن قُتِل محمد، فلم يصلّ في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومُ قُتل إلا نافع وحدَه.
-
ووجّه محمد بن عبد الله لما ظهر - فيما ذكر عمر بن أزهر بن سعيد بن نافع - الحسن بن معاوية إلى مكة عاملًا عليها، ومعه العباس بن القاسم - رجل من آل أبي لهب - فلم يشعر بهم السريّ بن عبد الله حتى دنَوْا من مكة، فخرج إليهم،
ج ٩ ص ٨٩٣فقال له مولاه: ما رأيك؟ قد دنونا منهم، قال: انهزِموا على بركة الله، وموْعدكم بئر ميمون، فانهزموا؛ ودخلها الحسن بن معاوية، وخرج الحسين بن صَخْر - رجل من آل أوَيس - من ليلته، فسار إلى أبي جعفر تسعًا فأخبره فقال: "قد أنصف الْقَارة من رَاماها" (١) ، وأجازه بثلاثمئة درهم.
قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني محمد بن صالح بن معاوية، قال: حدّثني أبي، قال: كنت عند محمد حين عقد للحسن بن معاوية على مكة، فقال له الحسن: أرأيت إن التحم القتال بيننا وبينهم، ما ترى في السريّ؟ قال: يا حسن، إن السريّ لم يزل مجتنبًا لما كرهنا، كارهًا للذي صنع أبو جعفر، فإن ظفرتَ به فلا تقتله؛ ولا تحركنّ له أهلًا، ولا تأخذنّ له متاعًا، وإن تنحّى فلا تطلبنّ له أثرًا، قال: فقال له الحسن: يا أميرَ المؤمنين، ما كنت أحسبك تقول هذا في أحد من آل العباس، قال: بلى، إن السريّ لم يزل ساخطًا لما صنع أبو جعفر.
قال: وحدّثني عمر بن راشد مولى عَنْج، قال: كنت بمكة، فبعث إلينا محمد حين ظهر الحسن بن معاوية والقاسم بن إسحاق ومحمد بن عبد الله بن عنبسة يدعى أبا جبرة، أميرهم الحسنُ بن معاوية، فبعث إليهم السريّ بن عبد الله كاتبه مسكين بن هلال في ألف، ومولى له يدعى مسكين بن نافع في ألف، ورجلًا من أهل مكة يقال له ابن فرس - وكان شجاعًا - في سبعمئة، وأعطاه خمسمئة دينار، فالتقوْا ببطن أذاخر بين الثنيّتيْن وهي الثنيّة التي تهبط على ذي طُوىً، منها هبط النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إلى مكة، وهي داخلة في الحَرم، فتراسلوا؛ فأرسل حسن إلى السريّ أن خلّ بيننا وبين مكة، ولا تُهريقوا الدماء في حرم الله، وحلف الرسولان للسريّ: ما جئناك حتى مات أبو جعفر، فقال لهما السريّ: وعليّ مثل ما حلفتما به؛ إن كانت مضت لي أربعة؛ منذ جاءني رسول من عند أمير المؤمنين، فأنظروني أربع ليال؛ فإني أنتظر رسولًا لي آخر، وعليّ ما يصلحكم، ويصلح دوابكم، فإن يكن ما تقولونه حقًّا سلّمتها إليكم؛ وإن يكن باطلًا أجاهدكم حتى تغلبوني أو أغلبكم؛ فأبى الحسن، وقال: لا نبرح حتى
ج ٩ ص ٨٩٤نناجزَك، ومع الحسن سبعون رجلًا وسبعة من الخيل، فلما دنوْا منه، قال لهم الحسن: لا يقدَمنّ أحد منكم حتى ينفخ في البوق؛ فإذا نفخ فلتكن حملتُكم حملة رجل واحد، فلما رهِقْناهم وخشى الحسن أن يغشاه وأصحابَه، ناداه: انفخ ويحك في البوق! فنفخ ووثبوا وحملوا علينا حَمْلة رجل واحد، فانهزم أصحاب السريّ، وقتل منهم سبعة نفر، قال: واطلع عليهم بفرسانٍ من أصحابه وهم من وراء الثنيّة في نفر من قريش قد خرج بهم، وأخذ عليهم لينصُرُنَّه، فلما رآهم القرشيّون قالوا: هؤلاء أصحابَك قد انهزموا، قال: لا تعجلوا، إلى أن طلعت الخيل والرجال في الجبال؛ فقيل له: ما بقي؟ فقال: انهزِموا على بركة الله، فانهزموا حتى دخلوا دار الإمارة، وطرحوا أداة الحرْب، وتسوّروا على رجل من الجند يكنى أبا الرزام، فدخلوا بيته فكانوا فيه، ودخل الحسن بن معاوية المسجد، فخطب الناس ونعى إليهم أبا جعفر ودعا لمحمد.
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني الغمر بن حمزة بن أبي رملة، مولى العباس بن عبد المطلب، قال: لما أخذ الحسن بن معاوية مكة، وفرّ السريّ بلغ الخبر أبا جعفر، فقال: لهفِي على ابن أبي العَضَل.
قال: وحدّثني ابن أبي مُساور بن عبد الله بن مساور مولى بني نائلة من بني عبد الله بن مُعيْص، قال: كنت بمكة مع السريّ بن عبد الله، فقدم عليه الحسنُ بن معاوية قبل مخرج محمد - والسريّ يومئذ بالطائف وخليفته بمكة ابن سُراقة من بني عديّ بن كعب - قال: فاستعدى عتبة بن أبي خداش اللِّهْبيّ على الحسن بن معاوية في دَيْنٍ عليه فحبسه، فكتب له السريّ إلى ابن أبي خداش: أما بعد فقد أخطأتَ حظّك، وساء نظرك لنفسك حين تحبس ابنَ معاوية؛ وإنما أصبت المال من أخيه، وكتب إلى ابن سراقة يأمره بتخليته وكتب إلى ابن معاوية يأمره بالمقام إلى أن يقدَم فيقضي عنه، قال: فلم يلبث أن ظهر محمد، فشخص إليه الحسن بن معاوية عاملًا على مكة، ققيل للسريّ: هذا ابن معاوية قد أقبل إليك، قال: كلا ما يفعل وبلائي عنده [بلائي] وكيف يخرج إليّ أهل المدينة! فوالله ما بها دار إلا وقد دخلها لي معروف، فقيل له: قد نزل فجاء. قال: فشخص إليه ابن جريج، فقال له: أيها الرجل، إنك والله ما أنتَ بواصل إلى مكة وقد اجتمع أهلُها مع السريّ، أتُراك قاهرًا قريشًا وغاصبها على دارها! قال: يا بن
ج ٩ ص ٨٩٥الحائك، أبأهل مكة تخوّفني! والله ما أبيت إلا بها أو أموت دونها، ثم وثب في أصحابه، وأقبل إليه السريّ، فلقيه بفخَّ، فضرب رجل من أصحاب الحسن مسْكين بن هلال كاتب السريّ على رأسه فشجّه، فانهزم السريّ وأصحابه، فدخلوا مكة، والتفّ أبو الرزام - رجل من بني عبد الدار ثم أحد آل شيبة - على السريّ، فواراه في بيته، دخل الحسن مكة، ثم إن الحسن أقام بمكة يسيرًا، ثم ورد كتاب محمد عليه يأمره باللحاق به.
- (١)مثل، والقارة: قبيلة من عضل؛ وكانوا من رماة العرب.
-
وذكر عمر عن عبد الله بن إسحاق بن القاسمم، قال: سمعتُ من لا أحصى من أصحابنا يذكر أنّ الحسن والقاسم لما أخذا مكة، تجهّزا وجمعا جمعًا كثيرًا، ثم أقبلا يريدان محمدًا ونُصرته على عيسى بن موسى؛ واستخلفا على مكة رجلًا من الأنصار؛ فلما كانا بقُدَيْد لقيهما قتْلُ محمد، فتفرّق الناس عنهما، وأخذ الحسن على بَسْقة - وهي حرّة في الرمل تدعى بسَقة قُدَيد - فلحق بإبراهيم؛ فلم يزل مقيمًا بالبصرة حتى قُتل إبراهيم، وخرج القاسمم بن إسحاق يريد إبراهيم؛ فلما كان ببديع من أرض فدَك، لقيه قتلُ إبراهيم، فرجع إلى المدينة، فلم يزل مختفيًا حتى أخذت ابنة عبد الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن جعفر؛ زوجة عيسى بن موسى، له ولإخوته الأمان فظهر بنو معاوية، وظهر القاسمم.
قال: وحدّثني عمر بن راشد مولى عنج، قال: لما ظهر الحسن بن معاوية على السريّ أقام قليلًا حتى أتاه كتاب محمد يأمره بالشخوص إليه؛ ويخبره أن عيسى قد دنا من المدينة، ويستعجله بالقدوم، قال: فخرج من مكة يوم الإثنين في مطر شديد - زعموا أنه اليوم الذي قُتِل فيه محمد - فتلقاه بريدٌ لعيسى بن موسى بأمَج - وهو ماء لخزاعة بين عُسفان وقُديد - بقتل محمد، فهرب وهرب أصحابه.
قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت عن أبي سيار، قال: كنت حاجبَ محمد بن عبد الله فجاءني راكبٌ من الليل، قال: قدمتُ من البصرة، وقد خرج بها إبراهيم، فأخذها قال: فجئتُ دار مَرْوان، ثم جئت المنزل الذي فيه محمد، فدققتُ الباب، فصاح بأعلى صوته: من هذا؟ قلت: أبو سيّار، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ اللهم إني أعوذ بك من شرّ طوارق الليل؛ إلا طارق يطرق منك بخير، قال: خير! قلت: خير، قال: ما وراءك؟ قلت: أخذ إبراهيم البَصرة - [قال] : وكان محمد إذا صلى المغرب
ج ٩ ص ٨٩٦والصبح صاح صائح: ادعوا الله لإخوانكم من أهل البصرة، وللحسن بن معاوية واستنصروه على عدوّكم.
قال: وحدّثني عيسى، قال: قدِم علينا رجل من أهل الشأم، فنزل دارنا - وكان يكنى أبا عمرو - فكان أبي يقول له: كيف ترى هذا الرجل؟
-
فيقول: حتى ألقاه فأسبُره ثم أخبرك، قال عيسى: فلقيه أبي بعد، فسأله فقال: هو والله الرجل كلّ الرجل؛ ولكن رأيتُ شحم ظهره ذراعًا، وليس هكذا يكون صاحبَ الحرب، قال: ثم بايعه بعد، وقاتل معه.
قال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن سلْم - يدعَى ابنَ البواب مولَى المنصور - قال: كتب أبو جعفر إلى الأعمش كتابًا على لسان محمد، يدعوه إلى نصرته، فلما قرأه قال: قد خَبرناكم يا بني هاشم؛ فإذا أنتم تحبّون الثريد، فلما رجع الرسول إلى أبي جعفر فأخبره، قال: أشهد أنّ هذا كلام الأعمش.
-
وحدّثني الحارث، قال: حدّثني ابنُ سعد، عن محمد بن عمر، قال: غلب محمد بن عبد الله على المدينة، فبلغنا ذلك، فخرجنا ونحن شباب، أنا يومئذ ابنُ خمس عشرة سنة، فانتهينا إليه؛ وهو قد اجتمع إليه الناس ينظرون إليه؛ ليس يُصَدّ عنه أحد؛ فدنوتُ حتى رأيته وتأملته؛ وهو على فَرَس، وعليه قميص أبيض محشوّ وعمامة بيضاء؛ وكان رجلًا أحزم؛ قد أثَر الجُدريّ في وجهه، ثم وجّه إلى مكة فأخِذت له، وبيّضوا؛ ووجّه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، فأخذها وغلبها وبيّضوا معه [٧/ ٥٦٤ - ٥٧٧] .
-
رجع الحديث إلى حديث عمر، قال عمر: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ندَب أمير المؤمنين أبو جعفر عيسى بن موسى لقتال محمد، وقال: لا أبالي أيّهما قتل صاحبه؛ وضمّ إليه أربعة آلاف من الجُنْد، وبعث معه محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين.
قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، عن زيد مولى مسمع، قال: لما أمر
ج ٩ ص ٨٩٧أبو جعفر عيسى بن موسى بالشخوص، قال: شاوِرْ عمومَتك، فقال له: امضِ أيها الرجل؛ فوالله ما يراد غيري وغيرك؛ وما هو إلّا أن تشخص أو أشخص؛ قال: فسار حتى قدم علينا ونحن بالمدينة.
قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، قال: دعا أبو جعفر ابنَ حنظلة البَهرانيّ - وكان أبرص طُوالًا، وأعلم الناس بالحرب، وقد شهد مع مَرْوان حروبه - فقال: يا جعفر، قد ظهر محمد، فما عندك؟ قال: وأين ظهر؟ قال: بالمدينة، قال: فاحمد الله، ظهر حيث لا مالَ ولا رجال ولا سلاح ولا كُراع؛ ابعث مولىً لك تثق به فليسِرْ حتى ينزل بوادي القرى؛ فيمنعه مِيرة الشأم، فيموت مكانه جوعًا، ففعل.
قال: وحدّثني عبد الملك بن راشد بن يزيد، قال: سمعتُ أصحابنا إسماعيل بن موسى وعيسى بن النّضْر وغيرهما يذكرون أنّ أبا جعفر قدّم كَثير بن حُصَيْن العبدّي، فعسكر بفيد، وخندق عليه خندقًا؛ حتى قدم عليه عيسى بن موسى، فخرج به إلى المدينة، قاله عبد الله: فأنا رأيتُ الخندق قائمًا في هرًا طويلًا، ثم عفا ودَرس.
قال: وحدّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، - ولقيته بصنعاء - قال: قال أبو جعفر لعيسى حين بعثه إلى محمد: عليك بأبي العسكر مسمع بن محمد بن شيبان بن مالك بن مسمع، فسرْ به مَعك؛ فإني قد رأيته منعَ سعيد بن عمرو بن جعَدة بن هبيرة من أهل البصرة؛ وهم محلبون عليه (١) ؛ وهو يدعو إلى مَرْوان؛ وهو عند أبي العسكر يأكل المخَّ بالطَّبرْزَد، فخرج به عيسى؛ فلما كان ببطن نخل، تخلّف هو والمسعوديّ بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود حتى قُتِل محمد، فبلغ ذلك أبا جعفر، فقال لعيسى بن موسى: ألّا ضربت عنقه!
- (١)أحلب القوم، أي جاؤوا من كل وجه للحرب. أو غير ذلك، اللسان (١/ ٣٣٢).
-
وحدّثني عيسى بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، قال: أخبرني أبي، قال: قال أبو جعفر لعيسى بن موسى حين ودّعه: يا عيسى؛ إني أبعثك إلى ما بَيْن هذين - وأشار إلى جنبيه - فإن ظفرت بالرجل فشِمْ سيفك، وابذل الأمان؛
- ج ٩ ص ٨٩٨
وإن تغيب فضمّنهم إياه حتى يأتوك به، فإنهم يعرفون مذاهبه، قال: فلما دخلها عيسى فعل ذلك.
-
فحدثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: وجّه أبو جعفر إلى محمد بن عبد الله بالمدينة عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، ووجّه معه محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين وعدّةً من قُوّاد أهل خراسان وجندهم، وعلى مقدّمة عيسى بن سوسى حُميد بن قحطبة الطائي، وجهزهم بالخيل والبغال والسلاح والمِيرة، فلم ينزل، ووجّه مع عيسى بن موسى ابن أبي الكرام الجعفريّ؛ وكان في صحابة أبي جعفر، وكان مائلًا إلى بني العباس، فوثق به أبو جعفر فوجّهه ...
-
رجع الحديث إلى حديث عمر بن شبّة، قال عمر: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: كتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى: مَنْ لقيَك من آل أبي طالب فاكتب إليّ باسمه، ومَنْ لم يلقك فاقبض ماله، قال: فقبض عين أبي زياد - وكان جعفر بن محمد تغيَّب عنه - فلما قدم أبو جعفر كلمه جعفر، وقال: مالي، قال: قد قبضه مهديُّكم. [٧/ ٥٧٧ - ٥٧٩] .
قال: وحدّثِني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما صار عيسى بفيْد كتب إلى رجال من أهل المدينة في خِرَقِ الحرير؛ منهم عبد العزيز بن المطّلب المخزوميّ وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحيّ، فلما وردتْ كتبه المدينة، تفرقّ ناسٌ كثير عن محمد، منهم عبد العزيز بن المطلب؛ فأخِذ فُردَّ، فأقام يسيرًا؛ ثم خرج، فرُدّ مرّة أخرى؛ وكان أخوه علي بن المطلب من أشدّ الناس مع محمد؛ فكلم محمّدًا في أخيه حتى كفّه عنه.
قال: وحدّثني عيسى، قال: كتب عيسى بن موسى إلى أبي في حريرة صفراء جاء بها أعرابيٌ بين خصافيْ نعله، قال عيسى: فرأيتُ الأعرابي قاعدًا في دارنا، وإني لصبيٌّ صغير؛ فدفعها إلى أبي فإذا فيها:
إن محمدًا تعاطى ما ليس يعطيه الله، وتناول ما لم يُؤته الله، قال عزّ وجل في
ج ٩ ص ٨٩٩كتابه: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (١) .
- (١)آل عمران: ٢٦.
-
فعجل التخلص وأقلّ التربُّص، وادعُ مَنْ أطاعك من قومك إلى الخروج معك.
قال: فخرج وخرج معه عمربن محمد بن عمر، وأبو عَقِيل محمد بن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، قال: ودعوا الأفطس حسن بن عليّ بن أبي طالب إلى الخروج معهم فأبَى، وثبت مع محمد؛ وذُكر خروجهم لمحمد فأرسل إلى ظَهْرهم فأخذه؛ فأتاه عمر بن محمد، فقال: أنت تدعو إلى العَدْل ونفْي الجور؛ فما بال إبلي تؤخذ! فإنما أعددتها لحجّ أو عُمْرة، قال: فدفعها إليه - فخرجوا من تحت ليلتهم؛ فلقوا عيسى على أربع - أو خمس - من المدينة.
قال: وحدّثني - أيوب بن عمر بن أبي عمرو بن نعيم بن ماهان، قال: كتب أبو جعفر إلى رجال من قريش وغيرهم كتبًا، وأمر عيسى: إذا دنا من المدينة أن يبعث بها إليهم، فلما دنا بعث بها إليهم؛ فأخذ حرسُ محمد الرسولَ والكتب، فوجد فيها كتابًا إلى إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر وإلى جماعة من وؤساء قريش، فبعث محمد إلينا جميعًا ما خلا ابن عمر وأبا بكر بن سبْرة، فحُبسنا في دار ابن هشام التي في المصلّى.
قال أبي: وبعث إليّ وإلى أخي، فأتِيَ بنا فضُرِبنا ثلاثمئة، قال: فقلت له وهو يضربني ويقول: أردتَ أن تقتلني! تركتُك وأنت تستتر بحجر وبيت شعر؛ حتى إذا صارت المدينة في يدك، وغلُظ أمرك، قمتُ عليك فبِمَنْ أقوم! أبطاقتي أم بمالي، أم بعشيرتي! قال: ثم أمر بنا إلى الحبس، وقُيّدنا بكُبول وسلاسل تبلغ ثمانين رطلًا، قال: فدخل عليه محمد بن عجلان، فقال: إني ضربتُ هذين الرجلين ضربًا فاحشًا، وقيّدتهما بما منعهما من الصلاة، قال: فلم يزالا محبوسين حتى قدم عيسى.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى قال: حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم، قال: إنا لعند محمد ليلة -
ج ٩ ص ٩٠٠وذلك عند دُنوّ عيسى من المدينة - إذ قال محمد: أشيروا عليّ في الخروج والمقام، قال: فاختلفوا، فأقبل عليّ فقال: أشرْ عليّ يا أبا جعفر، قلت: ألستَ تعلم أنك أقلُّ بلاد الله فرسًا وطعامًا وسلاحًا، وأضعفها رجالًا؟ قال: بلى، قلت: ألست تعلم أنك تقاتل أشدّ بلاد الله رجلًا وأكثرها مالًا وسلاحًا؟ قال. بلى، قلت: فالرأي أن تسير بمن معك حتى تأتي مصرَ، فوالله لا يردّك رادّ، فتقاتل الرّجل بمثل سلاحه وكُراعه ورجاله وماله. فصاح حُنين بن عبد الله: أعوذ بالله أن تخرج من المدينة! وحدّثه أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "رأيتُني في درع حصينة فأوّلتُها المدينة" .
قال: وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر، عن الثقة عنده، قال: أجاب محمدًا لما ظهر أهلُ المدينة وأعراضها وقبائل من العرب؛ منهم جُهينة ومُزَينة وسُليم وبنو بكر وأسْلَم وغِفار؛ فكان يقدّم جُهينة؛ فغصْبت من ذلك قبائل قيس.
قال محمد: فحدثني عبد الله بن معروف أحد بني رياح بن مالك بن عصيَّة بن خُفاف - وقد شهد ذاك - قال: جاءت محمدًا بنو سُلَيم على رؤسائها، فقال متكلّمهم جابر بن أنس الرياحيّ: يا أميرَ المؤمنين؛ نحن أخوالُك وجيرانُك، وفينا السلاح والكُراع، والله لقد جاء الإسلام والخيْل في بني سليم أكثر منها بالحجاز؛ لقد بقي فينا منها ما إن بقي مثلُه عند عربيّ تسكن إليه البادية، فلا تخندق الخندق؛ فإن رسول الله خندق خندقه لما الله أعلم به؛ فإنك إن خندقتَه لم يحسن القتال رجّالة، ولم تُوَجّه لنا الخيل بين الأزقّة؛ وإن الذين يخندقَ دونهم هم الذين يقاتلون فيها؛ وإن الذين يخندَق عليهم يحول الخندق دونهم، فقال أحد بني شجاع: خندقَ رسول الله فاقتدِ برأيه؛ أوَ تريد أن تَدَع رأي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرأيك! قال: إنه يا بن شجاع ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم؛ ولا شيء أحبّ إليّ وإلى أصحابي من مناجزتهم، فقال محمد: إنما اتّبعنا في الخندق أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يردّني عنه أحدٌ، فلست بتاركه.
قال: وحدثني محمد بن يحيى، عن الحارث بن إسحاق، قال: لما تيقّن محمد أن عيسى قد أقبل حَفَر الخندق، خندق النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الذي كان حفره للأحزاب.
قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدّثني محمد بن عَطيّة
ج ٩ ص ٩٠١مولى المطلبيّين، قال: لما حفر محمد الخندقَ ركب إليه وعليه قَباء أبيض ومِنطقة، وركب الناس معه؛ فلما أتى الموضع نزل فيه؛ بدأ هو فحفر بيده؛ فأخرج لبِنةً من خَنْدق النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فكبّر وكبّر الناس معه، وقالوا: أبشر بالنَّصْر؛ هذا خندق جدّك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال: وحدثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدثني مصعب بن عثمان بن مصعب بن عروة بن الزبير، قال: لما نزل عيسى الأعوْصَ رقِيَ محمد المنبَر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن عدوّ الله وعدوّكم عيسى بن موسى قد نزل الأعوص؛ وإن أحقّ الناس بالقيام بهذا الدين، أبناء المهاجرين الأوّلين والأنصار المواسين.
قال: وحدّثني إبراهيم بن أبي إسحاق العبسيّ - شيخ من غطفان - قال: أخبرني أبو عمرو مؤدب محمد بن عبد الرحمن بن سليمان، قال: سمعت الزبيريّ الذي قتله أبو جعفر - يعني عثمان بن محمد بن خالد - قال: أجتمع مع محمّد جمع لم أر مثله ولا أكثر منه؛ إني لأحسب أنا قد كنا مئة ألف؛ فلما قرب عيسى خَطَبنا، فقال: يا أيها الناس، إنّ هذا الرجل قد قرُب منكم في عدد وعُدّة؛ وقد حللتُكم من بيعتي؛ فمن أحبّ المقام فليقم، ومن أحبّ الانصراف فلينصرف، فتسللوا حتى بقي في شِرْذمة ليست بالكثيرة.
-
قال: وحدّثني موهوب بن رشيد بن حيّان بن أبي سليمان بن سمعان؛ أحد بني قَرِيظ بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، قال: حدّثني أبي، قال: لما ظهر محمّد جمع الناس وحشرهم، وأخذ عليهم المناقب فلا يخرج أحد؛ فلما سمع بعيسى وحُميد بن قحطبة قد أقبلا، صعِد المنبر، فقال: يا أيها الناس؛ إنَّا قد جمعناكم للقتال؛ وأخذنا عليكم المناقب؛ وإن هذا العدوّ منكم قريب؛ وهو في عدد كثير، والنصر من الله والأمر بيده؛ وإنه قد بدا لي أن آذن لكم وأفرج عنكم المناقب؛ فمن أحبَّ أن يقيم أقام، ومَنْ أحبّ أن يظعن ظعن، قال أبي: فخرج عَالمٌ من الناس؛ كنت فيهم؛ فلما كنا بالعُرَيض - وهو على ثلاثة أميال من المدينة - لقيتْنا مقدّمةُ عيسى بن موسى دون الرُّحبْة؛ فما شبَهت رجالهم إلّا رِجْلًا من جراد. قال: فمضينا وخالفونا إلى المدينة.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال:
ج ٩ ص ٩٠٢خرج ناس كثير من أهل المدينة بذراريّهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال، فأمر محمد أبا القلَمّس، فرَدّ مَنْ قدر عليه منهم، فأعجزه كثير منهم، فتركهم.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدثني الغاضريّ، قال: قال لي محمد: أعطيك سلاحًا وتقاتل معي؟ قلت: نعم؛ إن أعطيتَني رمحًا أطعنهم به؛ وهم بالأعوص وسيفًا أضربهم به وهم بهيفَا، قال: ثمّ مكث غير كثير، ثم بعث إليّ فقال: ما تنتظر؟ قلت: ما أهون عليك - أبقاك الله - أن أقتَل وتمرّوا؛ فيقال: والله إن كان لباديًا! قال: ويحك! قد بيّض أهل الشأم وأهل العراق وخُراسان، قال: قلت: اجعل الدنيا زبدةً بيضاء وأنا في مثل صوفة الدواة، ما ينفعني هذا وعيسى بالأعوص!
قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، عن جدّه، قال: وجّه أبو جعفر مع عيسى بن موسى بابن الأصمّ يُنزله المنازل، فلما قدموا نزلوا على ميل من مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال ابن الأصمّ: ألّا إنّ الخيل لا عمل لها مع الرّجالة؛ وإني أخاف إن كشفوكم كشفةً أو يدخلوا عسكرهم.
-
فرفعهم إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجُرْف - وهي على أربعة أميال من المدينة - وقال: لا يهرول الرّاجل أكثر من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذَه الخيل.
قال: وحدّثني عيسى، قال: قال: حدثني محمد بن أبي الكرام، قال: لمّا نزل عيسى طَرَف القَدُوم أرسل إليّ نصفَ الليل، فوجدتُه جالسًا والشمع والأموال بين يديه، فقال: جاءتني العيون تخبرني أنّ هذا الرجل في ضعف؛ وأنا أخاف أن ينكشف؛ وقد ظننتُ ألَّا مسلك له إلّا إلى مكة، فاضمُم إليك خمسمئة رجل؛ فامضِ بهم معاندًا عن الطريق حتى تأتيَ الشجَرة فتقيم بها، قال: فأعطاهم على الشّمع، فخرجتُ بهم حتى مررتُ بالبصرة بالبطحاء - وهي بطحاء ابن أزْهر على ستة أميال من المدينة - فخاف أهلها؛ فقلتُ: لا بأس عليكم؛ أنا محمد بن عبد الله، هل من سويق؟ قال: فأخرجوا إلينا سويقًا، فشربنا وأقمنا بها حتى قتِل محمد.
قال: وحدّثني محمد بن إسماعيل؛ عن الثقة عنده، قال: لما قرُب عيسى أرسل إلى محمد القاسمَ بن الحسن بن زيد يدعوه إلى الرُّجوع عمّا هو عليه، ويخبره أن أمير المؤمنين قد آمنه وأهل بيته، فقال محمد للقاسم: والله لولا أنّ
ج ٩ ص ٩٠٣الرّسل لا تقتل لضربتُ عنقك؛ لأني لم أرك منذ كنت غلامًا في فرقتين؛ خير وشرّ، إلّا كنتَ مع الشرّ على الخير، وأرسل محمد إلى عيسى: يا هذا؛ إنّ لك برسول الله قرابةً قريبةً، وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته، وأحذرك نقمته وعذابه؛ وإني والله ما أنا بمنصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه؛ فإياك أن يقتلك مَنْ يدعوك إلى الله، فتكون شرّ قتيل، أو تقتله فيكون أعظمَ لوزرك، وأكثر لمأثمك، فأرسل هذه الرسالة مع إبراهيم بن جعفر، فبلّغه، فقال: ارجعْ إلى صاحبك، فقل له: ليس بيينا إلّا القتال.
قال: وحدّثني إبراهيم بن محمد بن أبي الكرام بن عبد الله بن عليّ بن عبد الله بن جعفر، قال: أخبرني أبي، قال: لما قرب عيسى من المدينة، أرسلني إلى محمد بأمانه، فقال لي محمد: علام تقاتلونني وتستحلّون دمي، وإنما أنا رجل فرَّ من أن يَقْتل! قال: قلت: إنّ القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبَيت إلّا قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير آبائك عليٌّ وطلحةَ والزبير؛ على نكث بيعتهم وكيد ملكهم، والسعي عليهم، قال: فأخبرتُ بذلك أبا جعفر، فقال: والله ما سرّني أنك قلت له غير ذلك، وأن لي كذا وكذا.
قال: وحدّثني هشام بن محمد بن عُروة بن هشام بن عروة، قال: أخبرني ماهان بن بخت مولى قحطبة، قال: لما صرْنا بالمدينة أتانا إبراهيم بن جعفر بن مصعب طليعة، فطاف بعسكرنا حتى حسّه كله، ثم ولّى ذاهبًا.
قال: فرعبنا منه والله رعْبًا شديدًا؛ حتى جعل عيسى وحميد بن قَحْطبة يعجبان فيقولان: فارس واحد طليعةً لأصحابه! فلما ولّى مَدَى أبصارنا نظرنا إليه مقيمًا بموضع واحد، فقال حميد: ويحكم! انظروا ما حالُ الرجل؛ فإني أرى دابته واقفًا (١) لا تَزول؛ فوجّه إليه حميد رجلين من أصحابه، فوجدا دابته قد عثر به؛ فصرعه فقوّس التنور عنقه، فأخذا سلبه، فأتِينا بتنور - قيل إنه كان لمصعب بن الزبير - مُذْهب لم يُرَ مثله قطّ.
قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: نزل عيسى بقصر سليمان بالجُرْف، صَبِيحة ثنتي عشرة من رمضان من سنة خمس
ج ٩ ص ٩٠٤وأربعين ومئة، يوم السبت، فأقام يوم السبت ويوم الأحد وغدا يوم الإثنين، حتى استوى على سَلْع، فنظر إلى المدينة وإلى مَنْ دخلها وخرج منها، وشحن (١) وجوهها كلها بالخيل والرّجال إلا ناحية مسجد أبي الجرّاح؛ وهو على بُطحان؛ فإنه تركه لخروج مَنْ هرب، وبرز محمد في أهل المدينة.
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثنا محمد بن زيد، قال: قدمنا مع عيسى، فدعا محمدًا ثلاثًا: الجمعة والسبت والأحد.
قال: وحدّثني عبد الملك بن شيبان، قال: حدثني زيد مولى مِسمَع، قال: لمّا عسكر عيسى أقبل على دابة يمشي حواليه نحو من خمسمئة وبين يديه راية يُسار بها معه؛ فوقف على الثنيّة ونادى: يا أهل المدينة؛ إن الله قد حرّم دماء بعضنا على بعض؛ فهلمّوا إلى الأمان؛ فمن قام تحت رايتنا فهو آمن، ومَن دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن؛ ومَن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، خلّوا بيننا وبين صاحبنا فإمّا لنا أو له، قال: فشتموه وأقذعوا له، وقالوا: يا بن الشاة، يا بن كذا، يا بن كذا، فانصرف يومه ذاك، وعاد من الغد ففعل مثل ذلك، فشتموه؛ فلما كان اليوم الثالث أقبل بما لم أر مثله قطّ من الخيل والرجال والسلاح؛ فوالله ما لبثنا أن ظهر علينا ونادى بالأمان، فانصرف إلى معسكره.
قال: وحدثني إبراهيم الغَطفانيّ، قال: سمعت أبا عمرو مؤدّب محمد بن عبد الرحمن يحدّث عن الزبيريِّ - يعنى عثمان بن محمد بن خالد - قال: لما التقينا نادى عيسى بنفسه: أيا محمد، إن أمير المؤمنين أمرني ألّا أقاتلك حتى أعرض عليك الأمان، فلك عليَّ نفسك وأهلك وولدك وأصحابك، وتُعطَى من المال كذا وكذا، ويُقضى عنك دينك، ويُفعل بك ويفعل! قال: فصاح: محمد الهُ عن هذا، فوالله لو علمتَ أنه لا يثنيني عنكم فَزَع، ولا يقرّبني منكم طمع ما كان هذا، قال: ولجّ القتال، وترجّل محمد؛ فإني لأحسبه قتَل بيده يومئذ سبعين رجلًا.
- (١)تقع الدابة على المذكر والمؤنث. القاموس ص ١٠٥.
- (١)في اللسان (١٣/ ٢٣٤): "شحن البلد بالخيل ملأه، والبلد شحنة من الخيل، أي رابطة".
-
قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن زيد، قال: لما كان يوم
ج ٩ ص ٩٠٥الإثنين، وقف عيسى على ذُباب، ثم دعا مولى لعبد الله بن معاوية كان معه؛ وكان على مجفّفته، قال: خذ عشرة من أصحابك؛ أصحاب التجافيف؛ فجاء بهم، فقال لنا: ليقم معه عشرة منكم يا آل أبي طالب، قال: فقمنا معه، ومعنا ابنا محمد بن عمر بن عليّ: عبد الله وعمر، ومحمد بن عبد الله بن عَقيل، والقاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، وعبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر؛ في عشرة منّا، فقال: انطلقوا إلى القوم، فادعوهم وأعطوهم أمانًا؛ وبقيَ أمان الله، قال: فخرجنا حتى جئنا سوق الحطّابين؛ فدعوْناهم فسبُّونا ورشقونا بالنَّبل، وقالوا: هذا ابن رسول الله معنا ونحن معه؛ فكلمهم القاسم بن الحسن بن زيد، فقال: وأنا ابنُ رسول الله؛ وأكثر من ترون بنو رسول الله؛ ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وحقْن دمائكم والأمان لكم؛ فجعلوا يسبُّوننا ويرشقوننا بالنبل، فقال القاسم لغلامه: القَطْ هذه النّبل، فلقطها فأخذها قاسم بيده، ثم دخل بها إلى عيسى، فقال: ما تنتظر! انظر ما صنعوا بنا، فأرسل عيسى بن حميد قَحْطبة في مئة.
قال: حدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: حدّثني أخواي عثمان ومحمد ابنا سعيد - وكانا مع محمد - قالا: وقف القاسم بن الحسن ورجل معه من آل أبي طالب على رأس ثنيّة الوداع، فدعَوْا محمدًا إلى الأمان، فسبّهما فرجعا، وأقبل عيسى وقد فرّق القواد فجعل هزارمرد عند حمّام بن أبي الصعْبة، وكثير بن حُصَين عند دار ابن أفلَح التي ببقيع الغرْقد، ومحمد بن أبي العباس على باب بني سلمة، وفرّق سائر القوّاد على أنقاب المدينة، وصار عيسى في أصحابه على رأس الثنيّة، فرَموا بالنشاب والمقاليع ساعة.
-
وحدثني أزهر، قال: جعل محمد ستور المسجد دراريع لأصحابه.
قال: وحدّثني عبد الله بن إسحاق بن القاسم، قال: حدّثني عمر؛ شيخ من الأنصار، قال: جعل محمد ظلال المسجد خَفاتين لأصحابه، فأتاه رجلان من جُهينة، فأعطى أحدهما خَفْتانًا ولم يعط الآخر، فقاتل صاحب الخَفْتان، ولم يقاتل الآخر معه، فلما حضرت الحرب أصابت صاحب الخَفْتان نُشابَة، فقتلته، فقال صاحبه:
يا ربِّ لا تجعَلني كمَنْ خانْ ... وباع باقي عَيْشِهِ بِخَفْتانْ
ج ٩ ص ٩٠٦قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني إسماعيل بن أبي عمرو، قال: إنا لَوقوف على خندق بني غِفار؛ إذ أقبل رجل على فَرس؛ ما يُرَى منه إلّا عيناه، فنادى: الأمان، فأعطي الأمان، فدنا حتى لصق بنا، فقال: أفيكم مَنْ يبلِّغ عني محمدًا؟ قلت: نعم، أنا، قال: فأبلِغْه عني - وحسر عن وجهه؛ فإذا شيخ مخضوب - فقال: قل له: يقول لك فلان التميميّ، بآية أنّى وإياك جلسنا في ظل الصخرة في جبل جُهينة في سنة كذا، اصبر إلى الليل؛ فإن عامة الجند معك، قال: فأتيته، قبل أن يَغْدُوَ - وذلك يوم الإثنين في اليوم الذي قُتل فيه - فوجدت بيين يديه قِرْبة عسل أبيض قد شُقَّت من وسطها، ورجل يتناول من العسل ملء كفه، ثم يغمسه في الماء، ثم يلقمه إياه، ورجل يحزم بطنه بعمامة؛ فأبلغتُه الرسالة فقال: قد أبلغتَ، فقلت: أخواي في يدك، قال: مكانُهما خير لهما.
قال: وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، قال: كانت راية محمد إلى أبي، فكنت أحملها عنه.
قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: كان مع الأفطس حسن بن عليّ بن حسين عَلم أصفر، فيه صورةُ حيّة، ومع كلّ رجل من أصحابه، من آل على بن أبي طالب علَم، وشعارهم: أحَد أحَد، قال: وكذلك كان شعار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يوم حُنَين.
قال: وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم، قال: أخبرنا جَهْم بن عثمان مولى بني سُلَيم ثم أحد بني بَهْز، قال: قال لي عبد الحميد بن جَعْفر يوم لقيَنا أصحابُ عيسى: نحن اليوم على عِدّة أهل بدر يوم لَقُوا المشركين - قال: وكنا ثلاثمئة ونيّفًا (١) .
قال: وحدّثني إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، قال: سمعت أبي يقول: وُلِد عيسى بن موسى في سنة ثلاث ومئة، وشهد حرب محمد وإبراهيم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وعلى مقدّمته حميد بن قَحْطبة، وعلى مَيمنته محمد بن أبي العباس أمير المؤمنين، وعلى
ج ٩ ص ٩٠٧ميسرته داود بن كِرّاز من أهل خُراسان، وعلى ساقته الهيثم بن شعبة.
قال: وحدّثني عيسى، عن أبيه، قال: لقى أبو القلمّس محمد بن عثمان، أخا أسد بن المرزبان بسوق الحطابين، فاجتلدا بسيفيهما حتى تقطّعا ثم تراجعا إلى مواقفهما، فأخذ أخو أسد سيفًا، وأخذ أبو القلمّس بأثفيّة، فوضعها على قَرَبُوس سَرْجه، وستَرها بدِرْعه، ثم تعاودا، فلما تدانيا قام أبو القلمّس في ركائبه؛ ثم ضرب بها صَدْره فصرعه، ونزل فاحتزّ رأسه.
قال: وحدّثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدثني عبدُ الله بن عمر بن القاسم بن عبد الله العمريّ، قال: كنا مع محمد، فبرز رجل من أهل المدينة؛ مولى لآل الزبير يدعى القاسم بن وائل، فدعا للبراز، فبرز إليه رجل لم أرَ مثل كماله وعُدّته؛ فلما رآه ابن وائل انصرف، قال: فوجَدنا من ذلك وجدًا شديدًا، فإنا لعلى ذلك إذ سمعتُ خَشْف (١) رجل ورائي، فالتفتّ فإذا أبو القلمّس، فسمعتُه يقول: لعن الله أميرَ السفهاء، إن ترك مثل هذا اجترأ علينا! وإن خرج رجل خرج إلى أمر عسى ألّا يكون من شأنه قال: ثم برز له فقتله.
قال: وحدّثني أزهر بن سعيد بن نافع، قال: خرج القاسم بن وائل يومئذ من الخندق، ثم دعا للبراز، فبرز له هزارمرد، فلما رآه القاسم هابه، فرجع فبرز له أبو القلمّس، فقال: ما انتفع في مثل هذا اليوم بسيفه قطّ، ثم ضربه على حبْل عاتقه فقتله، فقال: خذها وأنا ابن الفاروق، فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلتَ خيرًا من ألف فاروق.
قال: وحدّثني عليّ أبو الحسن الحذّاء من أهل الكوفة، قال: حدّثني مسعود الرّحال، قال: شهدت مقتل محمد بالمدينة، فإنّى لأنظر إليهم عند أحجار الزّيت، وأنا مشرف عليهم من الجَبل - يعني سَلْعًا - إذ نظرت إلى رجل من أصحاب عيسى قد أقبل مستلئمًا في الحديد؛ لا يُرى منه إلّا عيناه، على فرس؛ حتى فَصَل من صفّ أصحابه، فوقف بين الصّفين، فدعا للبراز؛ فخرج إليه رجل من أصحاب محمد، عليه قَباء أبيض، وكُمّة بيضاء، وهو راجل، فكلمه مليًّا، ظننت أنه استرجله لتستوى حالاهما، فنظرتُ إلى الفارس ثَنَى رجله، فنزل،
ج ٩ ص ٩٠٨ثم التقيا فضربه صاحب محمد ضربة على خُوذة حديد على رأسه، فأقعده على استِه وقِيذًا لا حراك به، ثم انتزع الخُوذة، فضرب رأسه فقتله، ثم رجع فدخل في أصحابه، فلم ينشب أنْ خرج من صفّ عيسى آخر؛ كأنه صاحبه، فبرز له الرّجُل الأوّل، فصنع به مثل ما صنع بصاحبه، ثم عاد إلى صفّه، وبرز ثالث فدعاه، فبرز له فقتله، فلما قتل الثالث ولّى يريد أصحابه، فاعتوره أصحاب عيسى فرموْه فأثبتوه، وأسرع يريد أصحابَه، فلم يبلغهم حتى خرَّ صريعًا فقتلوه دونهم.
- (١)هذا خبر منكر سندًا ومتنًا وجهم بن عثمان منكر الحديث.
- (١)الخشف: الصوت الخفي، أو الحركة. القاموس ص ١٠٣٩.
-
وحدّثني عيسى، قال: أخبرني محمد بن زيد، قال: لما أخبرْنا عيسى برميهم إيانا، قال لُحميد بن قَحْطبة: تقدّم، فتقدم في مئة كلهم راجل غيره معهم النشاب والترسة، فلم يلبثوا أن زحفوا إلى جدار دون الخندق، عليه أناس من أصحاب محمد، فكشفوهم ووقفوا عند الجدار، فأرسل حُميد إلى عيسى بهدْم الجدار، قال: فأرسل إلى فَعَلة فهدموه، وانتهوا إلى الخندق، فأرسل إلى عيسى: إنا قد انتهينا إلى الخندق، فأرسل إليه عيسى بأبواب بقدر الخندق، فعبروا عليها؛ حتى كانوا من ورائه، ثم اقتتلوا أشدّ القتال من بُكْرة حتى صار العصر.
-
وحدّثني الحارث، قال: أخبرنا ابنُ سعد، قال: قال محمد بن عمر: أقبل عيسى بن موسى بمَنْ معه، حتى أناخ على المدينة، وخرج إليه محمد بن عبد الله ومَنْ معه، فاقتتلوا أيامًا قتالًا شديدًا، وصبَر نفر من جُهينة، يقال لهم بنو شجاع مع محمد بن عبد الله، حتى قُتِلوا وكان لهم غَناء.
-
رجع الحديث إلى حديث عمر: حدثني أزهر، قال: أمرهم عيسى فطرحوا حقائب الإبل في الخندق فأمر ببابي دار سعد بن مسعود التي في الثنيّة فطُرحا على الخندق؛ فجازت الخيل، فالتقوْا عند مفاتح خشْرم، فاقتتلوا حتى كان العصر.
-
حدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي ثابت، قال: انصرف محمد يومئذ قبل الظهر حتى جاء دار مَرْوان، فاغتسل وتحنّط، ثم خرج، قال عبد العزيز بن أبي ثابت: فحدّثني عبد الله بن جعفر، قال: دنوتُ منه، فقلت له: بأبي أنت! إنه والله ما لك بما رأيتَ طاقة، وما معك أحد يصدُق
ج ٩ ص ٩٠٩القتال؛ فاخرج الساعة حتى تلحق بالحسن بن معاوية بمكة؛ فإنّ معه جِلّة أصحابك، فقال: يا أبا جعفر؛ والله لو خرجتُ لقتل أهل المدينة؛ والله لا أرجع حتى أقتُل أو أقتَل؛ وأنت مني في سعة؛ فاذهب حيث شئت، فخرجت معه حتى إذا جاء دار ابن مسعود في سوق الظهر ركضتُ فأخذت على الزيّاتين، ومضى إلى الثنيّة، وقُتل من كان معه بالنّشاب وجاءت العصر فصلَّى.
-
حدّثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد، قال: رأيت محمدًا بين داري بني سعد، عليه جُبّة ممشّقة، وهو على بِرْذون، وابنُ خُضَير إلى جانبه يناشده الله إلّا مضى إلى البصرة أو غيرها؛ ومحمد يقول: والله لا تُبْتلون بي مرتين؛ ولكن اذهب حيث شئت فأنت في حلّ.
قال ابن خُضير: وأين المذهب عنك! ثم مضى فأحرق الديوان، وقتل رِياحًا ثم لحقه بالثنيّة، فقاتل حتى قتِل.