ثم دخلت سنة ست وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة
١١ فقرة، ج ١٣ ص ٤٦١
- ج ١٣ ص ٤٦١
فمن ذلك ما كان من توجيه محمَّد بن أبي الساج ابنه المعروف بأبي المسافر إلى بغداد رهينةً بما ضمن للسلطان من الطاعة والمناصحة، فقدم - فيما ذكر - يوم الثلاثاءِ، لسبع خلوْن من المحرّم منها، معه هدايا من الدوابّ والمتاع وغير ذلك، والمعتضد يومئذ غائب عن بغداد.
-
وفي شهر ربيع الآخر منها ورد الخبر أنّ المعتضد بالله وصل إلى آمد، فأناخ بجنده عليها، وأغلق محمَّد بن أحمد بن عيسى بن شيخ عليه أبواب مدينة آمد، وعلى من فيها من أشياعه. ففرّق المعتضد جيوشه حولها وحاصرهم، وذلك لأيام بقيَتْ من شهر ربيع الأوّل، ثمَّ جرت بينهم حروب، ونَصب عليهم المجانيق، ونَصب أهل آمد على سورهم المجانيق، وتراموْا بها (١) .
- (١)انظر المنتظم (١٢/ ٣٩٨).
-
وفي يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى وجَّه محمَّد بن أحمد بن عيسى إلى المعتضد يطلب لنفسه ولأهله ولأهل آمد الأمان، فأجابه إلى ذلك، فخرج محمَّد بن أحمد بن عيسى في هذا اليوم ومَنْ معه من أصحابه وأوليائه فوصلوا إلى المعتضد، فخلع عليه وعلى رؤساء أصحابه، وانصرفوا إلى مضرب قد أعدّ لهم، وتحوّل المعتضد من عسكره إلى منازل ابن عيسى بن شيخ ودوره؛ وكتب بذلك كتابًا إلى مدينة السَّلام مؤرَّخًا بيوم الأحد لعشر بقين من جمادى الأولى. ولخمس بقين من جمادى الأولى منها ورد الكتاب من المعتضد بفتحه آمد إلى مدينة السلام، وقرئ على المنبر بالجامع.
-
وفيها انصرف عبد الله بن الفتح إلى المعتضد وهو مقيم بآمد من مصر بأجوبة كتُبه إلى هارون بن خمارويه، وأعلمه أنّ هارون قد بذل أن يسلّم أعمال قِنَّسرين العواصم، ويحمل إلى بيت المال ببغداد في كلّ سنة أربعمئة ألف وخمسين ألف دينار، وأنه يسأل أن يجدّد له ولاية على مصر والشام، وأن يوجَّه المعتضد بخادم من خدمه إليه بذلك، فأجابه إلى ما سأل، وأنفذ إليه بدرًا القداميّ
ج ١٣ ص ٤٦٢وعبد الله بن الفتح بالولاية والخلع، فخرجا من آمد إلى مصر بذلك، وتسلم عمّال المعتضد أعمال قِنَّسرين والعواصم من أصحاب هارون في جُمادى الأولى، وأقام المعتضد بآمد بقيّة جُمادى الأولى وثلاثة وعشرين يومًا من جُمادى الآخرة. ثمَّ ارتحل منها يومَ السَّبت لسبع بَقين منها نحو الرقة، وخلَّف ابنه عليًّا بآمد مع جيوش ضمَّهم إليه لضبط الناحية وأعمال قِنَّسرين والعواصم وديار ربيعة وديار مُضر. وكان كاتب عليّ بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النّصرانيّ، وقلد الحسين بن عمرو النظر في أمور هذه النواحي ومكاتبة العمّال بها، وأمر المعتضد بهدم سور آمِد فهُدم (١) .
- (١)انظر المنتظم (١٢/ ٣٩٨).
-
وفيها وافتْ هدية عمرو بن الليث الصفّار من نيسابور إلى بغداد، فكان مبلغ المال الذي وجّهه أربعة آلاف ألف درهم، وعشرين من الدوابّ، وبسروج ولُجم محلّاة مغرّقة ومئة وخمسين دابة بجلال مشهرة وكسوة وطيب وبُزاة، وذلك في يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة (٢) .
- (٢)انظر المنتظم (١٢/ ٤٠٠).
-
وفي هذه السنة ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنّابي بالبحرين، فاجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة؛ وكان خروجه - فيما ذُكر - في أول السنة، وكثر أصحابه في جمادى الآخرة، وقويَ أمرُه، فقتل من حوله من أهل القرى، ثمَّ صار إلى موضع يقال له القَطيف، بينه وبين البصرة مراحل، فقتَل مَنْ بها. وذكر أنَّه يريد البصرة، فكتب أحمد بن محمَّد بن يحيى الواثقيّ - وكان يتقلّد معاون البصرة وكور دجلة في ذلك الوقت - إلى السلطان بما اتَّصل به من عَزْم هؤلاء القرامطة؛ فكتب إليه وإلى محمَّد بن هشام المتولِّي أعمال الصّدقات والخراج والضياع بها، في عمل سور على البصرة، فقُدّرت النفقة على ذلك أربعة عشر ألف دينار، فأمر بالإنفاق عليه فُبنِي (٣) .
- (٣)انظر المنتظم (١٢/ ٤٠٢).
-
وفي رجب من هذه السنّة صار إلى الأنبار جماعة من أعراب بني شَيْبان، فأغاروا على القرى، وقتلوا من لحقوا من الناس، واستاقوا المواشي. فخرج إليهم أحمد بن محمَّد بن كُمُشْجور المتولّي المعاون بها، فلم يُطقهم. فكتب إلى
ج ١٣ ص ٤٦٣السلطان يخبره بأمورهم. فوجّه من مدينة السلام نفيسًا المولديّ وأحمد بن محمَّد الزَّرَنْجيّ والمظفر بن حاج مددًا له في زُهاء ألف رجل؛ فصاروا إلى موضع الأعراب، فواقعوهم بموضع يعرف بالمنقبة من الأنبار، فهزمهم الأعراب، وقتلوا أصحابَهم وغَرِق أكثرهم في الفرات، وتفرّقوا. فورد كتاب ابن حاجّ يوم الإثنين لستّ بقين من رجب بخبر هذه الوقعة وهزيمة الأعراب إيامهم، فأقام الأعراب يعيثُون في الناحية، ويتخفّرون القرى، فكُتب إلى المعتضد بخبرهم، فوجّه إليهم لقتالهم من الرّقة العباس بن عمرو الغَنَوي وخفيفًا الأذكوتكينيّ وجماعة من القوّاد. فصار هؤلاء القوّاد. إلى هيت في آخر شعبان من هذه السنة.
-
وبلغ الأعرابَ خبرُهم، فارتحلوا عن موضعهم من سواد الأنبار، وتوجّهوا نحو عين التّمر، فنزلوها ودخل القواد الأنبار فأقاموا بها، وعاث الأعراب بعين التّمر ونواحي الكوفة؛ مثل عيثهم بنواحي الأنبار، وذلك بقية شعبان وشهر رمضان.
-
وفيها وجّه المعتضد إلى راغب مولى أبي أحمد وهو بَطَرسُوس، يأمره بالمصير إليه بالرّقة، فصار إليه وهو بها، فلمّا وصل إليه تركه في عسكره يومًا ثمَّ أخذه من الغد فحبسه؛ وأخذ جميع ما كان معه؛ وورد الخبر بذلك مدينة السلام يوم الإثنين لتسع خلوْن من شعبان، ثمَّ مات راغب بعد أيام، وقُبض على مكنون غلام راغب وعلى أصحابه، وأخذ ماله بَطرَسُوس يوم الثلاثاء لستّ بقين من رجب، وكان المتولِّي أخذهم ابن الإخشاد.
-
ولعشر بَقين من شهر رمضان منها وجّه المعتضد مؤنسًا الخازن إلى الأعراب بنواحي الكوفة وعين التَّمر، وضمّ إليه العباس بن عمرو وخفيفًا الأذكوتكينيّ وغيرهما من القوّاد، فسار مؤنس ومَنْ معه حتى بلغ الموضع المعروف بنينوَي، فوجد الأعراب قد ارتحلوا عن موضعهم، ودخل بعضهم إلى برّيّة طريق مكة وبعضهم إلى برّية الشام، فأقام بموضعه أيامًا، ثمَّ شخص إلى مدينة السلام.
-
وفي شوال منها قلّد المعتضد وعبيد الله بن سليمان ديوان المشرق محمدَ بن داود بن الجراح، وعُزل عنه أحمد بن محمَّد بن الفرات، وقُلِّد ديوان المغرب علي بن عيسى بن داود بن الجراح، وعُزِل عنه ابن الفرات.