ذكر استخلاف عمر بن الخطاب وعقد أبو بكر في مرضته التي توفي فيها لعمر بن الخطاب
٩ فقرات، ج ٣ ص ١٢٣
- ج ٣ ص ١٢٣
٨٤ - قال أبو جعفر: وقال الواقديّ: حدّثني إبراهيم بن أبي النّضر عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، قال: دعا أبو بكر عثمان خاليًا، فقال: اكتُب:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قُحافة إلى المسلمين، أمَّا بعد. قال: ثمّ أغمِيَ عليه، فذهب عنه، فكتب عثمان: أمَّا بعد؛ فإني قد استخلفتُ عليكم عمرَ بن الخطاب، ولم آلُكم خيرًا منه، ثم أفاق أبو بكر، فقال: اقرأ عليّ، فقرأ عليه،
ج ٣ ص ١٢٤. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٣ ص ١٢٥
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = عليها". قال: فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم انصرف لم يمكث إلا بسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} إلى قوله: {وَهُمْ فَاسِقُونَ} قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ والله ورسوله أعلم. صحيح. وأخرجه الترمذي (٣٠٩٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وعزاه المزي للنسائي، وأخرجه أحمد (١/ ١٦). ١٠ - أخرج البخاري رحمه الله رقم (٣٦٨٣): عن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب قمن فبادرن الحجاب فأذن لي رسولُ لله - صلى الله عليه وسلم - فدخل عمر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب! ". قال عمر: فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله! ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ! فقلن: نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إيهًا يا بن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًا غير فجك! ". صحيح. والحديث أخرجه مسلم (٢٣٩٦) وعزاه المزي في الأطراف للنسائي وأخرجه أحمد (١/ ١٧١ و ١٨٧) وفي فضائل الصحابة (٣٠١)، (٣٠٢) و (٣٢٦) وأبو يعلى في المسند (٢/ ١٣٢) والنسائي في فضائل الصحابة (٢٨). ١١ - أخرج البخاري رحمه الله رقم (٣٦٧٧): عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إني لواقف في قومٍ فدعوا الله لعمر بن الخطاب -وقد وضع على سريره- إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: رحمك الله، إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك لأني كنت كثيرًا ما كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كنت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر". فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما. فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب). صحيح. وأخرجه مسلم (٢٣٨٩) وابن ماجه (٩٨) والنسائي في فضائل الصحابة (١٤) وأحمد (١/ ٣١٢) وفي فضائل الصحابة (٣٢٧). ١٢ - أخرج البخاري رحمه الله رقم (٣٦٨٤): حدثنا قيس قال: قال عبد الله: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر). صحيح. وأخرجه أحمد في (فضائل الصحابة ٣٦٨)، (٣٧٢) وابن سعد في الطبقات (٣/ ١ / ١٩٣) وابن أبي شيبة في المصنف (١٢٠٢٢). ١٣ - أخرج البخاري رقم (٤٦٤٢): عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم عيينة بن حصن بن حذيفة فنزل على ابن أخيه الحرّ بن قيس وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان =
- ج ٣ ص ١٢٦
فكبَّر أبو بكر، وقال: أراك خِفْتَ أن يختلف الناس إن افتُلتتْ نفسي في غَشيتي! قال: نعم، قال: جزاك الله خيرًا عن الإسلام وأهله، وأقرّها أبو بكر رضي الله عنه من هذا الموضع (١) . (٣: ٤٢٩) .
- (١)إسناده ضعيف إلّا أن متنه صحيح. ١ - والحديث أخرجه البيهقي (مع اختلاف بسيط) في السنن الكبرى (٨/ ١٤٩) باب الاستخلاف بسند فيه انقطاع من طريق يوسف بن محمد يقول: بلغني أن أبا بكر أوصى في مرضه فقال لعثمان. . . إلخ. ٢ - ولكن قال البيهقي (ورواه) محمد بن عبد الرحمن بن المجبر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة موصولًا. ٣ - وأخرج أبو الهلال العسكري قال: أخبرنا أبو القاسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال: لما استقر بأبي بكر الوجع أرسل إلى علي وعثمان ورجال من المهاجرين والأنصار فقال: قد حضر ما ترون ولا من قائم يأمركم فإن شئتم اخترتم لأنفسكم وإن شئتم اخترت لكم، قالوا: بل اختر لنا، فقال لعثمان: اكتب؛ هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها وأول عهده بالآخرة داخلًا فيها حيث يتوب الفاجر ويؤمن الكافر ويصدق الكاذب؛ عهد وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وقد استخلف -ثم رهقته غشية- فكتب عثمان عمر بن الخطاب فلما أفاق قال: أكتبت شيئًا؟ قال: نعم كتبت عمر بن الخطاب فقال: رحمك الله أما أنك لو كتبت لنفسك لكنت لها أهلًا فاكتب قد استخلفت عمر بن الخطاب بعدي ورضيته لكم. . . إلخ (الأوائل / ١٤٨) وهذا إسناد معضل كما ترى. ٤ - وأخرج ابن سعد في طبقاته قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي قال أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: أطفنا بغرفة أبي بكر الصديق في مرضته التي قبض فيها قال: فقلنا: كيف أصبح أو كيف أمسى خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: فاطلع علينا اطلاعة، فقال: ألستم ترضون بما أصنع؟ قلنا: بلى قد رضينا قال: وكانت عائشة هي تمرّضه قال: فقال: أما إني قد كنت حريصًا على أن أوقد للمسلمين فيئهم مع أني قد أصبت من اللحم واللبن فانظروا إذا رجعتم مني فانظروا ما كان عندنا فأبلغوه عمر: قال: فذاك حيث عرفوا أنه استخلف عمر = = قال وما كان عنده دينار ولا درهم، ما كان إلّا خادم ولقحة ومحلب، فلما رأى ذلك عمر يُحْمل إليه قال: يرحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده (الطبقات الكبرى ٣/ ١٩٢). قلنا: وهذا إسناده صحيح. ٥ - وأخرج ابن سعد في طبقاته قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال أخبرنا حماد بن مسلمة عن ثابت عن سمية عن عائشة أن أبا بكر قال لها: يا عائشة ما عندي من قال إلّا لقحة وقدح فإذا أنا مِتُّ فاذهبوا بهما إلى عمر. فلما مات ذهبوا بها إلى عمر فقال: يرحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده (الطبقات الكبرى ٣/ ١٩٣). وهذا إسناد صحيح وإن كان في حفظ حماد مقال إلّا أنه من أثبت الناس في ثابت ولذا أخرج له مسلم في صحيحه عن ثابت والله تعالى أعلم. ٦ - وأخرج ابن سعد في طبقاته كذلك أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله بن نمير قالا: أخبرنا الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي (الطبقات ٣/ ١٩٢). ورجال هذا الإسناد ثقات وإن كان الأعمش مدلسًا فيشهد له ما ذكرنا قبله من الروايات الصحيحة.
- ج ٣ ص ١٢٧
٨٥ - قال أبو جعفر: وكان أبو بكر قبل أن يشتغل بأمور المسلمين تاجرًا، وكان منزله بالسُّنْح، ثم تحوّل إلى المدينة. فحدّثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مَرْوان بن أبي سعيد بن المعلَّى، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب قال: وأخبرنا مُوسى بن محمَّد بن إبراهيم عن أبيه، عن عبد الرحمن بن صبيحة التميميّ، عن أبيه، قال: وأخبرَنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: وأخبَرنا محمد بن عبد الله عن الزهريّ، عن عُرْوة، عن عائشة، قال: وأخبرنا أبو قُدامة عُثْمان بن محمد عن أبي وَجْزة، عن أبيه؛ قال: وغير هؤلاء أيضًا قد حدّثني ببعضه، فدخلَ حديثُ بعضهم في حديث بعض، قالوا: قالت عائشةُ: كان منزل أبي بالسُّنْح عند زوْجته حَبيبة بنة خارجة بن زيد بن أبي زُهير من بني الحارث بن الخزرج، وكان قد حجَّر عليه حُجرة من سَعَف؛ فما زادَ على ذلك حتى تحوّل إلى منزله بالمدينة؛ فأقام هنالك بالسُّنْح بعد ما بويع له ستَّة أشهر، يغدُو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب على فرس له، وعليه إزار ورِداء ممشَّق، فيوافِي المدينةَ فيصلي الصَّلَواتِ بالنَّاس، فإذا صلَّى العشاء؛ رجع إلى أهله بالسُّنْح؛ فكان إذا حَضر صلَّى بالناس وإذا لم يحضر صلَّى بهم عمر بن
ج ٣ ص ١٢٨الخطاب. قال: فكان يُقيم يوم الجمعة صدرَ النَّهار بالسُّنح يصبغ رأسه ولحيته ثم يروح لقَدَر الجمعة، فيُجمِّع بالنَّاس. وكان رجلًا تاجرًا، فكان يغدُو كلّ يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع؛ وكانت له قطعة غنم تروحُ عليه؛ وربَّما خرج هو بنفسه فيها؛ وربما كُفِيَهَا فرُعيت له، وكان يحلب للحيّ أغنامَهم، فلمَّا بويع له بالخلافة قالتْ جارية من الحيّ: الآن لا تُحْلبُ لنا منائحُ دارنا، فسمعها أبو بكر، فقال: بلَى لعمري لأحلبنّها لكم؛ وإني لأرجو ألّا يغيِّرني ما دخلت فيه عن خُلق كنت عليه. فكان يحلُب لهم، فربما قال للجارية من الحيّ: يا جارية! أتحبّين أن أرعَى لك، أو أصرِّح؟ فربما قالت: ارْعَ، وربما قالت: صرّح؛ فأيّ ذلك قالتْه فعل؛ فمكث كذلك بالسُّنْح ستَّة أشهر؛ ثم نزل إلى المدينة، فأقام بها، ونَظَر في أمرِه، فقال: لا والله، ما تصلِح أمور الناس التِّجارة، وما يصلِحُهم إلّا التفرُّغ لهم والنَّظر في شأنهم، ولا بدّ لعيالي مما يُصلِحُهم. فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يُصلِحُه ويُصْلح عياله يومًا بيوم، ويحجّ ويعتمر. وكان الذي فرضوا له في كلّ سنة ستَّة آلاف درهم؛ فلما حضرتْه الوفاة، قال: ردُّوا ما عندَنا من مال المسلمين؛ فإني لا أصيبُ من هذا المال شيئًا، وإنّ أرضي الَّتي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم؛ فدفع ذلك إلى عمر، ولقوحًا وعبدًا صَيقلًا، وقطيفة ما تُساوي خمسة دراهم؛ فقال عمر: لقد أتعب مَن بعده (١) . (٣: ٤٣١/ ٤٣٢ / ٤٣٣) .
- (١)إسناده ضعيف فهو من طريق الواقدي ولبعضه ما يشهد له كما سنذكر بعد قليل ولقد أخرج الطبري بعضه فيما سبق عند حديثه عن أبي بكر رضي الله عنه وصفاته وعلّقنا على تلك الروايات في حينها.
-
٨٦ - وقال عليّ بن محمد -فيما حدّثني أبو زيد عنه في حديثه عن القوم الذين ذكرتُ روايته عنهم- قال أبو بكر: انظروا كم أنفقت منذ وُلِّيتُ من بيت المال فاقضوه عنِّي. فوجدوا مبلَغه ثمانية آلاف درهم في ولايته (٢) . (٣: ٤٣٣) .
- (٢)إسناده ضعيف وسنذكر ما يؤيد هذه الرواية وما قبلها فنقول وبالله التوفيق: ١ - أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ١٩٣) أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن عون عن محمد قال: توفي أبو بكر الصديق وعليه ستة آلاف كان قد أخذها من بيت المال فلما حضرته الوفاة قال: إن عمر لم يدعني حتى أصبت من بيت المال ستة آلاف درهم وإن حائطي الذي بمكان كذا وكذا فيها فلما توفي ذكر ذلك لعمر فقال: يرحم الله أبا بكر لقد أحبَّ. = = أن لا يدع لأحد بعد مقالًا وأنا ولي الأمر من بعده وقد رددتها عليكم. اهـ. وإسناده صحيح إلى ابن سيرين. وكذلك سبق أن ذكرنا قبل قليل رواية ابن سعد في طبقاته (٣/ ١٩٢) من حديث أنس رضي الله عنه وفي آخرها وما كان عنده دينار ولا درهم، ما كان إلّا خادم ولقحة ومحلب، فلما رأى ذلك عمر يُحمل إليه قال: يرحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده. ا. هـ. وكذلك ذكرنا آنفًا رواية ابن سعد الأخرى (٣/ ١٩٣) من طريق عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر قال لعائشة: ما عندي من مالٍ إلا لقحة وقدح فإذا أنا متُّ فاذهبوا بهما إلى عمر. . . إلخ.
- ج ٣ ص ١٢٩
٨٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حَدّثنا سَلمة عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن القاسم بن محمد، عن أسماءَ بنة عُمَيس، قالت: دخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر، فقال: استخلفتَ على الناس عُمر، وقد رأيتَ ما يلقى الناس منه وأنت معه؛ فكيف به إذا خلا بهم! وأنت لاقٍ ربَّك فسائلك عن رعيَّتك؟ ! فقال أبو بكر - وكان مضطجعًا: أجلسوني، فأجلسوه، فقال لطلحة: أبالله تفرّقني؟ ! -أو أبالله تخوّفني؟ ! - إذا لقيت الله ربِّي فساءلني قلت: استخلفتُ على أهلِك خيرَ أهلك (١) . (٣: ٤٣٣) .
- (١)إسناده ضعيف ومتنه صحيح كما سنذكر بعد الرواية التالية.
-
٨٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحصين بمثل ذلك (٢) (٣: ٤٣٣) .
- (٢)إسناده ضعيف وسنذكر ما يؤيده: ١ - أخرج البيهقي (٨/ ١٤٩) باب الاستخلاف: أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنبأ أبو جعفر محمد بن عمرو الرزاز ثنا الحسن بن مكرم ثنا سعيد بن عامر ثنا صالح بن رستم أبو عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة قال: قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لما ثقل أبي دخل عليه فلان وفلان فقالوا: يا خليفة رسول الله ماذا تقول لربك غدًا إذا قدمت عليه وقد استخلفت علينا ابن الخطاب؟ ! قال: فأجلساه فقال: أبالله ترهبوني؟ ! أقول: استخلفت عليهم خيرهم. اهـ. قلنا: وفي إسناده صالح بن رستم (أبو عامر الخزاز) ضعفه ابن معين وابن أبي حاتم ولكن وثقه أبو داود الطياليسي والعجلي وقال أحمد: صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحافظ ابن عدي: عزيز الحديث ولعل جميع ما أسنده خمسون حديثًا وقد روى عنه يحيى القطان مع شدة استقصائه. وهو عندي لا بأس به ولم أر له حديثًا منكرًا (راجع تهذيب الكمال ٣/ ٤٧ / ت ٢٨١٢) و (الكامل لابن عدي ٤/ ٧٢ / ت ٩٢٢) وأخرج له مسلم والأربعة ووثقه البزار (راجع تهذيب التهذيب ٤/ ٣٩١) وقال الحافظ في التقريب: صدوق كثير الخطأ = = وسكت المحرران عن قول الحافظ هذا (تحرير التقريب ٢/ ٢٨٦١) وكان الأولى أن يقولا: صدوق والله تعالى أعلم فإسناد البيهقي حسن والله أعلم. ٢ - وأخرج ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٧٤) قال: أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل قال أخبرنا عبيد الله بن أبي زياد عن يوسف بن ماهك عن عائشة قالت: لما حضرت أبا بكر الوفاة استخلف عمر فدخل عليه علي وطلحة فقالا: من استخلفت؟ قال: عمر. قالا: فماذا أنت قائل لربك؟ ! قال: أبالله تفرقاني؟ ! لأنا أعلم بالله وبعمر منكما، أقول: استخلفت عليهم خير أهلك. وفي إسناده عبيد الله بن أبي زياد. قال الحافظ: ليس بقوي. فعقب المحرران (شعيب وبشار) بقولهما: بل ضعيف يعتبر به (تحرير التقريب ٢/ ٤٢٩٢) وهو كما قالا. فهذه الرواية تتقوى بالتي قبلها وخلاصة القول أن الأسانيد الثلاثة لهذه الرواية (طريق ابن إسحاق عند الطبري، وطريق الضحاك بن مخلد عند ابن سعد، وطريق ابن أبي مليكة عند البيهقي) تجعل الرواية ترقى إلى درجة الحسن بمجموع طرقه وإن كنا نرى رواية البيهقي (من طريق صالح بن رستم) حسنة لثقتها والله تعالى أعلم.
- ج ٣ ص ١٣٠
٨٩ - قال أبو جعفر: قد تقدّم ذكرنا وقت عقد أبي بكر لعُمر بن الخطاب الخلافة، ووقت وفاة أبي بكر، وأنّ عمر صلَّى عليه، وأنه دفن ليلةَ وفاته قبل أن يُصْبح الناس، فأصبح عمر صبيحةَ تلك الليلة، فكان أوّل ما عمل وقال -فيما ذُكِر- ما حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عيّاش عن الأعمش، عن جامع بن شدّاد، عن أبيه؛ قال: لمَّا استُخلِف عمر صعِد المنبر، فقال: إني قائل كلمات فأمِّنوا عليهنّ، فكان أوّل منطق نطق به حين استُخلِف (١) . (٣: ٤٣٣) .
- (١)رجاله ثقات ولكن الأعمش مدلّس وقد عنعن هنا ولم يصرح بالتحديث، فقد أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى (٣/ ٢٧٤) أخبرنا معاوية الضرير عن الأعمش عن جامع بن شداد عن أبيه قال: كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللهم إني شديد فليّني وإني ضعيف فقوّني وإني بخيل فسخّني. وأخرج ابن سعد كذلك قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: أخبرنا شعبة عن جامع بن شداد عن ذي قرابة له قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ثلاث كلمات إذا قلتها فأمِّنوا عليها: اللهم إني ضعيف فقوّني، اللهم إني غليظ فلينّي اللهم إني بخيل فسخّني (الطبقات الكبرى ٣/ ٢٧٥) ولقد علمنا من الروايتين السابقتين أن (ذي قرابة له) هو أبوه فالإسناد صحيح بمجموع طرقه والله تعالى أعلم.
-
٩٠ - حدَّثنا عمر، قال: حدّثني عليّ عن عيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان، قال: كان أوّل كتاب كتبه عمر حين وُلِّي إلى أبي عبيدة يولِّيه على جند
ج ٣ ص ١٣١خالد: أوصيك بتقوى الله الذي يبقَى ويفنَى ما سواه؛ الذي هدانا من الضّلالة، وأخرجَنا من الظُّلمات إلى النور. وقد استعملتك على جُنْد خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحقّ عليك، لا تُقدِّم المسلمين إلى هَلَكة رجاء غنيمة؛ ولا تُنزلهم منزلًا قبل أن تستريده لهم؛ وتعلمَ كيف مأتاه؛ ولا تبعث سريّة إلا في كَثْف من الناس؛ وإيّاك وإلقاء المسلمين في الهلَكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك؛ فغمِّضْ بَصَرك عن الدنيا، وألْه قلبك عنها؛ وإيّاك أن تُهلِكَك كما أهلكتْ مَن كان قبلك، فقد رأيتَ مصارعَهم (١) . (٣: ٤٣٤) .
- (١)في إسناده عيسى بن يزيد ولم يبين الطبري اسمه بالكامل أو لقبه وأغلب الظن أنه عيسى بن يزيد بن داب الليثي فهو الذي يروي عن صالح بن كيسان ويروي عنه حكام قال البخاري وغيره: منكر الحديث، وإن كان بعض علماء الجرح والتعديل يرونه منكر الحديث ولكنه خبير بالتأريخ كما قال ابن حجر: كان أخباريًا علامة نسابة لكن حديثه واه. (لسان الميزان ٥/ ٣٩٣ / ت ٦٥١٠). وقال الخطيب: كان عالمًا بأيام الناس حافظًا للسير (تأريخ بغداد ١١/ ١٤٨ / ت ٥٨٤٥) وروايته هذه رواية تأريخ وليست برواية حديث ولذلك بحثنا في الروايات التأريخية الصحيحة عن ما يؤيده، فأما عزله لخالد وتأميره لأبي عبيدة على قيادة الجيش فذلك ما اتفق عليه المؤرخون كما سبق أن ناقشنا، وأما كون أول كتاب كتبه هو إلى أبي عبيدة فلم نجد نصًّا تأريخيًا صحيحًا وصريحًا يؤكد ذلك، إلّا أننا نستطيع أن نقول بأن كتابه إلى أبي عبيدة كان من أوائل ما كتب رضي الله عنه فمعركة اليرموك كانت في السنة الأولى أو الثانية من خلافته، وقد أرسل رضي الله عنه كتابًا إلى أبي عبيدة وبقية القادة يذكرهم بتقوى الله كما ذكرنا قبل وسنعيد الاستشهاد به هنا: فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده (١ / ح ٣٤٤ طبعة شاكر) عن سماك قال: سمعت عياضًا الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد وعياض -وليس عياض هذا بالذي حدث سماكًا- قال: وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة. قال: فكتبنا إليه أن قد جاش إلينا الموت أو استمددناه. فكتب إلينا: أنه قد جاءني كتابكم تستمدوني وإني أدلكم على من هو أعز نصرًا وأحضر جندًا؛ الله عزَّ وجلَّ، فاستغفروه فإن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد نصر يوم بدرٍ في أقلّ من عددكم فإذا أتاكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني قال: فقاتلناهم فهزمناهم. وصحح العلامة شاكر إسناده والله تعالى أعلم.