(مسك الختام فيما دار بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة ورد شبهات المستشرقين وأهل البدع حول ذلك)

فقرتان، ج ٣ ص ٢٥

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = يومًا ولا ليلة، ولا سألتها في سر ولا علانية فقبل المهاجرون مقالته، وقال علي والزبير: ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي بالناس وهو حي ... إسناده جيد ولله الحمد والمنة (البداية والنهاية ٥/ ١١٨ - ١١٩). قلنا: وهذا كلام نفيس وقيّم يردّ فيه الحافظ ابن كثير على تخرّصات المبتدعة الذي يجهلون الأدلة الصحيحة في بيعة علي والزبير لأبي بكر الصديق رضي الله عنهم جميعًا؛ إلا أنا نعقب على عبارة صغيرة للحافظ ابن كثير رحمه الله إذ قال آنفًا: (ولم تكلم الصديق حتى ماتت). فنقول: هذه العبارة فيها نظر وقد أبان الحافظ ابن كثير بنفسه وهن هذه العبارة في البداية والنهاية وفي الجزء نفسه؛ إذ قال رحمه الله: قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الوهاب حدثنا عبدان بن عثمان العتكي بنيسابور أنبأنا أبو حمزة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها، فقال علي: يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك. فقالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم. فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال: والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلَّا ابتغاء مرضاة الله، ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت. ثم ترضاها حتى رضيت. وهذا إسناد جيد قوي. والظاهر أن عامرًا الشعبي سمعه من عليّ أو ممن سمعه من علي، وقد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك. قال الحافظ البيهقي: أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله الصفار ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا نصر بن علي ثنا ابن داود عن فضيل بن مرزوق، قال: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: أما لو كنت مكان أبي بكر لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك. (البداية والنهاية ٥/ ٢٥٣). (مسك الختام فيما دار بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة ورد شبهات المستشرقين وأهل البدع حول ذلك): لقد ذكرنا طرفًا من الروايات الصحيحة الواردة في سقيفة بني ساعدة وما دار فيها من حوار بين الصحابة لاختيار خليفة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الإمام الأعظم الذي يدير شؤون الدولة الإسلامية (دولة الخلافة الراشدة)، وسنذكر هنا بإذن الله ما فاتنا في تحقيق روايات الطبري في هذا الموضوع فنقول وبالله التوقيق: إن الإمام الطبري حين كتب تأريخه هذا لم يصحح الروايات التي أخرجها ولم يضعفها (إلا نادرًا)، وإنّما جمع ما يسَّر الله له أن يجمع سواء من طرق واهية ضعيفة أو من طرق صحيحة، وكان رحمه الله مطمئنًا إلى وجود حشد هائل من أئمة الجرح والتعديل وجهابذة الحديث ممن =
    ج ٣ ص ٢٥
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = ينخلون الروايات نخلًا ليميزوا الصحيح منها عن الضعيف حسب القواعد الحديثية التي كانت قد وضحت وبانت للعلماء - وهو الذي يقول في مقدمة تاريخه: (فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما ينكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا). تأريخ الطبري (١/ ٨) أي: أن الطبري رحمه الله قد برّأ عهدته من الروايات الضعيفة والموضوعة ولم يعط مبررًا للذين يتشدقون بأنهم يستقون التأريخ مما ورد في أمهات الكتب ككتاب الطبري هذا، فالرواة التالفون الهالكون مكشوفون لأئمة الجرح والتعديل وما لفقوه من أكاذيب في الطعن في الصحابة والنيل منهم قد بان زيغه وبطلانه، وجزى الله عنّا أئمة الحديث خير الجزاء. وأما بالنسبة لروايات حديث سقيفة بني ساعدة فالصحيحة منها مشهورة وكثيرة، ولنا فيها مندوحة عن غيرها من الروايات السقيمة ومنها: ١ - ما أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه (كتاب الأحكام ٧/ ٢٦) وكتاب فضائل الصحابة (٤/ ١٩٣) و (٨/ ٢٦). ٢ - وأخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ١٣٣) و (١/ ١٩٣) طبعة شاكر. و (٣٣/ ٦٠) الفتح الرباني. وأخرجه النسائي في (فضائل الصحابة / ٥) وصحح البوصيري إسناده (مصباح الزجاجة ١/ ١٤٦). ٣ - وأخرجه الطبري كما مرّ بنا عن ابن عباس (٣/ ٢٠٣) كسياق البخاري في صحيحه. وتفيدنا هذه الروايات الصحيحة ما يلي: ١) - حرص الصحابة على نصب الإمام الأعظم للمسلمين، وذلك واضح من خلال انشغالهم بتعيين الخليفة وتأخيرهم دفن حبيبهم وقرة عينهم - صلى الله عليه وسلم - من أجل ذلك الأمر العظيم. ٢) - حرص الصحابة الشديد على تولية الأولى الأجدر والأفضل بالخلافة، وذلك واضح من قول سيدنا عمر رضي الله عنه: (وليس منكم من تُقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر). ٣) - تولية الإمام الأعظم (الخليفة) كان بمشورة الصحابة أجمعين ولم يكن تولية إجبار وإكراه؛ فإن المهاجرين والأنصار دخلوا في حوار ونقاش حتى شرح الله صدورهم لكلام أبي بكر واقتنعوا به فبايعوه جميعًا ومنهم الزبير وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وذلك واضح من قوله رضي الله عنه: (فمن بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له). وقوله: (فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة). ٤) - لم يكن نقاش الصحابة في بداية الأمر وتغاير آرائهم حرصًا منهم على المناصب والرئاسة وإنما حرصًا منهم على تولية الأفضل والأحسن، ولذلك تراهم سرعان ما انصاعوا لبيعة أبي بكر رضي الله عنه وذلك دليل على أدبهم الجم وتربيتهم الرفيعة التي تلقوها على مائدة القرآن وتحت إشراف خير خلق الله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك قال، الإمام الجويني رحمه الله: كان =
    ج ٣ ص ٢٦