[وقوع الفتنة ببغداد بين أهلها وبين جند السلطان]

٩٩ فقرة، ج ١٣ ص ٥١

الصفحة ٢ من ٣

  1. وكان كلُّ مَنْ وافى دار محمد برأس تركيّ أو مغربيّ أعطوْه خمسين درهمًا وكان أكثر ذلك العمل للمبيّضة والعيّارين، ثم وافى عيَّار وبغداد قُطْربُّلَ، فانتهبوا ما تركه الأتراك من متاع أهل قُطْربُّل وأبواب دورهم؛ فوجّه محمد في آخر هذا اليوم أخاه أبا أحمد عبيد الله بن عبد الله والمظفّر بن سيسَل في أثر المنهزمين حِياطة لأهل بغداد؛ لأنه لم يأمن رجعتهم عليه فبلغا القُفْص، وانصرفا سالمين، وزعجا مَنْ أقام من الرجّالة والعيارين بناحية قُطْربل، وأشير على محمد بن عبد الله أن يتبعهم بعسكر في اليوم الثاني وفي تلك الليلة، ليوغل في آثارهم، فأبى ذلك ولم يتبع مولِّيًا، ولم يأمر أن يُجهز على جريح، وقبِل أمان من استأمن، وأمر سعيد بن حُميد فكتب كتابًا يذكر فيه هذه الوقعة؛ فقرئ على أهل بغداد في مسجد جامعها، نسخته:

    ج ١٣ ص ٦٤بسم الله الرحمن الرحيم

    أما بعد؛ فالحمد لله المنعم فلا يبلغ أحد شكرَ نعمته، والقادر فلا يعارَض في قدرته، والعزيز فلا يغالب في أمره، والحَكم العدل فلا يردّ حكمه، والناصر فلا يكون نصره إلَّا للحق وأهله، والمالك لكلّ شيء فلا يخرج أحد عن أمره، والهادي إلى الرحمة فلا يضلّ من انقاد لطاعته، والمقدّم إعذاره ليظاهر به حجته؛ الذي جعل دينه لعباده رحمة، وخلافته لدينه عصمة، وطاعة خلفائه فرضًا واجبًا على كافة الأمة؛ فهم المستحفَظون في أرضه على ما بعث به رسله، وأمناؤه على خلقه فيما دعاهم إليه من دينه، والحاملون لهم على منهاج حقه؛ لئلا يتشعّب بهم الطريق إلى المخالفة لسبيله، والهادي لهم إلى صراطه؛ ليجمعهم على الجادّة التي نَدب إليها عبادَه الذين بهم يُحمَى الدّين من الغواة والمخالفين؛ محتجّين على الأمم بكتاب الله الذي استعملهم به، ودعا الأمة بحقّ الله الذي اختارهم له؛ إن جاهدوا كانت حجة الله معهم، وإن حاربوا حكَم بالنصر لهم، وإن بغاهم عدوّ كانت كفاية الله حائلةً دونهم ومعقلًا لهم، وإن كادهم كائد فاللهُ من وراء عونهم، نَصَبهم الله لإعزاز دينه؛ فمن عاداهم فإنما عادى الدّين الذي أعزّه وحرسه بهم، ومن ناوأهم فإنما طعن على الحقّ الذي يكلؤه بحراستهم جيوشهم بالنّصر والعزّ منصورة، وكتائبهم بسلطان الله من عدوّهم محفوظة، وأيديهم عن دين الله دافعة، وأشياعهم بتناصرهم في الحقّ عالية، وأحزاب أعدائهم ببغيهم مقموعة، وحجتهم عند الله وعند خلْقه داحضة، ووسائلهم إلى النصر مردودة، تجمعهم مواطن التحاكم، وأحكام الله بخذلانهم واقعة، وأقداره بإسلامهم إلى أوليائه جارية، وعاداتهم في الأمم السالفة والقرون الخالية ماضية؛ ليكون أهلُ الحق على ثقة من إنجاز سابق الوعد، وأعداؤه محجُوبون بما قدّم إليهم من الإنذار، معجّلة لهم نقمة الله بأيدي أوليائه، معَدٌّ لهم العذاب عند ربهم، والخزي موصول بنواصيهم في دنياهم، وعذاب الآخرة من ورائهم وما الله بظلام للعبيد.

    ج ١٣ ص ٦٣
  2. وصلى الله على نبيه المصطفى، ورسوله المرتَضى، والمنقذ من الضّلالة إلى الهدَى، صلاة تامّة نامية بركاتها، دائمة اتصالها، وسلم تسليمًا.

  3. والحمد لله تواضعًا لعظمته، والحمد لله إقرارًا بربوبيته، والحمد لله اعترافًا بقصور أقصى منازل الشكر عن أدنى منزلة من منازل كرامته، والحمد لله الهادي إلى حَمْدِه والموجب به مزيده، والمحصي به عوائد إحسانه، حمدًا يرضاه ويتقبّله، ويوجب طوْله وإفضاله، والحمدُ لله الذي حكم بالخذلان على مَنْ بَغى على أهل دينه، وسبق وعده بالنصر لمن بُغي عليه من أنصار حقه.

    ج ١٣ ص ٦٥
  4. وأنزل بذلك كتابَه العزيز، موعظةً للباغين؛ فإن أقلعوا كانت التذْكِرة نافعة لهم، والحجة عند الله لمن قام بها فيهم، ثم أوجب بعد التذكرة والإصرار جهادهم، فقال فيما قدَّم من وَعْده، وأبان من برهانه: {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} ، وعدَّا مَن الله حقًّا نهى به أعداءه عن معصيته، وثبَّت به أولياءه على سبيله؛ والله لا يخلف الميعاد.

  5. ولله عند أمير المؤمنين - في رئيس دعوته، وسيف دولته، والمحامي عن سلطانه، ومحلّ ثقته، والمتقدّم في طاعته، ونصيحته لأوليائه، والذابِّ عن حقه، والقائم بمجاهدة أعدائه؛ محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين - نعمةٌ يُرغب إلى الله في إتمامها، والتوفيق لشكرها، والتطوّل بمن أراد المزيد فيها؛ فإن الله قدّر لآبائه القيام بالدّعوة الأولى لآباء أمير المؤمنين، ثم جمع له آثارهم بقيامه بالدّولة الثانية؛ حين حاول أعداء الله أن يطمِسُوا معالم دينه ويعفوها؛ فقام بحقّ الله وحق خليفته، محاميًا عنها، ومراميًا من ورائها، متناولًا للبعيد برأيه ونظره، مباشرًا للقريب بإشرافه وتفقُّده، باذلًا نفسه في كلّ ما قرّبه من الله، وأوجب له الزُّلْفة عنده، وسيمتّع الله أمير المؤمنين به وليًّا، مكانفًا على الحق، وناصرًا مؤازرًا على الخير، وظهيرًا مجاهدًا لعدوّ الدين.

  6. وقد علمتم ما كان كتاب أمير المؤمنين تقدّم به إليكم فيما أحدثتْه الفرقة الضالة عن سبيل ربها، المفارقة لعصمة دينها، الكافرة لنعم الله ونعم خليفته عندها، المباينة لجماعة الأمة التي ألَّف الله بخلافته نظامَها، المحاولة لتشتيت الكلمة بعد اجتماعها، الناكثة لبيعته، الخالعة لرِبْقة الإسلام من أعناقها، الموالي الأتراكُ، وما صارت إليه من نصر الغلام المعروف بأبي عبد الله بن المتوكل لإقامتها عند مصير أمير المؤمنين إلى مدينة السلام، محلّ سلطانه،

    ج ١٣ ص ٦٦ومجتمع أنصاره وأبناء أنصار آبائه، وما قابل به أمير المؤمنين خيانَتهم وآثره من الأناة في أمرهم.

  7. ثم إنّ هؤلاء الناكثين جمعوا جمعًا من الأتراك والمغاربة، ومن ولج في سوادهم، ودخل في غُمارهم، مؤاتيًا للفتنة من ألفاف الغيّ، ورأسوا عليهم المعروف بأبي أحمد بن المتوكل، ثم ساروا نحو مدينة السلام في الجانب الشرقيّ، معلنين للبغي والاقتدار، مظهرين للغي والإصرار؛ فتأنّاهم أمير المؤمنين، وفسَّح لهم في النَّظرة لهم، وأمر بالكتاب إليهم بما فيه تبصيرُهم الرشد، وتذكيرهم بما قدّموا من البيعة، وإفهامهم ما لله عليهم وله في ذلك من الحقّ، وأنّ خروجهم مما دخلوا فيه من بيعتهم طوعًا الخروجُ من دين الله والبراءة منه ومن رسوله، وتحريمهم أموالَهم ونساءهم عليهم؛ وأن في تمسكهم به سلامة أديانهم، وبقاء نعمتهم، والاحتراس من حُلول النقَم بهم، وأن يبين لهم ما سلف من بلائه عندهم؛ من أسْنى المواهب، وأرفع الرغائب، والاختصاص بسنيّ المراتب، والتقدّم في المحافل؛ فأبوْا إلَّا تماديًا ونفارًا، وتمسكًا بالغيّ وإصرارًا.

  8. فقلّد أمير المؤمنين نصيحه المؤتمَن، ووليّه محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين تدبير أمورهم ودعائهم إلى الحقّ ما كانت الإنابة أو محاربتهم إن جنح بهم غيُّهم، وتتابعوا في ضلالهم، فلم يألهم نظرًا وإفهامًا، وتبيينًا وإرشادًا، وهم في ذلك رافعون أصواتهم بالتوعّد لأهل مدينة السلام؛ بسفك دمائهم وسَبْي نسائهم وتغنُّم أموالهم؛ وقبل ذلك ما كانوا في مسيرهم على السبيل التي يستعملها أهل الشرْك في غاراتهم، ويميلون إليها عند إمكان النّهزة لهم؛ لا يجتازون بعامر إلَّا أخربوه، ولا بحريم لمسلم ولا غيره إلَّا أباحوه، ولا بمسلم يعجز عنهم إلَّا قتلوه، ولا بماله لمسلم ولا ذميّ إلَّا أخذوه؛ حتى انتقل كثير ممن سبقت إليه أخبارهم ممن أمامهم عن أوطانهم، وفارقوا منازلهم ورباعهم، وفزعوا إلى باب أمير المؤمنين تحصّنًا من معرّتهم، لا يمرُّون بغنيّ إلَّا خلعوا عنه لباس الغنىٍ؛ ولا بمستور إلَّا هتكوا عن الذرية والنساء ستره، لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمّة، ولا يتوقّفون عن مسلم بهتك ولا مُثْلة، ولا يرغبون عما حرم الله من دم ولا حرمة.

  9. ثم تلقّوا التذكرة بالحرب، وقابلوا الموعظة بالإصرار على الذنب، وعارضوا التبصير بالاستبصار في الباطل؛ فذلَفُوا نحو باب الشمّاسية، وقد رتب محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين بذلك الباب والأبواب التي سبيلها سبيله من أبواب مدينة السلام الجيوش في العُدّة الكاملة، والعدّة المتظاهرة؛ معاقلهم التوكّلُ على ربِّهم، وحصونهم الاعتصام بطاعته، وشعارهم التكبير والتهليل أمام عدوهم.

    ج ١٣ ص ٦٧
  10. ومحمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين، يأمرُهم بتحصين ما يليهم والإمساك عن الحرب ما كانت مندوحة لهم؛ فبادأهم الأولياء بالموعظة، وبدأهم الغواة الناكثون بحروبهم، وعادوْهم أيامًا بجموعهم وعدادهم، مُدلّين بعدّتهم مقدّرين ألا غالب لهم؛ ولا يعلمون بالله أنّ قدرته فوق قدرتهم، وأن أقداره نافذة بخلاف إرادتهم، وأحكامه عادلة ماضية لأهل الحقّ عليهم؛ حتى إذا كان يوم السبت للنصف من صفَر وافوْا باب الشماسيّة بأجمعهم قد نشروا أعلامهم، وتنادوْا بشعارهم، وتحصّنوا بأسلحتهم، وبدا الأمر منهم لمن عاينهم، ليس لهم وعيد دون سفك الدماء، وسبْي النساء، واستباحة الأموال؛ فبدأهم الأولياء بالموعظة فلم يسمعوا، وقابلوهم بالتذكرة فلم يُصغوا إليها، وبدؤوا بالحرب منابذين لها، فتسرّع الأولياء عند ذلك إليهم، واستنصروا عليهم، واستحكمت بالله ثقتهم، ونفذت به بصائرهم؛ فلم تزل الحرب بينهم إلى وقت العصر من هذا اليوم؛ فقتل الله من حُماتهم وفرسانهم ورؤسائهم وقادة باطلهم جماعة كثيرًا عَددها، ونالت الجراحة المثخنة التي تأتي مَنْ نالته أكثر عامتهم.

  11. فلما رأى أعداء الله وأعداء دينه أنْ قد أكذب ظنونَهم، وحال بينهم وبين أمانيهم، وجعل عواقبها حسرات عليهم؛ استنهضوا جيشًا من سامُرّا من الأتراك والمغاربة في العتَاد والعُدّة والجلَد والأسلحة في الجانب الغربيّ، طالبين المعرّة، ومؤمّلين أن ينالوا نيلًا من أهله باشتغال إخوانِهم في الجانب الشرقيّ بأعدائهم.

  12. وقد كان محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين شَحَن الجانبين جميعًا بالرّجال والعُدّة، ووكَّل بكلّ ناحية مَنْ يقوم بحفظها وحراستها، ويكفّ عن الرعية بوائقَ أعدائهم، ووكل بكل باب من الأبواب قائدًا في جَمْع كثيف، ورتَّب على السور

    ج ١٣ ص ٦٨مَنْ يراعيه في الليل والنهار وبث الرجال ليعرف أخبار أعداء الله في حركاتهم ونهوضهم ومقامهم وتصرّفهم، فيعامل كلَّ حال لهم بحال يفتّ الله في أعضادهم بها.

  13. فلما كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر، وافى الجيش الذي أنهضوه من الجانب الغربي البابَ المعروف بباب قُطْربّل، فوقفوا بإزاء الناكثين المعسكرين بالجانب الشرقيّ من دجْلة في عدد لا يسعه إلَّا الفضاء ولا يحمله إلَّا المجال الفسيح، وقد تواعَدُوا أن يكون دنوّهم مِن الأبواب معًا لشغل الأولياء بحربهم من الجهات، فيضعفوا عنهم ويغلبوا حقَّهم بباطلهم؛ أملًا كاذبًا غير صادق كادهم الله فيه، وظنًا خائبًا لله فيه قضاء نافذ.

  14. وأنهض محمد بن عبد الله نحوهم محمد بن أبي عون وبُندار بن موسى الطبريّ مولى أمير المؤمنين وعبد الله بن نصر بن حمزة من باب قطربُّل، وأمرهم بتقوى الله وطاعته، والاتباع لأمره والتصرّف مع كتابه، والتوقّف عن الحرب حتى تسبق التذكرة الأسماع، وتزول الحجة بالتتابع منهم والإصرار، فنفذوا في جمعٍ يقابل جمعهم، مستبصرين في حقّ الله عليهم، مسارعين إلى لقاء عدوّهم، محتسبين خطاهم ومسيرهم، واثقين بالثواب الآجل والجزاء العاجل. فتلقاهم ومَنْ معهم أعداء الله، قد أطلقوا نحوهم أعنَّتهم، وأشرعوا لِنُحورهم أسنَتهم، لا يشكون أنهم نُهزة المختلس، وغنيمة المنتهب؛ فنادوْهم بالموعظة نداء مسْمعًا، فمجّتها أسماعهم، وعميت عنها أبصارهم، وصدَقهم أولياءُ الله في لقائهم؛ بقلوب مستجمعة لهم، وعلم بأنّ الله لا يخلِف وعده فيهم؛ فجالت الخيل بهم جَوْلة، وعاودت كَرّة بعد كرّة عليهم، طعنًا بالرماح، وضربًا بالسيوف، ورَشقًا بالسهام؛ فلما مسّهم ألم جِراحها، وكلَمتْهم الحربُ بأنيابها، ودارت عليهم رحاها، وصمم عليهم أبناؤها ظمأ إلى دمائهم؛ ولَّوا أدبارَهم، ومنح الله أكتافهم، وأوقع بأسه بهم، فقتِلت منهم جماعة لم يحترسوا من عذاب الله بتوبة، ولم يتحصّنوا من عقابه بأمانة، ثم ثابت ثانية؛ فوقفوا بإزاء الأولياء، وعبَر إليهم أشياعُهم الغاوُون من عسكرهم بباب الشمّاسية ألف رجل من أنجادهم في السفن، معاونين لهم على ضلالتهم؛ فأنهض لهم محمد بن عبد الله خالد بن عمران والشاهَ بن ميكال مولى طاهر نحوهم، فنفذوا ببصيرةٍ لا يتخوّنها فتور،

    ج ١٣ ص ٦٩ونيّة لا يلحقها تقصير؛ ومعهما العباس بن قارن مولى أمير المؤمنين.

  15. فلما وافى الشاه فيمَنْ معه أعداء الله، وكّل بالمواضع التي يتخوف منها مدخل الكُمناء، ثم حمل مَنْ توجّه معه من القواد المسمَّينِ ماضين لا يغويهم الوعيد، ولا يشكُّون من الله في النصر والتأييد، فوضعوا أسيافهم فيهم، تمضي أحكام الله عليهم؛ حتى ألحقوهم بالمعسكر الذي كانوا عسكروا فيه وجاوزوه، وسلبوهم كل ما كان من سلاح وكُراع وعتاد الحرب؛ فمن قتيل غُودرت جثّته بمصرعه، ونقلت هامته إلى مصيرٍ فيه معتبَو لغيره، ومن لاجئ من السيف إلى الغَرقَ لم يجرْه الله من حذاره، من أسير مصفود يُقاد إلى دار أولياء الله وحزبه، ومن هاربٍ بحشاشة نفسه، قد أسكن الله الخوف قلبه؛ فكانت النقمة بحمد الله واقعة بالفريقين ممن وافى الجانب الغربيّ قادمًا، ومن عبر إليهم من الجانب الشرقيّ مُنجدًا، لم ينْجُ منهم ناجٍ، ولم يعتصم منهم بالتوبة معتصم، ولا أقبل إلى الله مقبل؛ فرقًا أربعًا يجمعها النار، ويشملها عاجل النكال، عظةً ومعتبرًا لأولي الأبصار؛ فكانوا كما قال الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ}.

  16. ولم تزل الحرب بين الأولياء وبين الفرقة التي كانت في الجانب الشرقيّ والقتل محتفل في أعلامهم، والجراح فاشية فيهم؛ حتى إذا عاينوا ما أنزل الله بأشياعهم من البَوار، وأحلَّ بهم من النقمة والاستئصال؛ ما لهم من الله من عاصم، ولا من أوليائه ملجأ ولا موئل؛ ولَّوْا منهزمين مفلولين منكوبين، قد أراهم الله العبَر في إخوانهم الغاوية، وطوائفهم المضلَّة؛ وضلّ ما كان في أنفسهم لما رأوْا من نصر الله لجنده، وإعزازه لأوليائه؛ والحمد لله ربّ العالمين قامع الغواة الناكبين عن دينه، والبغاة الناقضين لعهده، والمرّاق الخارجين من جملة أهل حقّه؛ حمدًا مبلغًا رضاه، وموجبًا أفضل مزيده؛ وصلى الله أولًا وآخرًا على محمد عبده ورسوله، الهادي إلى سبيله، والدّاعي إليه بإذنه، وسلم تسليمًا. وكتب سعيد بن حُميد يوم السبت لسبع خلون من صفر سنة إحدى وخمسين ومئتين.

  17. وركب محمد بن عبد الله بن طاهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر إلى باب الشمّاسية، وأمر بهدم ما وراء سُور بغداد من الدور والحوانيت

    ج ١٣ ص ٧٠والبَساتين وقطعْ النَّخْل والشَّجر من باب الشمّاسية إلى ثلاثة أبواب؛ لتتسع الناحية على مَنْ يحارب فيها؛ وكان وُجّه من ناحية فارس والأهواز نيّفٌ وسبعون حمارًا بمال إلى بغداد، قدم به - فيما ذكر - منكجور بن قارن الأشروسنيّ القائد، فوجَّه الأتراك وأبو أحمد بن بابك إلى طرارستان في ثلثمئة فارس وراجل؛ ليتلفى ذلك المال إذا صار إليها. فوجّه محمد بن عبد الله قائدًا له يقال له: يحيى بن حفص، يحمل ذلك المال، فعدَل به عن طرارستان، خوفًا من ابن بابك؛ فلما علم ابن بابك أن المال قد فاته صار بمن معه إلى النهروان، فأوقع من كان معه من الجند بأهلها، وأخرج أكثرهم، وأحرق سفن الجسر، وهي أكثر من عشرين سفينة، وانصرف إلى سامُرّا.

  18. وقدم محمد بن خالد بن يزيد - وكان المستعين قلده الثغور الجزريّة، وكان مقيمًا بمدينة بلد ينتظر من يصير إليه من الجند والمال - فلما كان من اضطراب أمر الأتراك ودخول المستعين بغداد ما كان، لم يمكنه المصير إلى بغداد إلَّا من طريق الرّقة، فصار إليها بمَن معه من خاصّته وأصحابه؛ وهم زهاء أربعمئة فارس وراجل، ثم انحدر منها إلى مدينة السلام، فدخلها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر، فصار إلى دار محمد بن عبد الله بن طاهر؛ فخلع عليه خمس خلع: دَبيقي، ومُلْحم، وخزّ، ووشْي، وسواد، ثم وجهه في جيش كثيف لمحاربة أيوب بن أحمد؛ فأخذ على ظهر الفرات فحاربه في نفر يسير، فهُزم وصار إلى ضَيْعته بالسواد.

  19. فذكر عن سعيد بن حميد أنه قال: لمّا انتهى خبر هزيمة محمد بن عبد الله، قال: ليس يُفلح أحدٌ من العرب إلَّا أن يكون معه نبيّ ينصره الله به.

  20. وفي هذا اليوم كانت للأتراك وقعة بباب الشمّاسية، كانوا صاروا إلى الباب، فقاتلوا عليه قتالًا شديدًا حتى كشفوا مَنْ عليه، ورموا المنجنيق المنصوب بسرّة الباب بالنّفط والنار، فلم يعمل فيه نارهم، وكثرَهم من على الباب من الجند حتى أزالوهم عن موقفهم، ودفعوهم عن الباب بعد قتلهم عدّة يسيرة من أهل بغداد، وجرحهم منهم جماعةً كثيرة بالسِّهام. فوجّه محمد بن عبد الله إليهم عند ذلك العرّادات التي كانت تحمل في السفن والزّواريق، فرموْهم بها رميًا شديدًا، فقتلوا منهم جماعة كثير نحوًا من مئة إنسان، فتنحَّوْا عن الباب؛ وكان بعض

    ج ١٣ ص ٧١المغاربة صار في هذا اليوم إلى سور باب الشمّاسية؛ فرمى كُلّابًا إلى السور، وتعلّق به وصعد، فأخذه الموكلُون بالسور فقتلوه، ورَموْا برأسه في المنجنيق إلى عسكر الأتراك؛ وانصرفوا عند ذلك إلى معسكرهم.

  21. وذكر أنّ بعض الموكلين بسُور باب الشمّاسية من الأبناء هاله ما رأى من كثرة مَنْ ورد باب الشمّاسية في هذا اليوم من الأتراك والمغاربة؛ وكانوا قَربُوا من الباب بأعلامهم وطبولهم، ووضع بعض المغاربة كلّابًا على السور؛ فأراد بعض الموكّلين بالسور أن يصيح: يا مستعين، يا منصور، فغلط، فصاح: يا معتز، يا منصور؛ فظنّه بعض الموكلين بالباب من المغاربة، فقتلوه وبعثوا برأسه إلى دار محمد بن عبد الله؛ فأمر بنصبه، فجاءت أمه وأخوه في عشية هذا اليوم بجُثّته في محمل يصيحان ويطلبان رأسه، فلم يُدفع إليهما؛ ولم يزل منصوبًا على الجسر إلى أن أنزل مع ما أنزل من الرؤوس.

  22. ووافى ليلة الجمعة لسبع بقين من صَفَر جماعة من الأتراك باب البَرَدان؛ وكان الموكّل به محمد بن رجاء؛ وذلك قبل شخوصه إلى ناحية واسط، فقتل منهم ستة نفر، وأسر أربعة، وكان الدّرغمان شجاعًا بطلًا، وصار في بعض الأيام مع الأتراك إلى باب الشماسيّة، فرمي بحجر منْجنيق، فأصاب صدره؛ فانصُرف به إلى سامُرَّا، فمات بين بُصرى وعُكْبراء؛ فحمل إلى سامرّا؛ فذكر يحيى بن العكيّ القائد المغربيّ أنه كان إلى جنب الدّرْغمان في يوم من أيامهم؛ إذ وافاه ناوكيّ، فأصاب عينه، ثم أصابه بعد ذلك حَجَر فأطار رأسه، فحمل مَيتًا.

  23. وذُكر عن عليّ بن حسن الرامي، أنه قال: كنّا قد جمعنا على السور على باب الشمّاسية من الرّماة جماعة، وكان مغربيّ يجيء حتى يقرب من الباب، ثم يكشف استه ثم يضرط ويصيح؛ قال: فانتخبت له سهمًا فأنفذته في دُبره حتى خرج من حلقه، وسقط مَيتًا. وخرج من الباب جماعة فنصبوه كالمصلوب، وجاءت المغاربة بعد ذلك، فاحتملوه.

  24. وذكر أنّ الغوغاء اجتمعوا بسامُرّا بعد هزيمة الأتراك يوم قُطْربّل، ورأوا ضعف أمر المعتزّ، فانتهبوا سوق أصحاب الحُلي والسيوف والصيارفة، وأخذوا جميعَ ما وجدوا فيها من متاع وغيره، فاجتمع التجار إلى إبراهيم المؤيد أخي المعتزّ، فشكوا ذلك إليه، وأعلموه أنهم قد كانوا ضمنوا لهم أموالهم وحفظها عليهم.

    ج ١٣ ص ٧٢قال: فقال لهم: كان ينبغي لكم أن تحوّلوا متاعكم إلى منازلكم؛ وكبُر عنده ذلك.

  25. وقدم بحونة بن قيس بن أبي السعديّ يوم السبت لثمان بقين من صفر بمن فَرض من الأعراب وهم ستمئة راجل ومئتا فارس. وقدم في هذا اليوم عشرة نفر من وجوه أهل طَرَسوس يشكون بلكاجور، ويزعمون أن بيعة المعتزّ وردت عليه، فخرج بعد ساعتين من وصول الكتاب، ودعا إلى بيعة المعتزّ، وأخذ القوّادَ وأهل الثغر بذلك فبايع أكثرهم، وامتنع بعض، فأقبل على مَن امتنع بالضرب والقيد والحبس. وذكر أنهم امتنعوا وهربوا لمّا أخذهم بالبيعة كرهًا، فقال وصيف: ما أظن الرّجل إلَّا [اغترّ ومُوِّه عليه] وأن الوارد عليه بكتاب المعتزّ هو الليث بن بابَك، وذكر له أنّ المستعين مات، وأقاموا المعتزّ مكانه؛ فتكلّم هؤلاء النفر يشكون بلكاجور، ونسبوه إلى أنه فعل ذلك على عمد، ورفعوا عليه أنه كان يرَى في بني الواثق، وقد ورد كتاب بلكاجور يوم الأربعاء لأربع بقين من صفر مع رجل يقال له عليّ الحسين المعروف بابن الصّعلوك؛ يذكر فيه أنه ورد عليه كتاب من أبي عبد الله بن المتوكل، أنه قد وليَ الخلافة، وبايع له. فلما ورد عليه كتاب المستعين بصحة الأمر، جدّد أخذ البيعة على مَنْ قِبَله، وأنه على السمع والطاعة له. فأمر للرسول بألف درهم فقبضها، وقد كان أمر بالكتاب إلى محمد بن عليّ الأرمني المعروف بأبي نصر بولايته على الثغور الشامية، فلما ورد كتاب بلكاجور بالطاعة أمسك عن إنفاذ كتاب محمد بن عليّ الأرمنيّ بالولاية.

  26. وفي يوم الإثنين لست بقين من صفر من هذه السنة قدم إسماعيل بن فراشة من ناحية همذَان في نحو ثلثمئة فارس، وكان جنده ألفًا وخمسمئة فتقدّم بعضُهم وتأخر بعض، وتفرّقوا، وقدم معه برسول للمعتزّ، كان وُجّه إليه لأخذ البيعة، فقيّد الرسول وصار به إلى مدينة السلام على بغل بلا إكاف، فخلع على إسماعيل خمس خلع. وورد برجل ذكر أنه علويّ أخذ بناحية الريّ وطبرستان، متوجهًا إلى مَنْ هناك من العلوية؛ وكان معه دوابّ وغلمان؛ فأمر به فحبِس في دار العامة أشهرًا، ثم أخذ منه كفيل وأطلِق.

  27. وقرئ في هذا اليوم كتاب موسى بن بغا يذكر فيه أنه ورد كتاب المعتزّ، وأنه دعا أصحابه، وأخبرهم بما حدَث، وأمرهم بالانصراف معه إلى مدينة السلام؛ فامتنعوا، وأجابه الشاكريّة والأبناء، واعتزله الأتراك ومَنْ كانَفهم، وحاربوه

    ج ١٣ ص ٧٣فقتل منهم جماعة وأسَر أسرى؛ فهم قادمون معه. فكبَّروا في دار ابن طاهر عند قراءتهم كتابه.

  28. ولخمس بقين من صَفَر دخل من البصرة عشر سفائن بحرّية؛ تسمّى البوارج، في كل سفينة اشْتيام وثلاثة نفّاطين ونجّار وخباز وتسعة وثلاثون رجلًا من الجذّافين والمقاتلة؛ فذلك في كلّ سفينة خمسة وأربعون رجلًا. فمدّت إلى الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، ولعب أصحابها بالنيران، ثمَّ مدّت إلى ناحية الشماسيّة في هذه الليلة، فَرُمِي مَنْ فيها من الأتراك بالنيران، فعزموا على الانتقال من معسكرهم برقّة الشماسية إلى بُستان أبي جعفر بالحير، ثم بدا لهم فارتفعوا فوق عسكرهم في موضع لا ينالهم شيء من النار.

  29. ولليلة بقيت من صَفَر صار الأتراك والمغاربة إلى أبواب مدينة السلام من الجانب الشرقيّ، فأغلقت الأبواب في وجوههم، ورموا بالسهام والمنجنيقات والعرّادات، فقتل من الفريقين وجُرح جماعة كثيرة، فلم يزالوا كذلك إلى العصر.

  30. وفي هذه السنة كرّ سمليمان بن عبد الله راجعًا من جُرجان إلى طبرستان وشخص من آمُل، وخرج بجمع كثير وخيل وسلاح، فتنحّى الحسن بن زيد، ولحق بالدّيلم، فكتب إلى السلطان ابن أخيه محمد بن طاهر بدخوله طبرستان، فقرئ كتابه ببغداد، وكتب نسخة ذلك المستعين إلى بغا الصغير مولى أمير المؤمنين بفتح طبَرستان على يدي محمد بن طاهر وهزيمة الحسن بن زيد؛ وأن سليمان بن عبد الله دخل سارية على حالٍ من السلامة، وأنه ورد عليه ابنان لقارن بن شهريار مولى أمير المؤمنين، يقال لهما: مازيار ورستم، في خمسمئة رجل، إلى ما ذكر من غير ذلك في الفتح، وأنّ أهل آمُل أتوْه منيبين مظهرين إنابتَهم، مستقيلين عثراتهم؛ فلقيهم بما زاد في سكونهم وثقتهم، ونهض بعسكره على تعبيته، مستقرئًا للقرى والطرق، وتقدم بالنهي عن القتل، وترك العَرْض لأحدٍ في سلب وغيره، وتوعّد من جاوز ذلك؛ وأن كتاب أسد بن جندان وافاه بهزيمة عليّ بن عبد الله الطالبيّ المسمى بالمرعشيّ فيمن كان معه، وهم أكثر من ألفَيْ رجُل ورجلين من رؤساء الجبل، في جمع عظيم عند تأدّي الخبر إليهم بانهزام الحسن بن زيد ودخوله بالأولياء إلى تلك الناحية، وأنه دخل مدينة آمُل

    ج ١٣ ص ٧٤في أحسن هيئة، وأظهر عزّة وسلامة شاملة، وانقطعت عنه أسباب الفتنة.

  31. ولخمس بقين من المحرم من هذه السنة ورد كتاب العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابيّ على الخراج والضِّياع بإرمينيَة، بما كان من خروج رجلين بتلك الناحية؛ سمَّاهما وذكر إيقاعه بهما، وأنهما التجأا إلى قلعة، فوضع عليها المجانيق حتى جهدها، وأنّهما خرجا من القلعة هاربيْن، وخفي أمرُهما وصارت القلعة في أيدي الأولياء.

  32. وفيها أيضًا ورد كتاب مؤرّخ لإحدى عشرة ليلة بقيَت من المحرّم بانتقاض أهل أردبيل، وكتاب الطالبيّ إليهم، وأنه بعث أربعة عساكر على أربعة أبواب مدينتهم ليحاصرهم.

  33. وفيها ورد كتاب مخبر عن الحرب التي كانت بين عيسى بن الشيخ والموفّق الخارجيّ وأسْر عيسى الموفّق، ومسألة عيسى المستعين توجيه ما يحتاج إليه من السلاح؛ ليكون عدّة له في البلد، يقوى به الجند على الغزو، وأن يكتب إلى صاحب الصّور في توجيه أربع مراكب إليه بجميع آلتها؛ تكون قبلَه مع ما قبله منها.

  34. وفيها أيضًا ورد كتاب محمد بن طاهر بخبر الطالبيّ الذي ظهر بالريّ ونواحيها، وما أعدّ له من العساكر، ووجّه إليه من المقاتلة، وبهرب الحسن بن زيد عند مصيره إلى المحمَّدية وإحاطة عسكره بها، وأنه عند دخوله المحمّدية وكّل بالمسالك والطرق، وبثّ أصحابه، وأنّ الله أظفره بمحمد بن جعفر أسيرًا على غير عَقْد ولا عهد، والذي صار إلى الريّ من العلوية في المرة الثانية بعدما أسِر محمد بن جعفر أحمدُ بن عيسى بن عليّ بن حسين الصغير بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وهو الذي خرج في مصعد الحاجّ، والذي بطبَرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن

    ج ١٣ ص ٧٥الحسن بن عليّ بن أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه (١) .

    1. (١)انظر المنتظم (١٢/ ٥٠).
  35. وفيها أيضًا ورد كتابٌ من محمد بن طاهر على المستعين، يذكر فيه انهزام الحسن بن زيد منه، وأنه لقيه في زُهاء ثلاثين ألفًا، فجرت فيما بينه وبينه حرب، وأنه قتَل من رؤوس أصحابه ثلثمئة ونيّفًا وأربعين رجلًا، وأمر المستعين أن يقرأ نسخة كتابه في الآفاق.

  36. وفيها خرج يوسف بن إسماعيل العلويّ ابن أخت موسى بن عبد الله الحسينيّ.

  37. وفي شهر ربيع الأول منها أمر محمد بن عبد الله أن يُتخذ لعيّارى أهل بغداد كافركوبات، وأن يصيّر فيها مسامير الحديد، ويجعل ذلك في دار المظفر بن سيسل؛ لأنهم كانوا يحضرون القتال بغير سلاح، وكانوا يرمون بالآجُرّ، ثم أمر مناديًا، فنادى: مَنْ أراد السلاح فليحضر دار المظفّر، فوافاها العيارون من كلّ جانب، فقسم ذلك فيهم، وأثبت أسماءهم، ورأس العيّارون عليهم رجلًا يدعى ينتويه؛ ويكنى أبا جعفر وعدّة أخَر؛ يدعى أحدهم دُونل، والآخر دمحال، والآخر أبا نملة، والآخر أبا عصارة، فلم يثبت منهم إلَّا ينتويه؛ فإنه لم يزل رئيسًا على عيّارى الجانب الغربيّ؛ حتى انقضى أمر هذه الفتنة، ولما أعطِيَ العيّارون الكافر كوبات تفرّقوا على أبواب بغداد، فقتلوا من الأتراك ومن أتباعهم نحوًا من خمسين نفسًا في ذلك اليوم، وقتل منهم عشرة أنفس وجُرح منهم خمسمئة بالنّشاب، وأخذوا من الأتراك عَلمَيْن وسُلَّميَن.

  38. وفيها كانت لبحونة بن قيس وقعة مع جماعة من الأتراك بناحية بَزُوغَى، لقيهم هو ومحمد بن أبي عون وغيرهما، فأسروا منهم سبعة، وقتلوا ثلاثة، ورمى بعضهم بنفسه في الماء، مغرق بعضُهم ونجا بعضهم.

  39. وذُكر عن أحمد بن صالح بن شيرزاد: أنه سأل رجلًا من الأسرى عن عدّة

    ج ١٣ ص ٧٦القوم الذين لقيهم بحونة، قال: كنا أربعين رجلًا، فلقينا بحونة وأصحابه، سحَرًا، فقتِل منا ثلاثة، وغرق ثلاثة، وأسر ثمانية، وأفلت الباقون، وأخذِ ثماني عشرة دابة وجواشن وراية لعامل أوانا؛ وهو أخو هارون بن شعيب.

  40. وكانت الوقعة بأوانا يوم الأربعاء، وأقام جند بحونة وعبد الله بن نصر بن حمزة بقُطرُبُّل مسلحة.