ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
١٧ فقرة، ج ١٣ ص ٤٦٤
- ج ١٣ ص ٤٦٤
فمن ذلك ما كان من قبض المعتضد على محمَّد بن أحمد بن عيسى بن شيخ وعلى جماعة من أهله وتقييده إياهم، وحبسه لهم في دار ابن طاهر؛ وذلك أنَّه صار بعض أقربائه - فيما ذُكر - إلى عبيد الله بن سليمان، فأعلمه أنّ محمدًا أجمع على الهرب في جماعة من أصحابه وأهله. فكتب بذلك عُبيد الله إلى المعتضد، فكتب إليه المعتضد يأمره بالقبض عليه، ففعل ذلك يوم الأربعاء لأربع خلوْن من المحرم منها.
-
وفي هذا الشهر من هذه السنة ورد كتاب أبي الأغرّ على السلطان أنّ طيئًّا تجمّعت له، وحشدوا واستعانوا بمَنْ قدروا عليه من الأعراب، واعترضوا قافلة الحاج، فواقعوهم لمّا جاوزوا المعدن منصرفين إلى مدينة السلام من مكة ببضعة عشر ميلًا، وأقبل إليهم فرسان الأعراب ورجّالتهم ومعهم بيوتهم وحرمهم وإبلهم؛ وكانت رَجّالتهم أكثرَ من ثلاثة آلاف، فالتحمت الحرب بينهم، ولم تزَل الحرب بينهم يومهم أجمع، وهو يوم الخميس لثلاث بقين من ذي الحجّة، فلما جنّهم الليل باينوهم؛ فلمّا أصبحوا غادوْهم الحرب غداةَ يوم الجمعة إلى انتصاف النهار. ثمَّ أنزل الله النصر على أوليائه وولّى الأعراب منهزمين، فما اجتمعوا بعد تفرّقهم، وأنه سار هو وجميع الحاجّ سالمين، وأنفذ كتابه مع سعيد بن الأصفر بن عبد الأعلى، وهو أحد وجوه بني عمه والمتولّي للقبض على صالح بن مدرك.
-
وفي يوم السبت لثلاث بقين من المحرم وافى الأغرّ مدينة السلام، وبين يديه رأس صالح بن مدرك، ورأس جحنْشَ، ورأس غلام لصالح أسود، وأربعة أسارى من بني عمّ صالح، فمضى إلى دار المعتضدِ، فخلِع عليه، وطُوّق بطوْق من ذهب، ونُصِبت الرؤوس على رأس الجسر الأعلى بالجانب الشرقيّ، وأدخِل الأسرى المطامير.
-
ولأربع ليال بقين من صفر منها، دخل المعتضد من متنزّهه ببرَاز الرّوز إلى
ج ١٣ ص ٤٦٥بغداد، وأمر ببناء قصر في موضع اختاره من براز الرّوز، فحمل إليه الآلات، وابتدأ في عمله (١) .
- (١)انظر المنتظم (١٢/ ٤١١).
-
وفي شهر ربيع الأوّل منها غَلُظ أمر القرامطة بالبحرين، فأغاروا على نواحي هَجَر، وقرب بعضهم من نواحي البصرة، فكتب أحمد بن محمَّد بن يحيى الواثقيّ يسأل المددَ، فوجّه إليه في آخر هذا الشهر بثماني شَذوَات، فيها ثلاثمئة رجل، وأمر المعتضد باختيار جيش لينفذه إلى البصرة (٢) .
- (٢)انظر المنتظم (١٢/ ٤١١).
-
وفي يوم الأحد لعشرٍ خلوْن من شهر ربيع الآخر، فقد بدر مولى المعتضد في داره، ونظر في أمور الخاصّة والعامة من الناس والخراج والضياع والمعاون.
-
وفي يوم الإثنين لإحدى عشرِة خلتْ من شهر ربيع الآخر، مات محمَّد بن عبد الحميد الكاتب المتولي ديوان زمام المشرق والمغرب.
-
وفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت منه ولّى جعفر بن محمَّد بن حفص هذا الديوان، فصار من يومه إلى الديوان وقعد فيه.
-
وفي شهر ربيع الآخر منها ولّى المعتضدُ عبّاس بن عمرو الغَنَويّ اليمامة والبحرين ومحاربة أبي سعيد الجنّابيّ ومَنْ معه من القرامطة، وضمّ إليه زُهاء ألفيْ رجل، فعسكر العبّاس بالفِرْكِ أيامًا حتى اجتمع إليه أصحابُه، ثمَّ مضى إلى البصرة، ثمَّ شخص منها إلى البحرين واليمامة (٣) .
- (٣)انظر المنتظم (١٢/ ٤١١).
-
وفيها - فيما ذُكر - وافي العدوّ باب قلمية من طَرَسُوس، فنفر أبو ثابت وهو أمير طَرَسُوس بعد موت ابن الإخشاد - وكان استخلفه على البلد حين غزا - فمات وهو على ذلك؛ فبلغ في نفيره إلى نهر الرَّيحَان في طلب العدوّ، فأسرَ أبو ثابت وأصيب الناس؛ فكان ابن كلوب غازيًا في درب السلامة؛ فلمّا قفل من غَزاته جَمع المشايخ من أهل الثغر ليتراضوا بأمير يلي أمورَهم، فاتّفق رأيُهم على عليّ بن الأعرابيّ، فولّوه أمرهم بعد اختلاف من ابن أبي ثابت.
-
وذكر أن أباه استخلفه، وجمع جمعًا لمحاربة أهل البلد حتى توسّط الأمرَ ابن
ج ١٣ ص ٤٦٦كلوب، فرضي ابن ثابت؛ وذلك في شهر ربيع الآخر، وكان النُّغيْل حينئذ غازيًا ببلاد الروم، فانصرف إلى طَرَسُوس، وجاء الخبر أن أبا ثابت حُمِل إلى القسطنطينية من حصن قونِيَة، ومعه جماعة من المسلمين.
-
وفي شهر ربيع الآخر مات إسحاق بن أيوب الذي كان إليه المعاون بديار ربيعة، فقلِّد ما كان إليه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر.
-
وفي يوم الأربعاء لخمس بقين من جُمادى الأولى، ورد كتاب - فيما ذكر - على السلطان بأنّ إسماعيل بن أحمد أسرَ عمرًا الصفار، واستباح عسكره، وكان من خبر عمرو وإسماعيل، أن عمرًا سأل السلطانَ أن يولِّيَه ما وراء النهر، فولّاه ذلك، ووجّه إليه وهو مقيم بنيسابور بالخلع، واللواء على ما وراء النهر، فخرج لمحاربة إسماعيل بن أحمد، فكتب إليه إسماعيل بن أحمد: إنك قد وليت دنيا عريضة، وإنما في يدي ما وراء النهر، وأنا في ثغر؛ فاقنع بما في يدك، واتركني مقيمًا بهذا الثغر. فأبى إجابَته إلى ذلك؛ فذُكر له أمر نهر بلخ وشدة عبوره، فقال: لو أشاء أن أسكره ببدَرِ الأموال وأعبره لفعلتُ؛ فلما أيس إسماعيل من انصرافه عنه جمع مَنْ معه والتّنّاء والدّهاقين، وعَبر النهر إلى الجانب الغربيّ؛ وجاء عمرو فنزلَ بَلْخ، وأخذ إسماعيل عليه النواحي، فصار كالمحاصَر، وندم على ما فعل، وطلب المحاجزة - فيما ذكر - فأبى إسماعيل عليه ذلك، فلم يكن بينهما كثير قتال حتى هُزم عمرو فولّى هاربًا، ومرّ بأجمة في طريقه، قيل له: إنها أقرب، فقال لعامّة مَنْ معه: امضُوا في الطريق الواضح. ومضى في نفر يسير، فدخل الأجَمَة، فوحلت دابّتُه؛ فوقعت، ولم يكن له في نفسه حيلة، ومضى مَن معه. ولم يلوُوا عليه، وجاء أصحاب إسماعيل، فأخذوه أسيرًا. ولما وصل الخبرُ إلى المعتضد بما كان من أمر عمرو وإسماعيل، مدح إسماعيل - فيما ذكر - وذمّ عمرًا.
-
ولليلة بقيتْ من جُمادى الأولى من هذه السنة، ورد الخبر على السلطان أن وصيفًا خادم ابن أبي الساج، هرب من بَرْذَعة، ومضى إلى مَلَطْية مراغمًا لمحمد بن أبي الساج في أصحابه، وكتب إلى المعتضد يسأله أن يولّيه الثغور، ليقوم بها، فكتب إليه المعتضد يأمره بالمصير إليه، ووجّه إليه رشيقًا الحرميّ.
-
ولسبع خلوْن من رَجب من هذه السنة تُوفّيتْ ابنة خَمارويه بن أحمد بن
ج ١٣ ص ٤٦٧طولون. زوجة المعتضد، ودفِنت داخل قصر الرصافة.
-
ولعشر خلون من رجب وفد على السلطان ثلاثة أنفس وجّههم وصيف خادم ابن أبي الساج إلى المعتضد، يسأله أن يوَلِّيَه الثغور. ويوجّه إليه الخلع، فذكر أنّ المعتضد أمر بتقرير الرُّسل بالسبب الذي من أجله فارق وصيف صاحبَه ابن أبي الساج، وقصد الثغور، فقُرِّروا بالضرب، فذكروا أنَّه فارقه على مواطأة بينه وبين صاحبه على أنَّه متى صار إلى الموضع الذي هو به متى لحق به صاحبه، فصارا جميعًا إلى مُضَر وتغليا عليها، وشاع ذلك في الناس وتحدّثوا به.
-
ولإحدى عشرة خلتْ من رَجب من هذه السنة وُلِّي حامد بن العباس الخراج والضّياع بفارس؛ وكانت في يد عمرو بن الليْث الصفار، ودُفعت كتبه بالولاية إلى أخيه أحمد بن العباس، وكان حامد مقيمًا بواسط، لأنه كان يليها وكور دجلة، وكتب إلى عيسى النُّوشريّ وهو بإصبهان بالمصير إلى فارس واليًا على معونتها.