ذكر بناء البصرة
٨ فقرات، ج ٣ ص ١٩٩
- ج ٣ ص ١٩٩
١٥٤ - قال أبو جعفر: وفي سنة أربع عشرة أمر عمر بن الخطّاب رحمه الله - فيما زعم الواقديّ - الناس بالقيام في المساجد في شهر رمضان بالمدينة، وكتب إلى الأمصار يأمر المسلمين بذلك.
-
وفي هذه السنة - أعني: سنة أربع عشرة- وجَّه عمر بن الخطاب عُتْبة بن غَزْوان إلى البصرة، وأمره بنزولها بمَن معه، وقطع مادّة أهلِ فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائنيّ وروايته.
-
وزعم سيف أن البصرة مُصّرت في ربيع سنة ست عشرة، وأنّ عُتبة بن غَزْوان إنَّما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جَلولاء وتَكْرِيت والحِصْنين؛ وجَّهه إليها سعد بأمر عمر (١) . (٣: ٥٩٠) .
- (١)ذكرنا عبارة الطبري هذه التي نقل فيها رأي سيف وغيره دون أن نعقب عليها، وهذه مسألة اختلف فيها المؤرخون كذلك، وسنعرج عليها بعد ذكر الروايات الصحيحة في هذا الباب إن شاء الله تعالى ونذكر الرأي الظاهر فيها، والله أعلم.
-
١٥٤ / أ - وأمَّا محمد بن بَشَار، فإنَّه حدَّثنا، قال: حدَّثنا صفوان بن عيسى الزُّهريّ، قال: حدَّثنا عمرو بن عيسى أبو نَعامة العَدَويّ، قال: سمعت خالد بن عُمَير وشُوَيسًا أبا الرُّقاد، قالا: بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان، فقال له: انطلق أنت ومَن معك؛ حتَّى إذا كنتم في أقصى أرض العرب وأدنى أرض العجم، فأقيموا، فأقبلوا حتى إذا كانوا بالمِرْبَد وجدوا هذا الكذّان. قالوا: ما هذه البَصرةُ؟ فساروا حتى بلغوا حيال الجِسْر الصغير، فإذا فيه حَلْفاء وقصبٌ نابتة، فقالوا: هاهنا أمرتم، فنزلوا دون صاحب الفُرات، فأتوه فقالوا: إنّ هاهنا قومًا معهم راية، وهم يريدونك، فأقبل في أربعة آلاف أسوار، فقال: ما هم إلا ما أرى؛ اجعلوا في أعناقهم الحبال، وائْتُوني بهم، فجعل عتبة يَزْجَل، وقال: إني شهدت الحرب مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى إذا زالت الشمس، قال: احملوا؛ فحملوا عليهم فقتلوهم أجمعين، فلم يبق منهم أحد إلّا صاحب الفرات، أخذوه
ج ٣ ص ٢٠٠أسيرًا، فقال عتبة بن غَزْوان: ابغوا لنا منزلًا هو أنزه من هذا - وكان يوم عِكاك وَومَد - فرفعوا له منبرًا، فقام يخطب، فقال: إنَّ الدنيا قد تصرّمت وولَّت حَذّاء، ولم يبق منها إلا صُبابة كصُبابة الإناء، ألا وإنَّكم منتقلون منها إلى دار القرار، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، وقد ذكر لي: لو أنّ صخرة ألقيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفًا، ولتُملأنّها؛ أوعجِبتم! ولقد ذكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنَّة مسيرة أربعين عامَّا، وليأتينّ عليه يوم وهو كظيظ بزحام، ولقد رأيتُني وأنا سابع سبعة مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ما لنا طعام إلا ورق السَّمُر، حتى تقرّحت أشداقنا؛ والتقطت بُردة فشققتها بيني وبين سعد، فما منَّا من أولئك السبعة من أحدٍ إلا وهو أمير مِصْر من الأمصار، وسيُجرِّبون الناس بعدنا (١) . (٣: ٥٩١/ ٥٩٢) .
- (١)هذا إسناد لا بأس به وأخرجه كذلك الترمذي في كتاب الشمائل (ح ٣٧٥) من طريق محمد بن بشار وبالإسناد نفسه، وأخرج جزءًا منه في السنن (أبواب صفة جهنم ح / ٢٧١٤) وفيه قال عتبة بن غزوان على منبرنا هذا - منبر البصرة -: وإن الصخرة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عامًا ما تقضي إلى قرارها - وحسنه الألباني. وأخرج مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٧٨ / ح ٢٩٦٧) ثنا شيبان بن فروخ ثنا سلمان بن المغيرة ثنا حميد بن هلال عن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولّت حذّاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما حضرتم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقي من شفة جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا لا يدرك لها مقرًا ووالله لتملأن جهنم، ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فاتزرت بنصفها واتزر سعد بنصفها فما أصبح اليوم منا أحد إلّا أصبح أميرًا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيمًا وعند الله صغيرًا - وإنها لم تكن نبوة قط إلّا تناسخت حتى يكون عاقبتها ملكًا فستعبرون وتجربون الأمراء بعدنا) اهـ. وأخرج مسلم رواية أخرى بعد هذه الرواية مباشرة من طريق إسحاق بن عمر بن سليط ثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن خالد بن عمير وقد أدرك الجاهلية: قال: خطبنا عتبة بن غزوان وكان أميرًا على البصرة فذكر نحو حديث شيبان.
-
١٥٥ - فيما حدّثني عمر، قال: حدَّثنا المدائنيّ عن النّضر بن إسحاق السُّلَمي، عن قطبة بن قتادة السّدُوسيّ - يُغير بناحية الخُرَيبة من البصرة، كما كان
ج ٣ ص ٢٠١المثنّى بن حارثة الشيبانيّ يُغير بناحية الحبيرة، فكتب إلى عمر يُعلمه مكانه، وأنه لو كان معه عدد يسير ظفر بمن قِبَله من العجم، فنفاهم من بلادهم. وكانت الأعاجم بتلك الناحية قد هابوه بعد وقعة خالد بنهو المرأة، فكتب إليه عمر: إنَّه أتاني كتابك أنَّك تغيرُ على مَنْ قِبَلك من الأعاجم، وقد أصبت ووُفِّقت؛ أقم مكانك، واحذر على مَن معلى من أصحابك حتى يأتيَك أمري. فوجَّه عمر شريح بن عامر، أحد بني سعد بن بَكْر إلى البصرة؛ فقال له: كن ردءًا للمسلمين بهذه الجيزة، فأقبلَ إلى البصرة، فترك بها قطبة، ومضى إلى الأهواز حتى انتهى إلى دارس، وفيها مسلحة للأعاجم، فقتلوه، وبعث عمر عُتْبة بن غزوان (١) . (٣: ٥٩٣) .
- (١)في إسناده النضر بن إسحاق السُّلَمي لم يوثقه سوى ابن حبان.
-
١٥٦ - حدَّثنا عمر، قال: حدّثني عليّ عن عيسى بن يزيد، عن عبد المَلِك بن حذيفة ومحمد بن الحجّاج، عن عبد الملك بن عُمَير، قال: إن عمر قال لعتبة بن غزوان إذ وجَّهه إلى البصرة: يا عتبة! إنّي قد استعملتك على أرض الهند، وهي حوْمة من حوْمة العدوّ، وأرجو أن يكفيَك الله ما حولها، وأن يُعينك عليها، وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرميّ أن يُمدّك بعَرْفجة بن هرثمة؛ وهو ذو مجاهدة العدوّ ومكايدته؛ فإذا قدم عليك فاستشره وقرّبه، وادع إلى الله؛ فمن أجابك فاقبل منه، ومَنْ أبي فالجزية عن صَغَار وذلّة، وإلّا فالسيف في غير هوادة. واتّق الله فيما وُلِّيت، وإيّاك أن تنازعك نفسك إلى كِبْر يفسد عليك إخوتك، وقد صحبتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعززتَ به بعد الذِّلَّة، وقوي به بعد الضعف، حتى صرتَ أميرًا مسلّطًا ومَلِكًا مطاعًا، تقول فيُسمع منك، وتأمر فيطاع أمرُك، فيالها نعمة؛ إن لم ترفعك فوق قدرك وتُبطرك على مَنْ دونك! احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية؛ ولَهِيَ أخوَفُهما عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك، فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنّم، أعيذك بالله ونفسي من ذلك، إنّ الناس أسرعوا إلى الله حين رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد الله ولا ترد الدنيا، واتّق مصارع الظالمين (٢) . (٣: ٥٩٣/ ٥٩٤) .
- (٢)إسناده ضعيف ولبعضه ما يشهد له كما ذكرنا وسنذكره إن شاء الله.
-
١٥٧ - حدّثني عمر بن شبّة، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل
ج ٣ ص ٢٠٢الهمدانيّ وأبو مخنف، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبيّ، قال: قدم عتبة بن غزوان البصرة في ثلاثمئة، فلما رأى منبت القصب، وسمع نقيق الضفادع قال: إنّ أمير المؤمنين أمرني أن أنزل أقصى البَرّ من أرض العرب، وأدنى أرض الرّيف من أرض العجم؛ فهذا حيث واجب علينا فيه طاعة إمامنا. فنزل الخُرَيبة وبالأبلّة خمسمئة من الأساورة يحمونها. وكانت مرفأ السفن من الصين وما دونها، فسار عُتْبة فنزل دون الإجّانة، فأقام نحوًا من شهر، ثم خرج إليه أهل الأبلَّة فناهضهم عُتْبة، وجعل قطبة بن قتادة السدوسيّ وقسامة بن زهير المازنيّ في عشرة فوارس، وقال لهما: كونا في ظهرنا، فتردّا المنهزم، وتمنعا مَن أرادنا من ورائنا. ثم التقوْا فما اقتتلوا مقدار جَزْر جَزور وقسمِها؛ حتى منحهم الله أكتافهم، وولّوا منهزمين؛ حتى دخلوا المدينة، ورجع عتبة إلى عسكره، فأقاموا أيامًا، وألقى الله في قلوبهم الرّعب، فخرجوا عن المدينة، وحملوا ما خفّ لهم، وعَبَروا إلى الفُرات، وخلَّوا المدينة، فدخلها المسلمون فأصابوا متاعًا وسلاحًا وسبيًا وعينًا، فاقتسموا العين، فأصاب كلَّ رجل منهم درهمان، وولَّى عُتْبة نافعَ بن الحارث أقباضَ الأبُلَّة؛ فأخرج خُمسه، ثم قسّم الباقي مَنْ أفاءه الله عليه؛ وكتب بذلك مع نافع بن الحارث (١) . (٣: ٥٩٤) .
- (١)هذه رواية بإسنادين أحدهما من طريق أبي مخنف وهو تالف والثاني من طريق (أبي إسماعيل الهمداني) فإن كان هو إسماعيل الهمداني الذي ذكره الحافظ المزي في تهذيب الكمال والحافظ ابن حجر في التهذيب فالإسناد حسن والله تعالى أعلم.
-
١٥٨ - وعن حارثة بن مُضرّب، قال: فُتحت الأبُلَّة عَنوة، فقسم بينهم عتبة كَكَّة - يعني: خبزًا أبيض-. وعن محمَّد بن سيرين مثله.
قال الطَّبريّ: وكان ممَّن سُبِيَ من مَيسان يَسار أبو الحسن البصريّ، وأرطَبان جدّ عبد الله بن عون بن أرطَبان (٢) . (٣: ٥٩٦) .
- (٢)إسناده ضعيف ولكن يشهد له (دون تقسيم الخبز الأبيض) ما سبق من الروايات. وكذلك ما أخرجه خليفة بن خياط قال: ثنا عبد الله بن ميمون عن عوف عن الحسن قال: افتتح عتبة بن غزوان الأبلة فقتل من المسلمين سبعون رجلًا في موضع مسجد الأبلة ثم عبر إلى الفرات فأخذها عنوة (تاريخ خليفة / ١٢٨) وإسناده مرسل وهو صحيح إلى مرسله الحسن. وأخرج خليفة كذلك: صفوان بن عيسى قال: نا أبو نعامة عن خالد بن عمير العدوي قال: مرّ عتبة بن غزوان بموضع المربد فوجد الكذَان الغليظ فقال: هذه البصرة انزلوها باسم الله. (تأريخ خليفة / ١٢٨). = = وأخرج خليفة: مسلم والضحاك قالا: أخبرنا سوادة بن أبي الأسود عن قتادة أن عمر بعث عتبة بن غزوان فغزا الأبلة (١٢٧). وأخرج كذلك: مرحوم بن عبد العزيز قال حدثني أبي عن خالد بن عمير العدوي قال: عزونا مع عتبة بن غزوان الأبلة فافتتحناها ثم عبرنا إلى الفرات (تأريخ خليفة / ١٢٧). وأخرج الدينوري في الأخبار الطوال (١٢٣) أن عتبة بن غزوان رضي الله عنه كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أما بعد فإن لله الحمد وله الحمد فتح علينا الأبلة وهي مرفأ سفن البحر من عمان والبحرين وفارس والهند والصين، وأغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم وأنا كاتب إليك ببيان ذلك إن شاء الله. وقد أشار محمد حميد الله في كتابه القيم (مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة) ص ٤١٩ إلى أن خبر كتاب عتبة بن غزوان إلى عمر عن فتح الأبلة وجوابه مذكور في كتاب الأموال لابن زنجويه (خطية) ورقة ٢١ / ب والله تعالى أعلم. مسألة اختلاف المؤرخين في تاريخ بناء البصرة بعد فتح مينائها المعروف آنذاك بالأبلة أكثر المؤرخين على أن عتبة بن غزوان هو الأمير الذي فتح منطقة الأبلة بما فيها الميناء (الثغر) ثم سفاها البصرة وخطط لمساكنها وبنى مسجدها، ولكن اختلف المؤرخون في تحديد سنة غزوها وفتحها وسنة تمصيرها وسنة وفاة أميرها الأول الصحابي الجليل عتبة بن غزوان رضي الله عنه وأرضاه. وإليك أخي القارئ ما علمنا في هذه المسألة (وعلمنا قاصر ونسأل الله أن يعلمنا ما جهلنا وأن ينفعنا بما علمنا): ١ - أما المؤرخ المتقدم (خليفة بن خياط) ت ٢٢٦ هـ، فهو يرى أن الأبلة (البصرة) فتحت على يد عتبة بن غزوان رضي الله عنه وأن قول قطبة بن قتادة السدوسي في أنها غزيت سنة (١٢ هـ) بإمرة خالد بن الوليد غلط، ويشير خليفة إلى ما رواه هو في تأريخه عن عون بن كهمس عن عمران بن حديد قال: حدثنا رجل يقال له مقاتل عن قطبة بن قتادة السدوسي ... وفي آخره قال (أي: قطبة): وحمل علينا خالد بن الوليد في خيله فقلنا: إنا مسلمون، فتركنا وغدونا معه الأبلة فقسمناها بأيدينا (تأريخ خليفة / ١١٧) ولقد ذكر ابن حجر أن الحسن بن سفيان أخرج هذه الرواية في مسنده عن خليفة (شباب) عن عون به (الإصابة ٥/ ٢٣٩ / ت ٧١٣٥). ويرى خليفة أن الصواب أن خالدًا قد مرّ مرورًا بالبصرة ولم يفتحها (هذا مفاد كلام خليفة في ص ١٢٨). = = قلنا: عون بن كهمس هذا قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول، وسنرجع إلى هذه الرواية لاحقًا. ويرى خليفة بن خياط: أن عتبة بن غزوان فتح البصرة وكانت تسمى آنذاك (الأبلّة) سنة (١٤ هـ) ثم عبر الفرات أو غزاها والذي افتتح الفرات هو مجاشع بن مسعود بولاية عتبة إياه ... ويذكر خليفة هذا الخبر نقلًا عن علي بن محمد المدائني عن بعض أشياخه (تأريخ خليفة / ١٢٧). ٢ - أما الطبري فقد ذهب إلى ما ذهب إليه خليفة من قبله؛ أي: أن البصرة فتحت سنة (١٤ هـ) ولقد ذكرنا رواياته هذه في قسم الصحيح من خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه فراجعها هناك. ٣ - أما البلاذري فهو يرى أن عتبة بن غزوان بدأ بناء مساكن البصرة ومسجدها سنة (١٤ هـ) بأمر من سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويذكر هذا الخبر من طريق شيخه علي بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة (فتوح البلدان / ٤٨٣). ٤ - أما الخطيب البغدادي فقد نحى منحىً آخر في إثبات السنة التي فيها بُنيت البصرة فهو يبحث في وفاة أمير البصرة (عتبة بن غزوان) ومدة ولايته ومن ثم يرجّح متى كان البدء ببناء البصرة. فالخطيب أخرج عدة روايات منها ما أخرجه بسنده إلى عمرو بن علي: أنه قال: مات عتبة سنة سبع عشرة، قدم المدينة في الهجرة وهو ابن أربعين سنة فتوفي وهو ابن سبع وخمسين (تاريخ بغداد ١/ ١٥٦) وأخرج بسنده إلى أبي بكر بن البرقي قال: ومات عتبة بن غزوان بطريق البصرة سنة سبع عشرة ويقال عشرين، وهو الذي مصّر البصرة واختط بها المنازل وبنى مسجدها بقصب وهو الذي افتتح الأبلة، وكانت ولايته بالبصرة ستة أشهر ولاه إياها عمر بن الخطاب (تأريخ بغداد / ١٥٧). ثم أبدى الخطيب رأيه في هذه المسألة بعد سرده لروايات عدة. (قائلًا): والأشبه بالصواب أن عتبة مات سنة سبع عشرة لأن المدائن فتحت سنة سنة عشرة ثم مُصّرت البصرة بعد ذلك ونزلها المسلمون على ما شرحناه فيما تقدم، وعتبة أول من اختطها وسكنها، فالله أعلم (تأريخ بغداد ١/ ١٥٧). قلنا: وكذلك يوافق رأي يعقوب بن سفيان رأي الخطيب في أن عتبة بن غزوان توفي بالبصرة سنة سبع عشرة (المعرفة والتأريخ ٣/ ٣٠٥). ولا بأس هنا أن نستذكر ما رجحه الطبري في تأريخه عندما ردّ روايات سيف التأريخية التي ذكرت أن فتح الأبلّة على يد خالد، فقال (الطبري) رحمه الله: وهذه القصة في أمر الأبلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير، وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح، وإنما كان فتح الأبلة أيام عمر رحمه الله، وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة من الهجرة (تأريخ الطبري ٣/ ٣٥٠). ولكن الطبري رحمه الله لم يرجح متى بدأ عتبة بن غزوان بتمصير البصرة -. =