[وقوع الفتنة ببغداد بين أهلها وبين جند السلطان]

٩٩ فقرة، ج ١٣ ص ٥١

الصفحة ١ من ٣

  1. وفي هذه السنة هاجت الفتنة ووقعت الحرب بين أهل بغداد وجند السلطان الذين كانوا بسامرّا، فبايع كلُّ من كان بسامُرّا منهم المعتزّ، وأقام من ببغداد منهم على الوفاء ببيعة المستعين.

    ج ١٣ ص ٥١
  2. * ذكر الخبر عن سبب هيج هذه الفتنة، وسبب بيعة من كان بسامرّا من الجند المعتزَّ وخلعهم المستعين، ونصبهم الحرب لمن أقام على الوفاء ببيعته:

    قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ موافاةَ المستعين وشاهك الخادم ووصيف وبُغا وأحمد بن صالح بن شير زاد بغداد؛ وكانت موافاتهم إياها يوم الأربعاء لثلاث ساعات مضيْن من النهار لأربعة أيام - وقيل لخمسة أيام - خلوْن من المحرّم من هذه السنة؛ فلما وافاها، نزل المستعين على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافى بغداد خليفة لوصيف على أعماله، يعرف بسلام، فاستعلم ما عنده، ثم انصرف راجعًا إلى منزله بسامرّا، فوافى القوّاد خلا جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ بغداد مع جِلّة الكتاب والعمال وبني هاشم، ثم وافَى بعد ذلك من قوّاد الأتراك الذين في ناحية وصيف: كلباتكين القائد وطيْغج

    ج ١٣ ص ٥٢الخليفة، تركيّ، وابن عجوز الخليفة، نَسائيّ؛ وممّن في ناحية بُغا بايكباك القائد من غلمان الخدمة مع عدّة من خلفاء بُغا.

  3. وكان - فيما ذكر - وجّه إليهم وصيف وبُغا قبل قدومهم رسولًا، يأمرانهم أن يصيرُوا إذا قدموا بغداد إلى الجزيرة التي حِذاء دار محمد بن عبد الله بن طاهر، ولا يصيروا إلى الجِسْر، فيُرعبوا العامة بدخولهم، ففعلوا وصاروا إلى الجزيرة، فنزلوا عن دوابهم، فوجِّهَتْ إليهم زواريق حتى عبروا فيها، فصعد كلباتكين وبايكباك والقوّاد من أهل الدور وأرناتجور التركيّ، فدخلوا على المستعين، فرموْا بأنفسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذلُّلًا وخضوعًا، وكلموا المستعين وسألوه الصَّفْح عنهم والرِّضا، فقال لهم: أنتم أهل بَغْي وفساد واستقلال للنعم؛ ألم ترفعوا إليّ في أولادكم، فألحقتهم بكم، وهم نحو من ألفيْ غلام، وفي بناتكم فأمرت بتصييرهنّ في عداد المتزوّجات وهنّ نحو من أربعة آلاف امرأة في المدّركين والمولودين؛ وكلّ هذا قد أجبتكم إليه، وأدرَرْت لكم الأرزاق حتى سبكتُ لكم آنية الذهب والفضة، ومنعتُ نفسي لذّتها وشهوتها؛ كلُّ ذلك إرادةً لصلاحكم ورضاكم؛ وأنتم تزدادون بَغْيًا وفسادًا وتهدُّدًا وإبعادًا (١) !

    1. (١)مثل هذه التفاصيل وضمنها لا يثبت إلَّا بإسناد صحيح فكيف يعتمد عليه ولا إسناد له؟ (فيما ذكر).
  4. فتضرَّعوا، وقالوا: قد أخطأنا وأمير المؤمنين الصّادق في كلِّ قوله ونحن نسأله العفو عنا والصّفْح عن زَلّتنا؛ فقال المستعين: قد صفحت عنكُم ورضيت، فقال له بايكباك: فإن كنتَ قد رضيت عنا وصفحت، فقم فاركب معنا إلى سامُرّا؛ فإنّ الأتراك ينتظرونك؛ فأومأ محمد بن عبد الله إلى محمد بن أبي عون، فلكز في حَلْق بايكباك، وقال له محمد بن عبد الله: هكذا يقال لأمير المؤمنين؛ قُمْ فاركب معنا؛ فضحك المستعين من ذلك، وقال: هؤلاء قوم عَجَم؛ ليس لهم معرفة بحدُود الكلام، وقال لهم المستعين، تصيرون إلى سامُرّا، فإنَّ أرزاقكم دارّة عليكم، وانظر في أمري هاهنا ومقامي.

  5. فانصرفوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله، وأخبروا مَنْ وردوا عليه من الأتراك خبرهم، وخالفوا فيما ردّ عليهم تحريضًا لهم على خلعه

    ج ١٣ ص ٥٣والاستبدال به، وأجْمع رأيهم على إخراج المعتزّ والبيعة له، وكان المعتزّ والمؤيد في حبس في الجوسق في حُجْرة صغيرة، مع كلِّ واحد منهما غلام يخدمه؛ موكّلٌ بهم رجل من الأتراك يقال له عيسى خليفة بليار ومعه عدّة من الأعوان، فأخرجوا المعتزّ من يومهم، فأخذوا من شعره، وقد كان بُويع له بالخلافة؛ وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يتم المال، فأعطُوا شهرين لقلة المال عندهم.

  6. وكان المستعين خلّف بسامرّا في بيت المال مما كان طلمجُور وأساتكين القائدان قدما به من ناحية الموصل من مال الشأم نحوًا من خمسمئة ألف دينار؛ وفي بيت مال أمّ المستعين قيمة ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس ابن المستعين قيمة ستمئة ألف دينار فذكر أن نسخة البيعة التي أخذت:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    تبايعونَ عبد الله الإمام المعتزّ بالله أمير المؤمنين ببيعة طَوْع واعتقاد، ورضًا ورغبة وإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدْق من نِيّاتِكم؛ لا مكرهين ولا مجبرين؛ بل مقرّين عالمين بما في هذه البيعة وتأكيدها من تقوى الله وإيثار طاعته، وإعزاز حقه ودينه، ومن عموم صلاح عباد الله واجتماع الكلمة، ولمّ الشعث، وسكون الدّهماء، وأمْن العواقب، وعزّ الأولياء، وقمع الملحدين؛ على أن أبا عبد الله المعتزّ بالله عبد الله وخليفتُه المفترض عليكم طاعته ونصيحته والوفاء بحقه وعهده، لا تشكُّون ولا تُدْهنون، ولا تَمِيلون ولا تَرْتابون، وعلى السمع والطاعة، والمشايعة والوفاء، والاستقامة والنصيحة في السرّ والعلانية، والخفوف والوقوف عند كلّ ما يأمر به عبد الله أبو عبد الله الإمام المعتزّ بالله أمير المؤمنين؛ من موالاة أوليائه؛ ومعاداة أعدائه، من خاصٍّ وَعامّ، وقريب وبعيد، متمسكين ببيعتِه بوفاء العَقْد وذمة العهد، سرائركم في ذلك كعلانيتكم، وضمائركم فيه كمثل ألسنتكم، راضين بما يرضى به أمير المؤمنين بعد بيْعتكم هذه على أنفسكم، وتأكيدكم إياها في أعناقكم صفقةً، راغبين طائعين؛ عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونياتكم، وبولاية عهد المسلمين لإبراهيم المؤيد بالله أخي أمير المؤمنين، وعلى ألا تسعَوْا في نقض شيء مما أكد عليكم، وعلى ألَّا يميل بكم في ذلك مميل عن نصرة وإخلاص

    ج ١٣ ص ٥٤وموالاة؛ وعلى ألا تبدّلوا ولا تغتروا، ولا يرجع منهكم راجع عن بيعته وانطوائه على غير علانيته؛ وعلى أن تكون بيعتكم التي أعطيتموها بألسنتكم وعهودكم بيعةً يَطَّلع الله من قلوبكم على اجتبائها واعتمادها. وعلى الوفاء بذمّةِ الله فيها، وعلى إخلاصكم في نُصْرتها وموالاة أهلها؛ لا يشوب ذلك منهكم نفاق ولا إدهان ولا تأوّل؛ حتى تلقوا الله موفين بعهده، مؤدّين حقَّه عليكم، غير مستريبين ولا ناكثين؛ إذ كان الذي يبايعون منكم أمير المؤمنين بيعةَ خلافتِه وولاية العهد من بعده لإبراهيم المؤيد بالله أخي أمير المؤمنين: {إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} .

  7. عليكم بذلك وبما أكدت عليكم به هذه البَيْعة في أعناقكم، وأعطيتم بها من صفقة أيْمانِكم، وبما اشترط عليكم من وفاء ونُصْرة وموالاة واجتهاد، وعليكم عهد الله إنَّ عهده كان مسؤولًا وذمّة الله عزّ وجلّ وذمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وما أخذ الله على أنبيائه ورسُله، وعلى أحد من عباده من مواكيده ومواثيقه؛ أن تسمعوا ما أخذ عليكم في هذه البيْعَة ولا تبدّلوا ولا تميلوا وأن تمسَّكوا بما عاهدتم الله عليه تمسُّك أهلِ الطاعة بطاعتهم، وذوي الوفاء والعهد بوفائهم، ولا يلفتكم عن ذلك هوىً ولا مَيْلٌ، ولا يُزيغ قلوبكم فتنة أو ضلالة عن هُدىً، باذلين في ذلك أنفسكم واجتهادكم، ومقدّمين فيه حقّ الدين والطاعة والوفاء بما جعلتم على أنفسكم؛ لا يقبل منكم في هذه البيْعَة إلَّا الوفاء بها.

  8. فمن نكث منكم ممّن بايع أمير المؤمنين وولَّي عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين هذه البيعة على ما أخذ عليكم، مسرًّا أو معلنًا، مصرّحًا أو محتالًا أو متأوّلًا؛ وادَّهن فيما أعطى الله من نفسه، وفيما أخذ عليه من مواثيق الله وعهوده، وزاغ عن السبيل التي يعتصم بها أولو الرّأي؛ فكلّ ما يملك كلّ واحد منكم ممن ختر في ذلك منكم عهدَه، من مال أو عقار أو سائمة أو زَرْع أو ضَرْع صدقةٌ على المساكين في وجوه سبيل الله، محبوس محرّم عليه أن يُرجع شيئًا من ذلك إلى ماله؛ عن حيلة يقدمها لنفسه، أو يحتال له بها؛ وما أفاد في بقية عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ؛ فذلك سبيلُها، إلى أن توافِيَه منِيّته، ويأتي عليه أجله، وكلّ مملوك يملكه اليوم وإلى ثلاثين سنة؛ ذكر أو أنثى، أحرار لوجه الله، ونساؤه يوم يلزمه فيه الحِنْث ومَنْ يتزوّج بعدهنّ إلى ثلاثين سنة طوالق طلاق

    ج ١٣ ص ٥٥الحرَج؛ لا يقبل الله منه إلَّا الوفاء بها؛ وهو بريء من الله ورسوله، والله ورسوله منه بريئان؛ ولا قَبِل الله منه صرفًا ولا عدْلًا؛ والله عليكم بذلك شهيد، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

  9. وأحضِر - فيما ذكر - البيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه النّقْرس محمولًا في مَحفَّة؛ فأمر بالبيعة فامتنع؛ وقال للمعتزّ: خرجتَ إلينا خروج طائع فخلعتها، وزعمت أنك لا تقوم بها، فقال المعتزّ: أكْرِهتُ على ذلك وخفت السيف، فقال أبو أحمد: ما علينا أنك أكرِهت؛ وقد بايعنا هذا الرجل؛ فتريد أن نطلّق نساءنا، ونخرج من أموالنا، ولا ندري ما يكون! إن تركتنِي على أمري حتى يجتمع الناس؛ وإلا فهذا السيف، فقال المعتزّ: اتركوه، فُردّ إلى منزله من غير بيعة.

  10. وكان ممن بايع إبراهيم الديرج وعتّاب بن عتّاب، فهرب فصار إلى بغداد، وأما الدّيرج فخُلِع عليه، وأقِرّ على الشرْطة، وخُلِع على سليمان بن يسار الكاتب، وصُيِّر على ديوان الضياع، وأقام يومه يأمر وينهى وينفّذ الأعمال، ثم توارَى في الليل، وصار إلى بغداد.

  11. ولما بايع الأتراك المعتزّ ولّى عمالَه، فولّى سعيد بن صالح الشرْطة، وجعفر بن دينار الحرس، وجعفر بن محمود الوزارة، وأبا الحمار ديوان الخراج؛ ثم عُزِل وجُعِل مكانه محمد بن إبراهيم منقار، وولي ديوان جيش الأتراك المعروف بأبي عمر كاتب سيما الشرابيّ، وولّى مقلِّدًا كَيْد الكلب أخا أبي عمر بيوتَ الأموال وإعطاءَ الأتراك والمغاربة والشاكريّة، وولّى بريد الآفاق والخاتم سيما الساربانيّ واستكتب أبا عمر؛ فكان في حدّ الوزارة.

  12. ولما اتّصل بمحمد بن عبد الله خبرُ البيعة للمعتزّ وتوجيهه العمال، أمر بقطع الميرة عن أهل سامُرّا، وكتب إلى مالك بن طَوْق في المصير إلى بغداد هو ومَنْ معه من أهل بيته وجنده، وإلى نجوبة بن قيس وهو على الأنبار في الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان بن عمران الموصلي في جَمْع أهل بيته ومَنْع السفن أو شيء من الميرة أن ينحدر إلى سامُرّا، ومنَع أن يصعد شيء من المِيرة من بغداد إلى سامرّا، وأخذت سفينة فيها أرزّ وسَقَطٌ، فهرب الملّاح منها وبقيت السفينة حتى غرقت، وأمر المستعين محمد بن عبد الله بن طاهر بتحصين بغداد؛ فتقدّم في ذلك؛ فأدير عليها السور من دِجْلة من باب الشّماسية إلى سوق الثلاثاء حتى

    ج ١٣ ص ٥٦أورده دِجْلة من باب قطيعة أم جعفر، حتى أورده قصر حميد بن عبد الحميد، ورتَّب على كل باب قائدًا في جماعة من أصحابه وغيرهم وأمر بحفر الخنادق حول السورين كما يدوران في الجانبين جميعًا ومظلَّات يأوي إليها الفرسان في الحرّ والأمطار؛ فبلغت النفقة - فيما ذكر - على السورين وحفر الخنادق والمظلات ثلثمئة ألف دينار وثلاثين ألف دينار؛ وجعل على باب الشماسية خمس شدّاخات بعرض الطريق؛ فيها العوارض والألواح والمسامير الطِّوال الظاهرة، وجُعل من خارج الباب الثاني باب معلّق بمقدار الباب ثخين، قد ألبِس بصفائح الحديد، وشُدّ بالحبال كي إن وافى أحدٌ ذلك البابَ أرسل عليه الباب المعقق، فقتل مَنْ تحته، وجعل على الباب الداخل عرّادة، وعلى الباب الخارج خمسة مجانيق كبار؛ وفيها واحدٌ كبير سمَّوه الغضبان، وستّ عرّادات ترمِي بها إلى ناحية رقّة الشمّاسيّة؛ وصُيّر على باب البَرَدان ثماني عَرّادات في كلّ ناحية أربع، وأربع شدّاخات وكذلك على كلّ باب من أبواب بغداد في الجانب الشرقيّ والغربيّ، [وجعل على كلّ باب من أبوابها قوادًا برجالهم] وجعل لكلّ باب من أبوابها دهليزًا بسقائف تَسَعُ مئة فارس ومئة راجل؛ ولكل منجنيق وعرّادة رجالًا مرتّبين يمدّودن بحباله، وراميًا يرمي إذا كان القتال، وفرض فروضًا ببغداد ومرّ قوم من أهل خراسان قدموا حجّاجًا، فسألوا المعونة على قتال الأتراك، فأعينوا، وأمر محمد بن عبد الله بن طاهر أن يُفْرَض من العيَّارين فرض، وأن يُجعل عليهم عريف، ويُعمل لهم تراس من البواريّ المقيَّرة، وأن يُعمل لهم مخالٍ تُملأ حجارة، ففعل ذلك وتولى - فيما ذكر - عمل البواريّ المميّرة محمد بن أبي عون، وكان الرّجل منهم يقوم خلْف الباريّة فلا يُرى منها. عُمِلت نسائجات، أنفق عليها زيادة على مئة دينار؛ وكان العريف على أصحاب البواريّ المقيرة من العتارين رجلًا يقال له ينْتَوَيْه، وكان الفراغ من عمل السور يوم الخميس لسبع بقين من المحرم.

  13. وكتب المستعين إلى عمّال الخراج بكل بلدة وموضع أن يكون حملهم ما يحملون من الأموال إلى السلطان إلى بغداد، ولا يحملون إلى سامُرّا شيئًا؛ وإلى عمّال المعاون في ردّ كتب الأتراك، وأمر بالكتاب إلى الأتراك والجند الذين بسامُرّا يأمرهم بنقض بيعة المعتزّ ومراجعة الوفاء ببيعتهم إياه، ويذكرهم أياديه

    ج ١٣ ص ٥٧عندهم، وينهاهم عن معصيتهِ، ونكْث بيعته، وكان كتابه بذلك إلى سيما الشرابيّ.

  14. ثم جرتْ بين المعتزّ ومحمد بن عبد الله بن طاهر مكاتبات ومراسلات، يدعو المعتزّ محمدًا إلى الدّخُول فيما دخل فيه مَنْ بايعه بالخلافة وخلع المستعين، ويذكّره ما كان أبوه المتوكل أخذ له عليه بعد أخيه المنتصر من العَهْد وعقد الخلافة، ودعوة محمدِ بن عبد الله المعتزَّ إلى ما عليه من الأوبة إلى طاعة المستعين، واحتجاج كلّ واحد منهما على صاحبه فيما يدعوه إليه من ذلك بما يراه حُجّة له؛ تركتُ ذكرها كراهة الإطالة.

  15. وأمر محمد بن عبد الله بكسر القناطِر وبَثق المياه بطسّوج الأنبار وما قرب منه من طسُّوج بادورَيَا، ليقطع طريق الأتراك حين تخوّف من ورودهم الأنبار.

  16. وكان الذي تولّى ذلك نجوبة بن قيس ومحمد بن حمد بن منصور السعديّ.

  17. وبلغ محمد بن عبد الله توجيه الأتراك لاستقبال الشمسة التي كانت مع البينُوق الفرغانيّ مَنْ يحميها من أصحابه، فوجّه محمد ليلة الأربعاء لعشر بقين من المحرّم خالد بن عمران وبندار الطبريّ إلى ناحية الأنبار.

  18. ثم وجّه بعدهما رشيد بن كاوس، فصادفوا البينوق ومَنْ معه من الأتراك والمغاربة، وطالبهم خالد وبندار بالشمسة، فصار البيْنُوق وأصحابه مع خالد وبندار إلى بغداد إلى المستعين.

  19. وكان محمد بن الحسن بن جياويه الكردي يتولى معونة عُكبراء؛ وكان على الراذان رجل من المغاربة قد اجتمع عنده مالٌ، فتوجّهه إليه ابن جيلويه، ودعاه إلى حَمْل مال الناحية، فامتنع عليه، ونَصَب له الحرب، فأسر ابن جيلويه المغربيّ، وحمله إلى باب محمد بن عبد الله، ومعه من مال الناحية اثنا عشر ألف دينار وثلاثون ألف درهم؛ فأمر محمد بن عبد الله لابن جيلويه بعشرة آلاف درهم، وكتب كلّ واحد من المستعين والمعتزّ إلى موسى بن بغا، وهو مقيم بأطراف الشأم قرب الجزيرة - وكان خرج إلى حِمْص لحرب أهلها - يدعوه إلى نفسه، وبعَث كلُّ واحد منهما إليه بعدّة ألوية يعقدها لمن أحبّ، ويأمره المستعين بالانصراف إلى مدينة السلام، ويستخلف على عمله من رأى،

    ج ١٣ ص ٥٨فانصرف إلى المعتزّ وصار معه، وقدم عبد الله بن بُغا الصغير بغداد على أبيه؛ وكان قد تخلّف بسامُرّا حين خرج أبوه منها مع المستعين، وصار إلى المستعين، فاعتذر اليه وقال لأبيه: إنما قدمتُ إليك لأموت تحت ركابك، وأقام ببغداد أيامًا، ثم استأذن ليخرج إلى قرية بقرب بغداد على طريق الأنبار، فأذن له؛ فأقام فيها إلى الليل، ثم هرب من تحت ليلته، فمضى في الجانب الغربيّ إلى سامُرّا مجانبًا لأبيه وممالئًا عليه؛ واعتذر إلى المعتزّ من مصيره إلى بغداد، وأخبره أنه إنما صار إليها ليعرف أخبارهم، وليصير إليه فيُعرّفه صحتها، فقبل ذلك منه، وردّه إلى خدمته.

  20. وورد الحسن بن الأفشين بغداد، فخلع عليه المستعين، وضمّ إليه من الأشروسنيّة وغيرهم جماعة كثيرة، وزاد في أرزاقه ستة عشر ألف درهم في كلّ شهر (١) .

    1. (١)انظر المنتظم (١٢/ ٤٤).
  21. ولم يزل أسد بن داودسياه مقيمًا بسامُرّا، حتى هرب منها، فذُكر أنّ الأتراك بعثوا في طلبه إلى ناحية الموصل والأنبار والجانب الغربيّ في كل ناحية خمسين فارسًا، فوافَى مدينة السلام؛ فدخل على محمد بن عبد الله، فضمّ إليه من أصحاب إبراهيم الديرج مئة فارس ومئتي راجل، ووكّله بباب الأنبار مع عبد الله بن موسى بن أبي خالد.

  22. وعقد المعتزّ لأخيه أبي أحمد بن المتوكل يوم السبت لسبع بقين من المحرّم من هذه السنة - وهي سنة إحدى وخمسين ومئتين - على حرب المستعين وابن طاهر، وولّاه ذلك، وضمّ إليه الجيش، وجعل إليه الأمرَ والنهي، وجعل التدبير إلى كلباتكين التركيّ، فعسكر بالقاطول في خمسة آلاف من الأتراك والفراغنة وألفين من المغاربة، وضمّ المغاربة إلى محمد بن راشد المغربيّ، فوافوا عُكْبراء ليلة الجمعة لليلة بقيت من المحرّم؛ فصلّى أبو أحمد، وفى عا للمعتزّ بالخلافة؛ وكتب بذلك نسخًا إلى المعتزّ؛ فذكر جماعة من أهل عكْبراء أنهم رأوا الأتراك والمغاربة وسائر أتباعهم؛ وهم على خوف شديد، يروْن أنّ محمد بن عبد الله قد خرج إليهم فسبقهم إلى حربهم، وجعلوا ينتهبون القرى

    ج ١٣ ص ٥٩ما بين عُكبراء، وبغداد وأوانا وسائر القرى من الجانب الغربيّ، تخوّفًا على أنفسهم وخلّوْا عن الغَلّات والضّياع؛ فخرّبت الضياع، وانتُهبت الغَلّات والأمتعة وهدِمت المنازل، وسُلب الناس في الطريق (١) .

    1. (١)انظر المنتظم (١٢/ ٤٥) وقد علّق ابن كثير على هذه الفتنة قائلًا: ثم جرت بينهما حروب طويلة وفتن مهولة جدًّا قد ذكرها ابن جرير مطولة [البداية والنهاية ٨/ ٢١٩].
  23. ولمّا وافى أبو أحمد عُكبراء ومَنْ معه خرج جماعة من الأتراك الذين كانوا مع بُغا الشرابيّ بمدينة السلام من مَواليه، والمضمومين إليه، فهربوا ليلًا، فاجتازوا بباب الشمّاسيّة؛ وكان على الباب عبد الرحمن بن الخطاب، ولم يعلم بخبرهم؛ وبلغ محمد بن عبد الله ذلك، فأنكره عليه وعنَّفه وتقدّم في حفظ الأبواب وحراستها والنفقة على من يتولّاها.

  24. ولما وافى الحسن بن الأفشين مدينة السلام وُكّل بباب الشّماسية.

  25. ثم وافى أبو أحمد وعسكره الشماسيّة ليلةَ الأحد لسبع خلون من صفر، ومعه كاتبه محمد بن عبد الله بن بشر بن سعد المرثديّ، وصاحب خبر العسكر من قِبَل المعتزّ الحسن بن عمرو بن قماش ومن قِبَله، صاحب خبر له يقال له جعفر بن أحمد البناتي، يعرف بابن الخبازة، فقال رجل من البصريّين كان في عسكره ويعرف بباذنجانة:

    يا بني طاهر أتتكمْ جنودُ الله ... والموتُ بينها منثورُ

    وجيوشٌ أمامَهُنّ أبو أحمد ... نعْمَ الموْلى ونِعْمَ النصيرُ

    ولمّا صار أبو أحمد بباب الشمّاسية ولَّى المستعين الحسين بن إسماعيل باب الشماسية، وصيَّر مَنْ هناك من القوّاد تحت يده؛ فلم يزل مقيمًا هناك مدّة الحرب إلى أن شخص إلى الأنبار؛ فولَّى مكانه إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم؛ ولثلاث عشرة مضتْ من صفر؛ صار إلى محمد بن عبد الله جاسوس له؛ فأعلمه أن أبا أحمد قد عبَّى قومًا يحرقون ظلال الأسواق من جانبيْ بغداد، فكُشطت في ذلك اليوم.

  26. وذكر أن محمد بن عبد الله وجّه محمد بن موسى المنجم والحسين بن إسماعيل، وأمرهما أن يخرجا من الجانب الغربيّ، وأن يرتفعا حتى يجاوزا

    ج ١٣ ص ٦٠عسكر أبي أحمد ويحزُرا: كَمْ في عسكره؟ فزعم محمد بن موسى أنه حَزَرهم ألفيْ إنسان، معهم ألف دابة؛ فلما كان يوم الإثنين لعشر خلوْن من صفر وافت طلائع الأتراك إلى باب الشمّاسيّة، فوقفوا بالقرب منه؛ فوجّه محمد بن عبد الله الحسينَ بن إسماعيل والشاه بن ميكال وبُندار الطبريّ فيمن معهم؛ وعزم على الركوب لمقاتلتهم، فانصرف إليه الشاه، فأعلمه أنه وافَى بمَنْ معه باب الشّماسيّة.

  27. فلمّا عاين الأتراك الأعلام والرايات وقد أقبلت نحوَهم انصرفوا إلى معسكرهم؛ فانصرف الشاه والحسين، وترك محمد الركوب يومئذ.

  28. فلمَّا كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر عزم محمد بن عبد الله على توجيه الجيوش إلى القُفْص ليعرض جنده هنالك، ويُرهب بذلك الأتراك؛ وركب معه وصيف وبُغا في الدُّروع، وعلى محمد دِرْع، وفوق الدرْع صُدرة من درع طاهر؛ وعليه ساعد حديد؛ ومضى معه بالفقهاء والقضاة، وعزم على دعائهم إلى الرجوع عمّا هم عليه من التمادي في الطُّغيان واللجَاج والعِصْيان، وبعث يبذل لهم الأمان على أن يكون أبو عبد الله وليّ العهد بعد المستعين؛ فإنْ قبلوا الأمان وإلّا باكرهم بالقتال يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة تخلو من صفر؛ فمضى نحو باب قُطْربل، فنزل على شاطئ دجلة هو ووصيف وبغا، ولم يمكنْه التقدّم لكثرة الناس؛ وعارضهم من جانب دِجلة الشرقيّ محمد بن راشد المغربيّ.

  29. ثم انصرف محمد؛ فلما كان من الغد وافتْه رسل عبد الرحمن بن الخطاب وجه الفُلْس وعَلك القائد ومَنْ معهما من القوَّاد، يعلمونه أْنّ القوم قد دنوْا منهم، وأنهم قد رجعوا إلى عسكرهم إلى رقة الشماسيّة، فنزلوا وضربوا مضاربَهم فأرسل إليهم ألا تبدؤوهم، وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم؛ وادفعوهم اليوم، فوافى باب الشماسيّة اثنا عشر فارسًا من عسكر الأتراك - وكان على باب الشماسيّة باب وسَرَب وعلى السّرَب باب، فوقف الاثنا عشر الفارس بإزاء الباب، وشتموا مَنْ عليه، ورموا بالسهام، ومن بباب الشماسية سكوت عنهم؛ فلما أكثروا أمر علَك صاحب المِنجنيق أن يرميَهم؛ فرماهم فأصاب منهم رجلًا فقتله؛ فنزل أصحابه إليه، فحملوه وانصرفوا إلى عسكرهم بباب الشماسيّة.

  30. وقدم عبد الله بن سليمان خليفة وصيف التركيّ الموجّه إلى طريق مكة لضبط

    ج ١٣ ص ٦١الطريق مع أبي الساج في ثلثمئة رجل من الشاكريّة، فدخل على محمد بن عبد الله، فخلع عليه خمس خلع، وعلى آخر ممن معه أربع خلع.

  31. ودخل أيضًا في هذا اليوم رجل من الأعراب من أهل الثعلبيّة يطلب الفَرْض معه خمسون رجلًا، وورد الشاكريّة القادمون من سامرّا من قيادات شتى؛ وهم أربعون رجلًا، فأمر بإعطائهم وإنزالهم فأعْطُوْا.

  32. ووافى الأتراك في هذا اليوم باب الشماسيّة، فرُموا بالسهام والمنجنيق والعرّادات؛ وكان بينهم قتلَى وجرحى كثير؛ وكان الأمير الحسين بن إسماعيل لمحاربتهم، ثم أمِدّ بأربعمئة رجل من الملطّيين مع رجل يعرف بأبي السنا الغنويّ [وهو ابن أخت الهيثم الغنوي] ثم أمدّهم بقوم من الأعراب نحو من ثلثمئة رجل، وحمل في هذا اليوم من الصلات لمن أبلَى في الحرب خمسة وعشرين ألف درهم، وأطوقة وأسورة من ذهب؛ فصار ذلك إلى الحسين بن إسماعيل وعبد الرحمن بن الخطاب وعلَك ويحيى بن هرثمة والحسن بن الأفشين وصاحب الحرب الحسين بن إسماعيل، فكان الجرحى من أهل بغداد أكثر من مئتي إنسان، والقتلى عدّة، وكذلك الجراحات في الأتراك والقتلَى أكثرهم بالمجانيق؛ وانهزم أكثر عامة أهل بغداد، وثبت أصحاب البوازيّ وانصرفوا جميعًا، وهم في القتلى والجرحى شبيه بالسواء؛ وجُرح من هؤلاء - فيما ذكر - مئتان، ومن هؤلاء مئتان، وقتل جماعة من الفريقين.

  33. وجاء كردوس من الفراغنة والأتراك في هذا اليوم إلى باب خُراسان من الجانب الشرقيّ ليدخلوا منه، وأتى الصريخ محمد بن عبد الله، وثبت لهم المبيّضة والغوغاء فردّوهم، وقد كان محمد أمر أن يُمخَر تلك الناحية؛ فلما أرادوا الانصراف، وحلّت عامة دوابهم، ونجا أكثرهم، أحضر الأتراك منجنيقًا، فغلبهم الغوغاء عليه والمبيّضة، وكسروا قائمة من قوائمه، وقتِل اثنان من الشاشية من الحجاج، وأمر بحمل الآجرّ من قصر الطين وتلك الناحية إلى باب الشماسيّة؛ وفتحوا باب الشماسيّة، وأخرجوا إلى الآجرّ من لقطه، وردّوه إلى هذا الجانب من السور.

  34. وكان محمد بن عبد الله اتّصل به أنّ جماعة من الأقراك قد صاروا إلى ناحية النّهروان، فوجّه قائدين منن قوّاده يقال لهما عبد الله بن محمود السرخسيّ

    ج ١٣ ص ٦٢ويحيى بن حفص المعروف بحبُوس في خمسمئة من الفرسان والرّجالة إلى هذه الناحية، ثم أردفهم بسبعمئة رجل أيضًا، وأمرهم بالمقام هناك، ومنع مَنْ أراده من الأتراك، فتوجّه آخرهم إلى هذه الناحية يوم الجمعة لسبع خلون من صفر.

  35. فلما كان ليلة الإثنين لثلاث عشرة بقيت من صفر، صار قوم من الأتراك إلى النَّهْروان، فخرج جماعة ممن كان مع عبد الله بن محمود، فرجعوا هُرّابًا، وأخِذت دوابّهم، وانصرف مَنْ نجا منهم إلى مدينة السلام مفلولين، وقتل زهاء خمسين رجلًا، وأخذوا سِتين دابة، وعدّة من البغال قد كانت جاءت من ناحية حُلوان عليها الثلج، فوجّهوا بها إلى سامرّا، ووجهوا برؤوس مَنْ قتلوا من الجند، فكانت أول رؤوس وافت في تلك الحرب سامرّا.

  36. وانصرف عبد الله بن محمود مفلولًا في شِرذمة، وصار طريق خراسان في أيدي الأتراك، وانقطع الطريق من بغداد إلى خراسان.

  37. وكان إسماعيل بن فراشة وُجّه إلى همذان للمقام بها، فكتب إليه بالانصراف، فانصرف، فأعطِيَ هو وأصحابه استحقاقهم.

  38. ووجَّه المعتزّ عسكرًا من الأتراك والمغاربة والفراغنة ومَنْ هو في عدادهم، وعلى الأتراك والفراغنة الدرغماني الفرغانيّ، وعلى المغاربة ربلة المغربيّ، فساروا إلى مدينة السلام من الجانب الغربيّ، فجازوا قُطربّل إلى بغداد، وضربوا عسكرهم بين قُطْربّل وقطيعة أم جعفر؛ وذلك عشيّة الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر.

  39. فلما كان يوم الأربعاء من غد هذه الليلة، وجّه محمد بن عبد الله بن طاهر الشاهَ بن ميكال من باب القطيعة وبُندارًا وخالد بن عمران فيمن معهم من أصحابهم من الفرسان والرّجّالة، فصافّهم الشاه، وأصحابه، فترامَوْا بالحجارة والسهام، وألجؤوا الشاه إلى مضيق عند باب القطيعة، وكثر المبيّضة من أهل بغداد، ثم حمل الشاه والمبيّضة حملة واحدة أزالوا بها الأتراك والمغاربة ومَنْ معهم عن موضعهم، وحمل عليهم المبيّضة، وأصحروا بهم، وحمل عليهم الطبريّة فخالطوهم؛ وخرج عليهم بُندار وخالد بن عمران من الكمِين؛ وكانوا كمنوا في ناحية قُطْربّل، فوضعوا في أصحاب أبي أحمد الأتراك منهم وغيرهم السيف، فقتلوهم أبرح قتل؛ فلم يُفلت منهم إلَّا القليل، وانتهب المبيضة

    ج ١٣ ص ٦٣عسكرهم وما كان فيه من المتاع والأهل والأثقال والمضارب والحُرْثيّ، فكلّ من أفلت منهم من السيف رمى بنفسه في دِجْلة ليعبرَ إلى عسكر أبي أحمد؛ فأخذه أصحاب الشبّارات، وكانت الشبّارات قد سحنت بالمقاتلة - فقُتِلوا وأسِروا وجُعل القتلى والرؤوس من الأتراك والمغاربة وغيرهم في الزّواريق، فنصبت بعضها في الجسرين؛ وعلى باب محمد بن عبد الله؛ فأمر محمد بن عبد الله لمن أبلى في هذا اليوم بالأسورة، فسُوِّر قوم كثير من الجند وغيرهم، فطُلب المنهزمة، فبلغ بعضهم أوانًا، وبلغ بعضهم ناحية عسكر أبي أحمد عَبْرَ دجلة، وبعضهم نفذ إلى سامُرَّا.

  40. وذُكر أن عسكر الأتراك يوم هُزِموا بباب القطيعة كانوا أربعة آلاف، فقتِل منهم يوم الوقعة هنالك ألفان؛ وكان وُضع فيهم بالسيف من باب القَطيعة إلى القُفْص، فقتَلوا مَنْ قتلوا، وغرِّق مَنْ غُرِّق، وأسِر منهم جماعة، فخلَع محمد بن عبد الله على بُندار أربع خلع مُلحم، ووشْي وسواد وخزّ، وطوّقه طوقًا من ذهب، وخلع على أبي السنا أربع خِلَع، وعلى خالد بن عمران وجميع القوّاد، كلّ رجل أربع خِلع، وكان انصرافهم من الوقعة مع المغرب، وسُخرت البغال، وأخِذ لها الجواليق لتحمل فيها الرؤوس إلى بغداد.