ذكر الخبر عن بعض سيره

٧٥ فقرة، ج ١١ ص ٤٠

الصفحة ١ من ٢

  1. ذُكر عن صالح بن الوجيه، عن أبيه، قال: بلغ المنصورَ أن عيسى بن موسى

    ج ١١ ص ٤١قتل رجلًا من ولد نصر بن سيَّار، كان مستخفيًا بالكوفة، فدُلّ عليه، فضرب عنقه. فأنكر ذلك وأعظمه، وهمّ في عيسى بأمر كان فيه هلاكه، ثم قطعه عن ذلك جهلُ عيسى بما فعل. فكتب إليه:

    أما بعد، فإنَّه لولا نظرُ أمير المؤمنين واستبقاؤه لم يؤخِّرْك عقوبة قتل ابن نصر بن سيَّار واستبدادك به بما يقطع أطماعَ العمال في مثله، فأمسِكْ عمّن ولاك أمير المؤمنين أمره؛ من عربيّ وأعجميّ، وأحمر وأسود، ولا تستبدّنّ على أمير المؤمنين بإمضاء عقوبة في أحد قِبَله تباعةٌ، فإنَّه لا يرى أن يأخذ أحدًا بظنّة قد وضعها الله عنه بالتوبة، ولا بحَدَثٍ كان منه في حرب أعقبه الله منها سِلْمًا ستر به عن ذي غِلَّة، وحجز به عن محنة ما في الصدور؛ وليس ييأس أمير المؤمنين لأحدٍ ولا لنفسه من الله من إقبال مدبر؛ كما أنَّه لا يأمن إدبار مقبل. إن شاء الله والسلام.

    ج ١١ ص ٤٠
  2. وذكر عن عباس بن الفضل، قال: حدّثني يَحْيَى بن سُليم كاتب الفضل بن الرَّبيع، قال: لم يُرَ في دارِ المنصور لهوٌ قطّ، ولا شيء يشبه اللَّهو واللعب والعبث إلَّا يومًا واحدًا، فإنّا رأينا ابنًا له يقال له عبد العزيز أخا سليمان وعيسى ابني أبي جعفر من الطلحيَّة، تُوُفِّي وهو حَدَث، قد خرج على النَّاس متنكِّبًا قوسًا، متعمّمًا بعمامة، متردّيًا ببُرْد، في هيئة غلام أعرابيّ، راكبًا على قعود بين جُوالقيْن، فيهما مُقْل ونعال ومساويك وما يهديه الإعراب؛ فعجب النَّاس من ذلك وأنكروه. قال: فمضى الغلام حتَّى عبَر الجسر، وأتى المهديّ بالرُّصافة فأهدى إليه ذلك، فقبِل المهدِيّ ما في الجواليق وملأهما دراهم؛ فانصرف بين الجُوالقين؛ فعُلم أنَّه ضَرْبٌ من عبث الملوك.

  3. وذكر عن حمّاد التركيّ، قال: كنت واقفًا على رأس المنصور، فسمع جلبةً في الدار، فقال: ما هذا يا حمّاد؟ انظر، فذهبتُ فإذا خادم له قد جلس بين الجواري، وهو يضرب لهنّ بالطنبور، وهنّ يضحكنَ، فجئت فأخبرته، فقال: وأيّ شيء الطنبور؟ فقلت: خشبة من حالها وأمرها ... ووصفتُها له؛ فقال لي: أصبتَ صفته، فما يدريك أنت ما الطنبور! قلت: رأيتُه بخُراسان، قال: نعم هناك، ثم قال: هات نعلي، فأتيته بها فقام يمشي رُويدًا حتَّى أشرف عليهم فرآهم، فلما بصروا به تفرّقوا، فقال: خذوه، فأخِذ، فقال: اضرب به رأسَه،

    ج ١١ ص ٤٢فلم أزل أضرب به رأسَه حتَّى كسّرتُه، ثم قال: أخرِجْه من قصري، واذهب به إلى حمران بالكَرْخ، وقل له يبيعه.

  4. وذكر العباس بن الفضل عن سلّام الأبرش، قال: كنت وأنا وصيف وغلام آخر نخدم المنصورَ داخلًا في منزله، وكانت له حجرة فيها بيت وفُسطاط وفراش ولحاف يخلو فيه، وكان من أحسن النَّاس خُلُقًا ما لم يخرج إلى النَّاس، وأشدّ احتمالًا لما يكون من عبث الصبيان؛ فإذا لبس ثيابه تغيَّر لونُه وتربّد وجهه، واحمرّت عيناه، فيخرج فيكون منه ما يكون، فإذا قام من مجلسه رجع بمثل ذلك؛ فنستقبله في ممشاه، فربّما عاتبناه.

    وقال لي يومًا: يابنيّ إذا رأيتَني قد لبست ثيابي أو رجعت من مجلسي؛ فلا يدنُوَنّ مني أحد منكم مخافة أن أعرّه بشيء.

  5. وذكر أبو الهيثم خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم، قال: حدّثني عبد الله بن محمَّد - يلقب بمنقار من أهل خراسان وكان من عمال الرشيد - قال: حدّثني معن بن زائدة، قال: كُنَّا في الصّحابة سبعمئة رجل؛ فكنا ندخل على المنصور في كل يوم، قال: فقلت للربيع: اجعلني في آخِر مَنْ يدخل، فقال لي: لستَ بأشرفهم فتكون في أوّلهم، ولا بأخسِّهم نسبًا فتكونَ في آخرهم؛ وإن مرتبتك لتشبه نسبَك. قال: فدخلتُ على المنصور ذات يوم وعليّ دُرَّاعةٌ فضفاضة وسيف حنفيّ، أقرع بنعله الأرض، وعمامة قد سدلتها من خلفي وقُدّامي. قال: فسلّمت عليه وخرجت، فلمَّا صرت عند السِّتْر صاح بي: يا معن، صيحة أنكرتها! فقلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: إليّ، فدنوت منه، فإذا به قد نزل عن عرشه إلى الأرض، وجثا على ركبتيه، واستلّ عمودًا من بين فراشيْن، واستحال لونه وَدرَّت أوداجه، فقال: إنك لصاحبي يوم واسط؛ لا نجوتُ إن نجوتَ مني، قال: قلت يا أمير المؤمنين، تلك نصرتي لباطلهم، فكيف نصرتي لحقك! قال: فقال لي: كيف قلتَ؟ فأعدتُ عليه القول، فما زال يستعيدني حتَّى ردّ العمود في مستقرّه، واستوى متربعًا، وأسفَر لونه، فقال: يا معن، إنّ لي باليمن هنات، قلت: يا أميرَ المؤمنين ليس لمكتوم رأي، قال: فقال: أنت صاحبي، فجلست، وأمر الرَّبيع بإخراج كلّ مَنْ كان في القصر فخرج، فقال لي: إن صاحب اليمن قد همّ بمعصيتي، وإني أريد أن آخذه أسيرًا ولا يفوتني

    ج ١١ ص ٤٣شيء من ماله، فما ترى؟ قال: قلت: يا أميرَ المؤمنين، وَلِّنِي اليمن، وأظهِر أنك ضممتني إليه، ومرِ الرَّبيع يُزيح علتي في كلّ ما أحتاج إليه، ويخرجني من يومي هذا لئلا ينتشر الخبر. قال: فاستلّ عهدًا من بين فراشيْن، فوقَّع فيه اسمي وناولنيه، ثم دعا الرَّبيع، فقال: يا ربيع، إنا قد ضممنا مَعْنًا إلى صاحب اليمن، فأزح عِلّتَه فيما يحتاج إليه من الكُراع والسلاح، ولا يُمسي إلَّا وهو راحل. ثم قال: ودِّعني، فودّعته وخرجتُ إلى الدِّهليز، فلقيني أبو الوالي، فقال: يا معن، أعزِزْ عليّ أن تضمّ إلى ابن أخيك! قال: فقلت: إنَّه لا غضاضة على الرجل أن يَضُمَّه سلطانه إلى ابن أخيه، فخرجت إلى اليمن فأتيت الرّجل، فأخذته أسيرًا، وقرأت عليه العهد، وقعدت في مجلسه.

  6. وذكر حمّاد بن أحمد اليمانيّ، قال: حدّثني محمَّد بن عمر اليماميّ أبو الرُّدينيّ، قال: أراد معن بن زائدة أن يوفِد إلى المنصور قومًا يسلُّون سخيمته، ويستعطفون قلبَه عليه، وقال: قد أفنيت عمري في طاعته، وأتعبتُ نفسي وأفنيت رجالي في حرب اليمن، ثم يسخط عليّ أن أنفقتُ المال في طاعته! فانتخب جماعة من عشيرته من أفناء ربيعة؛ فكان فيمن اختار مُجّاعة بن الأزهر، فجعل يدعو الرّجال واحدًا واحدًا، ويقول: ماذا أنت قائل لأمير المؤمنين إذا وجّهتُك إليه؟ فيقول: أقول وأقول، حتَّى جاءه مُجّاعة بن الأزهر، فقال: أعزّ الله الأمير! تسألني عن مخاطبة رجل بالعراق وأنا باليمن! اقصد لحاجتك، حتَّى أتأتَّى لها كما يمكن وينبغي فقال: أنت صاحبي، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن عتيق المزني، فقال له: شُدّ على عَضُد ابن عمّك وقدّمه أمامك؛ فإن سها عن شيء فتلافه. واختار من أصحابه ثمانية نفر معهما حتَّى تمُّوا عشرة، وودّعهم ومضوْا حتَّى صاروا إلى أبي جعفر، فلما صاروا بين يديه تقدّموا، فابتدأ مُجّاعة بن الأزهر بحمد الله والثناء عليه والشكر، حتَّى ظنّ القوم أنَّه إنَّما قصد لهذا، ثم كرّ على ذكر النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وكيف اختاره الله من بطون العرب، ونشر من فضله؛ حتَّى تعجّب القوم، ثم كرّ على ذكر أمير المؤمنين المنصور، وما شرَّفه الله به، وما قلّده، ثم كرّ على حاجته في ذكر صاحبه. فلما انتهى كلامه، قال المنصور: أمَّا ما وصفتَ من حمد الله، فالله أجلُّ وأكبر من أن تبلغه الصفات، وأمَّا ما ذكرت من النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فقد فضله الله بأكثر مما قلتَ، وأمَّا ما وصفتَ به أمير

    ج ١١ ص ٤٤المؤمنين؛ فإنَّه فضّله الله بذلك، وهو معينه على طاعته إن شاء الله، وأمَّا ما ذكرت من صاحبك فكذبتَ ولؤُمتَ، أخرج فلا يُقيل ما ذكرت. قال: صدق أميرُ المؤمنين، ووالله ما كذبتُ في صاحبي. فأخْرِجوا فلما صاروا إلى آخر الإيوان أمر بردّه مع أصحابه، فقال: ما ذكرتَ؟ فكرّ عليه الكلام: حتَّى كأنه كان في صحيفة يقرؤه، فقال له مثل القول الأوّل، فأخرِجوا حتَّى برزوا جميعًا، وأمر بهم فوقفوا، ثم التفت إلى مَنْ حضر من مُضر، فقال: هل تعرفون فيكم مثل هذا؟ والله لقد تكلَّم حتَّى حسدتُه، وما منعني أن أتمّ على ردّه إلَّا أن يقال: تعصّب عليه لأنه ربَعيّ، وما رأيتُ كاليوم رجلًا أربطَ جأشًا، ولا أظهر بيانًا؛ ردّه يا غلام. فلما صار بين يديه أعاد السّلام، وأعاد أصحابه، فقال له المنصور: اقصد لحاجتك وحاجة صاحبك. قال: يا أميرَ المؤمنين، معن بن زائدة عَبْدك وسيفك وسهمك، رميت به عدوّكَ، فضرب وطعن ورمى، حتَّى سهل ما حَزُن، وذلّ ما صعُب، واستوى ما كان معوَجًّا من اليمن، فأصبحوا من خول أمير المؤمنين أطال الله بقاءه! فإن كان في نفس أمير المؤمنين هنَة من ساعٍ أو واشٍ أو حاسد فأميرُ المؤمنين أولَى بالتفضل على عبده، ومن أفنى عمره في طاعته. فقبل وفادتهم، وقبل العذر من معن؛ وأمر بصرفهم إليه؛ فلما صاروا إلى معن وقرأ الكتاب بالرضا قبَّل ما بين عينيه، وشكر أصحابه، وخلع عليهم وأجازهم على إقدامهم، وأمرهم بالرّحِيل إلى منصور، فقال مُجّاعة:

    آليتُ في مَجْلسٍ من وائلٍ قَسَمًا ... أَلا أَبِيعَك يا مَعْنٌ بأَطماعِ

    يا مَعْنُ إِنك قد أَوْلَيْتَنِي نِعَمًا ... عمَّتْ لُجَيْمًا وخَصَّتْ آل مُجَّاعِ

    فلا أَزالُ إليك الدهرَ مُنقَطِعًا ... حتَّى يشُيد بِهُلكي هَتفَةُ الناعِي

    قال: وكانت نِعَمُ معن عليٍّ مُجّاعة، أنَّه سألة ثلاث حوائج؛ منها أنَّه كان يتعشّق امرأة من أهل بيته، سيدة يقال لها زهراء لم يتزوجْها أحد بعد؛ وكانت إذا ذُكر لها قالت: بأيّ شيء يتزوجني؟ أبجُبّته الصوف، أم بكسائه؟ فلمَّا رجع إلى معن كان أوّل شيء سألة أن يزوّجه بها، وكان أبوها في جيش مَعْن، فقال: أريد زهراء، وأبوها في عسكرك أيّها الأمير، فزوّجه إياها على عشرة آلاف درهم وأمهرها من عنده. فقال له معن: حاجتَك الثَّانية: قال: الحائط الذي فيه منزلي بحجَر وصاحبه في عسكر الأمير، فاشتراه منه وصيَّره له؛ وقال: حاجتك الثَّالثة؟

    ج ١١ ص ٤٥قال: تهب لي مالًا. قال: فأمر له بثلاثين ألف درهم، تمام مائة ألف درهم، وصرفه إلى منزله.

  7. وذكر عن محمَّد بن سالم الخوارزميّ - وكان أبوه من قوّاد خراسان - قال: سمعتُ أبا الفرج خال عبد الله بن جبلة الطالقانيّ يقول: سمعت أبا جعفر يقول: ما كان أحوجَني إلى أن يكون على بأبي أربعة نفر لا يكون على بأبي أعفّ منهم، قيل له: يا أميرَ المؤمنين، مَنْ هم؟ قال: هم أركان المُلْك، ولا يصلح المُلك إلَّا بهم؛ كما أن السرير لا يصلح إلَّا بأربع قوائم، إن نقصت واحدة وهَى؛ أما أحدهم فقاضٍ لا تأخذه في الله لومةُ لائم، والآخر صاحب شُرْطة ينصف الضعيف من القويّ، والثالث صاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعيّة فإني عن ظلمها غنيّ، والرابع - ثم عضّ على أصبعه السبابة ثلاث مرات، يقول في كل مرَّة: آه آه - قيل له: ومَنْ هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحّة.

  8. وقيل: إنّ المنصور دعا بعامل من عمّاله قد كسر خراجه، فقال له: أدّ ما عليك، قال: والله ما أملك شيئًا، ونادى المنادي: أشهد أن لا إله إلَّا الله، قال: يا أميرَ المؤمنين، هبْ ما عليّ لله ولشهادة أن لا إله إلَّا الله فخلّى سبيله.

    قال: وولّى المنصور رجلًا من أهل الشَّام شيئًا من الخراج، فأوصاه وتقدَّم إليه، فقال: ما أعرفَني بما في نفسك الساعة يا أخا أهل الشَّام! تخرج من عندي الساعة، فتقول: الزم الصّحة؛ يلزمك العمل.

    قال: وولّى رجلًا من أهل العراق شيئًا من خراجِ السواد، فأوصاه، وتقدّم إليه، فقال: ما أعرفني بما في نفسك! تخرج الساعة فتقول: من عالَ بعدها فلا اجتبرَ. أخرج عني وامضِ إلى عملك؛ فوالله لئن تعرّضْتَ لذلك لأبلغنّ من عقوبتك ما تستحقّه. قال: فولّيا جميعًا وصحّحا وناصحا.

  9. ذكر الصبّاح بن عبد الملك الشيبانيّ، عن إسحاق بن موسى بن عيسى؛ أنّ المنصور ولّى رجلًا من العرب حضرموت، فكتب إليه وإلى البريد أنَّه يكثر الخروجَ في طلب الصّيد ببزاةٍ وكلاب قد أعدّها، فعزله وكتب إليه: ثكلتْك أمك وعدمتك عشيرتك! ما هذه العِدّة التي أعددتها للنكاية في الوحش! إنا إنَّما استكفيناك أمور المسلمين، ولم نستكفك أمورَ الوحش؛ سلم ما كنت تلي من

    ج ١١ ص ٤٦عملنا إلى فلان بن فلان، والحقُّ بأهلك ملومًا مدحورًا (١) .

    1. (١)انظر: البداية والنهاية [٨/ ٧٤].
  10. وذكر الرّبيع أنَّه قال: أدخِل على المنصور سهيل بن سالم البصريّ، وقد وُلِّي عملًا فعزِل، فأمر بحبسه واستئدائه، فقال سهيل: عبدك يا أمير المؤمنين، قال: بئس العبد أنت! قال: لكنك يا أمير المؤمنين نِعمَ المولى! قال: أمَّا لَكَ فلا.

    وقال: وذكر عن الفضل بن الرَّبيع عن أبيه، أنَّه قال: بينا أنا قائم بين يدي المنصور أو على رأسه؛ إذ أتِيَ بخارجيّ قد هزم له جيوشًا، فأقامه ليضرب عنقه، ثم اقتحمته عينه، فقال: يابن الفاعلة، مثلك يهزم الجيوش! فقال له الخارجيّ: ويلك وسوءة لك! بيني وبينك أمس السيف والقتل، واليوم القذف والسبّ! وما كان يؤمنك أن أرُدّ عليك وقد يئستُ من الحياة فلا تستقيلها أبدًا! قال: فاستحيا منه المنصور وأطلقه، فما رأى له وجهًا حولًا.

  11. ذكر عبد الله بن عمرو الملحيّ أن هارون بن محمَّد بن إسماعيل بن موسى الهادي: حدثني عبد الله بن محمَّد بن أبي أيوب المكّي، عن أبيه، قال: حدثني عُمارة بن حمزة، قال: كنت عند المنصور، فانصرفت من عنده في وقت النهار، وبعد أن بايع النَّاس للمهديّ، فجاءني المهديّ في وقت انصرافي، فقال لي: قد بلغني أنّ أبي قد عزم أن يبايع لجعفر أخي، وأعطِي الله عهدًا لئن فعل لأقتلنه، فمضيت من فوري إلى أمير المؤمنين، فقلت: هذا أمر لا يؤخّر، فقال الحاجب: الساعةَ خرجْتَ! قلتُ: أمر حدَث، فأذن لي، فدخلت إليه، فقال لي: هيه يا عمارة! ما جاء بك؟ قلتُ: أمر حدث يا أمير المؤمنين أريد أن أذكره، قال: فأنا أخبرك به قبل أن تخبرني، جاءك المهديّ فقال: كيت وكيت، قلتُ: والله يا أمير المؤمنين لكأنّك حاضر ثالثنا، قال: قل له: نحن أشفق عليه من أن نعرضه لك.

  12. وذكر عن أحمد بن يوسف بن القاسم، قال: سمعتُ إبراهيم بن صالح، يقول: كُنَّا في مجلس ننتظر الإذن فيه على المنصور، فتذاكرنا الحجّاج، فمنَّا مَنْ حمِده ومنا مَن ذمّه، فكان ممن حمِده معن بن زائدة، وممّن ذمّه الحسن بن زيد، ثم أذن لنا فدخلنا على المنصور، فانبرى الحسن بن زيد، فقال: يا أمير

    ج ١١ ص ٤٧المؤمنين، ما كنت أحسبني أبقى حتَّى يُذكر الحجّاجُ في دارك وعلى بساطك، فيُثنى عليه. فقال أبو جعفر: وما استنكرت من ذلك! رجل استكفاه قوم فكفاهم؛ والله لوددت أني وجدت مثل الحجاج حتَّى أستكفيه أمري، وأنزله أحد الحَرمين. قال: فقال له معن: يا أميرَ المؤمنين، إن لك مثل الحجاج عدّة لو استكفيتَهم كَفَوْك، قال: ومَن هم؟ كأنَّك تريد نفسك! قال: وإن أردتُها فلم أبعد من ذلك، قال: كلّا لست كذاك؛ إن الحجاج ائتمنه قوم فأدّى إليهم الأمانة، وإنَّا ائتمنَّاك فخُنتنَا.

  13. ذكر الهيثم بن عديّ، عن أبي بكر الهذليّ، قال: سرت مع أمير المؤمنين المنصور إلى مكّة، وسايرتُه يومًا، فعرض لنا رجل على ناقة حمراء تذهب في الأرض، وعليه جُبَّة خزّ، وعمامة عدنيَّة، وفي يده سوط يكاد يمسّ الأرض، سريّ الهيئة، فلما رآه أمرني فدعوتُه، فجاء فسأله عن نسبه وبلاده وبادية قومه وعن ولاة الصدقة. فأحسن الجواب، فأعجبه ما رأى منه، فقال: أنشدني، فأنشده شعرًا لأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمرو بن تميم؛ وحدّثه حتَّى أتى على شعر لطريف بن تميم العنبريّ، وهو قوله:

    إِنَّ قَنَاتي لَنَبْع لا يؤيّسُها ... غمزُ الثِّقاف ولا دُهْنٌ ولا نارُ

    متى أجِرْ خائفًا تأْمَنْ مَسارحُهُ ... وإِنْ أخِفْ آمِنًا تَقْلَقْ به الدارُ

    إِنَّ الأُمورَ إِذا أَوردتُها صَدَرَتْ ... إِنَّ الأُمورَ لها وِردٌ وإصدارُ

    فقال: ويحك! وما كان طريف فيكم حيث قال هذا الشعر؟ قال: كان أثقلَ العرب على عدوّه وطأةً وأدركهم بثأر، وأيمنهم نقيبة، وأعساهم قناة لمن رام هضمه، وأقراهم لضيفه، وأحوطهم من وراء جاره؛ اجتمعت العرب بعُكاظ فكلّهم أقرّ له بهذه الخلال؛ غير أن امرأ أراد أن يقصّر به، فقال: والله ما أنت ببعيد النُّجْعة، ولا قاصد الرميّة، فدعاه ذلك إلى أن جعل على نفسه ألّا يأكل إلَّا لحم قَنَص يقتنصه، ولا ينزعَ كلّ عام عن غزوة يُبعد فيها أثره، قال: يا أخا بني تميم، لقد أحسنتَ إذ وصفتَ صاحبك ولكني أحقّ ببيته منه؛ أنا الذي وَصف لا هو.

  14. وذكر أحمد بن خالد الفُقَيْميّ أن عدّة من بني هاشم حدّثوه أنّ المنصور كان شغلُه في صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات والعزْل وشحن الثّغور والأطراف

    ج ١١ ص ٤٨وأمْن السبل والنظر في الخراج والنفقات ومصلحة معاش الرعيّة لطَرْح عالتهم والتلطّف لسكونهم وهدوئهم، فإذا صلّى العصر جلس لأهل بيته إلَّا من أحب أن يسامره، فإذا صَلَّى العشاء الآخرة نظر فيما ورد عليه من كُتب الثغور والأطراف والآفاق، وشاور سُمّاره من ذلك فيما أرب؛ فإذا مضى ثلثُ الليل قام إلى فراشه وانصرف سُمّاره، فإذا مضى الثُّلث الثَّاني قام من فراشه، فأسبغ وضوءه، وصفّ في محرابه حتَّى يطلع الفجر، ثم يخرج فيصلِّي بالنَّاس، ثم يدخل فيجلس في إيوانه (١) .

    قال إسحاق: حُدّثت عن عبد الله بن الرّبيع، قال: قال أبو جعفر لإسماعيل بن عبد الله: صفْ لي النَّاس، فقال: أهل الحجاز مبتدأ الإسلام وبقية العرب، وأهلُ العراق ركن الإسلام ومقاتلة عن الدين، وأهل الشَّام حِصْن الأمة وأسنّة الأئمة، وأهل خُراسان فرسان الهيْجاء وأعنّة الرجال، والتّرك منابت الصخور وأبناء المغازي، وأهل الهند حكماء استغنوْا ببلادهم فاكتفوْا بها عمّا يليهم، والروم أهلُ كتاب وتديّن نحَّاهم الله من القرب إلى البعد، والأنباط كان مُلكهم قديمًا فهم لكلّ قوم عبيد. قال: فأيّ الولاة أفضل؟ قال: الباذل للعطاء، والمعرض عن السيئة. قال: فأيّهم أخرق؟ قال: أنهكهم للرعية، وأتعبهم لها بالخُرق والعقوبة. قال: فالطاعة على الخوف أبلغ في حاجة الملك أم الطاعة على المحبة؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، الطاعة عند الخوف تُسِرّ الغدر وتبالغ عند المعاينة، والطاعة على المحبّة تضمر الاجتهاد وتبالغ عند الغفلة. قال: فأيّ النَّاس أولاهم بالطاعة؟ قال: أولاهم بالمضرّة والمنفعة. قال: ما علامة ذلك؟ قال: سرعة الإجابة وبذْل النَّفس. قال: فمن ينبغي للملِك أن يتَّخذه وزيرًا؟ قال: أسلمُهم قلبًا، وأبعدهم من الهوى.

    1. (١)البداية [٨/ ٧٤].
  15. وذكر عن أبي عبيد الله الكاتب، قال: سمعت المنصور يقول للمهديّ حين عهد له بولاية العهد: يا أبا عبد الله، استدِم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتألّف والنصر بالتواضع؛ ولا تنس مع نصيبك من الدُّنيا نصيبَك من رحمة الله.

  16. وذكر الزُّبير بن بَكّار، قال: حدثني مبارك الطبريّ، قال: سمعت أبا عبيد الله يقول: سمعت المنصور يقول للمهديّ: لا تبرِم أمرًا حتَّى تفكّر فيه؛ فإنّ فكر العاقل مرآته، تريه حسنه وسيّئه.

    ج ١١ ص ٤٩
  17. وذكر الزُّبير أيضًا، عن مصعب بن عبد الله، عن أبيه، قال: سمعت أبا جعفر المنصور يقول للمهديّ: يا أبا عبد الله؛ لا يصلح السلطانُ إلّا بالتقوى، ولا تصلح رعيَّته إلَّا بالطاعة، ولا تعمّر البلاد بمثل العدل، ولا تدوم نعمة السلطان وطاعته إلَّا بالمال، ولا تَقْدُمُ في الحياطة بمثل نقل الأخبار.

  18. وأقدرُ النَّاس على العفو أقدرهم على العقوبة، وأعجز النَّاس مَنْ ظلم مَن هو دونه. واعتبر عملَ صاحبك وعلمَه باختباره.

  19. وعن المبارك الطبريّ أنَّه سمع أبا عبيد الله يقول: سمعتُ المنصور يقول للمهديّ: يا أبا عبد الله، لا تجلس مجلسًا إلَّا ومعك من أهل العلم مَن يحدّثك؛ فإن محمَّد بن شهاب الزُّهريّ قال: الحديث ذكَر ولا يحبّه إلَّا ذُكور الرجال، ولا يُبغضه إلّا مؤنثوهم؛ وصَدَقَ أخو زُهْرة! (١) .

    1. (١)البداية والنهاية [٨/ ٧٥].
  20. وذُكِر عن عليّ بن مجاهد بن محمَّد بن عليّ، أن المنصور قال للمهديّ: يا أبا عبد الله، مَنْ أحبَّ الحمد أحسن السيرة، ومن أبغض الحمد أساءها، وما أبغض أحدً الحمد إلَّا استذمّ، وما استذمّ إلّا كرِه.

    وقال المبارك الطبريّ: سمعت أبا عبيد الله يقول: قال المنصور للمهديّ: يا أبا عبد الله، ليس العاقلُ الذي يحتال للأمر الذي وقع فيه حتَّى يخرج منه؛ ولكنه الّذي يحتال للأمر الذي غشيَه حتَّى لا يقع فيه.

  21. وذكر الفقيميّ، عن عتبة بن هارون، قال: قال أبو جعفر يومًا للمهديّ: كم راية عندك؟ قال: لا أدري، قال: هذا والله التَّضييع؛ أنت لأمر الخلافة أشدُّ تضييعًا؛ ولكن قد جمعتُ لك ما لا يضرّك معه ما ضيَّعتَ؛ فاتق الله فيما خوّلك (٢) .

    1. (٢)المصدر السابق [٨/ ٧٥].
  22. وذكر عليّ بن محمَّد عن حفص بن عمر بن حماد، عن خالصة، قالت: دخلتُ على المنصور؛ فإذا هو يتشكَّى وجع ضِرْسه، فلما سمع حسِّي، قال: ادخلي؛ فلما دخلت إذا هو واضع يده على صُدغيه، فسكت ساعة ثم قال لي: يا خالصة، كم عندك من المال؟ قلت: ألف درهم، قال: ضعي يدلّ على رأسي واحلفي، قلت: عندي عشرة آلاف دينار، قال: احمليها إليّ، فرجعت فدخلت على المهديّ والخيزُران فأخبرتهما؛ فركلني المهديّ برجله، وقال لي: ما ذهب بك إليه! ما به من وجع؛ ولكني سألته أمس مالًا فتمارض، احملي إليه ما قلتِ؛ ففعلتْ، فلما أتاه المهديّ، قال: يا أبا عبد الله؛ تشكو الحاجة وهذا عند خالصة! (١)

    وقال عليّ بن محمَّد: قال واضح مولى أبي جعفر، قال: قال أبو جعفر يومًا: انظر ما عندك من الثِّياب الخلْقان فاجمعْها، فإذا علمت بمجيء أبي عبد الله فجئني بها قبل أن يدخل؛ وليكن معها رقاع. ففعلت، ودخل عليه المهديّ وهو يقدّر الرّقاع، فضحك وقال: يا أميرَ المؤمنين، من ها هنا يقول النَّاس: نظروا في الدينار والدرهم وما دون ذلك - ولم يقل: دانق - فقال المنصور: إنَّه لا جديدَ لمن لا يصلح خلقه، هذا الشتاء قد حضر، ونحتاج إلى كسوة للعيال والولد. قال: فقال المهديّ: فعليّ كُسوة أمير المؤمنين وعياله وولده، فقال له: دونك فافعل (٢) .

    1. (١)البداية والنهاية [٨/ ٧٥].
    2. (٢)المصدر السابق: [٨/ ٧٥].
    ج ١١ ص ٥٠
  23. وذكر عليّ بن مرثد أبو دعامة الشَّاعر، أن أشجع بن عمرو السلميّ حدّثه عن المؤمَّل بن أمْيَل - وذكره أيضًا عبد الله بن الحسن الخوارزمي أن أبا قدامة حديثه أنّ المؤمل بن أميل حدّثه - قال: قدمت على المهديّ - قال ابن مرثد في خبره: وهو ولي عهد، وقال الخوارزمي: قدمت عليه الريّ وهو ولي عهد - فأمر لي بعشرين ألف درهم لأبيات امتدحته بها؛ فكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور وهو بمدينة السَّلام يخبره أن المهديّ أمر لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب إليه المنصور يعذِله ويلومه، ويقول له: إنَّما كان ينبغي لك أن تعطِيَ الشَّاعر بعد أن

    ج ١١ ص ٥١يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم. قال أبو قدامة: فكتب إليّ كاتب المهديّ أن يوجّه إليه بالشاعر، فطُلب فلم يُقْدَر عليه، فكتب إليه أنَّه قد توجّه إلى مدينة السَّلام، فوجّه المنصور قائدًا من قوّاده، فأجلسه على جسر النهروان، وأمره أن يتصفح النَّاس رجلًا رجلًا ممّن يمرّ به؛ حتَّى يظفر بالمؤمَّل؛ فلما رآه قال له: من أنت؟ قال: أنا المؤمَّل بن أميَل، من زُوّار الأمير المهديّ، قال: إياك طلبت. قال المؤمل: فكاد قلبي ينصدع خوفًا عن أبي جعفر، فقبض عليّ ثم أتى بي بابَ المقصورة، وأسلمنيَ إلى الرّبيع، فدخل إليه الرَّبيع، فقال: هذا الشَّاعر قد ظفرنا به، فقال: أدخلوه عليّ، فأدخِلت عليه، فسلمت فردّ عليّ السَّلام، فقلت: ليس ها هنا إلا خير، قال: أنت المؤمَّل بن أميَل؟ قلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين! قال: هيه! أتيتَ غلامًا غِرًّا فخدعْتَه! قال: فقلت: نعم أصلح الله أمير المؤمنين؛ أتيت غلامًا غِرًّا كريمًا فخدعته فانخدع، قال: فكأنّ ذلك أعجبه، فقال: أنشدني ما قلتَ فيه، فأنشدته:

    هو المهديّ إِلَّا أَن فيه ... مَشابِهَ صورة القمَر المُنِيرِ

    تشابَهَ ذا وذا فَهُما إِذا ما ... أنارا مُشْكِلان على البَصِير

    فهذا في الظلامِ سِراجُ ليلٍ ... وهذا في النهار سراجُ نورِ

    ولكنْ فضَّل الرحمنُ هذا ... على ذا بالمنابِرِ والسَّرير

    وبالمُلكِ العزيز هذا أَمير ... وماذا بالأَمير ولا الوزير

    ونَقْصُ الشَّهْر يُخمِدُ ذا، وهذا ... منير عند نقصانِ الشهور

    فيا بن خليفةِ الله المُصفَّى ... به تعلو مُفاخَرةُ الفَخورِ

    لئن فُتَّ المُلوكَ وقد تَوافَوْا ... إِليك من السهُولَةِ والوُعُورِ

    لقد سَبَقَ المُلوكَ أَبوك حتَّى ... بَقُوا من بين كابٍ أَو حَسِيرِ

    وجئتَ وراءَه تجري حثيثًا ... وما بك حينَ تجري من فُتور

    فقال النَّاسُ: ما هذان إِلا ... بمنزلَةِ الخَليقِ من الجَدِير

    لئن سبق الكبيرُ فأَهلُ سَبْقٍ ... له فَضْلُ الكبيرِ على الصَّغِيرِ

    وإن بلغ الصغيرُ مَدَى كبيرٍ ... لقد خُلِق الصغيرُ من الكبيرِ

    فقال: والله لقد أحسنتَ، ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم. وقال لي: أين المال؟ قلت: ها هو ذا، قال يا ربيع انزل معه فأعطه أربعة آلاف درهم؛

  24. وخذ منه الباقي. قال: فخرج الرّبيع فحطّ ثقَلي، ووزن لي أربعة آلاف درهم وأخذ الباقي. قال: فلمَّا صارت الخلافة إلى المهديّ، ولَّى ابن ثوبان المظالم، فكان يجلس للنَّاس بالرُّصافة فإذا ملأ كساءه رقاعًا رفعها إلى المهديّ، فرفعتُ إليه يومًا رقعة أذكره قصتي، فلما دخل بها ابن ثوبان، جعل المهديّ ينظر في الرقاع؛ حتَّى إذا نظر في رقعتي ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح الله أمير المؤمنين! ما رأيتك ضحكت من شيء من هذه الرّقاع إلَّا من هذه الرقعة! قال: هذه رقعة أعرف سببَها، ردُّوا إليه العشرين الألف الدرهم، فردت إليّ وانصرفتُ (١) .

    1. (١)انظر: تأريخ بغداد [١٣/ ١٧٨]، وابن عساكر [٥٣/ ٤٤٣]، ففيهما الخبر بطوله مع اختلاف يسير والقصيدة بطولها.
    ج ١١ ص ٥٢
  25. وذكر واضح مولى المنصور، قال: إنِّي لواقفٌ على رأس أبي جعفر يومًا إذْ دخل عليه المهديّ، وعليه قَبَاء أسود جديد، فسلّم وجلس، ثم قام منصرفًا وأتبعه أبو جعفر بصرَه لحبِّه له وإعجابه به؛ فلما توسّط الرّواق عثر بسيفه فتخرّق سواده، فقام ومضى لوجهه غير مكترِث لذلك ولا حافل به، فقال أبو جعفر: ردُّوا أبا عبد الله؛ فرددناه إليه، فقال: يا أبا عبد الله، استقلالًا للمواهب، أم بطرًا لنعمة، أم قلةَ علم بموضع المصيبة! كأنَّك جاهل بما لَك وعليك! وهذا الذي أنت فيه عطاء من الله، إن شكرتَه عليه زادك، فإن عرفت موضع البلاء منه فيه عافاك. فقال المهديّ: لا أعدمنا الله بقاءك يا أمير المؤمنين وإرشادك: والحمد لله على نعمه، وأسأل الله الشكر على مواهبه، والخلف الجميل برحمته. ثم انصرف.

    قال العباس بن الوليد بن مزيد: قال: سمعت ناعم بن مزيد، يذكر عن الوضين بن عطاء، قال: استزارني أبو جعفر - وكانت بيني وبينه خلالة قبل الخلافة - فصرت إلى مدينة السَّلام، فخلوْنا يومًا، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما مالُكَ؟ قلت: الخبر الذي يعرفه أمير المؤمنين، قال: وما عيالُك؟ قلت: ثلاث بنات والمرأة وخادم لهنّ، قال: فقال لي: أربع في بيتك؟ قلت: نعم، قال: فوالله لردّد عليّ حتَّى ظننت أنَّه سيموّلني، قال: ثم رفع رأسه إليّ، فقال: أنت أيسر العرب، أربعة مغازِل يدرْن في بيتك.

  26. وذكر بشر المنجِّم، قال: دعاني أبو جعفر يومًا عند المغرب، فبعثني في بعض الأمر، فلما رجعت رفع ناحية مصلّاه فإذا دينار، فقال لي: خذ هذا واحتفظ به، قال: فهو عندي إلى الساعة.

    ج ١١ ص ٥٣
  27. وذكر أبو الجهم بن عطيّة، قال: حدّثني أبو مقاتل الخراسانيّ، ورفع غلام له إلى أبي جعفر أن له عشرة آلاف درهم؛ فأخذها منه، وقال: هذا مالي؛ قال: ومن أين يكون مالك؟ فوالله ما وليتُ لك عملًا قطّ، ولا بيني وبينك رحِم ولا قرابة، قال: بلَى، كنتَ تزوّجت مولاة لعُيينة بن موسى بن كعب فورّثتْك مالًا؛ وكان ذلك قد عصى وأخذ مالي وهو والٍ على السند؛ فهذا المال من ذلك المال!

  28. وذكر مصعب بن سلّام، عن أبي حارثة النهديّ صاحب بيت المال، قال: ولَّى أبو جعفر رجلًا باروسما؛ فلما انصرف أراد أن يتعلّل عليه، لئلا يعطيَه شيئًا، فقال له: أشركتُك في أمانتي، ووليتك فيئًا من فيء المسلمين فخنتَه! فقال: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، ما صحبني من ذلك شيء إلّا درهم، منه مثقال صررته في كمّي، إذا خرجت من صدك اكتريت به بغلا إلى عيالي، فأدخل بيتي ليس معي شيء من مال الله ولا مالك. فقال: ما أظنك إلَّا صادقًا؛ هلمَّ درهمنا. فأخذه منه فوضعه تحت لِبده؟ فقال: ما مثَلي ومثلُك إلَّا مثل مجير أم عامر، قال: وما مجير أم عامر؛ فذكر قصَّة الضبع ومجيرها، قال: وإنَّما غالطه أبو جعفر لئلا يعطيه شيئًا.

  29. وذُكر عن هشام بن محمَّد أن قُثَم بن العباس دخل على أبي جعفر، فكلّمه في حاجة، فقال له أبو جعفر: دعني من حاجتك هذه، أخبرني لِمَ سميت قُثَم؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أدري، قال: القُثَم الذي يأكل ويُزِلّ، أما سمعت قول الشَّاعر:

    وللكُبراءِ أكلٌ كيف شاءُوا ... وللصُّغراءِ أَكلٌ واقتِثامُ

    وذكر عن إبراهيم بن عيسى أنّ المنصور وهب لمحمد بن سليمان عشرين ألف درهم ولجعفر أخيه عشرة آلاف درهم، فقال جعفر: يا أميرَ المؤمنين، تفضّله عليّ وأنا أسنّ منه! قال: وأنت مثله! إنا لا نلتفت إلى ناحية إلّا وجدنا من أثر محمّد فيها شيئًا، وفي منزلنا من هداياه بقيّة، وأنت لم تفعل من هذا شيئًا.

  30. وذكِر عن سوادة بن عمرو السُّلمِيّ، عن عبد الملك بن عطاء - وكان في صحابة المنصور - قال: سمعتُ ابن هُبَيرة وهو يقول في مجلسه: ما رأيتُ رجلًا قطّ في حرب، ولا سمعت به في سِلْم، أمكرَ ولا أبدعَ، ولا أشدّ تيقُّظًا من المنصور، لقد حصرني في مدينتي تسعة أشهر، ومعي فرسان العرب، فجهدنا كلّ الجهد أن ننال من عسكره شيئًا نكسره به، فما تهيّأ، ولقد حصرني وما في رأسي بيضاء، فخرجت إليه وما في رأسي سوداء؛ وإنه لكما قال الأعشى:

    يَقومُ على الرّغْمِ مِنْ قومِه ... فيَعْفو إِذا شاءَ أَو يَنتَقِمْ

    أَخو الحرب لا ضَرَعٌ واهنٌ ... ولم يَنْتَعِلْ بنعال خَذِمْ

    وذكر إبراهيم بن عبد الرحمن أن أبا جعفر كان نازلًا على رجل يقال له أزهر السمّان - وليس بالمحدِّث - وذلك قبل خلافته، فلما وليَ الخلافة صار إليه إلى مدينة السَّلام، فأدخِل عليه، فقال: حاجتك؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، عليّ دين أربعة آلاف درهم، وداري مستهدَمة، وابني محمَّد يريد البناء بأهلِه؛ فأمر له باثني عشر ألف درهم، ثم قال: يا أزهر؛ لا تأتنا طالبَ حاجة؛ قال: أفعل. فلما كان بعد قليل عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: جئت مسلِّمًا يا أمير المؤمنين، قال: إنَّه ليقع في نفسي أشياء، منها أنك أتيتنا لِمَا أتيتَنا له في المرّة الأولى؛ فأمر له باثني عشر ألف درهم أخرى، ثم قال: يا أزهر، لا تأتنا طالبَ حاجة ولا مسلّمًا، قال: نعم يا أمير المؤمنين، ثم لم يلبث أن عاد، فقال: يا أزهر، ما جاء بك؟ قال: دعاء سمعته منك أحببت أن آخذه عنك، قال: لا ترده، فإنَّه غير مستجاب، لأني قد دعوت الله به أن يريحني من خلقتك فلم يفعل، وصرفه ولم يعطه شيئًا.

    ج ١١ ص ٥٤
  31. وذكر الهيثم بن عديّ أن ابن عيَّاش حدّثه أنّ ابن هبيرة أرسل إلى المنصور وهو محصور بواسط، والمنصور بإزائه: إنِّي خارج يوم كذا وكذا وداعيك إلى المبارزة، فقد بلغني تجبينُك إياي؛ فكتب إليه: يابن هبيرة، إنك امرؤٌ متعدٍّ طورَك، جارٍ في عنان غيِّك، يعدك الله ما هو مصدّقه، ويمنِّيك الشَّيطان ما هو مكذّبه، ويقرّب ما الله مباعده، فرويدًا يتمّ الكتاب أجله، وقد ضربتُ مثلي ومثلَك، بلغني أن أسدًا لقي خنزيرًا، فقال له الخنزير: قاتِلني، فقال الأسد: إنما أنت خنزير ولستَ لي بكفء ولا نظير، ومتى فعلتَ الذي دعوتني إليه

    ج ١١ ص ٥٥فقتلتك، قيل لي: قتلتَ خنزيرًا؛ فلم أعتقد بذلك فخرًا ولا ذِكْرًا، وإن نالني منك شيء كان سُبّة عليّ، فقال: إن أنت لم تفعل رجعت إلى السباع فأعلمتُها أنك نكلتَ عني وجبنت عن قتالي، فقال الأسد: احتمال عمار كذبك أيسر عليّ من لطخ شاربي بدمك.

  32. وذُكِر عن محمَّد بن رياح الجوهريّ، قال: ذكر لأبي جعفر تدبير هشام بن عبد الملك في حَرْب كانت له، فبعث إلى رجل كان معه ينزل الرُّصافة - رُصافة هشام - يسأله عن ذلك الحرب، فقدم عليه فقال: أنت صاحب هشام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فأخبرني كيف فعل في حرب دبرها في سنة كذا وكذا؟ قال: إنَّه فعل فيها رحمه الله كذا وكذا، ثم أتبع بأن قال: فعل كذا رضي الله عنه؛ فأحفظ ذلك المنصور، فقال: قم عليك غضب الله! تطأ بساطِي وتترحم على عدوّي! فقام الشَّيخ، وهو يقول: إن لعدوّك زيادة في عنقي ومنة في رقبتي لا ينزعها عني إلَّا غاسلي، فأمر المنصور بردّه، وقال: اقعد، هيه! كيف قلت؟ فقلت: إنَّه كَفاني المطلب، وصان وجهي عن السؤال، فلم أقف على بَاب عربيّ ولا أعجمي منذ رأيتُه، أفلا يجب عليّ أن أذكره بخير وأتبعه بثنائي! فقال: بلى، لله أمٌّ نهضت عنك، وليلة أدّتك، أشهد أنك نهيض حُرّة وغراس كريم؛ ثم استمع منه وأمر له ببرّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما آخذه لحاجة، وما هو إلَّا أني أتشرّف بحِبائك، وأتبجّح بصِلتك. فأخذ الصّلة وخرج، فقال المنصور: عند مثل هذا تحسن الصنيعة، ويُوضع المعروف، ويجاد بالمصون، وأين في عسكرنا مثله!

  33. وذكر عن حفص بن غياث، عن ابن عيّاش، قال: كان أهل الكوفة لا تزال الجماعة منهم قد طعنوا على عاملهم، وتظلّموا على أميرهم، وتكلّموا كلامًا فيه طعن على سلطانهم؛ فرُفع ذلك في الخبر، فقال للربيع: أخرج إلى مَنْ بالباب من أهل الكوفة، فقل لهم: إن أميرَ المؤمنين يقول لكم لئن اجتمع اثنان منكم في موضع لأحلقنّ رءوسهما ولحاهما، ولأضربنّ ظهورهما، فالزموا منازلكم، وابقوا على أنَّفسكم. فخرج إليهم الرَّبيع بهذه الرسالة فقال له ابن عياش: يا شبه عيسى بن مريم، أبلغ أمير المؤمنين عنا كما أبلغتنا عنه، فقل له: والله يا أميرَ المؤمنين ما لنا بالضَّرْب طاقة، فأمَّا حلْق اللِّحى فإذا شئت - وكان ابن عياش

    ج ١١ ص ٥٦منتوفًا - فأبلغه، فضحك، وقال: قاتله الله ما أدهاه وأخبثه!

    وقال موسى بن صالح: حدّثني محمَّد بن عقبة الصيداوي عن نصر بن حرب - وكان في حرس أبي جعفر - قال: رُفع إليّ رجلٌ قد جيء به من بعض الآفاق، قد سعى في فساد الدولة، فأدخلته على أبي جعفر، فلما رآه قال: أصْبَغ! قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ويلك! أما أعتقتُك وأحسنتُ إليك! قال: بلى، قال: فسعيتَ في نقضِ دولتي وإفساد ملكي! قال: أخطأتُ وأمير المؤمنين أولى بالعفو. قال: فدعا أبو جعفر عُمارة - وكان حاضرًا - فقال: يا عُمارة؛ هذا أصبَغ، فجعل يتثبَّت في وجهي، وكأنّ في عينيه سوءًا، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: عليّ بكيس عطائي، فأتِيَ بكيس فيه خمسمائة درهم، فقال: خذها فإنَّها وَضَحٌ، ويلك، وعليك بعملك - وأشار بيده يحرّكها - قال عُمارة: فقلت لأصبغ: ما كان عَنَى أمير المؤمنين؟ قال: كنتُ وأنا غلام أعمل الحِبال، فكان يأكل من كسبي. قال نصر: ثم أتِيَ به ثانية، فأدخلته كما أدخلتُه قبلُ، فلما وقف بين يديه أحدَّ النظر إليه، ثم قال: أصبغ! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فقصّ عليه ما فعل به، وذكره إياه، فأقرّ به، وقال: الحمق يا أمير المؤمنين؛ فقدمه فضرب عنقه.

  34. وذكر عليّ بن محمَّد بن سليمان النوفليّ، قال: حدّثني أبي، قال: كان خِضاب المنصور زَعفرانيًّا، وذلك أن شعره كان ليِّنًا لا يقبل الخطاب، وكانت لحيته رقيقة؛ فكنت أراه على المنبر يخطُب ويبكي فيسرع الدمع على لحيته حتَّى تَكِفَ لقلة الشعر ولِينه.

  35. وذكر إبراهيم بن عبد السَّلام، ابن أخي السنديّ بن شاهك السنديّ، قال: ظفِر المنصور برجل من كبراء بني أميَّة، فقال: إنِّي أسألك من أشياء فاصدُقني ولك الأمان، قال: نعم، فقال له المنصور: منْ أينَ أُتِيَ بنو أميّة حتَّى انتشر أمرهم؟ قال: من تضييع الأخبار، قال: فأيّ الأموال وجدوها أنفع؟ قال: الجوهر، قال فعِند مَنْ وجدوا الوفاء؟ قال: عند مواليهم، قال: فأراد المنصور أن يستعين في الأخبار بأهل بيته، ثم قال: أضعُ من أقدارهم، فاستعان بمواليه.

  36. وذكر عليّ بن محمَّد الهاشميّ أنّ أباه محمَّد بن سليمان حدّثه، قال: بلغني أن المنصور أخذ الدّواء في يوم شاتٍ شديد البرد، فأتيته أسأله عن موافقة الدواء

    ج ١١ ص ٥٧له، فأدخِلت مدخلًا من القَصْر لم أدخله قطّ، ثم صرتُ إلى حُجيرة صغيرة، وفيها بيت واحد ورِواق بين يديه في عَرْض البيت وعَرْض الصحن، على أسطوانة ساجٍ، وقد سدل على وجه الرّواق بواريّ كما يصنع بالمساجد، فدخلت فإذا في البيت مِسْح ليس فيه شيء غيره إلَّا فراشه ومرافقه ودِثاره، فقلتُ: يا أمير المؤمنين، هذا بيت أربأ بك عنه، فقال: يا عمّ، هذا بيت مبيتي، قلت: ليس هنا غير هذا الذي أرى، قال: ما هو إلَّا ما ترَى.

    قال: وسمعته يقول عمَّن حدّثه، عن جعفر بن محمَّد، قال: قيل إنّ أبا جعفر يعرف بلباس جبة هروية مرقوعة؛ وأنَّه يرقع قميصه، فقال جعفر: الحمد لله الذي لطف له حتَّى ابتلاه بفقر نفسه - أو قال: بالفقر في ملكه. قال: وحدثني أبي، قال: كان المنصور لا يولي أحدًا ثم يعزله إلَّا ألقاه في دار خالد البطين - وكان منزل خالد على شاطئ دِجلة، ملاصقًا لدار صالح المسكين - فيستخرج من المعزول مالًا، فما أخذ من شيء أمر به فعُزل، وكُتِبَ عليه اسم مَنْ أخِذ منه، وعزل في بيت مال، وسمّاه بيتَ مال المظالم، فكثر ما في ذلك البيت من المال والمتاع. ثم قال للمهدي: إنِّي قد هيّأت لك شيئًا تُرضي به الخلق ولا تغرم من مالك شيئًا، فإذا أنا متّ فادع هؤلاء الذين أخذتُ منهم هذه الأموال التي سميتُها المظالم، فاردد عليهم كلّ ما أخِذ منهم؛ فإنَّك تستحمد إليهم وإلى العامة؛ ففعل ذلك المهديّ لما وليَ.

    قال عليّ بن محمَّد: فكان المنصور ولّى محمَّد بن عبيد الله بن محمَّد بن سليمان بن محمَّد بن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث البلقاء، ثم عزله، وأمر أن يُحمَل إليه مع مالٍ وُجِد عنده، فحُمل إليه على البريد، وألفِيَ معه ألفًا دينار، فحملت مع ثقله على البريد - وكان مصلى سُوسَنْجِرْد ومضربة ومرفقة ووسادتين وطستًا وإبريقًا وأشناندانة نحاس - فوجد ذلك مجموعًا كهيئته؛ إلَّا أن المتاع قد تأكّل، فأخذ ألفي الدينار، واستحيا أن يخرج ذلك المتاع، وقال: لا أعرفه، فتركه، ثم ولّاه المهديّ بعد ذلك اليمن، وولّى الرشيد ابنه الملقب ربرا المدينة.

  37. وذكر أحمد بن الهيثم بن جعفر بن سليمان بن عليّ، قال: حدثني صباح بن خاقان، قال: كنت عند المنصور حين أتِيَ برأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن،

    ج ١١ ص ٥٨فوُضع بين يديه في تُرس، فأكبّ عليه بعض السيَّافة، فبصق في وجهه، فنظر إليه أبو جعفر نظرًا شديدًا، وقال لي: دقّ أنفه، قال: فضربت أنفه بالعمود ضربة واحدة لو طُلب له أنف بألف دينار ما وجد، وأخذته أعمدة الحرس، فمازال يُهشَم بها حتَّى خمِد، ثم جُرّ برجله.

    قال الأصمعيّ: حدثني جعفر بن سليمان، قال: قدِم أشعب أيَّام أبي جعفر بغداد، فأطاف به فتيان بني هاشم فغنَّاهم، فإذا ألحانه طربةٌ وحلقه على حاله، فقال له جعفر: لمن هذا الشعر؟

    لِمَنْ طَلَلٌ بِذَاتِ الجَيـ ... ـش أَمسى دارِسًا خَلَقَا

    عَلوْن بظاهِرِ البَيْدا ... ءِ فالمَحْزُون قد قَلِقَا

    فقال: أخذت الغناءَ من معبد، ولقد كنت آخذ عنه اللحن، فإذا سئل عنه قال: عليكم بأشعب؛ فإنَّه أحسن تأدية له منّي.

    قال الأصمعيّ: وقال جعفر بن سليمان: قال أشعب لابنه عبيدة: إنِّي أراني سأخرجك من منزلي وأنتفي منك، قال: ولِمَ يا أبه؟ قال: لأني أكسب خلق الله لرغيفٍ، وأنت ابني قد بلغتَ هذا المبلغ من السنّ، وأنت في عيالي ما تكسب شيئًا، قال: بلى والله، إنِّي لأكسب؛ ولكن مثل الموزة لا تحمل حتَّى تموت أمها.

  38. وذكر عليّ بن محمَّد بن سليمان الهاشميّ؛ أن أباه محمدًا حدّثه أن الأكاسرة كان يُطيَّن لها في الصيف سقفُ بيت في كلّ يوم، فتكون قائلة الملك فيه، وكان يؤتى بأطنان القصب والخِلاف طُوالًا غلاظًا، فترصَف حول البيت ويؤتى بقطع الثلج العِظام فتجعل ما بين أضعافها؛ وكانت بنو أميّة تفعل ذلك؛ وكان أوّل من اتخذ الخيْش المنصور.

  39. وذكر بعضهم: أن المنصور كان يطيَّن له في أول خلافته بيتٌ في الصيف تقيل فيه؛ فأتخذ له أبو أيوب الخوزيّ ثيابًا كثيفة تبلّ وتوضع على سِبايك. فيجد بردها، فاستظرفها، وقال: ما أحسبُ هذه الثياب إن اتخذت أكثف من هذه إلَّا حملت من الماء أكثر مما تحمل؛ وكانت أبرد، فاتُّخِذ له الخيش، فكان ينصب على قبَّة، ثم اتخذ الخلفاء بعده الشرائج، واتّخذها النَّاس.

    ج ١١ ص ٥٩وقال عليّ بن محمَّد عن أبيه: إنّ رجلًا من الرّاونديّة كان يقال له الأبلق، وكان أبرصَ، فتكلم بالغلوّ، ودعا بالرّاونديّة إليه، فزعم أن الرّوح التي كانت في عيسى بن مريم صارت في عليّ بن أبي طالب، ثم في الأئمة، في واحد بعد واحد إلى إبراهيم بن محمَّد، وأنهم آلهة، واستحلّوا الحُرمات؛ فكان الرجل منهم يدعو الجماعة منهم إلى منزله فيُطعمهم ويسقيهم ويحملهم على امرأته؛ فبلغ ذلك أسد بن عبد الله، فقتلَهم وصلَبهم، فلم يزل ذلك فيهم إلى اليوم، فعبدوا أبا جعفر المنصور وصعدوا إلى الخضراء، فألقوْا أنفسهم، كأنهم يطيرون، وخرج جماعتهم على النَّاس بالسِّلاح، فأقبلوا يصيحون بأبي جعفر: أنت أنت! قال: فخرج إليهم بنفسه، فقاتلهم فأقبلوا يقولون وهم يقاتلون: أنت أنت. قال: فحُكِي لنا عن بعض مشيختنا أنَّه نظر إلى جماعة الراونديّة يرمون أنفسهم من الخضراء كأنهم يَطيرون، فلا يبلغ أحدهم الأرض إلَّا وقد تفتّت، وخرجت روحه.

  40. قال أحمد بن ثابت مولى محمَّد بن سليمان بن عليّ عن أبيه: إن عبد الله بن عليّ، لما توارى من المنصور بالبصرة عند سليمان بن عليّ أشرف يومًا ومعه بعض مواليه ومولى لسليمان بن عليّ، فنظر إلى رجل له جَمَال وكمال، يمشي التَّخاجى، ويجرّ أثوابه من الخُيلاء، فالتفت إلى مولىً لسليمان بن عليّ، فقال: من هذا؟ قال له: فلان ابن فلان الأمويّ، فاستشاط غضبًا وصفق بيديه عجبًا، وقال: إن طريقنا لنَبَك بعد، يا فلان - لمولى له - أنزل فأتني برأسه، وتمثّل قول سَدِيف:

    علامَ، وفيمَ نَترُكُ عبدَ شمسٍ ... لها في كلِّ راعيةٍ ثُغاءُ!

    فما بالرَّمسِ في حَرّانَ منها ... ولو قُتِلَتْ بأَجْمَعِها وفاءُ

    وذكر عليّ بن محمَّد المدائنيّ أنَّه قدم على أبي جعفر المنصور - بعد انهزام عبد الله بن عليّ وظفر المنصور به، وحبسه إياه ببغداد - وفد من أهل الشأم فيهم الحارث بن عبد الرحمن، فقام عِدّة منهم فتكلّموا، ثم قام الحارث بن عبد الرحمن، فقال: أصلح الله أمير المؤمنين! إنا لسنا وفدَ مباهاة، ولكنا وفد تَوبة؛ وإنا ابتلينا بفتنة استفزّت كريمَنا، واستخفَّتْ حليمَنا، فنحن بما قدّمنا معترفون، وممّا سلف منّا معتذرون، فإن تعاقبْنا فبما أجرمنا، وإن تعفُ عنا

    ج ١١ ص ٦٠فبفضلك علينا؛ فاصفح عنا إذْ ملكت، وامنن إِذ قَدرت، وأحسِنْ إذ ظفرت، فطالما أحسنت! قال أبو جعفر: قد فعلت.