ثم دخلت سنة إحدى عشر (حديث السقيفة)

٨ فقرات، ج ٣ ص ١٧

  1. ١ - حدثني عليّ بن مسلم، قال: حدَّثنا عَبَّاد بن عبَّاد، قال: حدَّثنا عباد بن راشد، قال: حُدِّثنا عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عبَّاس، قال: كنت أقْرئ عبدَ الرحمن بن عَوْف القرآن، قال:

    فحجَّ عمر وحججنا معه، قال: فإني لَفِي منزلٍ بمنىً إذ جاءني عبدُ الرحمن بن عوف، فقال: شهدتُ أمير المؤمنين اليوم، وقام إليه رجلٌ فقال: إني سمعت فلانًا يقول: لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعتُ فلانًا. قال: فقال أمير المؤمنين: إني لقائم العشيَّةَ في الناس فمحَذِّرُهم هؤلاء الرّهط الذي يريدون أن يغصِبوا الناس أمرَهم. قال: قلتُ: يا أمير المؤمنين! إنّ الموسم يجمع رِعاع الناس وغوغاءَهم؛ وإنهم الذين يغلبون على مجلِسك، وإني لخائف إن قلت اليوم مقالة ألَّا يَعُوها ولا يحفظوها، ولا يضعوها على مواضعها، وأن يطيروا بها كلَّ مطيرٍ؛ ولكن أمهل حتى تقدم المدينة، تقدم دار الهجرة والسنَّة، وتخلُص بأصحاب رسولِ الله من المهاجرين والأنصار، فتقول ما قلت متمكّنًا، فيعُوا مقالتَك، ويضعوها على مواضعها. فقال: والله لأقومنَّ بها في أوَّل مقام أقومُه بالمدينة! .

    قال: فلمَّا قدِمْنا المدينة، وجاء يوم الجمعة هَجَّرت للحديث الذي حدثنيه عبد الرحمن؛ فوجدت سعيد بن زيد قد سبَقني بالتَّهجير، فجلست إلى جنبه عند المنبر، ركبتي إلى ركبته؛ فلمَّا زالت الشمس لم يلبث عمر أن خرَج، فقلت لسعيد وهو مقبل: ليقولنَّ أميرُ المؤمنين اليومَ على هذا المنْبر مقالةً لم تُقلْ قبلَه. فغضب وقال: فأيَّ مقالة يقول لم تُقَل قبله؟ ! فلمَّا جلس عمر على المنبر أذَّن

    ج ٣ ص ١٨المؤذن، فلمَّا قضى المؤذن أذانه قام عمر، فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: أمَّا بعد، فإنّي أريد أن أقول مقالة قد قُدّر أن أقولها، مَنْ وعاها، وعَقَلها، وحفظها؛ فليحدّث بها حيث تنتهي به راحلته، ومَنْ لم يعِها فإني لا أحلُّ لأحد أن يكذِبَ عليّ: إن الله عزَّ وجلَّ بعثَ محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب؛ وكان فيما أنزل عليه آية الرَّجْمِ، فرجم رسولُ الله ورجمنا بعده، وإني قد خشيتُ أن يطولَ بالناس زمان، فيقول قائل: والله ما نجد الرَّجْم في كتاب الله، فيَضلوا بتَرْكِ فريضة أنزلها الله، وقد كنا نقول: لا تَرْغبوا عن آبائكم؛ فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ثم إنه بلَغني أن قائلًا منكم يقول: لو قد مات أمير المؤمنين بايعت فلانًا! فلا يَغُرَّن امرأً أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فَلْتَة؛ فقد كان كذلك؛ غيرَ أن الله وَقى شرَّها؛ وليس منكم من تُقطعُ إليه الأعناق مثل أبي بكر! وإنه كان من خَبَرِنا حين توفّى الله نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أن عليًّا والزُّبير ومَنْ معهما تخلَّفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلَّفت عنا الأنصار بأسْرِها، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمُّهم؛ فلقيَنا رجلان صالحان قد شهدا بدرًا، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننَا هؤلاء من الأنصار. قالا: فارجعوا فاقضوا أمرَكم بينكم. فقلنا: والله لنأتينَّهم! قال: فأتيناهم وهم مجتمعون في سَقيفة بني ساعدة. قال: وإذا بين أظهرهم رجلٌ مزمَّلٌ، قال: قلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما شأنه؟ قالوا: وَجِعٌ، فقام رجلٌ منهم، فحمِد الله، وقال: أمَّا بعد، فنحنُ الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشرَ قريش رهطُ نَبيّنا؛ وقد دفّت إلينا من قومكم دَافّةٌ. قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزِلُونا من أصلِنا، ويغصِبونا الأمر. وقد كنت زوَّرت في نفسي مقالةً أقدمها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الحدّ، وكان هو أوقرَ منّي وأحلم؛ فلمَّا أردت أن أتكلم، قال: على رِسْلِكَ! فكرهت أن أعصيَه؛ فقام فحمد الله وأثنى عليه، فما ترك شيئًا كنتُ زوّرت في نفسي أن أتكلَّم به لو تكلمت؛ إلا قد جاء به أو بأحسنَ منه. وقال: أما بعدُ يا معشرَ الأنصار! فإنكم لا تذكُرون منكم فضلًا إلَّا وأنتم له أهلٌ؛ وإنَّ العربَ لا تعرف هذا الأمرَ إلَّا لهذا الحيّ من قريش؛ وهم أوسط [العرب] دارًا ونسبًا، ولكن قد رضيتُ لكم أحدَ هذين الرجلين، فبايعوا أيَّهما شئتم. فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح. وإنّي والله ما كرهتُ من كلامه شيئًا غيرَ هذه الكلمة؛ إن

    ج ٣ ص ١٩كنت لأقَدَّم؛ فتُضْرَب عنقي فيما لا يقرّبني إلى إثم أحبُّ إليَّ من أن أؤمَّر على قوم فيهم أبو بكر. فلمَّا قضى أبو بكر كلامَه، قام منهم رجلٌ، فقال: أنَا جُذيلُها المُحَكّك، وعُذَيقُها المُرَجَّب؛ منَا أمير ومنكم أمير؛ يا معشر قريش!

    قال: فارتفعت الأصوات، وكثر اللَّغَط، فلمَّا أشفقت الاختلاف، قلت لأبي بكر: ابسُط يدك أبايعْك، فبسط يده فبايعتُه وبايعه المهاجرون، وبايعه الأنصار. ثم نزونا على سعد، حتى قال قائلهم: قتلتُم سعد بن عبادة! فقلت: قتل الله سعدًا! وإنا والله ما وجدنا أمرًا هو أقوى من مبايعة أبي بكر؛ خشينا إنْ فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يحدِثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضَى، أو نخالفهم فيكون فساد (١) . (٣: ٢٠٣/ ٢٠٤ / ٢٠٥/ ٢٠٦) .

    1. (١)حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب الحدود / ح ٦٨٣٠) عن ابن عباس رضي الله عنه (قال: كنت: أقرئ رجالًا من المهاجرين ... الحديث) وفيه: (فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتةً وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرَّها، وليس فيكم من تُقطعُ الأعناقُ إليه مثلُ أبي بكرٍ، من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايعُ هو ولا الذي بايعه تغرَّةً أن يقتلا، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم -، أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكروا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينَّهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مُزَمَّلٌ بين ظهرانيهم. فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ماله؟ قالوا: يُوعَك. فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله. ثم قال: أما بعدُ فنحنُ أنصارُ الله. وكتيبة الإسلام وأنتم -معشر المهاجرين- رهط، وقد دفَّتِ دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يغصبونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم -وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر- وكنت أداري منه بعض الحد. فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك. فكرهت أن أُغضِبَهُ، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر. والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت. فقال: ما ذكرتم من خير فيكم فأنتم له أهل، ولن يُعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم - فأخذ بيدي ويد = = أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا - فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدّم فتضرب عنقي لا يقرِّبني ذلك من إثم أحبَّ إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلَّا أن تُسَوّلَ إليّ نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن. فقال قائلٌ من الأنصار: أنا جُذيلها المحكّك، وعُذيقُها المرجَّب، منا أميرٌ ومنكم أميرٌ يا معشر قريش! فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فَرقِتُ من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار. ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حَضَرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكونُ فسادًا، فمن بايع رجلًا على غير مثورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يقتلا). والحديث أخرجه بطوله عبد الرزاق في مصنفه (ج / ٥ / ح ٩٧٥٨) وأخرجه البخاري مختصرًا (كتاب الفضائل ح ١٦٦٨) وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٥٥) وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٦٨) عن عائشة رضي الله عنها.
    ج ٣ ص ١٧
  2. ٢ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن عروة بن الزبير، قال: إن أحدَ الرجُلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة عُوَيم بن ساعدة، والآخر معْنُ بن عديّ؛ أخو بني العجلان، فأمَّا عُويم بن ساعدة فهو الذي بلَعنا: أنه قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مَن الذين قال الله لهم: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهّرِينَ} ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم المرء منهم عُويم بن ساعدة! " وأما معن فبلَغنا: أن الناس بكَوْا علَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفَّاه الله، وقالوا: والله لوددنا أنا متنا قبلَه؛ إنا نخشى أن نفتتن بعده. فقال معن بن عديّ: والله ما أحبُّ أني متُّ قبله حتى أصدِّقه ميتًا كما صدَّقته حيًّا. قتل مَعْنٌ يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر يوم مُسَيلمة الكذَّاب (١) . (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧) .

    1. (١)إسناده ضعيف ولكن أخرج أحمد، أصل الرواية: ثنا إسحاق بن عيسى الطباع ثنا مالك بن أنس ثنا ابن شهاب عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن عباس أخبره ... الأثر الطويل في قصة سقيفة بني ساعدة ثم في آخره قال مالك: فأخبرني ابن شهاب عن عروة أن الرجلين الذين لقياهما: عويم بن ساعدة ومعن بن عدي.
    ج ٣ ص ٢٠
  3. ٣ - حدَّثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرني عمّي، قال: أخبرني سيف عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كان عليٌّ في بيته إذْ أتِيَ

    ج ٣ ص ٢١فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيْعة، فخرج في قميص ما عليه إزارٌ ولارداءٌ، عجلًا، كراهيَةَ أن يُبْطئ عنها، حتى بايعه. ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله، ولزم مجلسه (١) . (٣/ ٢٠٧) .

    1. (١)إسناده ضعيف، ولكن أصل المتن (أي بيعة علي لأبي بكر) صحيح دون ذكر لهذه الصفة التي جاء بها علي رضي الله عنه وأرضاه.
  4. ٤ - حدَّثنا أبو صالح الضَّراريّ، قال: حدَّثنا عبد الرزاق بن همَّام، عن معمَر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمةَ والعباس أتيا أبا بكر يطلُبان ميراثهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهما حينئذ يطلبان أرضَه من فَدَك، وسهمَه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: أما إنّي سمعتُ رسولَ الله يقول: لا نورَثُ، ما تَرَكْنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال. وإني والله لا أدَعُ أمرًا رأيت رسول الله يصنعه إلَّا صنعته. قال: فهجرتْه فاطمة فلم تكلّمْه في ذلك حتى ماتت، فدفنها عليٌّ ليلًا، ولم يؤذِن بها أبا بكر. وكان لعليّ وَجْهٌ من الناس حياةَ فاطمة، فلما توفِّيتْ فاطمة انصرفتْ وجوه الناس عن عليّ؛ فمكثتْ فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم توفيت.

    قال معمر: فقال رجلٌ للزهريّ: أفلم يبايعه عليٌّ ستة أشهر! قال: لا؛ ولا أحدٌ من بني هاشم؛ حتى بايعه عليّ. فلما رأى عليٌّ انصرافَ وجوه الناس عنه ضَرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا ولا يأتِنا معك أحدٌ، وكره أن يأتيَه عمر لما علم من شدَّة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدَك، قال أبو بكر: والله لآتينّهم وحدِي، وما عسى أن يصنعوا بي! قال: فانطلق أبو بكر، فدخل على عليّ، وقد جَمَعَ بني هاشم عنده، فقام عليٌّ فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أمَّا بعد، فإنه لم يمنعنا من أنْ نبايعك يا أبا بكر إنكارٌ لفضيلتك، ولا نَفَاسَةٌ عليك بخيرٍ ساقه الله إليك، ولكنا كنَّا نرى: أن لنا في هذا الأمر حقًّا، فاستبددتم به علينا. ثم ذكر قرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحقَّهم. فلم يزل عليٌّ يقول ذلك حتى بَكى أبو بكر.

  5. فلما صمت عليٌّ تشهَّد أبو بكر، فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعدُ؛ فوالله لقرابة رسول الله أحبُّ إليَّ أن أصلَ من قرابتي؛ وإني والله ما ألوتُ

    ج ٣ ص ٢٢في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم غيرَ الخير؛ ولكنّي سمعت رسول الله يقول: "لا نورَث؛ ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال" ؛ وإني أعوذ بالله لا أذكر أمرًا صنعه محمد رسول الله إلَّا صنعتُه فيه إن شاء الله.

    ثم قال عليٌّ: موعدك العشيَّة للبَيعة، فلمَّا صلى أبو بكر الظُّهْرَ أقبلَ على النَّاس، ثم عذر عليًّا ببعض ما اعتذر، ثم قام عليٌّ فعظَّم من حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه. قالت: فأقبل الناس إلى عليّ فقالوا: أصبت وأحسنت، قالت: فكان الناس قريبًا إلى عليّ حين قاربَ الحق والمعروف (١) . (٣: ٢٠٧/ ٢٠٨ / ٢٠٩) .

    1. (١)حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (باب قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا نورث ما تركنا صدقة) من طريق هشام عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة وأخرجه البخاري في صحيحه (المغازي ٥/ ٨١ - باب غزوة خيبر) ومسلم في الجهاد والسير (باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نورث ما تركنا صدقة / ح ١٧٥٩) وكذلك رواه البخاري في مواضع أخرى عن عائشة رضي الله عنها مع اختلاف في الألفاظ وقد استشهد بها ابن كثير ثم قال عقبها: فهذه البيعة التي وقعت من علي بيعة مؤكدة للصلح الذي وقع بينهما وهي ثانية للبيعة التي ذكرناها أولًا يوم السقيفة كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج ولم يكن علي مجانبًا لأبي بكر هذه الستة الأشهر بل كان يصلي وراءه ويحضره عنده للمشورة. (البداية والنهاية ٥/ ٢٥٠).
  6. ٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: والله إني لأمشي مع عمر في خلافته؛ وهو عامد إلى حاجة له، وفي يده الدِّرَّة، وما معه غيري. قال: وهو يحدِّث نفسه، ويضرب وَحْشيَّ قدمه بدِرَّته، قال: إذ التفت إليّ فقال: يا بنَ عباس! هلْ تدري ما حملني على مقالتي هذه التي قلت حين توفَّى الله رسوله؟ قال: قلت: لا أدري يا أميرَ المؤمنين أنت أعلم، قال: والله إنْ حَمَلني على ذلك إلَّا أنّي كنتُ أقرأ هذه الآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا} ؛ فوالله إنّي كنت لأظن: أن رسولَ الله سيبقى في أمّته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها؛ فإنه للّذي حملني على أن قلتُ ما قلت (٢) . (٣: ٢١٠) .

    1. (٢)إسناده ضعيف وهو حديث صحيح أخرجه ابن هشام من طريق ابن إسحاق [حدثني الزهري حدثني أنس بن مالك] (السيرة النبوية ٢/ ٣٧٢) وصحح ابن كثير إسناده، وكذلك أخرجه الذهبي عن أنس وفي آخره، وكانت طائفة منهم بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت = = البيعة على المنبر بيعة العامة. وقال الذهبي: صحيح غريب (تاريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ١٢). وأخرج البخاري نحوه عن أنس بن مالك أنه سمع خطبة عمر الأخيرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر صامت لا يتكلم. قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يدبرنا -يريد ذلك أن يكون آخرهم- فإن يك محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به هدي الله محمدًا وأن أبا بكر صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثاني اثنين وأنه أولى المسلمين بأموركم، فقدموا فبايعوه وكانت طائفة قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر) اهـ. ولقد أخرج الذهبي الروايات الصحيحة في مبايعة علي لأبي بكر رضي الله عنهما والتي أخرجها الأئمة الآخرون فقد ذكرها الحافظ ابن كثير رحمه الله: وقال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحافظ الإسفراييني حدثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة وابن إبراهيم بن أبي طالب قالا: حدثنا ميدار بن يسار، وحدثنا أبو هشام المخزومي حدثنا وهيب حدثنا داود بن أبي هند حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال: فقام خطيب الأنصار فقال: أتعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان من المهاجرين وخليفته من المهاجرين. ونحن كنا أنصار رسول الله ونحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره. قال: فقام عمر بن الخطاب، فقال: صدق قائلكم أما لو قلتم على غير هذا لم نبايعكم، وأخذ بيد أبي بكر. وقال: هذا صاحبكم فبايعوه فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار. قال: فصعد أبو بكر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير. قال: فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت: ابن عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام فبايعه. ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا بعلي بن أبي طالب. فجاء فقال: قلت: ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وختنه على ابنته أن تشق عصا المسلمين. قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعه. هذا أو معناه، وقال أبو علي الحافظ: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأته عليه، وهذا حديث يسوي بدنة بل يسوي بدرة. وقد رواه البيهقي عن الحاكم وأبي محمد بن حامد المقري كلاهما عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم عن جعفر بن محمد بن شاكر عن عفان بن مسلم عن وهيب به ولكن ذكر: أن الصديق هو القائل لخطيب الأنصار بدل عمر. وفيه: أن زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه ثم انطلقوا فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم يرَ عليًّا فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به فذكر نحو ما تقدم ثم ذكر قصة الزبير بعد علي فالله أعلم- وقد رواه علي بن عاصم عن الجريدي عن = = أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري فذكر نحو ما تقدم وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري وفيه فائدة جليلة وهي مبايعة علي بن أبي طالب إما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة. وهذا حق فإن علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه كما سنذكره وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهرًا سيفه يريد قتال أهل الردة كما سنبيّنه قريبًا. [قلنا: (المحققان)]: ونود أن نذكر هنا الحديث الذي أشار إليه ابن كثير. قال ابن كثير: (أخرج الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن موسى الزهري عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر واستوى على راحلته (لقتال المرتدين بنفسه) أخذ علي بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله. أقول لك ما قال لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: شِمْ سيفك؟ ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة فوالله لئن فجعنا بك، لا يكون للإسلام نظام أبدًا). ثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب من طريق مالك، وقد رواه زكريا الساجي من حديث عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف [و] الزهري أيضًا عن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: خرج أبي شاهرًا سيفه راكبًا على راحلته إلى وادي الفصة فجاء علي بن أبي طالب فأخذ بزمام راحلته فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ ! أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا، فرجع وأمضى السيف (البداية والنهاية ٦/ ٣١٩) وانظر (كنز العمال ٣/ ١٤٣). ولكن ما حصل من فاطمة رضي الله عنها عتب على الصديق بسبب ما كانت متوهمة من أنها تستحق ميراث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم تعلم بما أخبرها به الصديق رضي الله عنه. أنه قال: (لا نورث ما تركناه فهو صدقة) فحجبها وغيرها من أزواجه وعمه عن الميراث بهذا النص الصريح كما سنبين ذلك في موضعه، فسألته أن ينظر علي في صدقة الأرض التي بخيبر وفدك فلم يجبها إلى ذلك. لأنه رأى أن حقًّا عليه أن يقوم في جميع ما كان يتولاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهو الصادق البار الراشد التابع للحق رضي الله عنه فحصل لها وهي امرأة ليست براجية العصمة عتب وتغضب ولم تكلم الصديق حتى ماتت واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها - صلى الله عليه وسلم - رأى علي أن يجدد البيعة مع أبي بكر رضي الله عنه كما سنذكر في الصحيحين وغيرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى مما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه: عن سعد بن إبراهيم حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر وإن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال: ما كنت حريصًا على الإمارة = = والخاصة، وفي ذلك دليل على أصالة السياسة الشرعية وأصولها في أفهام الصحابة، لإحداثها وابتداعها كما يدعي المستشرقون وغيرهم. ومن رجع إلى الروايات الصحيحة التي ذكرنا في قسم الصحيح يتبيّن له زيف هذه الافتراءات، والحمد لله أولًا وآخرًا.
  7. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٣ ص ٢٣
  8. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٣ ص ٢٤