ذكر الخبر عن سبب المرض الذي كانت فيه وفاته

٥ فقرات، ج ١٢ ص ٢٨١

  1. ذُكر عن سعيد العلّاف القارئ، قال: أرسل المأمون وهو ببلاد الرّوم - وكان دخلها من طَرسُوس يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من جمادى الآخرة - فحُملتُ إليه وهو في البَدندون؛ فكان يستقرئني، فدعاني يومًا، فجئتُ فوجدته جالسًا على شاطئ البدندون؛ وأبو إسحاق المعتصم جالس عن يمينه، فأمرني فجلست نحوه منه؛ فإذا هو وأبو إسحاق مدلِّيان أرجلهما في ماء البدندون، فقال: يا سعيد، دَلّ رجليْك في هذا الماء وذقه؛ فهل رأيت ماء قطّ أشد بردًا، ولا أعذب ولا أصفى صفاء منه! ففعلت وقلت: يا أميرَ المؤمنين، ما رأيت مثل هذا قطّ، قال: أيّ شيء يطيب أن يؤكل ويشرب هذا الماء عليه؟ فقلت: أمير المؤمنين أعلم، فقال: رُطَب الآزاذ؛ فبينا هو يقول هذا إذا سمع وقع لُجم البريد فالتفتَ، فنظر فإذا بغالٌ من بغال البريد، على أعجازها حقائب فيها الألطاف، فقال لخادم له: اذهب فانظر: هل في هذه الألطاف رُطَب؟ فانظره، فإن كان آزاذ فأت به؛ فجاء يسعى بسلّتين فيهما رطب آزاذ، كأنما جُنِي من النخل تلك الساعة؛ فأظهر شكرًا لله تعالى؛ وكثر تعجُّبُنا منه، فقال: ادن فكل، فأكل هو وأبو إسحاق، وأكلت معهما، وشربْنا جميعًا من ذلك الماء؛ فما قام منا أحد إلا وهو محمومٌ؛ فكانت منيّة المأمون من تلك العلّة؛ ولم يزل المعتصم عليلًا حتى دخل العراق، ولم أزل عليلا حتى كان قريبًا.

    ج ١٢ ص ٢٨١
  2. ولما اشتدّت بالمأمون علّته بعت إلى ابنه العباس، وهو يظنّ أن لن يأتيّه، فأتاه وهو شديد المرض متغيّر العقل، قد نُفّذت الكتب بما نُفذت له في أمر

    ج ١٢ ص ٢٨٢أبي إسحاق بن الرشيد، فأقام العباس عند أبيه أيامًا، وقد أوصى قبل ذلك إلى أخيه أبي إسحاق.

  3. وقيل: لم يوصِ إلّا والعباس حاضر، والقضاة والفقهاء والقوّاد والكتاب، وكانت وصيته: هذا ما أشهد عليه عبد الله بن هارون أمير المؤمنين بحضْرة مَنْ حضره؛ أشهدهم جميعًا على نفسه أنه يَشهد ومَنْ حضره أن الله عز وجلّ وحده لا شريك له في ملكه، ولا مدبّر لأمره غيره، وأنه خالقٌ وما سواه مخلوق، ولا يخلو القرآن أن يكون شيئًا له مثل، ولا شيء مثله تبارك وتعالى، وأن الموت حقّ، والبعث حقّ، والحساب حقّ، وثواب المُحسن الجنة وعقاب المُسيء النار، وأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد بلَّغ عن ربّه شرائعَ دينه، وأدّى نصيحته إلى أمته؛ حتى قبضه الله إليه - صلى الله عليه وسلم - أفضل صلاة صلّاها على أحد من ملائكته المقرّبين وأنبيائه المرسلين، وأني مقرّ مذنب، أرجو وأخاف، إلا أني إذا ذكرت عفْوَ الله رجوتُ؛ فإذا أنا متّ فوجِّهوني وغمّضوني، وأسبغوا وَضوئي وطهوري، وأجيدوا كَفني؛ ثم أكثروا حَمْد الله على الإسلام ومعرفة حقه عليكم في محمد؛ إذ جعلنا من أمّته المرحومة، ثم أضجعوني على سريري، ثم عجّلوا بي، فإذا أنتم وضعتموني للصلاة؛ فليتقدّم بها من هو أقربكم بي نسبًا، وأكبركم سنًّا، فليكبر خمسًا، يبدأ في الأولى في أولها بالحمد لله والثناء عليه والصّلاة على سيّدي وسيد المرسلين جميعًا، ثم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات، ثم الدّعاء للذين سبقونا بالإيمان، ثم ليكبّر الرابعة، فيحمد الله ويهلِّله ويكبّره ويسلم في الخامسة، ثم أقلّوني فأبلغوا بي حُفرتي، ثم لينزِل أقربكم إليّ قرابةً، وأودّكم محبة، وأكثروا من حمد الله وذكره، ثم ضَعُوني على شقي الأيمن واستقبلوا بيَ القبلةَ، وحُلُّوا كفني عن رأسي ورجليّ، ثم سدّوا اللحد بالّلبِن، واحْثوا ترابًا عليّ، واخرجوا عني وخلُّوني وعملِي؛ فكلكم لا يغني عني شيئًا، ولا يدفع عني مكروهًا، ثم قفوا بأجمعكم فقولوا خيرًا إن علمتم، وأمسِكوا عن ذكر شرٍّ إن كنتم عرفتم، فإني مأخوذٌ من بينكم بما تقولون وما تلفظون به، ولا تدَعُوا باكيةً عندي؛ فإن المعْوَل عليه يعذّب. رحمَ الله امرأ اتّعظ وفكر فيما ختّم الله على جميع خلقه من الفناء، وقضى عليهم من الموت الذي لا بد منه، فالحمد لله الذي توحّد بالبقاء، وقضى على جميع خلقه الفناء. ثم ليَنظر ما كنتُ فيه من عزّ الخلافة؛

  4. هل أغنى ذلك عني شيئًا إذ جاء أمر الله! لا والله، ولكن أضعِف عليّ به بالحسابُ، فيا ليت عبد الله بن هارون لم يكن بشرًا، بل ليته لم يكن خلقًا! يا أبا إسحاق، ادنُ منّي، واتّعظ بما ترى، وخذ بسيرة أخيك في القرآن، واعمل في الخلافة إذا طوّقكها الله عمل المريد لله، الخائف من عقابه وعذابه؛ ولا تغترّ بالله ومهلته؛ فكأنْ قد نزلَ بك الموت. ولا تغفل أمرَ الرّعيّة. الرعيةَ الرعية! العوامّ العوام! فإن المُلْك بهم وبتعهُّدك المسلمين والمنفعة لهم. اللهَ اللهَ فيهم وفي غيرهم من المسلمين! ولا يُنهَينَّ إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة لهم إلا قدّمتَه وآثرته على غيره من هواك، وخذ من أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء، وأنصف بعضَهم من بعض بالحقّ بينهم، وقرّبهم وتأنّهم، وعجل الرّحلة عنِّي، والقدوم إلى دار مُلْكِك بالعراق، وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل وقت. والخُرَّمية فأغزِهم ذا حزامة وصرامة وجلَد، وأكْنِفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرّجالة؛ فإن طالت مدتهم فتجرّد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك، واعمل في ذلك عمل مقدّم النِّيَّة فيه، راجيًا ثواب الله عليه. واعلم أنّ العِظة إذا طالت أوجبتْ على السامع لها والموصى بها الحجّة، فاتق الله في أمرك كله، ولا تُفْتَن.

    ج ١٢ ص ٢٨٣
  5. ثم دعا أبا إسحاق بعد ساعة حين اشتدّ به الوجَع، وأحسّ بمجيء أمر الله فقال له: يا أبا إسحاق، عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتقومنّ بحق الله في عباده، ولتؤثرنّ طاعته على معصيته؛ إذ أنا نقلتُها من غيرك إليك؟ قال: قال: اللهم نعم، قال: فانظر مَنْ كنت تسمعني أقدّمه على لساني فأضعِف له التّقدمة؛ عبد الله بن طاهر أقرّه على عمله ولا تهجْه، فقد عرفتَ الذي سلفَ منكما أيام حياتي وبحضرتي، استعطفه بقلبك، وخُصّه ببرّك، فقد عرفتَ بلاءه وغنَاءه عن أخيك. وإسحاق بن إبراهيم فأشرِكْه في ذلك؛ فإنه أهل له. وأهل بيتك، فقد علمتَ أنه لا بقيّة فيهم وإن كان بعضهم يظهر الصّيانة لنفسه. عبد الوهاب عليك به من بين أهلك، فقدّمه عليهم، وصيّر أمرهم إليه. وأبو عبد الله بن أبي داود فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كلّ أمرك فإنه موضح لذلك منك، ولا تتخذّن بعدي وزيرًا تلقى إليه شيئًا؛ فقد علمتَ ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبثْ سيرته حتى أبان الله ذلك منه في صحّة مني، فصرتُ إلى

    ج ١٢ ص ٢٨٤مفارقته! قاليًا له غير راضٍ بما صنع في أموال الله وصدقاته، لا جزاه الله عن الإسلام خيرًا! وهؤلاء بنو عمّك من ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فأحسن صحبَتهم، وتجاوز عن مسيئهم، واقبَلْ من محسنهم، وصلاتِهم فلا تغفلْها في كلّ سنة عند محلّها، فإن حقوقهم تجب من وجوه شتّى. اتقوا الله ربكم حقّ تقاته ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون. اتقوا الله واعملوا له، اتقوا الله في أموركم كلها. أستودعكم الله ونفسي وأستغفر الله مما كان مني، إنه كان غفارًا، فإنه ليَعْلَمُ كيف ندمِي على ذنوبي، فعليه توكلت من عظيمها، وإليه أنيب ولا قوّة إلا بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد نبيّ الهدى والرحمة! (١) .

    1. (١)وكذلك قال خليفة في تأريخه (٣١٥) وانظر (٨/ ٦٥٠) هذا: المقطع من الخبر (٦٤٩ - ٦٥٠) مقطع مشكوك فيه وآثار التأليف والتلفيق عليه واضحة فقد جاء فيها أن المأمون اتهم القاضي يحيى بن أكثم فقال: [فقد علمت ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملته الناس وخبث سيرته حتى أبان الله ذلك منه في صحة مني فصرت إلى مفارقته قاليًا له غير راضٍ بما صنع في أموال الله وصدقاته] (٨/ ٦٤٩). قلت: المعروف من سيرة القاضي يحيى بن أكثم أنه تولى القضاء ثم كان كالوزير للمأمون وكان مقدمًا على غيره عند المأمون - لثقة المأمون بدينه وعدله ورجحان عقله ولو أقاله أو طرده لعرف ذلك ولذكره المؤرخون ومنهم الطبري قبل ذكره لهذه الوصية - وكثير من الوزراء طردوا أو أبعدوا فذكر الأخباريون ذلك والقاضي يحيى بن أكثم وإن اتهمه بعضهم - اعتمادًا على من لا يحتج بروايته - بتهم شخصية لا علاقة لها بالقضاء والحكم بين الناس وهي تهم ردّها الإمام أحمد وغير واحد، وبالعكس مما جاء في خبر الطبري فإنه كان شديدًا في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم وإليك أقوال الأئمة فيه: قال الخطيب البغدادي في ترجمته: كان من أئمة الاجتهاد وله تصانيف، وقال حدث عنه الترمذي وأبو حاتم والبخاري خارج صحيحه وغيرهم، وقال أيضًا كان واسع العلم باللغة كثير الأدب، قال الفضل الشعراني سمعت يحيى بن أكثم يقول القرآن كلام الله فمن قال مخلوق يستتاب فإن تاب وإلّا ضربت عنقه (تأريخ بغداد/ ١٤/ ١٩٨) وسئل عنه أحمد فقال ما عرفناه ببدعة (تهذيب/ تر ١٤٨٦)، قال الصولي: سمعت إسماعيل القاضي يعظم شأن يحيى بن أكثم وذكر له يوم قيامه في وجه المأمون لمّا أباح متعة النساء فما زال به حتى رده إلى الحق ونص له الحديث في تحريمه ويعني به حديث مسلم (ح ١٤٠٦) باب نكاح المتعة. ثم قال القاضي إسماعيل في ردّ التهم الموجّهة إليه (فيما يتعلق بخلقه وسلوكه الشخصي) معاذ الله أن تزول عدالة مثله بكذب باغٍ أو حاسد (انظر تأريخ بغداد/ ١٤/ ٢١٠). = = وتفصيل حواره مع المأمون: يا أمير المؤمنين وهذا الزهري: روى عن عبد الله والحسن بن محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها بعد أن كان يأمر بها فالتفت إلينا المأمون فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري؟ فقلنا نعم يا أمير المؤمنين رواه جماعة منهم مالك فقال: أستغفر الله نادوا بتحريم المتعة فنادوا بها. . الخ، فسمعت - أي الصولي - إسماعيل بن إسحاق يقول وقد ذكر يحيى بن أكثم فعظّم أمره وقال كان له يوم في الإسلام لم يكن لأحد مثله وذكر هذا اليوم وانظر تأريخ بغداد (١٤/ ٢٠٠ - ١٩١) (طبقات الحنابلة/ ١/ ٤١٣) اتباع الأثر (١٠/ ٣١٦). قلت خلاصة قول المؤرخين الثقات وأئمة الحديث أنه اتصف بالصفات الآتية: أولًا: كان صاحب سنة محاربًا للبدعة. ثانيًا: كان عادلًا في أقضيته بين الناس. ومعلوم أن المأمون كان ممن يناصر القضاء العادل حتى أنه قضى بنفسه لامرأة من رعيته على ابنه المعتصم فقد أخرج هذا الخبر الحافظ بن عساكر في ترجمة المأمون بأسانيد ثلاث: (تاريخ دمشق/ المجلد ٣٤/ تر ٣٦١١/ ص ٣٩٨ - ٣٠٩ - ٣١٠)، وهذا يعني أنه بينه وبين المأمون عامل مشترك باعث على المحبة ألا وهو العدل بين الناس في أقضيتهم. ثالثًا: ثبت أن القاضي يحيى بن أكثم قد ردّ المأمون إلى السنة الصحيحة ولم تأخذه في ذلك لومة لائم كما في مسألة زواج المتعة وهذا يعني أن يحيى بن أكثم قد أعان المأمون على العدل والخير واتباع السنة ورواية العيثي التي وردت في تأريخ الطبري (٨/ ٦) تؤكد أنه كان في معيّة المأمون حين أعطى الناس الملايين فكيف إذًا يصفه المأمون بأنه كان خبيث السيرة وأنه أضرّ بالمأمون؟ ؟ وهنا نؤكد ما قد قلناه مرارًا ضمن تعليقاتنا على مرويات الطبري من أن أهل البدع والأهواء قد قعدوا لأهل السنة بالمرصاد يؤلفون ويضعون في مثالبهم. والحمد لله الذي جعلنا من أمة الإسناد ووفقنا لدراسة الأسانيد والمتون.