[ذكر خبر قدوم الأفشين ببابك على المعتصم]
٦ فقرات، ج ١٢ ص ٣٤١
- ج ١٢ ص ٣٤١
فمن ذلكَ قدوم الأفشين على المعتصم ببابك وأخيه، ذُكرَ أنَّ قدومهُ عليه به كان ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سامراء، وأنَّ المعتصم كان يوجه إلى الأفشين كل يوم من حين فصل من برزند إلى أن وافَى سامراء فرسًا وخِلْعة، وأنَّ المعتصم لعنايتهِ بأمر بابك وأخباره ولفساد الطريق بالثلج وغيره، جعل من سامراء إلى عقبة حلوان خيلًا مضمَّرة على رأس كلِّ فرسخ فرسًا معه مُجْرٍ مرتب؛ فكانَ يركضُ بالخبر ركضًا حتى يؤديهِ من واحدٍ إلى واحد، يدًا بيد؛ وكان ما خَلْف حُلوان إلى أذربيجان قد رتبوا فيهِ المرج؛ فكان يركض بها يومًا أو يومين ثم تبدل ويصير غيرها، ويُحمل عليها غلمان من أصحاب المرج كل دابة على رأس فرسخ، وجعل لهم ديادبة على رؤوس الجبال بالليل والنهار، وأمرهم أن ينعروا إذا جاءهم الخبر فإذا سمع الذي يليه النعير تهيأ فلا يبلغ إليه صاحبه الذي نعر حتى يقفَ لهُ على الطريق؛ فيأخذ الخريطة منه؛ فكانت الخريطة تصلُ من عسكر الأفشين إلى سامراء في أربعة أيام وأقل؛ فلما صار الأفشين بقناطر حُذَيفة تلقاهُ هارون بن المعتصم وأهل بيت المعتصم؛ فلما صار الأفشين ببابك إلى سامراء أنزله الأفشين في قصره بالمَطيرة؛ فلمَّا كان في جوف الليل ذهب أحمد بن أبي دواد متنكرًا، فرآهُ وكلمه، ثم رجع إلى المعتصم، فوصفه له، فلم يصبر
ج ١٢ ص ٣٤٢المعتصم حتى ركب إليهِ بين الحائطين في الحِير؛ فدخلَ إليهِ متنكرًا، ونظرَ إليهِ وتأملهُ، وبابك لا يعرفه؛ فلما كان من غدٍ قعد له المعتصم يوم إثنين أو خميس، واصطف الناس من باب العامَّة إلى المطيرة، وأراد المعتصم أن يشُهره ويريه الناس، فقال: على أيِّ شيء يُحمل هذا؟ وكيفَ يُشهر! فقال حزام: يا أمير المؤمنين، لا شيء أشهر من الفيل، فقال: صدقت؛ فأمر بتهيئةِ الفيل، وأمرَ به فجُعِلَ في قبَاء ديباج وقلنسوة سمّور مدوَّرة؛ وهو وحدهُ؛ فقال محمد بن عبد الملك الزيات:
قد خُضِبَ الفيلُ كعاداته ... يَحملُ شيطانَ خراسانِ
والفيلُ لا تُخضَبُ أعضاؤه ... إلا لذي شأنٍ من الشانِ
فاستشرفه الناسُ من المَطيرة إلى باب العامَةِ؛ فأدخل دار العامة إلى أمير المؤمنين، وأحضر جزَّارًا ليقطع يديه ورجليه؛ ثم أمر أن يحضر سيَّافُه، فخرج الحاجب من باب العامة؛ وهو ينادي: نودنود - وهو اسم سياف بابك - فارتفعت الصيحةُ بنودنود حتى حضر، فدخل دار العامةِ، فأمرهُ أمير المؤمنين أن يقطعَ يديه ورجليه، فقطعهما فسقط، وأمر أميرُ المؤمنين بذبحهِ وشقّ بطن أحدهما، ووجَّهَ برأسه إلى خُراسان، وصلبَ بدنهُ بسامراء عند العقبة، فموضعُ خشبته مشهور، وأمر بحمل أخيه عبد الله مع ابن شَرْوين الطَّبَرِيّ إلى إسحاق بن إبراهيم خليفته بمدينة السَّلام، وأمره بضرب عنقه، وأن يفعل بهِ مثل ما فعل بأخيه، وصلبه؛ فلما صارَ به الطبري إلى البَردَان، نزلَ به ابن شروين في قصر البردان، فقال عبد الله أخو بابك لابن شروين: مَنْ أَنْت؟ فقال: ابن شروين ملك طبرستان، فقال: الحمدُ لله الذي وفَّق لي رجلًا من الدَّهاقين يتولى قتلي، قال: إنما يتولَّى قتلك هذا - وكانَ عندهُ نودنود، وهو الذي قتل بابك - فقال له: أنتَ صاحبي، وإنما هذا علج، فأخبرني، أأمرتَ أن تطعمني شيئًا أم لا؟ قال: قل ما شئت، قال: اضرب لي فالوذجة، قال: فأمر فضربت له فالوذجة في جوف الليل، فأكل منها حتى تملأ، ثم قال يا أبا فلان، ستعلم غدًا أني دِهقان إن شاء الله. ثم قال: تقدر أن تسقيني نبيذًا؟ قال: نعم، ولا تُكثِر، قال: فإني لا أكثر، قال: فأحضر أربعة أرطالِ خمر، فقعد فشربها على مَهل إلى قريب من الصبح، ثم رحل في السَّحر، فوافى به مدينة السلام، ووافى به رأس الجسر، وأمر
ج ١٢ ص ٣٤٣إسحاق بن إِبراهيم بقطع يديهِ ورجليهِ، فلم ينطق ولم يتكلم، وأمر بصلبهِ فصُلِبَ في الجانب الشرقيِّ بينَ الجسرين بمدينة السلام (١) .
- (١)هذه الأخبار الطويلة عن وقائع محاربة بابك الخرمي ودفع شره من قبل المعتصم وجيوشه بقيادة إفشين ذكرها الطبري واستقصاها دون سواه من المؤرخين المتقدمين الثقات كما قال الحافظ ابن كثير مشيرًا إلى طرف منها (بعد حروب طوية قد استقصاها أبو جعفر في تأريخه) (البداية والنهاية ٨/ ١٧٢) ولم يذكر خليفة إلَّا أصل الخبر وخاصة فيما يتعلق بهزيمة بابك وانتصار إفشين عليه سنة (٢٢٢ هـ). إلَّا أن أبا حنيفةَ الدينوري قد ذكر هذه الأحداث ولكن بصيغة مختصرة جدًّا عما عند الطبري ولم يجزِّئها بين السنوات وحين يقرؤها القارئ تتكون لديه صورة عن تلكَ الوقائع دون الشرود وراء التفاصيل والملل من ذكرها وقد استغرقت الصفحات (٤٠٢ - ٤٠٣ - ٤٠٤ - ٤٠٥) من الأخبار الطوال وسنذكرها كما هي دون تلخيص أو تصرف: قال أبو حنيفة الدينوري: [وكانَ ابتداء أمر بابك أنه تحركَ في آخر أيام المأمون وقد اختلف في نسبهِ ومذهبه والذي صحَّ عندنا وثبت أنه كان من ولد مطهّر بنت فاطمة بنت أبي مسلم، هذه التي ينتسب إليها الفاطمية من الخرمية لا إلى فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنشأ بابك والحبل مضطرب والفتن متصلة فاستفتح أمره بقتل من حوله بالبذّ وإخراب تلك الأمصار والقرى التي حواليه، لتصفو له البلاد، ويصعب مطلبه، وتشتد المؤونة في التوصل إليه؛ واشتدت شوكته واستفحل أمره. وقد كان المأمون وجَّهَ إليهِ حين اتصل به خبره عبد الله بن طاهر بن الحسين في جيش عظيم، فسارَ إليهِ ونزلَ في طريقه الدينور في ظاهرها في مكانٍ يعرف إلى يومنا هذا بقصر عبد الله بن طاهر وهو كَرْمٌ مشهورٌ، ومكان مذكور. ثم سار منها حتى وافى البذ، وقد عظم أمر بابك، وتهيَّبه الناس فحاربوهُ فلم يقدروا عليهِ، ففضَّ جمعهم وقتل صناديدهم، وكان ممن قتل في تلك الواقعة محمد بن حميد الطوسي، وهو الذي رثاه أبو تمام بقصيدته التي يقول فيها: كأنَّ بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خرَّ من بينها البدرُ وفيها يقول: فأثبت في مستنقع الموت رجله ... فقال لها من تحت أخمصكِ الحشرُ فلما أفضى الأمر إلى أبي إسحاق المعتصم لم تكن همتهُ غيره فأعدَّ لهُ الأموال والرجال وأخرج مولاه الأفشين حيدر بن كاوس، فسار الأفشين بالعساكر والجيوش حتى وافى برزند، فأقامَ بها حتى طاب الزمانُ، وانحسرت الثلوج عن الطرقات ثم قدم خليفته يوبارة وجعفر بن دينار وهو المعروف بجعفر الخياط في جمع كثير من الفرسان إلى الموضع الذي كانَ فيهِ معسكرًا وأمرهما أن يحفرا خندقًا حصينًا فسارا حتى نزلا هناك، واحتفرا الخندق. فلما فرغا من حفر الخندق استخلف الأفشين ببرزند المرزبان مولى المعتصم في جماعة من = = القواد، وسار هو حتى نزل الخندق ووجه يوبارة وجعفر الخياط في جمع كثيف إلى رأس نهر كبير وأمرهما بحفر خندق آخر هناك فسار حتى احتفراه، فلما فرغا وافاهما الأفشين ثم خلَّف في موضعه محمد بن خالد بخارا خذاه، وشخص إلى دَرْوَدْ في خمسة آلاف فارس وألفي راجل ومعهُ ألف رجل من الفعلة حتى نزلَ درود واحتفرَ بها خندقًا عظيمًا وبنى عليها سورا شاهقا فكانَ بابك وأصحابه يقفون على جبال شاهقة فيشرفون منها على العسكر ويولولون. ثم ركبَ الأفشين يوم الثلاثاء لثلاث بقينَ من شعبان في تعبية وحمل المجانيق وأمر بابك آذين أن يحصِّنَ تَلًا مشرفًا على المدينة ومعهُ ثلاثة آلاف رجل وقد احتفر حوله الآبار ليمنعَ الخيل منهم. فانصرف الأفشين يومًا إلى خندقه ثم غدا عليهِ يوم الجمعة في غرة شهر رمضان فنصب المجانيق والعرادات على المدينة وأحدقت القواد والرؤساء. وأقبل بابك في أنجاد أصحابه وعباهم فقاتله القواد قتالًا شديدًا إلى العصر ثم انصرفوا وقد نكّوا في أصحابه وأقام الأفشين ستة أيام ثم ناهضه يوم الخميس لسبع ليال خلون من شهر رمضان واستعد له بابك فوضع على البذّ عجلًا عظيمًا ليرسله إلى أصحاب الأفشين ثم أرسل بابك رجلًا يقال لهُ "موسى الأقطع" إلى الأفشين يسألهُ أن يخرجَ إليهِ ليشافهه بما في نفسه، فإن صارَ إلى مرادهِ وإلَّا حاربه فأجابه الأفشين إلى ذلك فخرج بابك حتى صار بالقرب من الأفشين في موضع بينهما واد. فلما رأى الأفشين كفى له فبسطه الأفشين وأعلمه ما في الطاعة من السلامة في الدنيا والآخرة فلم يقبل ذلك، فانصرفَ إلى موضعه وأمر أصحابه بالحرب فتسرعوا إلى ذلكَ ودهدهوا العجل الذي كانوا أعدوهُ فانكسر العجل، وثاب أصحاب الأفشين فدفعوهم إلى رأس الجبل. وقد كان يوبارة وجعفر الخياط وقفا بحذاء عبد الله أخي بابك، فحملا وحمل عليهم القواد من جميع النواحي، فقتلوهم قتلًا ذريعًا، وانهزموا حتى دخلوا المدينة، فدخلوا خلفهم في طلبهم، وصارت الحرب في ميدان وسط المدينة. وكانت حربًا لم ير مثلها شدة وقتلوا في الدور والبساتين وهرب عبد الله أخو بابك. فلما رأى بابك أن العساكر قد أحدقت بهِ والمذاهب قد ضاقت عليهِ، وأن أصحابهُ قد قتلوا وفلّوا توجَّهَ إلى أرمينية، وسار حتى عبر نهر الرِسّ متوجهًا إلى الروم فلما عبر نهر الرسّ قصد نحوه سهل بن سنباط صاحب الناحية وقد كان الأفشينُ كتب إلى أصحاب تلك النواحي وإلى الأكراد بأرمينية والبطارقة بأخذ الطرق عليه. فوافاه سهل بن سنباط وقد كان بابك غيَّر لباسه وبدّل زيّه وشدّ الخرق على رجليهِ وركب بغلة بإكاف فأوقع به سهل بن سنباط فأخذهُ أسيرًا. ووجّه به إلى الأفشين فاستوثق منه الأفشين وكتبَ إلى المعتصم بالفتح. واستأذنهُ في القدوم عليه فأذن له، فسارَ حتى قدم عليه وجه بابك وأخوه، فكان من قتل المعتصم لبابك وقطع = يديهِ ورجليه وصلبهِ ما هو مشهور. قالوا: ولما قدمَ الأفشين ومعهُ بابك أجلسه المعتصم على سرير أمامه وعقد التاج على رأسه. [الأخبار الطوال/ ٤٠٢ - ٤٠٥].
- ج ١٢ ص ٣٤٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ١٢ ص ٣٤٥
وذكر عن طَوق بن أحمد، أن بابك لما هرب صار إلى سهل بن سنباط فوجَّهَ الأفشين أبا سعيد وبوزبارة، فأخذاه منه، فبعث سهل مع بابك بمعاوية ابنه إلى الأفشين، فأمر لمعاوية بمائة ألف درهم، وأمر لسهل بألف ألف درهم استخرجها لهُ من أمير المؤمنين ومنطقة مغرقة بالجوهر وتاج البطرقة، فبطرق سهل بهذا السبب، والذي كانَ عنده عبد الله أخو بابك عيسى بن يوسف المعروف بابن أخت اصطفانوس ملك البَيلقان.
-
وذكر عن محمد بن عمران كاتب على بن مر، قال: حدَّثني علي بن مرِّ، عن رجل من الصعاليك يقال له مَطر، قال: كان واللهِ يا أبا الحسن بابك ابني، قلت: وكيف؟ قال: كنا مع ابن الرَّوَّاد، وكانت أمه ترتوميذ العوراء من علوج ابن الرَّواد، فكنت أنزل عليها، وكانت مصكة فكانت تخدمني، وتغسل ثيابي، فنظرتُ إليها يومًا، فواثبتها بشبق السفر وطول الغربة، فأقررتُه في رحمها، ثم قال: غبنا غيبة بعد ذلكَ، ثم قدمنا فإذا هي تطلبني، فنزلتُ في منزل آخر، فصارت إليَّ يومًا، فقالت: حين ملأتَ بطني تنزلُ ها هنا وتتركني! فأذاعت أنه منِّي فقلت: واللهِ لئن ذكرتِني لأقتلنَّكِ؛ فأمسكت عني، فهو واللهِ ابني.
-
وكان يُجزَى الأفشين في مقامه بإزاء بابك سوى الأرزاق، والأنزال والمعاون في كلِّ يوم يركب فيهِ عشرة آلاف درهم، وفي كلِّ يومٍ لا يركب فيهِ خمسة آلاف درهم.
-
وكان جميعُ من قتل بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفًا وخمسمائة إنسان، وغلب يحيى بن معاذ وعيسى بن محمد بن أبي خالد وأحمد بن الجُنيد، وأسره وزُريق بن علي بن صدقة ومحمد بن حميد الطوسي وإبراهيم بن الليث، وأسِر مع بابك ثلاث آلاف وثلثمائة وتسعة أناسي، واستنقذ ممن كان في يده من المسلمات وأولادهم سبعة آلاف وستمائة إنسان، وعدَّة من صار في يد الأفشين من بني بابك سبعة عشر رجلًا، ومن البنات والكنَّات ثلاث
ج ١٢ ص ٣٤٦وعشرون امرأة، فتوّج المعتصم الأفشين وألبسه وشاحين بالجوهر، ووصله بعشرين ألف درهم، منها عشرة آلاف ألف صلة وعشرة آلاف ألف درهم يفرِّقها في أهل عسكره، وعقد له على السَّند وأدخل عليه الشعراء يمدحونه، وأمر للشعراء بصلات، وذلكَ يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر، وكان مما قيلَ فيه قول أبي تمام الطائيّ:
بذَّ الجلادُ البذَّ فهو دفينُ ... ما إِن به إلَّا الوحوش قطينُ
لم يقر هذا السيفُ هَذَا الصَّبر في ... هَيْجاءَ إلَّا عَزَّ هذا الدين
قد كان عُذرةَ سُودَد فافتضَّها ... بالسيفِ فَحْلُ المشرقِ الأَفشين
فأَعادها تَعوِي الثعالبُ وسطها ... ولقد تُرى بالأَمس وهي عرينُ
هطلتْ عليها من جَماجِمِ أَهلها ... دِيَمٌ أَمارَتُها طُلىً وشؤون
كانت من المُهَجات قبلُ مفازةً ... عِسرًا فأَضحتْ وهي منه مَعين