خلاصة القول في فتوحات الشام في عهد الخليفة الراشد الأول الصديق رضي الله عنه وأرضاه

٤ فقرات، ج ٣ ص ١٠٩

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = ١٠ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٢ / ح ١٥٦٨٢): حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا مسعر عن سعد بن إبراهيم عن سعيد بن المسيب عمّن حدثه أنه لم يُسمع صوت أشد من صوته وهو تحت رايته يوم اليرموك وهو يقول: هذا يوم من أيام الله، اللهم نزل نصرك؛ يعني: أبا سفيان. وهذه الرواية عند الذهبي في تأريخ الإسلام مع بعض الاختلاف في المسند والمتن: إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن المسيب عن أبيه: قال: خمدت الأصوات يوم اليرموك والمسلمون يقاتلون الروم إلّا صوت رجل يقول: (يا نصر الله اقترب! يا نصر الله اقترب! ) فرفعت رأسي فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان (عهد الخلفاء الراشدين / ١٤٠) وكذلك أخرجه الحافظ ابن كثير عن سعيد بن المسيب عن أبيه (البداية والنهاية ٧/ ١٤). والخبر عند يعقوب بن سفيان في المعرفة والتأربخ (٣/ ٣٠٠). ١١ - وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٣ / ح ١٥٦٨٦): ثنا أبو أسامة عن الأعمش عن أبي إسحاق قال: لما أسلم عكرمة بن أبي جهل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله والله لا أترك مقامًا قمته لأصد به عن سبيل الله إلّا قمت مثله في سبيل الله، ولا أترك نفقة أنفقتها لأصد بها عن سبيل الله إلّا أنفقت مثلها في سبيل الله، فلما كان يوم اليرموك نزل فترجل فقاتل قتالًا شديدًا فقتل فوجد به بضع وسبعون من بين طعنة وضربة ورمية. ١٢ - وقال الحافظ ابن كثير: وروى أحمد بن مروان المالكي في المجالسة: ثنا أبو إسماعيل الترمذي ثنا أبو معاوية عن عمرو عن أبي إسحاق قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء، فقال هرقل وهو على أنطاكية لما قدمت منهزمة الروم: ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم. الذين يقاتلونكم أليسوا بشرًا مثلكم؟ قالوا: بلى. قال: فأنتم أكثر أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن. قال: فما بالكم تنهزمون؟ فقال شيخ من عظمائهم: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني ونركب الحرام، وننقض العهد ونغصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض. فقال: أنت صدقتني (البداية والنهاية ٧/ ١٦). خلاصة القول في فتوحات الشام في عهد الخليفة الراشد الأول الصديق رضي الله عنه وأرضاه قلنا: (المحققان): - قبل أن نذكر مآثر هذه الفتوحات المباركة، والدور القيادي الذي قام به خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في توجيه القادة وإرسال المدد ورسم المخطوط العريضة والتأكيد على المبادئ الإسلامية في الحروب- نقول: قبل ذلك نودّ أن نتحدث بعض الشيء عن اختلاف المؤرخين في تحديد السنة الهجرية التي كانت فيها واقعة اليرموك الكبرى- فنقول وبالله التوفيق: =
    ج ٣ ص ١٠٩
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = أما روايات الطبري التأريخية فإنها تؤكد حدوثها في السنة الأخيرة من خلافة الصديق رضي الله عنه وبإمرة سيف الله المسلول خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، أما البلاذري وهو المعاصر للطبري وتوفي قبله (٢٧٩ هـ) فله رأي آخر إذ يقول: وكانت وقعة اليرموك في رجب سنة ١٥ هـ (فتوح البلدان / ١٨٦) وكذلك ذكر خليفة بن خياط هذه المعركة ضمن أحداث سنة خمس عشرة ونقل عن الكلبي قوله: كانت الواقعة يوم الإثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة (تاريخ خليفة / ١٣٠) هذا بالنسبة للمؤرخين المتقدمين الثلاثة الذين اعتمدناهم كأساس في مقارناتنا للروايات التأريخية- أما الطبقة الوسطى (من الناحية الزمنية) من المؤرخين الذين اعتمدنا أقوالهم في المسائل الخلافية (التأريخية) فهم ابن عساكر والكلاعي وابن الجوزي (راجع المقدمة) فقد نقل ابن كثير في كتابه فقال: وأما الحافظ ابن عساكر رحمه الله فإنه نقل عن يزيد بن أبي عبيدة والوليد وابن لهيعة والليث وأبي معشر أنها كانت في سنة خمس عشرة بعد فتح دمشق. وقال محمد بن إسحاق: كانت في رجب سنة خمس عشرة. وقال خليفة بن خياط: قال ابن الكلبي: كانت وقعة اليرموك يوم الإثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة. قال ابن عساكر: وهذا هو المحفوظ، وأما ما قاله سيف من أنها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه (البداية والنهاية ٧/ ٤). هذا بالنسبة لرأي ابن عساكر كمؤرخ إسلامي معتمد، عصره وسط بين المتقدمين كالطبري والمتأخرين كالذهبي وابن كثير وغيرهما. أما ابن الجوزي فقد ذكر خبر اليرموك ضمن أحداث سنة ١٣ من الهجرة. قلت: وكانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة في رجب منها عند الليث بن سعد وابن لهيعة وأبي معشر والوليد بن مسلم ويزيد بن عبيدة وخليفة بن خياط وابن الكلبي ومحمد بن عائذ وابن عساكر وشيخنا أبي عبد الله الذهبي الحافظ. أما سيف بن عمرو وأبو جعفر الطبري فذكرا واقعة اليرموك في سنة (١٣) هـ وقد قدمنا ذكرها هنالك تبعا لابن جرير (البداية والنهاية ٧). وأما الذهبي فإنه يرجح في (تأريخ الإسلام) كون هذه المعركة قد حدثت في سنة (١٥ هـ) إذ يقول: كانت وقعة مشهورة نزلت الروم اليرموك في رجب سنة خمس عشرة وقيل: سنة ثلاث عشرة وأراه وهمًا (عهد الخلفاء الراشدين / ١٣٩). قلنا: هذه أقوال الأئمة من المتقدمين إلى المتأخرين ممن علمنا آراءهم أما من المعاصرين فكنا نودّ أن نحصل على كتاب الأستاذ الكبير العمري عن عهد الخلفاء الراشدين فهو من المتثبتين في ذكر الروايات التأريخية، ونرجو أن نحصل عليه لاحقًا إن شاء الله. أما الدكتور الفاضل باشميل والمعروف بكتاباته التأريخية عن فتوح العراق والشام وغير ذلك فقد ذهب في كتابه القيّم إلى صحة الرأي الذي يحدد سنة (١٣) هـ تأريخًا لمعركة اليرموك، =
    ج ٣ ص ١١٠
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = ومع ذلك فهو يذكر الآراء المختلفة ويناقشها بالتفصيل (ص ١٣٣ - ١٤١) ورغم أننا لا نوافقه في قوله بأن البلاذري انفرد بالقول بأن معركة اليرموك الكبرى الشهيرة إنما دارت عام (١٥ هـ) وليس عام (١٣ هـ) فقد ذكرنا آراء بقية المؤرخين في ذلك، ولكننا نرى أن الدكتور باشميل كان دقيقًا في نقده وتحليله للروايات التأريخية في هذه المسألة، والحق يقال، فإن القارئ لكتاب باشميل في الفتوحات يتبيّن له الدقة الفائقة والتخطيط العسكري السليم واليقين القوي والحنكة والحكمة عند قادة الإسلام الفاتحين وعظمة هذا الدين العظيم الذي يفعل بصاحبه الأعاجيب. أما بالنسبة لمسألة الخلاف هذا بين عام (١٣) و (١٥) هـ. والذي أراد المستشرقون أن يجعلوه من بين نقاط الضعف في تدوين التاريخ الإسلامي وخاصة عهد الخلافة الراشدة، فإن باشميل له رأي قيم وخلاصته: أن الطبري يؤكد تكرار القتال في اليرموك قبل أجنادين ومعركة اليرموك الكبرى، وإذا كان الطبري قد بوّب لمعركة اليرموك قبل معركة أجنادين (في فلسطين) فإنه قد ذكر أثناء سياقه عن أحداث الواقعتين أن أجنادين وقعت قبل اليرموك، فأجنادين وقعت في (٢٨) من جمادى الأولى (١٣ هـ) بينما اليرموك انتهت في شهر رجب (١٣ هـ) كما يذكر الطبري نفسه فلعل التقديم والتأخير هذا خطأ فني ولعله حدث من بعض النساخ وحتى لو وقع من الطبري فهذا خطأ بسيط في تدوين التأريخ (لا يلام عليه من هو في مثل عصر الطبري)، ونحن نضيف إلى قول الأستاذ باشميل بأن نقول: ولعل الطبري أو تلاميذه ذكروا معركة اليرموك وبوّبوا لها قبل أجنادين (علمًا بأنهم ذكروا أن تأريخ أجنادين قبل اليرموك). وقال الحافظ ابن حجر: ووقعة اليرموك كانت أول خلافة عمر بين المسلمين والروم سنة ثلاث عشرة وقيل: سنة خمس عشرة ويؤيد الأول قوله في الحديث الذي بعده، لأن سن عبد الله بن الزبير كان عشر سنين (الفتح ٧/ ٣٤٩). وذلك لسبب قوي جدًّا وهو أن معركة اليرموك هي المعركة الفاصلة في فتوحات الشام فالذي ينتصر في هذه المعركة تفتح له أبواب الشام والعكس بالعكس، وكما كان خالد رضي الله عنه يدرك هذه الحقيقة ويبيّنها لقيادة أركانه وأمرائه قائلًا: (إن هذا اليوم له ما بعده) ولهذه الأهمية قدّموا ذكر اليرموك على غيرها والله أعلم. وأخيرًا وليس آخرًا فإنا (المحققان) نرى: من الراجح ما ذكره سيف في أنها كانت سنة (١٣ هـ) وإن كان سيف ضعيفًا، وذلك لسبب بسيط هو أنا لو جمعنا رواية البخاري السابقة الذكر مع رواية عبد الرزاق الصحيحة الإسناد في مصنفه لرجحت كفة رواية سيف القائلة بأنها وقعت عام (١٣ هـ) وليس (١٥ هـ). فالبخاري روى في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه: (أنه كان على فرس يوم لقي المسلمون، وأسير المسلمين يومئذ خالد بن الوليد بعثه أبو بكر فأخذه العدو، فلما هزم العدو رد خالد فرسه. والرواية الأخرى عند البخاري: أن عبدًا لابن عمر أبق فلحق بالروم =
    ج ٣ ص ١١١
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = فظهر عليه خالد بن الوليد فرده على عبد الله، وأن فرسًا لابن عمر عار فلحق بالروم فظهر عليه فرده على عبد الله) (الفتح ٦/ ٢١١). ورواية عبد الرزاق الصحيحة في مصنفه (٥/ ١٩٤) عن نافع: أن العبد الذي أبق لابن عمر كان يوم اليرموك. فحاصل الروايتين أن اليرموك كانت في عهد أبي بكر رضي الله عنه والأمير كان خالدًا يومئذ فرد ما فقده ابن عمر رضي الله عنه ومعلوم: أن سيدنا عمر قد عزل خالدًا عن إمارة الجيوش عند توليه الخلافة وانتهت إمرة خالد لتلك الجيوش (في الشام) بانتهاء معركة اليرموك. نقول قولنا هذا فإن كان صوابًا فمن الله التوفيق وإن كان خطأ فمن أنفسنا، ونستغفر الله. ٢ - نرجع إلى ذكر مآثر التأريخ الإسلامي في عهد الفتوحات المباركة فنقول وبالله التوفيق: إن هذه المعارك تبيّن بكل جلاء: أن هذه المعارك كانت معارك العقيدة وأن المجاهدين كانوا مدفوعين بدافع الإيمان. فالجهاد في سبيل الله، ولو كان في سبيل مغانم ومكاسب دنيوية؛ لقبلوا بعروض قواد الروم المغرية وأن الصحابة ومن معهم من تابعين لو وضعوا الأمور مواضع مادية وحسبوا لها بالحسابات الأرضية لكانوا هم الأخسرين في جميع المقاييس المعهودة، إلا أن العقيدة ونعني عقيدة التوحيد هي التي استقرت في قلوبهم فأذابوا الجبال وركبوا الأهوال وداسوا هيبة أكبر الجيوش النظامية وأكثرها عدة وعتادًا وإلّا قل لي بربك أين التناسب بين عددهم وعدد أعدائهم فالمسلمون لم يجاوزوا أربعين ألفًا بينما عدد الروم بين مئة وعشرين ألفًا في أدنى حد إلى ثلاثمئة ألف في أقصى حد كما ذكرت الروايات التأريخية. والروم في مملكتهم والمسلمون خارج ديارهم وأهليهم، وبينهم وبين الخلافة مفاوز وأمراء. ٣ - سر انتصار جماعة الصحابة ومن معهم في تلك المعارك هو ما ذكرته الروايات الآنفة الذكر: من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم ومن أجل أنا (أي الروم) نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض فقال: أنت صدقتني. فلتنظر الأمة اليوم في أي الجهتين تقف هي، وعندها فلتنتظر النصر الرباني {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ}. ٤ - الروايات التأريخية التي ذكرناها في قسم الصحيح تؤكد لنا بكل جلاء عظمة الإسلام المتمثلة في الرحمة والشفقة والعدالة والإحسان حتى في ساحات الوغى، وذلك واضح من خلال توصيات الصديق رضي الله عنه وهو يودع الجيوش ويعيّن الأمراء ويوجههم إلى أرض المعركة: (أوصيكم بتقوى الله، لا تعصوا، ولا تغلوا، ولا تجبنوا، ولا تهدموا بيعة، ولا تعقروا نخلًا، ولا تحرقوا زرعًا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تقتلوا شيخًا كبيرًا =
    ج ٣ ص ١١٢