ذكر غزوة فحل وفتح دمشق

٧ فقرات، ج ٣ ص ١٣١

  1. ٩٠ / أ- حدّثني عمر عن عليّ بن محمد بإسناده، عن النّفر الذين ذكرت

    ج ٣ ص ١٣٢روايتَهم عنهم في أول ذكري أمرَ أبي بكر: أنَّهم قالوا: قدِم بوفاة أبي بكر إلى الشأم شدّاد بن أوْس بن ثابت الأنصاريّ ومَحْمِيَة بن جَزْء، ويَرْفأ، فكتموا الخبرَ الناس حتى ظفر المسلمون -وكانوا بالياقوصة يقاتلون عدوَّهم من الروم؛ وذلك في رجب- فأخبروا أبا عبيدة بوفاة أبي بكر وولايته حَرْب الشأم، وضمّ عمر إليه الأمراءَ، وعزلِ خالد بن الوليد (١) . (٣: ٤٣٤) .

    1. (١)لقد مضى الكلام عن عزل خالدٍ عن إمرة الجيش وإسناد القيادة لأبي عبيدة ووصول الخبر إلى المسلمين وهم في الياقوصة، وسنتحدث مرة أخرى وبالتفصيل عن هذا العزل ودواعيه وسنرد على شبهات المستشرقين وسنحاول الجمع بين الروايات التاريخية المتعارضة في هذا العزل إن شاء الله تعالى بعد قليل.
    ج ٣ ص ١٣١
  2. ٩١ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، قال: لما فرغ المسلمون من أجنَادين ساروا إلى فِحْل من أرض الأردنّ؛ وقد اجتمعت فيها رافضة الروم، والمسلمون على أمرائهم وخالد على مقدّمة الناس. فلمَّا نزلت الروم بيسان بثقوا أنهارها؛ وهي أرض سَبْخة، فكانت وحلًا، ونزلوا فِحْلًا -وبيسانُ بين فلسطين وبين الأردن- فلما غشيَها المسلمون ولم يعلموا بما صنعت الرومِ، وحلت خيولُهم، ولقوا فيها عَناءً، ثم سلَّمهم الله -وسميت بَيسان ذات الرَّدغَة لما لقي المسلمون فيها- ثم نهضوا إلى الروم وهم بفِحْل؛ فاقتتلوا فهُزمت الروم، ودخل المسلمون فِحْلًا ولحقت رافضة الروم بدمشق؛ فكانت فِحْل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة، على ستّة أشهر من خلافة عمر. وأقام تلك الحجَّة للناس عبد الرحمن بن عوف. ثم ساروا إلى دمشق وخالد على مقدّمة الناس؛ وقد اجتمعت الروم إلى رجل منهم يقال له: باهان بدمشق -وقد كان عمر عزلَ خالدَ بن الوليد واستعمل أبا عبيدة على جميع الناس- فالتقى المسلمون والروم فيما حول دمشق، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم هزم الله الرّومَ، وأصاب منهم المسلمون، ودخلت الروم دمشق؛ فغلَّقوا أبوابَها وجَثم المسلمون عليها فرابطوها حتى فُتحت دمشق، وأعطوا الجزية، وقد قدم الكتاب على أبي عبيدة بإمارته وعزل خالد، فاستحيا أبو عبيدة أن يقرئ خالدًا الكتاب حتى فتحت دمشق، وجرى الصُّلْح على يدي خالد، وكتب الكتاب باسمه. فلما صالحت دمشق لحِق باهان -صاحب الروم الّذي قاتل المسلمين- بهرقل. وكان فتح دمشق

    ج ٣ ص ١٣٣في سنة أربع عشرة في رجب، وأظهر أبو عبيدة إمارتَه وعَزْلَ خالد؛ وقد كان المسلمون التقوْا هم والرّوم ببلد يقال له: عين فِحْل بين فلسطين والأردنّ، فاقتتلوا به قتالًا شديدًا، ثمّ لحقت الروم بدمشق (١) . (٣: ٤٣٤/ ٤٣٥) .

    1. (١)إسناده ضعيف ويشهد لأصله ما أخرجه خليفة بن خياط فحدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده قال: كان خالد على الناس فصالحهم، فلم يفرغ من الصلح حتى عزل وولي أبو عبيدة فأمضى أبو عبيدة صلح خالد ولم يغيّر الكتاب والكتاب عندهم باسم خالد. وهذا إسناد صحيح ولكن خليفة لم يقبله لأن في متنه غرابة ظاهرة فقال رحمه الله: هذا غلط لأن عمر عزل خالدًا حين ولي. قلنا: ولا نرى غرابة في توقيت هذا العزل لأن العزل كان على مرحلتين (حسب استنباطنا من الروايات التأريخية في هذه المسألة) أي أن العزل الأول لخالد كان من القيادة العامة للجيش (أو ما يسمى بهيئة الأركان)، أما الثاني والذي نفذه أبو عبيدة بعد فتح دمشق كان عزلًا لخالد حتى من قيادته كجناح من أجنحة الجيش والله أعلم. وإلى هذا الرأي ذهب كذلك الأستاذ الفاضل باشميل وإن لم يقدم دليلًا على ذلك. ويؤيد ما نذهب إليه والله أعلم حديثًا رواه الإمام أحمد في مسنده يؤكد أن خالدًا كان أميرًا يوم اليرموك مع بقية القادة كأبي عبيدة وغيره ومعلوم أن اليرموك كانت بعد تولي عمر الخلافة بمدة ولم تكن متزامنة بعد توليه الخلافة فيتقوى قولنا في أنه عزله مرتين مرة عند توليه الخلافة إذ عزله من قيادة هيئة الأركان (أو كما تسميه الروايات إمرة جميع الجند) والثانية خلال معركة اليرموك وهذه كانت عن إمارة جناح من أجنحة الجيش وأبلغه أبو عبيدة بخبر العزل بعد انتهاء المعركة. أخرج أحمد في مسنده (١ / ح ٣٤٤ طبعة شاكر) عن سماك قال: سمعت عياضًا الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد وعياض وليس عياض هذا بالذي حدث سماك. . . إلخ الحديث. وصحح العلامة شاكر إسناده وإن كان ترجيحنا هذا لا ينفي قوة الرأي المقابل فللحديث وجه آخر يستدل به على أن عمرًا رضي الله عنه عزل خالدًا عن القيادة العامة للجيش عند اليرموك. إذ جاء في تكملة الحديث الآنف الذكر: وقال عمر: إن كان قتال فعليكم أبو عبيدة (مسند أحمد ١ / ح ٣٤٤). وهذا الحديث يؤيد روايات سيف الضعيفة المسند التي ذكرت أن خالدًا سار مددًا إلى جيوش الشام بأمر أبي بكر الذي لم يعينه قائدًا عامًا لهم وإنما كان ذلك عن تشاور منهم (الأمراء الخمسة) فجاء أمر عمر بعزله. وخليفة يرى أن خالدًا لم يصالحهم وإنما فتح الباب الذي كان عليه عنوة وهو الباب الشرقي (كما عند غير خليفة) أما باب الجابية فقد فتحه أبو عبيدة صلحًا إذ قال خليفة [سنة أربع عشرة (فتح دمشق)] فيها فتحت دمشق: سار أبو عبيدة بن الجراح ومعه خالد بن الوليد فحاصرهم = = فصالحوه وفتحوا له باب الجابية وفتح خالد أحد الأبواب عنوة وأتم لهم أبو عبيدة الصلح (تأريخ خليفة / ١٢٥). ورواية ابن إسحاق الضعيفة هذه تبيّن أن فتح دمشق كان بعد فِحْل وهذا الذي رجحه غير واحد من أئمة التأريخ على ما رواه سيف من أن فتح دمشق كان قبل وقعة فحل وسنرجع إلى الحديث عن ذلك بعد الرواية التالية.
  3. خبر دمشق من رواية سيف:
  4. ٩٢ - كتب إليَّ السّريُّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة؛ قالا: لما هزم الله جُنْد اليَرْموك، وتهافت أهلُ الواقوصة، وفُرغ من المقاسم والأنفال، وبُعِث بالأخماس، وسُرّحت الوفود، استخلف أبو عبيدة على اليَرموك بشير بن كعب بن أبَى الحِمْيَريّ كَيلا يُغتال بردّةٍ؛ ولا تقطع الرُّوم على موادّه، وخرج أبو عبيدة حتى ينزل بالصُّفَّر؛ وهو يريد اتباع الفالة؛ ولا يدري يجتمعون أو يفترقون؛ فأتاه الخبر بأنَّهم أرَزوا إلى فِحْل، وأتاه الخبر بأن المدد قد أتى أهل دمشق من حِمص، فهو لا يدري أبدمشق يبدأ أم بفِحْل من بلاد الأردنّ. فكتب في ذلك إلى عمر، وانتظر الجواب، وأقام بالصّفَّر، فلمَّا جاء عمرَ فتحُ اليرموك أقرّ الأمراء على ما كان استعملهم عليه أبو بكر إلّا ما كان من عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، فإنه ضمّ خالدًا إلى أبي عبيدة، وأمر عمرًا بمعونة الناس؛ حتى يصير الحرب إلى فِلَسطين، ثم يتولَّى حربَها. (٣: ٤٣٦) .

  5. ٩٢ / أ- رجع الحديث إلى حديث سيف عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة، قالا: ولمَّا جاء عمرَ الكتاب عن أبي عُبيدة بالذي ينبغي أن يبدأ به كتب إليه: أمَّا بعد؛ فابدؤوا بدمشق، فانْهَدوا لها، فإنَّها حِصن الشأم وبيت مملكتهم، واشغلوا عنكم أهلَ فِحْل بخيل تكون بإزائهم في نحورهم وأهلَ فلسطين وأهل حِمْص؛ فإن فتحها الله قبل دمشق فذَاك الَّذي نحبّ، وإن تأخَّر فتحُها حتى يفتح الله دمشق فلينزل بدمشق مَن يمسك بها، ودعوها، وانطلق أنت وسائر الأمراء حتى تُغيروا على فِحْل، فإن فتح الله عليكم؛ فانصرف أنت وخالد إلى حِمْص، ودَعْ شُرَحْبيل وعمرًا وأخلِهما بالأردنّ وفلسطين، وأميرُ كلّ بلد وجُنْد على الناس حتى يخرجوا من إمارته. فسرّح أبو عبيدة إلى فِحْل عشرة قُوّاد: أبا الأعور السُّلَميّ، وعبدَ عمرو بن يزيد بن عامر الجُرَشيّ، وعامرَ بن حَثْمة، وعمرو بن كُليب من يَحْصُب، وعُمَارة بن الصَّعِق بن كعب، وصَيفيَّ بن عُلْبة بن شامل، وعمرَو بن

    ج ٣ ص ١٣٥الحبيب بن عمرو، ولبدة بن عامر بن خَثْعمة، وبِشْرَ بن عصْمة، وعُمارة بن مُخش قائد الناس؛ ومع كلّ رجل خمسة قوّاد؛ وكانت الرؤساء تكون من الصحابة حتى لا يجدوا مَن يحتمل ذلك منهم، فساروا من الصُّفَّر حتَّى نزلوا قريبًا من فِحْل، فلمَّا رأت الرُّوم: أنّ الجنود تريدهم، بثقُوا المياه حوْلَ فِحْل، فأردِغتْ الأرض، ثم وحلَت، واغتمّ المسلمون من ذلك، فحبسوا عن المسلمين بها ثمانين ألف فارس. وكان أوّلَ محصور بالشأم أهل فِحْل، ثم أهل دمشق. وبعث أبو عبيدة ذا الكَلاع حتَّى كان بين دمشق وحِمْص ردءًا. وبعث عَلْقمة بن حكيم ومَسْروقًا فكانا بين دمشق وفلَسطين، والأمير يزيد. ففصَل، وفصَل بأبي عبيدة من المرْج؛ وقدّم خالد بن الوليد، وعلى مجنّبَتيه عمرو وأبو عبيدة وعلى الخيل عياض، وعلى الرَّجْل شُرَحبيل، فقدِموا على دمشق، وعليهم نسطاس بن نُسْطُورس؛ فحصَروا أهلَ دمشق، ونزلوا حواليها، فكان أبو عبيدة على ناحية، وعمرو على ناحية، ويزيد على ناحية، وهِرَقل يومئذ بحِمْص، ومدينة حِمْص بينه وبينهم. فحاصروا أهلَ دمشق نحوًا من سبعين ليلة حِصارًا شديدًا بالزُّحوف والتَّرامِي والمجانيق؛ وهم معتصمون بالمدينة يرجون الغِياث، وهِرَقل منهم قريب وقد استمدّوه. وذو الكَلاع بين المسلمين وبين حِمْص على رأس ليلة من دمشق؛ كأنه يريد حِمْص، وجاءت خيولُ هِرقل مغيثةً لأهل دمشق، فأشجتْها الخيول الَّتي مع ذي الكَلاع، وشغلتها عن النَّاس، فأرَزوا، ونزَلوا بإزائه، وأهلُ دمشق على حالهم.

  6. فلمَّا أيقن أهلُ دمشق: أن الأمداد لا تصلُ إليهم فشلوا ووَهنوا وأبلسوا وازداد المسلمون طمعًا فيهم؛ وقد كانوا يروْن أنَّها كالغارات قبل ذلك، إذا هجم البرد قفَل الناس، فسقط النَّجم والقوم مقيمون، فعند ذلك انقطع رجاؤهم، وندِموا على دخول دمشق، ووُلد للبِطريق الَّذي دخل على أهل دمشق مولودٌ؛ فصنع عليه، فأكل القوم وشربوا، وغفلوا عن مواقفهم، ولا يشعر بذلك أحدٌ من المسلمين إلا ما كان من خالد، فإنه كان لا ينام ولا يُنيم، ولا يخفى عليه من أمورهم شيء؛ عيونُه ذاكية وهو معنيٌّ بما يليه، قد اتَّخذ حبالًا كهيئة السلاليم وأوْهاقًا، فلمَّا أمسى من ذلك اليوم نَهَد ومَنْ معه من جنده الذين قدم بهم عليهم، وتقدّمهم هو والقعقاع بن عمرو، ومذعور بن عديّ، وأمثاله من

    ج ٣ ص ١٣٦أصحابه في أول يومه، وقالوا: إذا سمعتم تكبيرَنا على السّور فارقَوْا إلينا، وانْهدوا للباب. فلما انتهى إلى الباب الذي يَليه هو وأصحابه المتقدّمون رَمَوْا بالحبال الشُّرَف وعلى ظهورهم القِرَب التي قطعوا بها خندقهم. فلمَّا ثبت لهم وَهَقان تسلَّق فيهما القعقاع ومذعور، ثم لم يدعا أحبولةً إلّا أثبتاها -والأوْهاق بالشُرَف- وكان المكان الذي اقتحموا منه أحصن مكان يحيط بدمشق، أكثرَه ماءً، وأشدّه مدخلًا، وتوافوا لذلك، فلم يبقَ ممّن دخل معه أحدٌ إلا رقى أو دنا من الباب؛ حتى إذا استَووْا على السُّور حَدَر عامَّة أصحابه، وانحدَر معهم؛ وخلَّف مَنْ يحمي ذلك المكان لمن يرتقي، وأمرهم بالتَّكبير، فكبَّر الذين على رأس السور، فنهَد المسلمون إلى الباب، ومال إلى الحِبال بشَرٌ كثير، فوثَبُوا فيها، وانتهى خالد إلى أوّل مَن يليه فأنامهم، وانحدر إلِي الباب، فقتل البوّابين، وثار أهلُ المدينة، وفرخ سائر الناس؛ فأخذوا مواقفهم، ولا يدرون ما الشأن! وتشاغل أهلُ كلّ ناحية بما يليهم، وقطع خالد بن الوليد ومن معه أغلاق الباب بالسيوف، وفتحوا للمسلمين، فأقبلوا عليهم مِن داخل، حتَّى ما بقيَ ممَّا يلي باب خالد مقاتل إلا أنيم. ولما شدّ خالد على من يليه؛ وبلغ منهم الذي أراد عَنْوة أرَزَ من أفلت إلى أهل الأبواب التي تَلِي غيرَه؛ وقد كان المسلمون دَعَوْهم إلى المشاطرة فأبوا وأبعدوا، فلم يفجأهم إلّا وهم يَبُوحون لهم بالصُّلح، فأجابوهم وقبلوا منهم، وفتحوا لهم الأبواب، وقالوا: ادخلوا وامنعونَا من أهلِ ذلك الباب. فدخل أهلُ كلّ باب بصلح ممَّا يليهم، ودخل خالد مما يليه عَنْوة، فالتقى خالد والقوّاد في وسطها؛ هذا استعراضًا وانتهابًا، وهذا صلحًا وتسكينًا؛ فأجْرَوا ناحيةَ خالد مُجْرَى الصّلح، فصار صلْحًا، وكان صلح دمشق على المقاسمة، الدينار والعقار، ودينارٌ عن كل رأس، فاقتسموا الأسلاب؛ فكان أصحاب خالد فيها كأصحاب سائر القوّاد، وجَرَى على الديار ومَنْ بقي في الصّلح جَريب من كلّ جَريب أرض؛ ووَقف ما كان للملوك ومَن صوّب معهم فَيئًا، وقسموا لذي الكَلاع ومَن معه، ولأبي الأعور ومَن معه، ولبشير ومَن معه، وبعثوا بالبِشارة إلى عمر، وقدم على أبي عبيدة كتاب عمر؛ بأن اصرِف جند العراق إلى العراق، وأمرهم بالحثّ إلى سعد بن مالك، فأمَّر على جُند العراق هاشم بن عُتْبة، وعلى مقدّمته القعقاع بن عمرو، وعلى مجنَّبَتيه عمرو بن مالك الزُّهري ورِبْعيّ بن عامر، وضربوا بعد دمشق نحو سعد، فخرج

    ج ٣ ص ١٣٧هاشم نحو العراق في جُنْد العراق؛ وخرج القوّاد نحو فِحْل وأصحاب هاشم عشرة آلاف إلّا من أصيب منهم، فأتمّوهم بأناس ممّن لم يكن منهم؛ ومنهم قيس والأشتر، وخرج علقمة ومسروق إلى إيلياءَ، فنزلا على طريقها، وبقي بدمشق مع يزيد بن أبي سفيان من قوّاد أهلِ اليمن عددٌ؛ منهم عمرو بن شِمْر بن غزيَّة، وسَهْم بن المسافر بن هَزْمة، ومشافع بن عبد الله بن شافع. وبعث يزيد دحْية بن خليفة الكلبيّ في خيل بعد ما فتح دمشق إلى تَدْمُر، وأبا الزهراء القُشَيريّ إِلى البَثَنِيَّة، وحَوْران، فصالحوهما على صلح دمشق، ووليَا القيام على فتْح ما بُعثا إليه (١) . (٣: ٤٣٧/ ٤٣٦ / ٤٣٨/ ٤٣٩ / ٤٤٠) .

    1. (١)١ - أخرج البلاذري في (فتوح البلدان / ١٦٩) حدثني القاسم بن سلّام قال: حدثنا أبو مسهر عن يحيى بن حمزة عن أبي المهلب الصغاني عن أبي الأشعث الصغاني أو أبي عثمان الصغاني أن أبا عبيدة أقام بباب الجابية محاصرًا لهم أربعة أشهر. ٢ - أما ابن عساكر فقد أخرج عن أبي عثمان الصغاني هذا قوله: حاصرنا دمشق فنزل يزيد بن أبي سفيان على باب الجابية ونزل خالد بن الوليد على باب الشرقي وكان أبو الدرداء في مسلحة برزة، قال: فحاصرناها أربعة أشهر قال: وكان راهب دمشق قد طلب من خالد بن الوليد الصلح. . . إلخ وفيه: أن خالدًا دخل صلحًا من باب الشرقي والتقى (بيزيد بن أبي سفيان الذي دخلها قسرًا من باب الصغير) عند المقسلاط - (مختصر تأريخ ابن عساكر ١/ ٢٠٣). ٣ - وأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي رحمه الله قال: كنت عند ابن سراقة حين أتاه أهل دمشق النصارى بعهدهم فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل دمشق إني أمنتهم على دمائهم وأموالهم وكنائسهم ألّا تُسكن ولا تهدم؛ شهد يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة وقضاعي بن عامر وكتب في رجب من سنة أربع عشرة. (مختصر تأريخ ابن عساكر ١/ ٢٠٤). ٤ - وأخرج ابن عساكر عن عباس بن سهل بن سعد أنه قال: تولى أبو عبيدة حصار دمشق، وولي خالد بن الوليد القتال على الباب الذي كان عليه وهو الباب الشرقي، فحاصر دمشق بعد موت أبي بكر حولًا كاملًا وأيامًا، ثم إنه لما طال على صاحب دمشق انتظار مدد هرقل ورأى المسلمين لا يزدادون إلّا كثرة وقوة. وأنهم لا يفارقونه أقبل يبعث إلى أبي عبيدة بن الجراح يسأله الصلح، وكان أبو عبيدة أحبّ إلى الروم وسكان الشام من خالد، وأن يكون الكتاب منه أحبّ إليهم فكانت رسل صاحب دمشق إنما تأتي أبا عبيدة بن الجراح وخالد يلح على أهل الباب الذي يليه فأرسل صاحب الرجال إلى أبي عبيدة فصالحه وفتح له باب الجابية وألح خالد بن الوليد على الباب الشرقي ففتحه عنوة ققال خالد لأبي عبيدة: اِسبهم فإني قد فتحتها عنوة. فقال أبو عبيدة: إني قد أمنتهم فتمم لهم أبو عبيدة الصلح وكتب لهم كتابه. . . (مختصر ابن عساكر ص ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦). = = ٥ - وأخرج ابن عساكر عن أبي حذيفة قوله: وولي أبو عبيدة حصار دمشق وولي خالد بن الوليد القتال على باب الشرقي وولاه الخيل إذا كان يوم يجتمع فيه المسلمون للقتال فحاصروا دمشق بعد هلاك أبي بكر حولًا كاملًا وأيامًا وساق الحديث (مختصر تأريخ ابن عساكر / ١/ ٢٠٨). ٦ - وأخرج ابن عساكر أخبرنا أبو القاسم أن أبا الفضل عمر بن عبيد الله، أن علي بن محمد بن عبيد الله، نا حنبل بن إسحاق، نا عاصم بن علي، نا أبو معشر قال: استخلف أبو بكر في شهر ربيع الأول حين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومات لثمان بقين من جمادى الآخرة يوم الإثنين في سنة ثلاث عشرة فكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلَّا عشر ليالٍ، قال: وكان فتح دمشق في العام المقبل في رجب سنة أربع عشرة. . . إلخ (تأريخ مدينة دمشق لابن عساكر (المجلد ٥٣) ص ٣٣٥ مؤسسة الرسالة تحقيق سكينة الشهابي). ٧ - وقال ابن حجر في الإصابة (٣/ ٤٧٧ / ت ٤٤١٨): وأخرج ابن سعد بسند حسن أن معاذ بن جبل بلغه أنّ بعض أهل الشام استعجز أبا عبيدة أيام حصار دمشق، ورجّح خالد بن الوليد فغضب معاذ وقال: بأبي عبيدة يظن، والله إنه لمن خيرة من يمشي على الأرض. ٨ - أما البلاذري فهو يرى أن خالدًا قد دخل دمشق صلحًا وأن أبا عبيدة أقره على ذلك وقال: يجيز على المسلمين أدناهم، وأجاز صلحه- والبلاذري يرى أن هذا أثبت من رواية فتحه عنوة من قبل خالد، وصلحًا من قبل أبي عبيدة - (فتوح البلدان / ١٦٧) ولكن المحققين الفاضلين لكتاب البلاذري (عبد الله الطّباع وعمر الطّباع) قد ذكرا قولًا لمحمد بن عساكر وفيه: اعتمد المؤلف على الرواية في فتح دمشق من باب الجابية عنوة بيد أبي عبيدة رضي الله عنه وأكدّ ذلك بقوله هنا والخبر الأول أثبت، وهو على الحقيقة أضعف الروايات في فتح دمشق والصحيح الثابت بالأخبار والآثار: أنّ خالدًا رضي الله عنه دخلها من الباب الشرقي قسرًا ودخلها أبو عبيدة سلمًا من باب الجابية، هذا من حيث صحة الأخبار (حاشية فتوح البلدان / ١٦٨). ٩ - وأخرج البلاذري: وحدثني القاسم بن سلام قال حدثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، قال: دخل يزيد دمشق من الباب الشرقي صلحًا فالتقيا بالمقسلاط فأمضيت كلّها على الصلح (فتوح البلدان / ١٦٩). ١٠ - وأخرج البلاذري: حدثني القاسم قال حدثنا أبو مسهر عن يحيى بن حمزة عن أبي المهلب الصغاني عن أبي الأشعث الصغاني أن أبا عبيدة أقام بباب الجابية محاصرًا لهم أربعة أشهر (فتوح البلدان / ١٦٩). ١١ - أما الكلاعي فهو يرى أن سيف بن عمر التميمي قد خالف في روايته التأريخية (ما تقدم = = من المساق والتأريخ في أمر دمشق) ويشير الكلاعي إلى رواية ابن إسحاق التي ذكرت فتح فحل قبل دمشق -ويقول الكلاعي: وزعم (أي سيف) أن فحلًا كانت بعد دمشق خلافًا لما ذكره ابن إسحاق أنها كانت قبلها وأن رافضة فحل هم الذين صاروا إلى دمشق. ١٢ - أما ابن الجوزي فهو يرى أن فتح دمشق كان في سنة أربع عشرة في رجب، وكان حصارها ستة أشهر (المنتظم في فتوح البلدان / ٤/ ١٤٣). (خلاصة قولنا في فتح دمشق) ١ - يكاد يجمع المؤرخون المتقدمون ومن بعدهم على أن فتح دمشق كان في سنة (١٣ هـ). ٢ - اختلفت آراء المؤرخين في تحديد المعركة السابقة هل هي معركة فتح دمشق أم فحل، ومنشأ اختلافهما اختلاف رواية سيف بن عمر مع رواية ابن إسحاق وكلاهما ضعيف في إسناده. ٣ - وإذا اختلف المؤرخون في كون خالد فتح جزءًا من مدينة دمشق عنوة أو صلحًا وبعكسه فعل أبو عبيدة، فإنهم جميعًا اتفقوا على أن جزءًا منها فتح عنوة والآخر صلحًا ثم التقى الجناحان داخل المدينة وكانت النتيجة النهائية هو إمضاء الصلح. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: واختلف العلماء في دمشق هل فتحت صلحًا أو عنوة؟ فأكثر العلماء على أنه استقر أمرها على الصلح؛ لأنهم شكوا في المتقدم على الآخر أفتحت عنوة ثم عدل الروم إلى المصالحة، أو فتحت صلحًا، أو اتفق الاستيلاء من الجانب الآخر قسرًا؟ فلما شكوا في ذلك جعلوها صلحًا احتياطًا (البداية والنهاية ٧/ ٢٣). ٤ - ونحن لا نرى غرابة في اختلاف الروايات (ونعني الروايات التي ذكرت كتاب الصلح باسم أبي عبيدة أو التي ذكرت ذلك باسم خالد). لأن الأمر الصادر من الخليفة بعزله النهائي شاع بعد فتح دمشق فلا ضير إن توجه قسم من الروم إلى خالد ليكتب لهم الصلح (وهو القائد الذائع الصيت بشجاعته المرهوب الجانب في الحروب). أو توجه قسم منهم إلى أبي عبيدة ليمضي لهم الصلح. وقال ابن كثير: ثم قيل: إن أبا عبيدة هو الذي كتب لهم كتاب الصلح وهذا هو الأنسب والأشهر، فإن خالدًا كان قد عزل عن الإمارة، وقيل: بل الذي كتب لهم الصلح خالد بن الوليد، ولكن أقره على ذلك أبو عبيدة فالله أعلم (البداية والنهاية ٧/ ٢٣). ٥ - اختلفت الروايات في مدة الحصار (أي: حصار المسلمين لدمشق) فأقل الروايات ذكرت المدة سبعين يومًا وأكثرها حولًا أو يزيد. ٦ - إن النقلة السريعة التي نقل بها الإسلام جماعة الصحابة ومن تبعهم من التابعين تدل على عظمة عقيدة التوحيد التي ما إن تستقر في النفوس حتى تتحول إلى حركة ساعية للخير لا تبالي المصاعب والمشقات وحصار مدينة كدمشق محاطة بأسوار منيعة شيء جديد على الجيش =
  7. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٣ ص ١٣٨