ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

٩٣ فقرة، ج ٩ ص ٨٧٣

الصفحة ٢ من ٣

  1. وحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، عن محمد بن عمر، قال: خرج مع محمد بن عبد الله بن خُضير؛ رجل من ولد مُصعب بن الزبير؛ فلما كان اليوم الذي قتل فيه محمد، ورأى الخلل في أصحابه، وأنّ السيف قد أفناهم؛ استأذن محمدًا في دخول المدينة فأذن له، ولا يعلم ما يريد؛ فدخل على رياح بن عثمان بن حيّان المُرّيّ وأخيه، فذبحهما ثم رجع، فأخبر محمدًا، ثم تقدّم فقاتل حتى قُتِل من ساعته.

    ج ٩ ص ٩٠٩
  2. رجع الحديث إلى حديث عمر: حدثني أزهر، قال: حدثني أخي، قال: لما رجع ابن خُضير قتل رياحًا وابن مسلم بن عُقْبة.

  3. وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ذبح ابن خُضير رياحًا ولم يُجْهِز عليه، فجعل يضرب برأسه الجِدار حتى مات؛ وقتل معه عباسًا أخاه؛ وكان مستقيمَ الطريقة، فعاب الناسُ ذلك عليه؛ ثم مضى إلى ابن القَسْريّ وهو محبوس في دار ابن هشام، فنذِر به فردم بابي الدار دونَه، فعالج البابين، فاجتمع مَنْ في الحبس فسدّوهما، فلم يقدر عليهم؛ فرجع إلى محمد، فقاتل بين يديه حتى قُتِل.

  4. حدثني مسكين بن حبيب بن محمد، قال: لما جاءت العصر صلاها محمد

    ج ٩ ص ٩١٠في مسجد بني الديل، في الثنيّة، فلما سلّم استسقى، فسقته رَبيحة بنت أبي شاكر القرشية، ثم قالت له: جعلت فداك انجُ بنفسك، قال: إذًا لا يبقى بها ديكٌ يصرخ؛ ثم مضى فلما كان ببطن مسيل سلْع، نزل فعرقبَ دابته، وعرقب بنو شجاع دوابهم، ولم يبق أحد إلا كسر غِمْد سيفه، قال مسكين: فلقد رأيتُني وأنا غلام، جمعت من حَليها نحوًا من ثلاثمئة درهم؛ ثم قال لهم: قد بايعتموني ولستُ بارحًا حتى أقتَل، فمن أحبّ أن ينصرف فقد أذنتُ له، ثم أقبل على ابن خُضَير، فقال له: قد أحرقتَ الديوان؟ قال: نعم، خفت أن يؤخذ الناس عليه؟ قال: أصبت.

  5. حدثني أزهر، قال: حدّثني أخوَاي، قالا: لقد هزمْنا يومئذ أصحاب عيسى مرتين أو ثلاثًا، ولكنا لم نكن نعرف الهزيمة؛ ولقد سمعنا يزيد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، يقول، وقد هزمناهم: ويل أمه فَتْحًا لو كان له رجال!

  6. حدثني عيسى، قال: كان ممّن انهزم يومئذ وفرّ عن محمد عبدُ العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فأرسل محمد وراءه، فأتِيَ به، فجعل الصبيان يصيحون وراءه: "ألا باقة بقبقبة" ، فكان عبد العزيز يقول بعد ذلك: إن أشدّ ما أتى عليَّ لصياح الصبيان.

  7. وحدّثني عيسى، قال: حدّثنا مولى لهشام بن عُمارة بن الوليد بن عديّ بن الخيار، قال: كنا مع محمد، فتقدّم هشام بن عُمارة إليه وأنا معه، فقال: إني لا آمن أن يخذُلك مَنْ ترى، فأشهد أنّ غلامي هذا حرٌّ لوجه الله إن رمتُ أبدأ أو تُقتَل أو أقتَل أو نُغلَب؛ فقلت: فوالله إنّي لمعه إذ وقعت بترسه نشابة، ففلقته باثنتين، ثم خسفت في درْعه، فالتفت إليَّ فقال: فلان! قلت: لبيك؟ ! قال: ويلك! رأيتَ مثل هذا قطّ يا فلان! أيما أحبّ إليك؛ نفسي أم أنت؟ قلت: لا بل نفسك، قال: فأنت حرّ لوجه الله، فانطلق هاربًا.

  8. وحدّثني متوكل بن أبي الفحوة، قال: حدّثني محمد بن عبد الواحد بن عبد الله بن أبي فرْوة، قال: إنَّا لعلى ظهر سلْع ننظر، وعليه أعاريب جُهينة، إذ صعد إلينا رجل بيده رُمْح، قد نصب عليه رأس رجل متّصلٌ بحلقومه وكبده وأعْفَاج بطنه، قال: فرأيتُ منه منظرًا هائلًا، وتطيّرت منه الأعاريب، وأجفلت هاربة حتى أسهلت، وعلا الرّجُل الجبل، ونادى على الجبل رطانة لأصحابه

    ج ٩ ص ٩١١بالفارسية "كوهبان" ؛ فصعد إليه أصحابه حتى علوْا سلْعًا فنصَبُوا عليه راية سوداء، ثم انصبُّوا إلى المدينة، فدخلوها، وأمرتُ أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب - وكانت تحت عبد الله بن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس - بخمار أسود، فنصب على منارة مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلمّا رأى ذلك أصحابُ محمد تنادوا: دُخِلت المدينة، وهربوا، قال: وبلغ محمّدًا دخول الناس من سلْع، فقال: لكلّ قوم جبل يعصمهم؛ ولنا جبل لا نؤتَى إلّا منه.

  9. وحدثني محمد بن إسماعيل، عن الثقة عنده، قال: فتح بنو أبي عمرو الغفاريون للمسوّدة طريقًا في بني غفار، فدخلوا منه حتى جاؤوا من وراء أصحاب محمد.

  10. وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدثني عبد العزيز بن عمران، قال: نادى محمد يومئذ حُميد بن قحطبة: إن كنتَ فارسًا وأنت تعْتَدّ ذاك على أهل خُراسان فابرز لي، فأنا محمد بن عبد الله، قال: قد عرفتُك وأنت الكريم ابن الكريم، الشريف ابن الشريف؛ لا والله يا أبا عبد الله لا أبرز لك وبين يديّ من هؤلاء الأغمار إنسان واحد؛ فإذا فرغتُ منهم فسأبرزُ لك لَعَمْري.

  11. وحدثني عثمان بن المنذر بن مصعب بن عروة بن الزبير، قال: حدّثني رجل من بني ثعلبة بن سعد، قال: كنت بالثنيّة يوم قُتِل محمد بن عبد الله بن حسن ومعه ابن خضير، قال: فجعل ابن قحطبة يدعو ابنَ خضير إلى الأمان، ويشحّ به عن الموت، وهو يشدّ على الناس بسيفه مترجّلًا، يتمثل:

    لا تَسْقِهِ حَزرًا ولا حليبًا ... إن لم تجدْه سابحًا يَعْبُوبَا

    ذا مَيْعَةٍ يَلتَهِمُ الجبوبَا ... كالذئب يتلو طَمَعًا قريبا

    يبادر الآثارَ أن تَثُوبا ... وحاجبَ الجَونةِ أَن يغيبا

    قال: فخالط الناس، فضربه ضارب على ألْيَته فخلّها، فرجع إلى أصحابه، فشقّ ثوبًا فعصَّبها إلى ظهره، ثم عاد إلى القتال، فضربه ضارب على حَجَاج عينه (١) ، فأغمض السيف في عينه، وخرّ فابتدره القوم، فحزُّوا رأسه؛ فلما قتِل

    ج ٩ ص ٩١٢ترجّل محمد، فقاتل على جيِفته حتى قتل.

    1. (١)الحجاج: العظم الذي يثبت عليه الحاجب. اللسان (٢/ ٢٢٩) القاموس ص ٢٣٤.
  12. وحدثني مخلّد بن يحيى بن حاضر بن المهاجر الباهليّ، قال: سمعتُ الفضل بن سليمان مولى بني نُمير يخبِر عن أخيه - وكان قد قتل له أخ مع محمد - قال: كان الخُراسانية إذا نظروا إلى ابن خُضير تنادوا: "خضير آمد، خضير آمد! " ، وتصعصعوا (١) لذلك.

    1. (١)الصعصعة: التفرق. القاموس ص ٩٥٣.
  13. وحدثني هشام بن محمد بن عروة بن هشام بن عروة، قال: أخبرني ماهان بن بخت مولى قَحْطبة، قال: أتِينا برأس ابن خضير؛ فوالله ما جعلنا نستطيع حَمْله لما كان به من الجِراح؛ والله لكأنه باذنجانة مفلّقة، وكنا نضمُّ أعظَمهُ ضمًّا.

  14. وحدثني أزهر بن سعيد، قال: لما نظر أصحاب محمد إلى العلم الأسود على مَنارة المسجد فتّ ذلك في أعضادهم، ودخل حُميد بن قحطبة من زُقاق أشجع على محمد فقتله وهو لا يشعر، وأخذ رأسه فأتَى به عيسى، وقتَل معه بشرًا كثيرًا.

    قال: وحدثني أبو الحسن الحذّاء، قال: أخبرني مسعود الرّحال، قال: رأيت محمدًا يومئذ باشرَ القتال بنفسه، فأنظر إليه حين ضربه رجلٌ بسيف دون شحمة أذنه اليمنى، فبرك لرُكبتيه وتعاوروا عليه، وصاحَ حُميد بن قحطبة: لا تقتلوه، فكفّوا، وجاء حميد فاحتزّ رأسه.

  15. وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدثني الحارث بن إسحاق، قال: برك محمد يومئذ لركبتيْه وجعل يذبّ عن نفسه ويقول: ويحكم! أنا ابن نبيكم، محرَج مظلوم!

  16. وحدثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني ابن أبي ثابت؛ عن عبد الله بن جعفر، قال: طعنه ابن قَحطبة في صدره فصَرعه، ثم نزل فاحتزّ رأسه، فأتى به عيسى.

  17. وحدّثني محمد بن إسماعيل، قال: حدّثني أبو الحجاج المنقريّ، قال:

    ج ٩ ص ٩١٣رأيتُ محمدًا يومئذ وإن أشبه ما خلق الله به لَمَا ذُكِر عن حمزة بن عبد المطلب، يهذّ الناس بسيفه هذًّا؛ ما يقاربه به أحد إلا قتله، ومعه سيف، لا والله ما يُليق شيئًا؛ حتى رماه إنسان بسهم كأني أنظر إليه، أحمر أزرق، ثم دهمتْنا الخيل، فوقف إلى ناحية جدار، فتحاماه الناسُ، فوجد الموت، فتحامل عِلى سيفه فكسره، قال: فسمعتُ جدّي يقول: كان معه سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذو الفَقار.

  18. وحدّثني هرمز أبو عليّ مولى باهلة، قال: حدّثني عمرو بن المتوكل - وكانت أمّه تخدم فاطمة بنت حسين - قال: كان مع محمد يوم قتل سيف النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذُو الفقار، فلما أحسّ الموت أعطى سيفه رجلًا من التجار كان معه - وكان له عليه أربعمئة دينار - فقال له: خذ هذا السيف؛ فإنك لا تلقى به أحدًا من آل أبي طالب إلّا أخذه وأعطاك حقك، قال: فكان السيف عنده، حتى ولي جعفر بن سليمان المدينة فأخبر عنه، فدعا الرجل وأخذ السيف منه، وأعطاه أربعمئة دينار؛ فلم يزل عنده حتى قام المهديّ، وولِي جعفر المدينة، وبلغه مكانُ السيف؟ ؛ فأخذه، ثم صار إلى موسى، فجرّب به على كلب، فانقطع السيف. [٧/ ٥٧٩ - ٥٩٦] .

  19. وحدثني أبو عاصم النبيل، قال: حدّثني أخو الفضل بن سليمان النُّميريّ قال: كنا مع محمد، فأطاف بنا أربعون ألفًا، فكانوا حولنا كالحرّة السَّوداء، فقلت له: لو حملت فيهم لانفرجوا عنك، فقال: إنّ أمير المؤمنين لا يحمل، إنه إن حمل لم تكن له بقيّة، قال: فجعلنا نعيد ذلك عليه؛ فحمل، فالتفوا عليه فقتلوه.

  20. وحدثني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سلم - ويدعى ابن البوّاب؛ وكان خليفة الفضل بن الربيع يحجب هارون - من أدباء الناس وعلمائهم - قال: حدّثني أبي عن الأسلميّ - يعني عبد الله بن عامر - قال: قال لي محمد ونحن نقاتل معه عيسى: تغشانا سحابة؛ فإن أمَطرتنا ظفرنا، وإن تجاوزتْنا إليهم فانظر إلى دمِي على أحجار الزيت؛ قال: فوالله ما لبثنا أنْ أطلّتْنا سحابة فأحالت حتى قلتُ: تفعل، ثم جاوزتنا فأصابت عيسى وأصحابه، فما كان إلا كلا ولا؛ حتى رأيته قتيلًا بين أحجار الزيت.

  21. وحدثني إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أبي الكرام، قال: قال عيسى لحُميد بن قحطبة عند العصر: أراك قد أبطأتَ في أمر هذا الرجل، فولّ حمزة بن

    ج ٩ ص ٩١٤مالك حرْبَه، فقال: والله لو رُمتَ أنت ذاك ما تركتُك؛ أحين قتلتُ الرجال ووجدتُ ريح الفتح! ثم جدّ في القتال حتى قُتِل محمد.

  22. وحدثني جوّاد بن غالب بن موسى مولى بني عِجل، قال: أخبرني حميد مولى محمد بن أبي العباس، قال: اتّهم عيسى حميدَ بن قحطبة يومئذ - وكان على الخيل - فقال: يا حُميد، ما أراك تبالغ، قال: أتتهمني! فوالله لأضربنّ محمدًا حين أراه بالسيف، أو أقتل دونه، قال: فمرّ به وهو مقتول؛ فضربه بالسيف ليبرّ يمينه.

  23. وحدَّثني يعقوب بن القاسم، قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب، قال: قُتِل محمد عند العصر، يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلتْ من شهر رمضان.

  24. وحدثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني أبي، قال: بعث عيسى فدقّ السجن، فحملنا إليه والقتال دائب بينهم؛ فلم نزل مطّرحين بين يديه، حين أتِيَ برأس محمد، فقلتُ لأخي يوسف: إنه سيدعونا إلى معرفته، ولا نعرفه له؛ فإنا نخاف أن نخطئ؛ فلما أتِيَ به قال: أتعرفانه؟ قلنا: نعم، قال: انظرا، أهو هذا؟ قال أبي: فبدرتُ يوسف، فقلت: أرى دمًا كثيرًا وأرى ضربًا؛ فوالله ما أثبِته، قال: فأطلقنا من الحديد، وبتنا عنده ليلتنَا كلها حتى أصبحنا، قال: ثم ولّاني ما بين مكة والمدينة، فلم أزل واليًا عليه حتى قدم جعفر بن سليمان، فحمدوني إليه، وألزمني نفسه.

  25. وحدّثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم، قال: حدثني أبو كعب، قال: حضرت عيسى حين قتل محمدًا فوضع رأسه بين يديه، فأقبل على أصحابه، فقال: ما تقولون في هذا؟ فوقعوا فيه، قال: فأقبل عليهم قائد له، فقال: كذبتم والله وقلتم باطلًا، لمَا على هذا قاتلناه؛ ولكنه خالف أمير المؤمنين، وشقّ عصا المسلمين، وإن كان لصوّامًا قوّامًا، فسكت القوم.

  26. وحدثني ابن البوّاب عبد الله بن محمد، قال: حدّثني أبي، عن الأسلميّ، قال: قدم على أبي جعفر قادم، فقال: هرب محمد، فقال: كذبت! نحن أهلَ البيت لا نفرّ.

  27. وحدثني عبد الله بن راشد بن يزيد، قال: حدّثني أبو الحجاج الجمّال،

    ج ٩ ص ٩١٥قال: إني لقائم على رأس أبي جعفر، وهو مسائلي عن مخرج محمد، إذ بلغه أن عيسى قد هُزِم - وكان متّكئًا فجلس - فضرب بقضيب معه مصلّاه، وقال: كلا، فأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء! ما أنى لذلك بعدُ! .

    قال: وحدّثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني بعض أصحابنا، قال: أصاب أبا القلمّس نُشابة في ركبته، فبقيَ نصلها، فعالجها فأعياه، فقيل له: دعه حتى يقيح فيخرج، فتركه، فلما طُلب بعد الهزيمة لحق بالحَرّة، وأبطأ به ما أصاب ركبتَه، فلم يزل بالنّصل حتى استخرجه ثم جثا لركبتيه، ونكب كنانته (١) ، فرماهم فتصدّعوا عنه، فلحق بأصحابه فنجا.

    1. (١)نكب كنانته: نثر ما فيها. القاموس ص ١٧٩.
  28. وحدثني محمد بن الحسن، قال: حدّثني عبد الله بن عمر بن القاسم، قال: لما انهزمنا يومئذ كنتُ في جماعة، فيهم أبو القلمّس، فالتفتّ إليه، فإذا هو مستغرب ضحكًا، قال: فقلت: والله ما هذا بموضع ضحك، وخفضتُ بصري؛ فإذا برجل من المنهزمة قد تقطع قميصُه، فلم يبق منه إلا جُرُبّانه (٢) وما يستر صدره إلى ثدييه، وإذا عورته بادية وهو لا يشعر؛ قال: فجعلت أضحك لضحك أبي القلمّس.

    1. (٢)جربان القميص: جيبه. اللسان ١/ ٢٦١.
  29. فحدثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: لم يزل أبو القلمّس مختفيًا بالْفُرْع، وبقي زمانًا ثم عدا عليه عبدٌ له، فشدخ رأسه بصخْرة فقتله، ثم أتى أمّ ولد كانت له، فقال: إني قد قتلت سيِّدك فهلمِّي أتزوّجك؟ قالت: رويدًا أتصنّع لك، فأمهلها، فأتت السلطان فأخبرته، فأخذ العبدَ فشدخ رأسَه.

  30. حدّثني محمود بن معمر بن أبي الشدائد، قال: أخبَرني أبي، قال: لما دخلتْ خيلُ عيسى من شِعْب بني فَزارة فقتِل محمد، اقتحم نَفِّر على أبي الشدائد فقتلوه، وأخذوا رأسه، فنادت ابنتُه الناعمة بنت أبي الشدائد: وارجالاه! فقال لها رجل من الجند: ومَنْ رجالك؟ قالت: بنو فَزارة قال: والله لو علمتُ ما دخلتُ بيتَك، فلا بأس عليك، أنا امرؤ من عشيرتك من باهلة؛ وأعطاها قطعة من عمامته فعلقتها على بابها، قال: وأُتِيَ عيسى برأسه، وعنده ابن أبي الكرام

    ج ٩ ص ٩١٦ومحمد بن لُوط بن المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فاسترجعا وقالا: والله ما بقي من أهل المدينة أحدٌ، هذا رأس أبي الشدائد، فالح بن معمر - رجل من بني فزارة مكفوف - قال: فأمر مناديًا فنادى: مَنْ جاء برأس ضربْنا رأسه.

  31. وحدثني عليّ بن زادان، قال: حدّثني عبد الله بن برقي، قال: رأيت قائدًا من قوّاد عيسى، جاء في جماعة يسأل عن منزل ابن هرمز؛ فأرشدناه إليه. قال: فخرج وعليه قميص رياط، قال: فأنزلوا قائدَهم، وحملوه على بِرْذَوْنه وخرجوا به يزفّونه، حتى أدخلوه على عيسى، فما هاجه.

  32. حدثني قدامة بن محمد، قال: خرج عبد الله بن يزيد بن هرمز ومحمد بن عجلان مع محمد، فلما حضر القتال، تقلد كلّ واحد منهما قوسًا، فظننّا أنهما أرادا أن يُريا الناس أنهما قد صَلَحا ذلك.

  33. وحدثني عيسى، قال: حدثني حسين بن يزيد، قال: أتِيَ بابن هرمز إلى عيسى بعدما قتل محمد، فقال: أيها الشيخ، أما وزعك فقهُك عن الخروج مع من خرج! قال: كانت فتنةً شملت الناس، فشملتنا فيهم، قال: اذهب راشدًا.

  34. وحدثني محمد بن الحسن بن زبَالة، قال: سمعتُ مالك بن أنس، يقول: كنتُ آتي ابنَ هرمز فيأمر الجارية فتغلق البابَ، وترخِي الستر، ثم يذكر أوّل هذه الأمّة، ثم يبكي حتى تخضلّ لحيته، قال: ثم خرج مع محمد فقيل له: والله ما فيك شيء، قال: قد علمتُ؛ ولكن يراني جاهل فيقتدي بي.

  35. حدثني عيسى، قال: حدّثني محمد بن زيد، قال: لمّا قُتِل محمدٌ انخرقت السماءُ بالمطر بما لم أر مثله انخرق قطّ منها، فنادى منادي عيسى: لا يبيتنّ بالمدينة أحدٌ من الجند إلا كثير بن حُصَين وجنده، ولحق عيسى بعسكره بالجُرْف؛ فكان به حتى أصبح، ثم بعث بالبشارة مع القاسم بن حسن بن زيد، وبعث بالرأس مع ابن أبي الكرام (١) .

    1. (١)إن كان ابن قدامة بن خشرم فقد قال ابن عدي له أحاديث غير محفوظة (ميزان الاعتدال/ تر ٦٨٧١) وإلا لم ندر من هو؟
  36. وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: لما

    ج ٩ ص ٩١٧أصبح محمد في مصرَعه، أرسلتْ أخته زينب بنت عبد الله وابنته فاطمة إلى عيسى: إنكم قد قتلتم هذا الرجل، وقضيتم منه حاجَتكم، فلو أذنتم لنا فواريناه! فأرسل إليهما: أما ما ذكرتما يا بنتيْ عمّي مما نيل منه فوالله ما أمرتُ ولا علمتُ؛ فوارِياه راشدتين، فبعثتا إليه فاحتُمل، فقيل: إنه حُشي في مقطع عنقه عديله قُطْنًا، ودفن بالبَقيع، وكان قبره وِجاه زقاق دار عليّ بن أبي طالب، شارعًا على الطريق أو قريبًا من ذلك؛ وبعث عيسى بألوية فُوضعَ على باب أسماء بنت حسن بن عبد الله واحدٌ، وعلى باب العباس بن عبد الله بن الحارث آخر، وعلى باب محمد بن عبد العزيز الزهريّ آخر، وعلى باب عبيد الله بن محمد بن صفوان آخر، وعلى باب دار أبي عمرو الغِفاريّ آخر، وصاح مناديه: مَنْ دخل تحت لواء منها، أو دخل دارًا من هذه الدور فهو آمن، ومطرت السماءُ مطرًا جَوْدًا، فأصبح الناس هادئين في أسواقهم؛ وجعل عيسى يختلف إلى المسجد من الجُرْف، فأقام بالمدينة أيامًا، ثم شخص صُبح تسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان يريد مكة.

  37. حدّثني أزهر بن سعيد، قال: لما كان الغد من قتل محمد أذن عيسى في دفْنه، وأمر بأصحابه فصُلبوا ما بين ثنيّة الوَداع إلى دار عمر بن عبد العزيز.

    قال أزهر: فرأيتُهم صفين؛ ووكل بخشبة ابن خُضير مَن يحرسها، فاحتمله قومٌ في الليل فواروْه، ولم يقدَرْ عليهم، وأقام الآخرون مصلّبين ثلاثًا، ثم تأذّى بهم الناس، فأمر عيسى بهم فألقوا على المفرح من سَلْع، وهي مقبرة اليهود، فلم يزالوا هنالك، ثم ألقُوا في خندق بأصل ذباب.

  38. حدثني عيسى بن عبدالله قال: حدّثتني أمي أم حسين بنت عبد الله بن محمد بن عليّ بن حسين، قالت: قلت لعمّي جعفر بن محمد: إني - فديتُك - ما أمرُ محمد بن عبد الله [هذا] قال: فتنته يقتل فيها محمد عند بيت روميّ، ويقتل أخوه لأبيه وأمّه بالعراق وحوافر فرسه في ماء.

  39. حدثني عيسى، عن أبيه، قال: خرج مع محمد حمزة بن عبد الله بن محمد بن عليّ - وكان عمه جعفر ينهاه؛ وكان من أشدّ الناس مع محمّد - قال: فكان جعفر يقول له: هو والله مقتول، قال: فتنحى جعفر.

  40. حدّثني عيسى، قال: حدّثنا ابنُ أبي الكرام، قال: بعثني عيسى برأس

    ج ٩ ص ٩١٨محمد، وبعث معي مئة من الجند، قال: فجئنا حتى إذا أشرفنا على النّجَف كبّرنا - قال: وعامر بن إسماعيل يومئذ بواسط محاصِر هارون بن سعد العِجلّي - فقال أبو جعفر للربيع: ويحك! ما هذا التكبير! قال: هذا ابن أبي الكرام، جاء برأس محمد بن عبد الله، قال: ائذن له ولعشرة ممّن معه، قال: فأذِن لي، فوضعتُ الرأس بين يديه في ترس، فقال: من قُتل معه من أهل بيته؟ قلتُ: لا والله ولا إنسان، قال: سبحان الله! هو ذاك، قال: فرفع رأسَه إلى الربيع، فقال: ما أخبرنا صاحبه الذي كان قبله؟ قال الربيع: زعم أنه قتِل منهم عدد كثير، قلت: لا والله ولا واحد.