ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

٩٣ فقرة، ج ٩ ص ٨٧٣

الصفحة ٣ من ٣

  1. حدثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم، قال: لما قدِم برأس محمد على أبي جعفر وهو بالكوفة، أمر به فطيِف في طَبق أبيض، فرأيته آدم أرْقَط، فلما أمسى من يومه بعث به إلى الآفاق.

    ج ٩ ص ٩١٨
  2. وحدثني عبد الله بن عمر بن حبيب من أهل يَنْبعُ، قال: لما أُتِيَ أبو جعفر برؤوس بني شجاع، قال: هكذا فليكن الناس، طلبتُ محمدًا فاشتمل هؤلاء عليه، ثم نقلوه وانتقلوا معه، ثم قاتلوا معه فصبروا حتى قتلوا.

    قال عمر: أنشدني عيسى بن إبراهيم وإبراهيم بن مصعب بن عُمارة بن حمزة بن مصعب، ومحمد بن يحيى ومحمد بن الحسن بن زَبالة وغيرهم لعبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير يرثي محمدًا:

    تبكي مُدلّه أن تقنَّص حَبْلَهُمْ ... عِيسى وأَقصَدَ صائبًا عثمانا

    هَلا على المَهْديّ وابنَيْ مُصْعَبٍ ... أَذرَيْتَ دَمْعَك ساكبًا تَهتانا!

    ولفَقْدِ إبراهيمَ حينَ تصدَّعَت ... عنه الجمُوعُ فَواجَهَ الأَقرانا

    سالَتْ دمُوعك ضَلَّةً قَدْ هِجْتَ لي ... بُرَحاءَ وَجْدٍ تَبْعَثُ الأَحزَانا

    والله ما وَلَدَ الحواضنُ مثلَهم ... أَمْضَى وأَرفَعَ مَحْتِدًا ومكانا

    وأَشَدَّ ناهِضَةً وأقوَلَ لِلَّتي ... تَنْفِي مصادرُ عَدْلها البهتانا

    فهناك لو فَقَّأْتَ غير مُشَوَّهٍ ... عَيْنَيْك من جزع عذرتَ علانا

    رُزْءٌ لَعَمْرُكَ لو يُصابُ بمثله ... مِبْطانُ صدَّع رُزْؤه مبْطانا

    وقال ابن مصعب:

    يا صاحبَيَّ دَعَا المَلامة واعْلما ... أن لسْتُ في هذا بأَلْوَم منكما

    ج ٩ ص ٩١٩وَقِفَا بقبر ابن النبيّ فسلِّما ... لا بأْسَ أن تَقِفا به فتُسَلِّما

    قبرٌ تَضَمَّنَ خَيْرَ أَهْل زَمانه ... حَسَبًا وطيْبَ سجيَّةٍ وتكرُّما

    رجلٌ نفى بالعَدْلِ جَوْرَ بِلادِنا ... وعفا عظيماتِ الأُمور وأنعَما

    لم يَجْتَنبْ قَصْدَ السبيل ولم يَجُرْ ... عنه ولم يفتح بفاحشةٍ فما

    لو أعظَمَ الحَدَثَان شيئًا قبله ... بعد النبيّ به لكنتَ المعظَما

    أو كان أمتع بالسلامة قبله ... أحدًا لكان قصارُه أَن يسلَما

    ضحَّوا بإبراهيمَ خيرَ ضَحِيَّةٍ ... فتصرَّمت أيامُه وتصرّما

    بطلًا يخوضُ بنفسه غمراتِها ... لا طائشًا رَعَشًا ولا مُسْتَسْلما

    حتى مضَت فيه السُّيوفُ ورُبَّما ... كانت حُتُوفُهُمُ السيوف ورُبّما

    أضحى بنو حَسَن أُبيحَ حَرِيمُهُمْ ... فينا وأصْبحَ نهبُهمْ متقسَّما

    ونساؤُهم في دورِهنَّ نوائح ... سَجْعَ الحمامِ إذا الحَمامُ ترنّما

    يتوسَّلون بقتلهم ويَرَوْنَه ... شَرَفًا لهم عند الإمام ومَغْنَمَا

    والله لو شهد النبيُّ محمّدٌ ... صلّى الإله على النبيّ وسلّما

    إِشْراعَ أُمَّتِهِ الأَسَنَّةَ لابْنِه ... حتى تقطَّر من ظُبَاتِهُمُ دما

    حَقًّا لأيْقَنَ أنَّهم قد ضَيَّعوا ... تلك القرابةَ واستحلّوا المحرَما

    وحدثني إسماعيل بن جعفر بن إبراهيم، قال: حدثني موسى بن عبد الله بن حسن، قال: خرجتُ من منازلنا بسويقة في الليل، وذلك قبل مُخْرَج محمد بن عبد الله؛ فإذا بنسوة كأنما خرجْن من ديارنا؛ فأخذتْني عليهنّ غَيْرة، فإني لأتبعهنّ أنظر أين يَردْنَ؛ حتى إذا كنّ بطرف الحُميرَاء من جانب الغَرْس؛ التفتت إليّ إحداهنّ، فقالت:

    سُوَيْقَةُ بَعْدَ ساكنها يَبَابُ ... لقد أَمستْ أجَدَّ بها الخرابُ

    فعرفت أنهنّ من ساكني الأرض، فرجعت.

  3. وحدّثني عيسى، قال: لما قَتَل عيسى بن موسى محمدًا قبض أموالَ بني يحسن كلَّها، فأجاز ذلك أبو جعفر.

  4. وحدّثني أيوب بن عمر، قال: لقيَ جعفر بن محمد أبا جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين، رُدّ عليَّ قطيعتي عين أبي زياد آكل من سَعفها، قال: إياي تكلم بهذا الكلام! والله لأزهِقنَّ نفسَك، قال: فلا تعجلْ عليّ قد بلغت ثلاثًا وستين، وفيها

    ج ٩ ص ٩٢٠مات أبي وجدّي عليّ بن أبي طالب؛ وعليّ كذا وكذا إن ربتُك شيء أبدًا، وإن بقيتُ بعدك إن رِبْت الذي يقوم بعدك، قال: فرقّ له وأعفاه.

  5. وحدّثني هشام بن إبراهيم بن هشام بن راشد، قال: لم يَرُدّ أبو جعفر عينَ أبي زياد حتى مات فردّها المهديّ على ولده.

  6. وحدّثني هشام بن إبراهيم، قال: لما قُتِل محمد أمر أبو جعفر بالبحر فأقفل على أهل المدينة، فلم يحمَل إليهم من ناحية البحار شيء؛ حتى كان المهديّ فأمر بالبحر ففتح لهم، وأذن في الحمل.

  7. وحدّثني محمد بن جعفر بن إبراهيم، قال: حدّثتنْي أمّي أمّ سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر زوْجة موسى بن عبد الله، قالت: خاصم بنو المخزومية عيسى وسليمان وإدريس بنو عبد الله بن حسن بن محمد بن عبد الله بن حسن في ميراث عبد الله، وقالوا: قُتِل أبوكم محمّد فورثه عبد الله؛ فتنازعوا إلى الحسن بن زيد؛ فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين أبي جعفر، فكتب إليه: أما بعد؛ فإذا بلغك كتابي هذا فورِّثهم من جدّهم، فإني قد رددت عليهم أموالَهم صلةً لأرحامهم، وحفظًا لقَرابتهم.

  8. وحدّثني عيسى، قال: خرج مع محمد من بني هاشم الحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وحسين وعيسى ابنا زيد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب؛ قال: فحدّثني عيسى، قال: بلغني أن أبا جعفر كان يقول: واعجبَا لخروج ابني زيد بن عليّ وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، وصلبناه كما صلبه، وأحرقناه كما أحرقه، وحمزة بن عبد الله بن محمد بن عليّ بن حسين بن أبي طالب، وعليّ وزيد ابنا حسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب!

    قال عيسى: قال أبو جعفر للحسن بن زيد: كأني أنظر إلى ابنيك واقفيْن على رأس محمد بسيفيْن، عليهما قَباءان، قال: يا أمير المؤمنين، قد كنت أشكو إليك عقوقهما قبل اليوم، قال: أجل فهذا من ذاك، والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والمرجّى عليّ بن جعفر بن إسحاق بن عليّ بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال عيسى: قال أبو جعفر لجعفر بن إسحاق: مَن المرجَّى هذا؟ فعل الله به وفعل! قال: يا أمير المؤمنين؛ ذاك ابني، والله لئن

    ج ٩ ص ٩٢١شئت أن أنتفي منه لأفعلنّ، ومن بني عبد شمس محمد بن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس.

    قال: وحدثني أبو عاصم النّبيل، قال: حدثني عبّاد بن كثير، قال: خرج ابن عجلان مع محمد، وكان على ثقَله فلما ولي جعفر بن سليمان المدينة قيّده، فدخلت عليه، فقلت: كيف ترى رأي أهل البصرة في رجل قيّد الحسن؟

    قال: سيّئًا والله، قال: قلت: فإن ابن عجلان بهذه كالحسن ثمَّ، فتركه ومحمد بن عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس (١) . [٧/ ٥٩٦ - ٦٠٥] .

    1. (١)عباد بن كثير متروك عند أئمة الحديث. وقد ذكر الذهبي هذا الخبر في ترجمة ابن عجلان بصيغة لا تفيد التوكيد أو الجزم فقال: قد جاء أن .... الخبر والله أعلم.
  9. وحدّثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله، أنّ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم خرج معه؛ فأتَى به أبو جعفر بعد قتل محمد، فقال له: أنت الخارج عليّ مع محمد؟ قال: لم أجد إلّا ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد - صلى الله عليه وسلم -، قال عمر: هذا (١) وهْمٌ.

    قال: وحدثني عبد العزيز بن أبي سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، قال: كان عبيد الله قد أجاب محمدًا إلى الخروج معه؛ فمات قبل أن يخرج، وخرج معه أبو بكو بن عبد الله بن محمد بن أبي سَبْرة بن أبي رُهم بن عبد العُزّى ابن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ، وخرج معه عبد الواحد بن أبي عون مولى الأزد وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسوَر بن مخرمة وعبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْديّ وعبد الحميد بن جعفر وعبد الله بن عطاء بن يعقوب مولى بني سباع، وابن سباع من خُزاعة حليف بني زُهرة، وبنو إبراهيم وإسحاق وربيعة وجعفر وعبد الله وعطاء ويعقوب وعثمان وعبد العزيز؛ بنو عبد الله بن عطاء.

  10. وحدّثني إبراهيم بن مُصعب بن عُمارة بن حمزة بن مُصعب بن الزبير، قال: وحدثني الزُّبير بن خُبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبير، قال: إنا لبالمُر من بطن

    ج ٩ ص ٩٢٢إضَم، وعندي زوجتي أمينة بنت خضير؛ إذ مرّ بنا رجل مصعِد من المدينة، فقالت له: ما فعل محمد؟ قال: قُتِل، قالت: فما فعل ابن خُضير؟ قال: قتل، فخرّت ساجدة، فقلت: أتسجدين أن قُتِل أخوك! قالت: نعم، أليس لم يفِرّ ولم يُؤسَر!

    قال عيسى: حدّثني أبي، قال: قال أبو جعفر لعيسى بن موسى: مَنْ استنصر مع محمد؟ قال: آل الزبير، قال: ومَنْ؟ قال: وآل عمر، قال: أما والله غير مودّة بهما له ولا محبّة له ولا لأهل بيته، قال: وكان أبو جعفر يقول: لو وجدتُ ألفًا من آل الزّبير كلهم محسِن وفيهم مسئ واحدٌ لقتلتهم جميعًا، ولو وجدت ألفًا من آل عمر كلهم مسئ وفيهم مُحِسنٌ واحد لأعفيتُهم جميعًا.

    قال عمر: وحدّثني إبراهيم بن مصعب بن عمارة بن حمزة بن مصعب، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن محمد بن خالد بن الزّبير، قال: لما قُتِل محمد، هرب أبي وموسى بن عبد الله بن حسن وأنا معهما وأبو هبّار المزنيّ، فأتينا مكة، ثم انحدرنا إلى البصرة، فاكترينا من رجل يدعى حكيمًا، فلما وردنا البصرة - وذلك بعد ثلث الليل - وجدنا الدُّروب مغلَقة، فجلسنا عندها حتى طلع الفجر؛ ثم دخلنا فنزلنا المِرْبَد، فلما أصبحنا أرسلنا حكيمًا يبتاع لنا طعامًا؛ فجاء به على رجل أسود، في رجله حديدة، فدخل به علينا فأعطاه جُعْله، فتسخّط علينا، فقلنا: زده، فتسخّط، فقلنا له: ويلك! أضعف له، فأبى، فاستراب بنا، وجعل يتصفح وجوهنا، ثم خرج فلم ننشَب أن أحاطت بمنزلنا الخيل، فقلنا لربّة المنزل: ما بال الخيل؟ فقالت: لا بأس فيها، تطلب رجلًا من بني سَعْد يدعى نُميلة بن مُرّة، كان خرج مع إبراهيم، قال: فوالله ما راعنا إلّا بالأسود قد دُخل به علينا، قد غُطّى رأسه ووجهه.

  11. فلما دُخِل به كُشف عنه، ثم قيل: أهؤلاء؟ قال: نعم هؤلاء؛ هذا موسى بن عبد الله، وهذا عثمان بن محمد، وهذا ابنه؛ ولا أعرف الرابعَ غير أنه من أصحابهم، قال: فأخِذْنا جميعًا، فدُخل بنا على محمد بن سليمان فلما نظر إلينا أقبل على موسى، فقال: لا وصل الله رحِمك! أتركتَ البلاد جميعًا وجئتني! فإمّا أطلقتُك فتعرّضتُ لأمير المؤمنين، وإمّا أخذتُك فقطعت رَحِمك، ثم كتب إلى أمير المؤمنين بخبرنا. قال: فجاء الجواب أن احملهم إليّ، فوجّهنا إليه ومعنا جند، فلما صرنا بالبطيحة وجدنا بها جُنْدًا آخر ينتظروننا؛ ثم لم نزلْ فأتى على

    ج ٩ ص ٩٢٣المسالح من الجُند في طريقنا كله، حتى وردنا بغداد، فدُخل بنا على أبي جعفر، فلما نظر إلى أبي قال: هِيه! أخَرجتَ عليّ مع محمد! قال: قد كان ذاك؛ فأغلظ له أبو جعفر؛ فراجعه مليًّا، ثم أمر به فضُربت عنقه، ثم أمر بموسى فضُرِب بالسياط، ثم أمر بي فقُرّبت إليه، فقال: اذهبوا به فأقيموه على رأس أبيه؛ فإذا نظر إليه فاضربوا عنقَه على جيفته، قال: فكلمه عيسى بن عليّ، وقال: والله ما أحسبه بلغ؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، كنتُ غلامًا حدثًا غِرًّا أمرني أبي فأطعتُه، قال: فأمر بي فضُربتُ خمسين سوطًا، ثم حبسني في المطبَق وفيه يومئذ يعقوب بن داود، فكان خير رفيق أرافقه وأعطفه، يُطعمني من طعامه، ويسقيني من شرابه، فلم نزل كذلك حتى توُفِّيَ أبو جعفر، وقام المهديّ وأخرج يعقوب، فكلمه فيّ فأخرجني.

    قال: وحدّثني أيوب بن عمر، قال: حدّثني محمد بن خالد، قال: أخبرني محمد بن عروة بن هشام بن عُروة، قال: إني لعند أبي جعفر، إذْ أتي فقيل له: هذا عثمان بن محمد بن خالد قد دُخِل به، فلما رآه أبو جعفر، قال: أين المال الذي عندك، قال: دفعته إلى أمير المؤمنين رحمه الله، قال: ومَن أمير المؤمنين؟ قال: محمد بن عبد الله، قال: أبايعتَه؟ قال: نعم كما بايعتَه، قال: يا بن اللخناء! قال: ذاك مَنْ قامت عنه الإماء، قال: اضرب عنقه، قال: فأخِذ فضربت عنقه.

    قال: وحدثني سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، قال: حدّثني محمد بن عثمان بن خالد الزُّبيريّ، قال: لما خرج محمد خرج معه رجلٌ من آل كثير بن الصلت، فلما قتل وهُزِم أصحابه تغيّبوا؛ فكان أبي والكثيريّ فيمن تغيّب، فلبثوا بذلك؛ حتى قدم جعفر بن سليمان واليًا على المدينة، فاشتدّ في طلب أصحاب محمد، فاكترى أبي من الكثيريّ إبلًا كانت له، فخرجنا متوجّهين نحو البصرة، وبلغ الخبر جعفرًا، فكتب إلى أخيه محمد يعلمه بتوجّهنا إلى البصرة، ويأمره بالترصّد لنا والتيقظ لأمرنا ومقدمنا، فلما قدمنا علم محمد بمقدمنا ومكاننا، فأرسل إلينا فأخذنا، فأتِيَ بنا، فأقبل عليه أبي، فقال: يا هذا، اتّق الله في

    ج ٩ ص ٩٢٤كَرِيّنا (١) هذا؛ فإنه أعرابيّ لا علم له بنا، إنما أكْرانا ابتغاء الرزق، ولو علم بجريرتنا ما فعل؛ وأنت معرّضه لأبي جعفر؛ وهو مَنْ قد علمت؛ فأنت قاتله ومتحمّل مأثمه. قال: فوَجَم محمد طويلًا، ثم قال: هو والله أبو جعفر، والله ما أتعرّض له، ثم حُمِلنا جميعًا فدخلنا على أبي جعفر؛ وليس عنده أحد يعرف الكثيريّ غير الحسن بن زيد، فأقبل على الكثيريّ، فقال: يا عدوّ الله، أتكري عدوّ أمير المؤمنين، ثم تنقله من بلد إلى بلد، تواريه مرة وتظهره أخرى! قال: يا أميرَ المؤمنين، وما علمِي بخبَره وجريرته وعداوته إياك! إنما أكريتُه جاهلًا به، ولا أحسبه إلّا رجلًا من المسلمين، بريء الساحة؛ سليم الناحية، ولو علمت حاله لم أفعل، قال: وأكبّ الحسن بن زيد ينظر إلى الأرض، لا يرفع رأسه، قال: فأوعد أبو جعفر الكثيريّ وتهدده، ثم أمر بإطلاقه، فخرج فتغيّب، ثم أقبل على أبي، فقال: هيه يا عثمان! أنتَ الخارج على أمير المؤمنين، والمعينُ عليه! قال: بايعتُ أنا وأنت رجلًا بمكة، فوَفَيتُ بيعتي وغدرتَ ببيعتك، قال: فأمر به فضربت عنقه.

    قال: وحدّثني عيسى، قال: حدّثني أبي، قال: أتِيَ أبو جعفر بعبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فنظر إليه فقال: إذا قتلتُ مثل هذا من قريش فمن أستبقي! ثم أطلقه، وأتِيَ بعثمان بن محمد بن خالد فقتله، وأطلق ناسًا من القرشيّين، فقال له عيسى بن موسى: يا أميرَ المؤمنين، ما أشقَى هذا بك من بينهم! فقال: إن هذا يدي.

    قال: وحدّثني عيسى، قال: سمعتُ حسن بن زيد يقول: غدوتُ يومًا على أبي جعفر؛ فإذا هو قد أمر بعمل دكان، ثم أقام عليه خالدًا.

    1. (١)الكرى: الذي يكريك دابته. القاموس ص ١٧١٢.
  12. وأتي بعليّ بن المطلب بن عبد الله بن حنطب، فأمر به فضُرب خمسمئة سوط، ثم أتِيَ بعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع فأمر به فجُلِد خمسمئة سوط؛ فما تحرّك واحد منهما، فقال لي: هل رأيتَ أصبر من هذين قطّ! والله إنا لنؤتَى بالذين قد قاسوْا غلظ المعيشة وكدّها، فما يصبرون هذا الصبر، وهؤلاء أهل الخفض والكِنّ والنعمة، قلت: يا أميرَ المؤمنين، هؤلاء قومك أهلُ الشرف

    ج ٩ ص ٩٢٥والقَدْر، قال: فأعرض عني، وقال: أبيتَ إلا العصبيَة! ثم أعاد عبد العزيز بن إبراهيم بعد ذلك ليضربه، فقال: يا أميرَ المؤمنين، اللهَ الله فينا! فوالله إني لمكِبّ على وجهي منذ أربعين ليلة، ما صلّيتُ لله صلاة! قال: أنتم صنعتم ذلك بأنفسكم، قال: فأين العفو يا أمير المؤمنين؟ قال: فالعفو والله إذًا، ثم خلَّى سبيله.

  13. حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابنُ سعد، عن محمد بن عمر، قال: كثروا محمدًا وألحّوا في القتال حتى قتِل محمد في النصف من شهر رمضان سنة خمسة وأربعين ومئة، وحمِل رأسه إلى عيسى بن موسى، فدعا ابنَ أبي الكرام، فأراه إياه، فعرفه فسجد عيسى بن موسى، ودخل المدينة، وآمن الناسَ كلهم، وكان مكث محمد بن عبد الله من حين ظهر إلى أن قتل شهرين وسبعة عشر يومًا. [٧/ ٦٠٥ - ٦٠٩] .