ذكر الخبر عن بعض سيره
٧٥ فقرة، ج ١١ ص ٤٠
الصفحة ٢ من ٢
- ج ١١ ص ٦٠
وذكر عن الهيثم بن عديّ عن زيد مولى عيسى بن نهيك، قال: دعاني المنصور بعد موتِ مولاي، فقال: يا زيد، قلت: لَبّيك يا أمير المؤمنين؛ قال: كم خلّف أبو زيد من المال؟ قلت: ألف دينار أو نحوها، قال: فأين هي؟ قلت: أنفقتْها الحرّة في مأتمه. قال: فاستعظم ذلك، وقال: أنفقت الحرّة في مأتمه ألف دينار! ما أعجب هذا! ثم قال: كم خلّف من البنات؟ قلت: ستًّا، فأطرق مليًّا ثم رفع رأسه، وقال: اغدُ إلى باب المهديّ، فغدوت فقيل لي: أمعك بغال؟ فقلت: لم أومر بذلك ولا بغيره؛ ولا أدري لِمَ دعيت! قال: فأعطِيتُ ثمانين ومائة ألف دينار، وأمِرتُ أن أدفع إلى كلّ واحدة من بنات عيسى ثلاثين ألف دينار. ثم دعاني المنصور، فقال: أقبضت ما أمرنا به لبنات أبي زيد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: اغد عليّ بأكفائهنّ حتَّى أزوّجهنّ منهم؛ قال: فغدوتُ عليه بثلاثة من ولد العكيّ وثلاثة من آل نهيك من بني عَمهنّ، فزوّج كلّ واحدة منهنّ على ثلاثين ألف درهم، وأمر أن تحمَل إليهنّ صدقاتهنّ من ماله، وأمرني أن أشتريَ بما أمر به لهنّ ضياعًا، يكون معاشهنّ منها، ففعلت ذلك.
وقال الهيثم: فرّق أبو جعفر على جماعة من أهل بيته في يوم واحد عشرة آلاف درهم، وأمر للرّجل من أعمامه بألف ألف، ولا نعرف خليفة قبله ولا بعده وصلَ بها أحدًا من النَّاس (١) .
وقال العباس بن الفضل: أمر المنصور لعمومته: سليمان، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، بني عليّ بن عبد الله بن عباس، لكلّ رجل منهم بألف ألف معونةً له من بيت المال. وكان أول خليفة أعطى ألف ألف من بيت المال؛ فكانت تجري في الدواوين.
- (١)الهيثم بن عدي متروك، والخبر لا يصح.
-
وذكر عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، قال: حدّثني الفضل بن الرَّبيع، عن أبيه، قال: جلس أبو جعفر المنصور للمدنيّين مجلسًا عامًّا ببغداد - وكان وفد إليه منهم جماعة - فقال: لينتسب كلّ من دخل عليّ منكم، فدخل عليه فيمن
ج ١١ ص ٦١دخل شابّ من ولد عمرو بن حزم، فانتسب ثم قال: يا أميرَ المؤمنين، قال الأحوص فينا شعرًا، منعنا أموالنا من أجله منذ ستِّين سنة، فقال أبو جعفر: فأنشدني، فأنشده:
لا تَأْوِيَنَّ لحَزمِيٍّ رأَيتَ به ... فقرًا وِإن أُلقِيَ الحَزْمِيُّ في النَّار (١)
النَّاخِسِين بِمَرْوان بذي خُشُبٍ ... والداخلين على عثمانَ في الدار
قال: والشّعر في المدح للوليد بن عبد الملك؛ فأنشده القصيدة، فلما بلغ هذا الموضع قال الوليد: أذكرتَني ذنب آل حَزْم، فأمر باستصفاء أموالهم. فقال أبو جعفر: أعِدْ عليّ الشعر، فأعاده ثلاثًا، فقال له أبو جعفر: لا جرم، إنك تحتظِي بهذا الشعر كما حرِمت به، ثم قال لأبي أيّوب: هات عشرة آلاف درهم فادفعها إليه لغنائه إلينا، ثم أمر أن يكتب إلى عمالة أن تردّ ضياع آل حزم عليهم، ويُعْطَوْا غلّاتها في كل سنة من ضياع بني أميَّة، وتقسَّم أموالهم بينهم على كتاب الله على التناسخ، ومن مات منهم وفِّر على ورثته. قال: فانصرف الفتى بما لم ينصرف به أحد من النَّاس.
- (١)الأغاني: (١/ ٢٦).
-
وحدّثني جعفر بن أحمد بن يَحْيَى، قال: حدّثني أحمد بن أسد، قال: أبطأ المنصور عن الخروج إلى النَّاس والركوب، فقال النَّاس: هو عليل، وكثروا، فدخل عليه الرَّبيع، فقال: يا أميرَ المؤمنين، لأمير المؤمنين طولُ البقاء، والنّاس يقولون، قال: ما يقولون؟ قال: يقولون: عليل؛ فأطرق قليلًا ثم قال: يا ربيع، ما لنا وللعامّة! إنَّما تحتاج العامة إلى ثلاث خلال، فإذا فُعل ذلك بها فما حاجتهم! إذا أقيم لهم مَنْ ينظر في أحكامهم فينصف بعضَهم من بعض، ويُؤمِن سبلَهم حتَّى لا يخافوا في ليلهم ولا نهارهم، ويسدّ ثغورهم وأطرافهم حتَّى لا يجيئهم عدوّهم؛ وقد فعلنا ذلك بهم. ثم مكث أيامًا، وقال: يا ربيع، اضرب الطبل؛ فركِب حتَّى رآه العامة.
-
وذكر عليّ بن محمَّد، قال: حدّثني أبي، قال: وجّه أبو جعفر مع محمَّد بن أبي العباس بالزنادقة والمُجَّان، فكان فيهم حماد عَجْرد، فأقاموا معه بالبصرة يظهر منهم المجُون؛ وإنما أراد بذلك أن يبغّضه إلى النَّاس، فأظهر محمَّد أنَّه
ج ١١ ص ٦٢يعشق زينب بنت سليمان بن عليّ، فكان يركب إلى المِربَد، فيتصدّى لها؛ يطمع أن تكون في بعض المناظر تنظر إليه؛ فقال محمَّد لحمَّاد: قل لي فيها شعرًا، فقال فيها أبياتًا، يقول فيها:
يا ساكنَ المِرْبَدِ قد هِجْتَ لي ... شَوْقًا فما أنفكُّ بالمِرْبَدِ
قال: فحدّثني أبي قال: كان المنصور نازلًا على أبي سنتين، فعرفت الخصيب المتطبّب لكثرة إتيانه إياه؛ وكان الخصيب يُظهر النصرانية وهو زِنديق معطّل لا يبالي مَنْ قتل، فأرسل إليه المنصور رسولًا يأمره أن يتوخى قتل محمَّد بن أبي العباس، فاتّخذ سمًّا قاتلًا، ثم انتظر عِلَّة تحدث بمحمد، فوجد حرارة، فقال له الخصيب: خذ شربة دواء، فقال: هَيِّئها لي، فهيّأها، وجعل فيها ذلك السمّ ثم سقاه إياها، فمات منها. فكتبت بذلك أمّ محمَّد بن أبي العباس إلى المنصور تعلمه أنّ الخصيب قتل ابنَها. فكتب المنصور يأمر بحمله إليه؛ فلما صار إليه ضربه ثلاثين سوطًا ضربًا خفيفًا، وحبسه أيامًا، ثم وهب له ثلثمائة درهم، وخلّاه.
قال: وسمعتُ أبي يقول: كان المنصور شَرط لأمّ موسى الحميرية ألّا يتزوّج عليها ولا يتسرّى، وكتبت عليه بذلك كتابًا أكّدته وأشهدت عليه شهودًا، فعزب بها عشر سنين في سلطانه؛ فكان يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه من أهلِ الحجاز يستفتيه، ويحمل إليه الفقيه من أهل الحجاز وأهل العراق فيعرِض عليه الكتاب ليفتيه فيه برُخصة؛ فكانت أمّ موسى إذا علمتْ مكانه بادرتْه، فأرسلت إليه بمال جزيل، فإذا عرض عليه أبو جعفر الكتاب لم يفته فيه برُخصة، حتَّى ماتت بعد عشر سنين من سلطانه ببغداد، فأتته وفاتها بحُلوان، فأهديت له في تلك الليلة مائة بِكْر؛ وكانت أم موسى ولدت له جعفرًا والمهديّ.
-
وذكِر عن عليّ بن الجَعْد أنَّه قال: لما قدم بختيشوع الأكبر على المنصور من السوس، ودخل عليه في قَصْره بباب الذَّهب ببغداد، أمر له بطعام يتغدّى به، فلما وضعت المائدة بين يديه، قال: شراب، فقيل له: إن الشّراب لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين، فقال: لا آكل طعامًا ليس معه شراب، فأخبِر المنصور بذلك، فقال: دعوه، فلما حضر العشاء فعل به مثل ذلك، فطلب الشراب، فقيل له: لا يُشرب على مائدة أمير المؤمنين الشراب، فتعشّى وشرب ماء دِجلة،
ج ١١ ص ٦٣فلما كان من الغد نظر إلى مائه، فقال: ما كنت أحسب شيئًا يُجزي من الشراب، فهذا ماء دِجلة يجزي من الشراب.
-
وذكر عن يَحْيَى بن الحسن أن أباه حدّثه، قال: كتب المنصور إلى عامله بالمدينة أن بعْ ثمار الضياع ولا تبعها إلَّا ممَّن نغلبه ولا يغلبنا؛ فإنَّما يغلبنا المفلس الذي لا مال له، ولا رأي لنا في عذابه، فيذهب بما لنا قِبَله ولو أعطاك جزيلًا، وبعْها من الممكن بدون ذلك ممّن ينصفك ويوفيك.
-
وذكر أبو بكر الهُذليّ أنّ أبا جعفر كان يقول: ليس بإنسان من أسْدِيَ إليه معروف فنسيه دون الموت.
وقال الفضل بن الرَّبيع: سمعت المنصور يقول: كانت العرب تقول: الغَوَى الفادح خير من الرّيّ الفاضح.
-
وذكر عن أبان بن يزيد العنبريّ أن الهيثم القارى البصريّ قرأ عند المنصور {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} (١) ، إلى آخر الآية، فقال له المنصور: وجعل يدعو: اللَّهم جنّبني وبنيّ التبذير فيما أنعمت به علينا من عطيّتك.
قال: وقرأ الهيثم عنده: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} (٢) فقال للنَّاس: لولا أنّ الأموال حصن السلطان ودعامة للدين والدنيا وعزّهما وزينتهما ما بتّ ليلة وأنا أحرز منه دينارًا ولا درهمًا، لما أجد لبذل المال من اللذاذة؛ ولما أعلم في إعطائه من جزيل المثوبة.
- (١)سورة الإسراء: ٢٦.
- (٢)سورة النساء: ٣٧.
-
ودخل على المنصور رجل من أهل العلم، فازدراه واقتحمته عينُه، فجعل لا يسأله عن شيء إلَّا وجد عنده، فقال له: أنَّى لك هذا العلم! قال: لم أبخل بعلمٍ علمتُه، ولم أستح من علم أتعلّمه. قال: فمن هناك!
قال: وكان المنصور كثيرًا ما يقول: مَنْ فعل بغير تدبير، وقال عن غير تقدير، لم يعدم من النَّاس هازئًا أو لاحيًا.
-
وذكر عن قحطبة، قال: سمعت المنصور يقول: الملوك تحتمل كلَّ شيء من
ج ١١ ص ٦٤أصحابها إلَّا ثلاثًا: إفشاء السرّ، والتعرّض للحُرْمة، والقدح في الملك.
-
وذكر عليّ بن محمَّد أنّ المنصور كان يقول: سرُّك من دمك، فانظر مَنْ تُمَلِّكه.
-
وذكر الزُّبير بن بكَّار، عن عمر، قال: لما حُمِل عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزديّ إلى المنصور بعد خروجه عليه، قال له: يا أمير المؤمنين، قِتْلة كريمة! قال: تركتها وراءك يا بن اللّخناء!
-
وذكر عن عمر بن شبّة، أنّ قَحطبة بن غُدانة الجشميّ - وكان من الصّحابة - قال: سمعت أبا جعفر المنصور يخطب بمدينة السَّلام سنة اثنتين وخمسين ومائة، فقال: يا عباد الله، لا تظالموا، فإنَّها مظلمة يوم القيامة، والله لولا يد خاطئة، وظلم ظالم، لمشيت بين أظهركم في أسواقكم؛ ولو علمت مكان مَنْ هو أحقّ بهذا الأمر مني لأتيتُه حتَّى أدفَعه إليه.
-
وذكر إسحاق الموصليّ، عن النضر بن حديد، قال: حدّثني بعض الصّحابة أنّ المنصور كان يقول: عقوبة الحليم التعريض، وعقوبة السفيه التصريح.
-
وذكر أحمد بن خالد، قال: حدثني يَحْيَى بن أبي نصر القرشيُّ، أن أبانًا القارئ قرأ عند المنصور: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ .. } (١) ، الآية فقال المنصور: ما أحسن ما أدّبنا رَبّنا!
قال: وقال المنصور: مَنْ صنع مثل ما صُنع إليه فقد كافأ، ومن أضعف فقد شكر، ومن شكر كان كريمًا، ومن علم أنَّه إنَّما صنع إلى نفسه لم يستبطئ النَّاس في شكرهم، ولم يستزدهم من مودّتهم، فلا تلتمس من غيرك شكرَ ما آتيته إلى نفسك، ووقَيْت به عرضَك. وأعلم أن طالب الحاجة إليك لم يكرِم وجهه عن وجهك، فأكرم وجهَك عن ردّه.
- (١)سورة الإسراء: ٢٩.
-
وذكر عمر بن شبّه أن محمَّد بن عبد الوهاب المهلبيّ، حدّثه، قال: سمعت إسحاق بن عيسى يقول: لم يكن أحدٌ من بني العباس يتكلّم فيبلغ حاجته على
ج ١١ ص ٦٥البديهة غير أبي جعفر وداود بن عليّ والعباس بن محمَّد.
-
وذكر عن أبي توبة الرّبيع بن نافع، عن ابن أبي الجوزاء، أنَّه قال: قمت إلى أبي جعفر وهو يخطب ببغداد في مسجد المدينة على المنبر فقرأت: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} (١) ، فأخِذت فأدخلت عليه، فقال: مَن أنت ويلك! إنما أردتَ أن أقتلك، فأخرج عني فلا أراك. قال: فخرجت من عنده سليمًا.
وقال عيسى بن عبد الله بن حميد: حدّثني إبراهيم بن عيسى، قال: خطب أبو جعفر المنصور في هذا المسجد - يعني به مسجد المدينة ببغداد - فلما بلغ: اتقوا الله حق تقاته، قام إليه رجل، فقال: وأنت يا عبد الله، فاتَّق الله حق تقاته ... فقطع أبو جعفر الخطبة، وقال: سمعًا سمعًا، لمن ذكّر بالله، هات يا عبد الله، فما تُقى الله؟ فانقطع الرجل فلم يقل شيئًا، فقال أبو جعفر: الله الله أيها النَّاس في أنفسكم، لا تحملونا من أموركم ما لا طاقة لكم به، لا يقوم رجل هذا المقام إلَّا أوجعتُ ظهره، وأطلت حبسه. ثم قال: خذه إليك يا ربيع، قال: فوثِقنا له بالنجاة - وكانت العلامة فيه إذا أراد بالرجل مكروهًا قال: خذه إليك يا مسيّب - قال: ثم رجع في خطبته من الموضع الذي كان قطعه، فاستحسن النَّاس ذلك منه، فلما فرغ من الصَّلاة دخل القصر؛ وجعل عيسى بن موسى يمشي على هِينته خلْفَه، فأحسّ به أبو جعفر، فقال: أبو موسى؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ قال: كأنَّك خفتَني على هذا الرجل! قال: والله لقد سبق إلى قلبي بعضُ ذلك؛ إلَّا أن أمير المؤمنين أكثر علمًا، وأعلى نظرًا من أن يأتي في أمره إلَّا الحقّ، فقال: لا تخفني عليه. فلما جلس قال: عليّ بالرجل، فأتِيَ به، فقال: يا هذا؛ إنك لما رأيتَني على المنبر، قلت: هذا الطاغية لا يسعني إلَّا أن أكلِّمه، ولو شغلت نفسك بغير هذا لكان أمثَل لك؛ فاشغلها بظماء الهواجر، وقيام الليل، وتغبير قدميك في سبيل الله؛ أنطه يا ربيع أربعمائة درهم، واذهب فلا تعد.
- (١)سورة الصف: ٢.
-
وذكر عن عبد الله بن صاعد، مولى أمير المؤمنين أنَّه قال: حجّ المنصور بعد
ج ١١ ص ٦٦بناء بغداد، فقام خطيبًا بمكة، فكان مما حفظ من كلامه: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (١) ، أمرٌ مُبْرَمٌ، وقول عدْل، وقضاء فَصْل؛ والحمد لله الذي أفلج حجته، وبعدًا للقوم الظالمين؛ الذين اتخذوا الكعبة عرَضًا، والفيء إرثًا، وجعلوا القرآن عضين؛ لقد حاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فكم ترى من بئر معطَّلة وقَصْرٍ مشيد؛ أهملهم الله حتَّى بدّلوا السنة، واضطهدوا العِترة، وعندوا واعتدوْا، واستكبروا وخاب كلُّ جبار عنيد؛ ثم أخذهم؛ فهل تحسّ منهم من أحدٍ أو تسمع لهم ركزًا!
- (١)سورة الأنبياء: ١٠٥.
-
وذكر الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، قال: إن الأحداث لما تتابعت على أبي جعفر، تمثّل:
تفرَّقت الظّباءُ على خِدَاشٍ ... فما يَدْرِي خداشٌ ما يَصِيدُ
قال: ثم أمر بإحضار القوَّاد والموالي والصحابة وأهل بيته، وأمر حمّادًا التركي بإسراج الخيل وسليمان بن مجالد بالتقدّم والمسيّب بن زهير بأخذ الأبواب، ثم خرج في يوم من أيامه حتَّى علا المنبر. قال: فأزِمَ عليه طويلًا لا ينطق. قال رجل لشبيب بن شيبة: ما لأمير المؤمنين لا يتكلم! فإنَّه والله ممّن يهون عليه صِعاب القول، فما باله! قال: فافترع الخطبة، ثم قال:
ما لي أُكفْكِفُ عن سَعْدٍ ويشْتمنِي ... ولو شتمتُ بني سَعْدٍ لقد سكنوا
جهلًا عليَّ وجُبْنًا عن عَدُوِّهمُ ... لبئست الخَلَّتان الجَهْلُ والجُبُنُ
ثم جلس وقال:
فأَلقيتُ عن رَأسِي القناعَ ولم أَكنْ ... لأَكشِفَهُ إِلا لإِحْدَى العظائم
والله لقد عجزوا عن أمرٍ قمنا به، فما شكروا الكافي؛ ولقد مهّدوا فاستوعروا وغمطوا الحقّ وغمصوا، فماذا حاولوا! أشرب رنْقًا على غَصصٍ، أم أقيم على ضيم ومضَض! والله لا أكرم أحدًا بإهانة نفسي؛ والله لئن لم يقبلوا الحق ليطلُبنّه ثم لا يجدونه عندي؛ والسعيد مَنْ وُعظ بغيره. قدّم يا غلام، ثم ركب.
-
وذكر الفقيميّ أنّ عبد الله بن محمَّد بن عبد الرحمن مولى محمَّد بن عليّ حدّثه، أن المنصور لما أخذ عبد الله بن حسن وإخوته والنَّفر الذين كانوا معه من
ج ١١ ص ٦٧أهل بيته، صعد المنبر، فحمَّد الله وأثنى عليه، ثم صَلَّى على النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: يا أهلَ خُراسان، أنتم شيعتُنا وأنصارنا وأهلُ دولتنا، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا مَنْ هو خير منا، وإنّ أهلَ بيتي هؤلاء من ولد عليّ بن أبي طالب تركناهم والله الذي لا إله إلَّا هو والخلافةَ، فلم نعرض لهم فيها بقليل ولا كثير؛ فقام فيها عليّ بن أبي طالب فتلطّخ وحكَّم عليه الحكَمين؛ فافترقت عنه الأمة، واختلفت عليه الكلمة، ثمّ وثبت عليه شيعتُه وأنصاره وأصحابه وبطانته وثقاته فقتلوه، ثمّ قام من بعده الحسن بن عليّ؛ فوالله ما كان فيها برجُل؛ قد عرِضت عليه الأموال، فقبلها، فدسّ إليه معاوية: إنِّي أجعلك وليَّ عهدي من بعدي، فخدعه فانسلخ له مما كان فيه، وسلّمه إليه، فأقبل على النساء يتزوّج في كل يوم واحدة فيطلقها غدًا؛ فلم يزل على ذلك حتَّى مات على فِراشه، ثمّ قام من بعده الحسين بن عليّ، فخدعه أهل العراق وأهلُ الكوفة؛ أهل الشِّقاق والنفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المَدَرة السوداء - وأشار إلى الكوفة - فوالله ما هي بحرب فأحاربها، ولا سلم فأسالمها، فرّق الله بيني وبينها، فخذلوه وأسلموه حتَّى قتِل، ثم قام من بعده زيد بن عليّ، فخدعه أهل الكوفة وغرّوه؛ فلما أخرجوه وأظهروه أسلموه؛ وقد كان أتى محمَّد بن عليّ، فناشده في الخروج وسأله ألّا يقبل أقاويل أهل الكوفة، قال له: إنا نجد في بعض علمنا، أنّ بعض أهل بيتنا يُصلَب بالكوفة، وأنا أخاف أن تكون ذلك المصلوبَ؛ وناشده عمّي داود بن عليّ وحذّره غدر أهل الكوفة فلم يقبل؛ وأتمّ على خروجه، فقتِل وصلب بالكُناسة، ثم وثب علينا بنو أميّة، فأماتوا شرفنا، وأذهبوا عزّنا؛ والله ما كانت لَهم عندنا تِرَة يطلبونها؛ وما كان لهم ذلك كله إلّا فيهم وبسبب خروجهم عليهم؛ فنفوْنا من البلاد، فصرْنا مرَّة بالطائف، ومرّة بالشام، ومرّة بالشّراة؛ حتَّى ابتعثكم الله لنا شيعة وأنصارًا، فأحيا شرَفنا، وعزّنا بكم أهل خراسان، ودمغ بحقِّكم أهلَ الباطل، وأظهر حقنا، وأصار إلينا ميراثنا عن نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فقرّ الحق مقرَّه، وأظهر مناره، وأعزّ أنصاره، وقُطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين. فلما استقرت الأمور فينا على قرارها؛ من فضل الله فيها وحكمه العادل لنا، وثبوا علينا، ظلمًا وحسدًا منهم لنا، وبغيًا لما فضّلنا الله به عليهم، وأكرمنا به من خلافته وميراث نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
ج ١١ ص ٦٨جَهْلًا عليّ وجُبْنًا عن عدوّهمُ ... لبئست الخَلَّتان الجَهْل والجُبْنُ
فإنّي والله يا أهل خراسان ما أتيت من هَذا الأمر ما أتيت بجهالة، بلغني عنهم بعض السقم والتعرّم، وقد دسست لهم رجالًا فقلت: قم يا فلان قم يا فلان، فخذ معك من المال كذا، وحذوت لهم مثالًا يعملون عليه؛ فخرجوا حتَّى أتوْهم بالمدينة، فدسُّوا إليهم تلك الأموال؛ فوالله ما بقي منهم شيخ ولا شابّ، ولا صغير ولا كبير إلَّا بايعهم بيعةً، استحللت بها دماءهم وأموالهم وحَلَّت لي عند ذلك بنقضِهم بيعتي، وطلبهم الفتنة، والتماسهم الخروج عليّ؛ فلا يرون أني أتيتُ ذلك على غير يقين. ثم نزل وهو يتلو على دَرَج المنبر هذه الآية: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ} (١) .
قال: وخطب المنصور بالمدائن عند قتل أبي مسلم، فقال:
أيُّها النَّاس؛ لا تخرجُوا من أنسِ الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تُسرُّوا غشَّ الأئمة، فإنَّه لم يُسرّ أحد قطّ منكرةً إلَّا ظهرت في آثار يده، أو فلتاتِ لسانه؛ وأبداها الله لإمامه؛ بإعزاز دينه، وإعلاء حقه. إنا لن نبخسَكم حقوقَكم، ولن نبخَس الدّين حقه عليكم. إنَّه مَنْ نازعنا عُرْوة هذا القميص أجزَرْناه خبِيّ هذا الغمْد. وإن أبا مسلم بايعَنا وبايع النَّاس لنا، على أنَّه مَنْ نكث بنا فقد أباحَ دمه، ثم نكث بنا، فحكمنا عليه حكمه على غيره لنا؛ ولم تمنعنا رعاية الحقّ له من إقامة الحقّ عليه.
- (١)سورة سبأ: ٥٤.
-
وذكر إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أن الفَضل بن الرّبيع أخبره عن أبيه، قال: قال المنصور: قال أبي: سمعتُ أبي؛ علي بن عبد الله يقول: سادة الدُّنيا الأسخياء، وسادة الآخرة الأنبياء.
-
وذكِر عن إبراهيم بنِ عيسى، أن المنصور غضب على محمَّد بن جُمَيْل الكاتب - وأصله من الرّبذة - فأمر ببطحه، فقام بحجَّته، فأمر بإقامته، ونظر إلى سراويله، فإذا هو كَتّان، فأمر ببطحه وضربه خمس عشرة درّة، وقال: لا تلبس سراويل كَتَّان فإنَّه من السرف.
-
وذكر محمَّد بن إسماعيل الهاشميّ، أن الحسن بن إبراهيم حدّثه، عن
ج ١١ ص ٦٩أشياخه، أن أبا جعفر لما قَتل محمَّد بن عبد الله بالمدينة وأخاه إبراهيم بيَاخَمْرَى وخرج إبراهيم بن حسن بن حسن بمصر فحمِل إليه، كتب إلى بني عليّ بن أبي طالب بالمدينة كتابًا يذكر لهم فيه إبراهيم بن الحسن بن الحسن وخروجه بمصر، وأنّه لم يفعل ذلك إلَّا عن رأيهم، وأنهم يدأبون في طلب السلطان، ويلتمسون بذلك القطيعة والعُقوق، وقد عجزوا عن عَدَاوة بني أميَّة لمّا نازعوهم السلطان، وضعفوا عن طلب ثأرهم؛ حتَّى وثب بنو أبيه غضبًا لهم على بني أميَّة، فطلبوا بثأرهم، فأدركوا بدمائهم، وانتزعوا السلطان عن أيديهم، وتمثّل في الكتاب بشعر سُبيع بن ربيعة بن معاوية اليربوعيّ:
فَلولا دِفاعي عنكُمُ إِذ عَجَزْتُمُ ... وبالله أَحْمي عنكُمُ وأُدافِعُ
لَضاعَتْ أُمور منكُمُ لا أَرى لها ... كفاةً وما لا يَحْفَظُ اللهُ ضائعُ
فَسَمُّوا لنا مَنْ طَحْطَحَ النَّاسَ عنكُمُ ... ومن ذا الذي تُحْنَى عليه الأَصابعُ!
وما زال منَّا قد عَلمْتمْ عليكُمُ ... على الدهر إِفْضال يُرَى وَمنافِع
وما زال منكُمْ أَهْلُ غَدْرٍ وجَفْوةٍ ... وبالله مُغْتَرّ وللرّحْم قاطعُ
وإن نحن غِبْنا عنكُم وَشَهِدْتُمُ ... وَقائعَ منكمْ ثَمَّ فيها مقانِعُ
وإنا لَنَرْعاكم وترعون شَأْنكم ... كذاك الأُمور؛ خافضات رَوافِعُ!
وهل تَعْلُوَنْ أَقدامُ قوْمٍ صُدورَهمْ ... وهل تعْلُوَنْ فوق السَّنام الأكَارعُ!
وَدَبَّ رِجالٌ للرِّياسَةِ منكمُ ... كما دَرَجَتْ تحْتَ الغديرِ الضَّفَادعُ؟
-
وذكر عن يَحْيَى بن الحسن بن عبد الخالق، قال: كان أرزاق الكتاب والعمّال أيَّام أبي جعفر ثلثمائة درهم؛ فلما كانت كذلك لم تزل على حالها إلى أيَّام المأمون، فكان أوّل مَنْ سنّ زيادة الأرزاق الفضل بن سهل، فأمَّا في أيَّام بني أميَّة وبني العباس فلم تنزل الأرزاق من الثلثمائة إلى ما دونها، كان الحجّاج يُجرِي على يزيد بن أبي مسلم ثلثمائة درهم في الشهر.
-
وذكر إبراهيم بن موسى بن عيسى بن موسى، أنّ ولاة البريد في الآفاق كلِّها كانوا يكتبون إلى المنصور أيَّام خلافته في كلّ يوم بسعر القمح والحبوب والأُدْم، وبسعْرِ كلّ مأكول، وبكلّ ما يقضي به القاضي في نواحيهم، وبما يعمل به الوالي وبما يرد بيتَ المال من المال، وكلّ حدث، وكانوا إذا صلَّوا المغرب يكتبون إليه بما كان في كلّ ليلة إذا صلّوا الغداة؛ فإذا وردت كتبهم نظر فيها، فإذا رأى
ج ١١ ص ٧٠الأسعار على حالها أمسك، وإن تغيّر شيء منها عن حاله كتب إلى الوالي والعامل هناك، وسأل عن العلّة التي نقلت ذاك عن سعره؛ فإذا ورد الجواب بالعلّة تلطف لذلك برفقه حتَّى يعود سعره ذلك إلى حاله؛ وإن شك في شيء مما قضى به القاضي كتب إليه بذلك؛ وسأل من بحضرته عن عمله؛ فإن أنكر شيئًا عمل به كتب إليه يوبِّخه ويلومه.
-
وذكر إسحاق الموصليّ أن الصّبّاح بن خاقان التميميّ، قال: حدّثني رجل من أهلي، عن أبيه، قال: ذُكِر الوليد عند المنصور أيَّام نزوله بغداد وفروغه من المدينة، وفراغه من محمَّد وإبراهيم ابني عبد الله، فقالوا: لعن الله الملحد الكافر - قال: وفي المجلس أبو بكر الهذلي وابن عياش المنتوف والشّرقيّ بن القطاميّ، وكل هؤلاء من الصّحابة - فقال أبو بكر الهذليّ: حدثني ابن عمٍّ للفرزدق، عن الفرزدق، قال: حضرت الوليد بن يزيد وعنده ندماؤه وقد اصطبح، فقال لابن عائشة: تغنَّ بشعر ابن الزِّبَعْرَى:
لَيْتَ أَشْيَاخي ببَدْرٍ شَهِدُوا ... جزَع الخَزْرَجِ من وقعِ الأَسَلْ
وقتلْنا الضِّعْفَ من ساداتِهِمْ ... وعَدَلنا مَيْلَ بَدْرٍ فاعْتَدلْ
فقال ابن عائشة: لا أغنّي هذا يا أمير المؤمنين؛ فقال: غَنِّه وإلا جدعتُ لهَواتِك، قال: فغنَّاه، فقال: أحسنت والله! إنَّه لعلى دينِ ابن الزّبَعْرَى يوم قال هذا الشعر. قال: فلعنه المنصور ولعنه جلساؤه؛ وقال: الحمد لله على نعمته وتوحيده.
-
وذكر عن أبي بكر الهذليّ، قال: كتب صاحب إرمينيَة إلى المنصور: إن الجند قد شَغَبوا عليه، وكسروا أقفال بيت المال، وأخذوا ما فيه، فوقع في كتابه: اعتزل عملنَا مذمومًا، فلو عقلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينتبهوا.
وقال إسحاق الموصليّ، عن أبيه: خرج بعضُ أهل العبث على أبي جعفر بِفِلسطين، فكتب إلى العامل هناك: دمه في دمك إلَّا توجّهه إليّ؛ فجدّ في طلبه، فظفر به فأشخِص، فأمر بإدخاله عليه، فلمَّا مثل بين يديه، قال له أبو جعفر: أنت المتوثِّب على عُمَّالي! لأنثرنَّ من لحمك أكثر مما يبقى منه على عظمك، فقال له - وقد كان شيخًا كبير السنّ - بصوت ضعيف ضئيل غير مستعلٍ:
أَتَرُوضُ عِرْسَكَ بَعدَ ما هَرِمتْ ... ومنَ العَناءِ رياضَةُ الهَرِمَ
ج ١١ ص ٧١قال: فلم تتبيَّن للمنصور مقالته، فقال: يا ربيع، ما يقول؟ فقال: يقول:
العَبْدُ عبدُكمُ والمالُ مالكُمُ ... فهلْ عذابُك عني اليومَ مُنْصَرِفُ!
قال: يا ربيع، قد عفوتُ عنه؛ فخلّ سبيله، واحتفظ به، وأحسن ولايته.
قال: ورُفع رجل إلى المنصور يشكو عامله أنَّه أخذ حدًّا من ضيعته، فأضافه إلى ماله، فوقّع إلى عامله في رقعة المتظلم: إن آثرتَ العدل صحبتْك السلامة، فأنصف هذا المتظلّم من هذه الظلامة.
قال: ورفع رجل من العامّة إليه رقعة في بناء مسجد في محلته، فوقّع في رقعته: من أشراط الساعة كثرة المساجد، فزد في خطاك تزدد من الثواب.
قال: وتظلّم رجل من أهل السواد من بعض العمال، في رقعة رفعها إلى المنصور، فوقّع فيها: إن كنت صادقًا فجئ به ملبّبًا قد أذنَّا لك في ذلك.
-
وذكر عمر بن شبّة أن أبا الهذيل العلّاف حدّثه، أن أبا جعفر قال: بلغني أن السيّد بن محمَّد ماتَ بالكرْخ - أو قال: بواسط - ولم يدفنوه، ولئن حقّ ذلك عندي لأحرقنّها. وقيل: إن الصَّحيح أنَّه مات في زمان المهديّ بكَرْخ بغداد، وأنهم تحامَوْا أن يدفنوه، وأنَّه بعث بالرّبيع حتَّى ولي أمره، وأمَره إن كانوا امتنعوا أن يحرق عليهم منازِلهم، فدُفع ربيع عنهم.
-
وقال المدائنيّ، لما فرغ المنصور من محمَّد وإبراهيم وعبد الله بن عليّ وعبد الجبار بن عبد الرحمن، وصار ببغداد، واستقامت له الأمور، كان يتمثّل هذا البيت:
تبيت من البلوَى على حدّ مُرهَفٍ ... مرارًا ويكْفي الله ما أنت خائفُ
قال: وأنشدني عبد الله بن الرَّبيع، قال: أنشدني المنصور بعد قتل هؤلاء:
وربّ أمورٍ لا تَضِيرُكَ ضيْرَةً ... وللقلب من مَخشاتِهنّ وَجيبُ
وقال الهيثم بن عدي: لما بلغ المنصور تفرّق ولد عبد الله بن حسن في البلاد هربًا من عقابه، تمثّل:
إِنَّ قناتي لَنبْعٌ لا يُؤيّسهُا ... غَمزُ الثِّقاف ولا دُهْن ولا نارُ
متى أجِرْ خائفًا تأْمَنْ مَسَارحُه ... وإِن أُخِفْ آمِنًا تَقلَقْ به الدارُ
سيرُوا إِليَّ وغُضُّوا بعض أَعْيُنِكم ... إِنِّي لكل امرئٍ من جاره جارُ
ج ١١ ص ٧٢وذكر عليّ بن محمَّد عن واضح مولى أبي جعفر، قال: أمرني أبو جعفر أن أشتريَ له ثوبيْن ليّنين، فاشتريتهما له بعشرين ومائة درهم، فأتيته بهما، فقال: بكم؟ فقلت: بثمانين درهمًا، قال: صالحان، استحِطّه؛ فإنّ المتاع إذا أُدخل علينا ثم رُدّ على صاحبه كسره ذلك. فأخذتُ الثوبين من صاحبهما فلما كان من الغد حملتُهما إليه معي، فقال: ما صنعت؟ قلت: رددتهما عليه فحطّني عشرين درهمًا، قال: أحسنتَ؛ اقطع أحدَهما قميصًا، واجعل الآخر رداء لي. ففعلتُ، فلبس القميص خمسة عشر يومًا لم يلبس غيرَه.
-
وذكر مولىً لعبد الصَّمد بن عليّ، قال: سمعتُ عبدَ الصَّمد يقول: إنّ المنصور كان يأمر أهلَ بيته بحسن الهيئة وإظهار النعمة وبلزوم الوشْي والطّيب؛ فإن رأى أحدًا منهم قد أخلّ بذلك أو أقل منه، قال: يا فلان، ما أرى وبيص الغالية في لحيتك؛ وإني لأراها تلمع في لحية فلان؛ فيشحذهم بذلك على الإكثار من الطّيب ليتزين بهيئتهم وطيب أرواحهم عند الرعيّة، ويزيّنهم بذلك عندهم؛ وإن رأى على أحد منهم وشيًا طاهرًا عضه بلسانه.
-
وذكِر عن أحمد بن خالد، قال: كان المنصور يسأل مالك بن أدهم كثيرًا عن حديث عجلان بن سُهيل، أخي حوثرة بن سُهيل، قال: كنَّا جلوسًا مع عجلان، إذ مرَّ بنا هشام بن عبد الملك، فقال رجل من القوم: قد مرّ الأحول، قال: مَن تعني؟ قال: هشامًا، قال: تسمِّي أمير المؤمنين بالنّبَز! والله لولا رَحِمُك لضربت عنقك، فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع مع مثله المحيا والممات.
وقال أحمد بن خالد: قال إبراهيم بن عيسى: كان للمنصور خادم أصفرُ إلى الأدْمة، ماهر لا بأس به، فقال له المنصور يومًا: ما جنسك؟ قال: عربيّ يا أمير المؤمنين، قال: ومنْ أي العرب أنت؟ قال: من خَوْلان، سُبيتُ من اليمن، فأخذني عدوّ لنا، فجبَّنِي فاسترققت، فصرت إلى بعض بني أميَّة، ثم صرت إليك. قال: أمّا إنك نعم الغلام؛ ولكن لا يدخل قصري عربيّ يخدُم حُرَمي، أخرج عافاك الله؛ فاذهب حيث شئت!
-
وذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن معاوية بن بكر - وكان من الصّحابة - أنّ المنصورَ ضمّ رجلًا من أهل الكوفة، يقال له الفُضيل بن عمران، إلى ابنه جعفر، وجعله كاتبًا، وولّاه أمرَه، فكان منه بمنزلة أبي عبيد الله من
ج ١١ ص ٧٣المهديّ، وقد كان أبو جعفر أراد أن يبايع لجعفر بعد المهديّ، فنصبت أم عبيد الله حاضنةُ جعفر للفُضيل بن عمران، فسعتْ به إلى المنصور، وأومأت إلى أنَّه يعبث بجعفر. قال: فبعث المنصور الريّان مولاه وهارون بن غَزْوان مولى عثمان بن نهيك إلى الفُضيل - وهو مع جعفر بحديثة الموصل - وقال: إذا رأيتما فُضيلًا فاقتلاه حيث لقيتماه، وكتب لهما كتابًا منشورًا، وكتب إلى جعفر يعلمه ما أمرهما به، وقال: لا تدفعا الكتابَ إلى جعفر حتَّى تفرُغا من قتله. قال: فخرجا حتَّى قدِما على جعفر، وقعدا على بابه ينتظران الإذن؛ فخرج عليهما فُضيل، فأخذاه وأخرجا كتاب المنصور، فلم يعرِض لهما أحدٌ؛ فضربا عنقه مكانه، ولم يعلم جعفر حتَّى فرغا منه - وكان الفُضيل رجلًا عفيفًا ديِّنًا - فقيل للمنصور: إنّ الفضيل كان أبرأ النَّاس مما رُمِيَ به، وقد عجِلتَ عليه. فوجَّه رسولًا، وجعل له عشرة آلاف درهم إن أدركه قبل أن يقتَل، فقدم الرسول قبل أن يجفّ دمه.
-
فذكر معاوية بن بكر عن سويد مولى جعفر، أنّ جعفرًا أرسل إليه، فقال: ويلك! ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل عفيف ديّن مسلم بلا جُرْم ولا جناية! قال سويد: فقلت: هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء؛ وهو أعلم بما يصنع؛ فقال: يا ماصّ بظر أمّه، أكلّمك بكلام الخاصّة وتكلمني بكلام العامة! خذوا برجله فألقوه في دِجْلة. قال فأخذت، فقلت: أكلّمك، فقال: دعوه، فقلت: أبوك إنَّما يُسأَل عن فُضيل، ومتى يُسْألُ عنه، وقد قتل عمّه عبد الله بن عبد الله بن عليّ، وقد قتل عبد الله بن الحسن وغيره من أولاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظلمًا، وقتل أهل الدّنيا ممن لا يُحصى ولا يعدّ! هو قبل أن يُسأل عن فضيل جُرذانة تجبّ خصي فرعون قال: فضحك، وقال: دعوه إلى لعنة الله.
وقال قعنَب بن محرز: أخبرنا محمَّد بن عائد مولى عثمان بن عفَّان أن حفصًا الأمويّ الشَّاعر، كان يقال له حفص بن أبي جُمعة، مولى عبّاد بن زياد، وكان المنصور صيّره مؤدبًا للمهديّ في مجالسه، وكان مدّاحًا لبني أميَّة في أيَّام بني أميّة وأيّام المنصور، فلم ينكِر عليه ذلك المنصورُ، ولم يزل مع المهديّ أيَّام ولايته العهد؛ ومات قبل أن يلِي المهدي الخلافة. قال: وكان مما مدح به بني أميّة قوله:
ج ١١ ص ٧٤أَينَ رَوْقا عبد شمسٍ أَيْنَ هُمْ ... أَين أَهلُ الباع منهم والحَسبْ!
لم تكْن أَيْدٍ لهم عندكُمُ ... ما فَعلتمْ آل عبدِ المطلبْ!
أَيها السّائل عنهمُ أُولو ... جُثَث تلمعُ من فوْق الخشبْ
إِنْ تجُذُّوا الأَصلَ منهمْ سَفهًا ... يا لَقَوْم للزمان المنقلِبْ!
إِنْ فاحلبُوا ما شئتمُ في صَحْنكمْ ... فسَتُسقَون صَرَى ذاك الحَلبْ
وقيل: إن حفصًا الأمويّ دخل على المنصور، فكلّمه فاستخبره، فقال له: من أنت؟ فقال: مولاك يا أمير المؤمنين، قال: مولىً لي مثلك لا أعرفه! قال: مولى خادمٍ لك عبد مناف يا أمير المؤمنين؛ فاستحسن ذلك منه، وعلم أنَّه مولىً لبني أميّة، فضمّه إلى المهديّ، وقال له: احتفظ به.
- ومما رُثي به قول سَلْم الخاسر:
-
عجبًا للذي نَعَى الناعيانِ ... كيف فاهت بموته الشفتان!
مَلكٌ إِن غَدَا على الدَّهرِ يومًا ... أصبحَ الدَّهرُ ساقطًا للجِرَانِ
لَيْت كفًّا حثَتْ عليه ترابًا ... لم تَعُدْ في يمينها ببَنَان
حين دانَتْ له البلادُ على العَسْـ ... ـف وأغضَى من خوفه الثَّقَلَانِ
أَينَ ربُّ الزَّوْراءِ قد قلّدَتْهُ الـ ... ـملكَ، عشرون حجَّةَ واثنتان
إِنّما المرءُ كالزناد إِذا ما ... أخَذَتْهُ قوادحُ النِّيرانِ
ليس يثني هَواه زجرٌ ولا يقـ ... ـدح في حَبْله ذَوو الأَذهانِ
قَلَّدَتهُ أَعِنَّةُ المُلك حتَّى ... قاد أعداءه بغير عنان
يكْسَرُ الطَّرْفُ دونه وترى الأَيـ ... ـدِيَ من خوفِهِ على الأَذقانِ
ضمَّ أطرافَ مُلكه ثم أَضحَى ... خَلْفَ أقصاهُمُ ودونَ الدّاني
هاشِمِيُّ التَّشميرِ لَا يَحْمِلُ الثِّقـ ... ـل على غاربِ الشَّرُودِ الهدَانِ
ذو أَناةٍ ينسَى لها الخائفً الخَو ... فَ وعزم يُلوِي بكلِّ جَنَانِ
ذَهَبتْ دونه النفوسُ حِذارًا ... غير أَنَّ الأَرواحَ في الأَبدانِ