ذكر فتح الجزيرة

فقرتان، ج ٣ ص ٢٣٨

  1. ١٨٨ - وأما في رواية سيف، فإن الخبر في ذلك، فيما كتب به إلي السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلحة وعمرو وسعيد؛ قالوا: خرج عياض بن غَنْم في أثر القَعقاع، وخرج القُوّاد - يعني: حين كتب عمر إلى سعد بتوجيه القعقاع في أربعة آلاف من جنده مددًا لأبي عبيدة حين قصدته الروم وهو بحمص- فسلكوا طريق الجزيرة على الفِراض وغيرها، فسلك سُهيل بن عديّ وجنده طريقَ الفِراض حتى انتهى إلى الرّقة، وقد ارفضّ أهلُ الجزيرة عن حِمْص إلى كُوَرهم حين سمعوا بمُقْبَل أهل الكوفة، فنزل عليهم، فأقام محاصرَهم حتى صالحوه، وذلك أنهم قالوا فيما بينهم: أنتم بين أهل العراق وأهل الشأم؛ فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء! فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل واسط من الجزيرة؛ فرأى أن يقبَل منهم؟ فبايعوه وقبل منهم؛ وكان الذي عقد لهم سُهَيل بن عديّ عن أمر عياض، لأنه أمير القتال وأجروْا ما أخذوا عَنْوة، ثم أجابوا مُجرَى أهل الذّمة، وخرج عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، فسلك على دِجْلة حتى انتهى إلى الموصل، فعبر إلى بَلَد حتى أتى نصيبين، فلقوه بالصّلح، وصنعوا كما صنع أهل الرَّقة، وخافوا مثل الذي خافوا؛ فكتبوا إلى عياض، فرأى أن يقبل منهم، فعقد لهم عبد الله بن عبد الله، وأجروْا ما أخذوا عَنْوة، ثم أجابوا مُجرى أهل الذّمة، وخرج الوليد بن عُقْبة حتى قدم على بني تغلِب وعرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم وكافرهم إلَّا إياد بن نزار، فإنهم ارتحلوا بقلِّيّتِهِمْ، فاقتحموا أرض الرّوم، فكتب بذلك الوليد إلى عمر بن الخطاب. ولما أعطى أهل الرّقة ونَصِيبين الطاعة ضمّ عياض سهيلًا وعبد الله إليه فسار بالناس إلى حَرّان، فأخذ ما دونها. فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى

    ج ٣ ص ٢٣٩الجزية فقبل منهم، وأجرى مَن أجاب بعد غَلْبِه مُجْرى أهل الذّمة، ثم إنّ عياضًا سرّح سُهيلًا وعبد الله إلى الرُّهاء، فاتقوهما بالإجابة إلى الجِزية، وأجرى مَن دونهم مجراهم؛ فكانت الجزيرة أسهلَ البلدان أمرًا، وأيسره فَتْحًا، فكانت تلك السهولة مهجَنة عليهم وعلى من أقام فيهم من المسلمين، وقال عياض بن غَنْم:

    مَن مُبْلِغُ الأقوامِ أن جُموعَنا ... حَوَتِ الجَزيرَةَ يوم ذاتِ زِحامِ

    جَمعُوا الجَزيرَةَ والغِياثَ فَنَفَّسُوا ... عَمَّنْ بِحِمْصَ غَيابَةَ القُدَّامِ

    إنَّ الأعِزَّةَ والأكارِمَ مَعْشَرٌ ... فَضُّوا الجزيرَةَ عن فِراخِ الهامِ

    غَلَبُوا المُلوكَ على الجَزيرةِ فانتَهَوْا ... عن غَزْو مَنْ يأوي بلادَ الشامِ

    ولما نزل عمر الجابية، وفرغ أهلُ حمص أمدّ عياض بن غَنْم بحبيب بن مسلمة، فقدم على عياض مددًا، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بعد انصرافه من الجابية يسأله أن يضمّ إليه عياض بن غَنْم إذ ضمّ خالدًا إلى المدينة، فصرفه إليه، وصرف سهيل بن عديّ وعبد الله بن عبد الله إلى الكوفة ليصرفهما إلى المشرق، واستعمل حبيب بن مَسْلمة على عجم الجزيرة وحربها، والوليد بن عُقْبة على عرب الجزيرة، فأقاما بالجزيرة على أعمالهما.

    قالوا: ولما قدم الكتاب من الوليد على عمر كتب عمر إلى ملك الروم: إنه بلغني أنّ حيًّا من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك؛ فوالله لتُخرجنّه أَو لننبِذنّ إلى النصارى؛ ثم لنخرجنّهم إليك. فأخرجهم ملك الرّوم، فخرجوا فتمّ منهم على الخروج أربعة آلاف مع أبي عديّ بن زياد، وخَنَس بقيّتهم، فتفرقوا فيما يلي الشام والجزيرة من بلاد الروم؛ فكلّ إياديّ في أرض العرب من أولئك الأربعة الآلاف؛ وأبَى الوليد بن عقبة أن يقبل من بني تغلِب إلَّا الإسلام؟ فقالوا له: أمّا من نُقّب على قومه في صلح سعد ومَن كان قِبَله فأنتم وذاك، وأمّا من لم ينقب عليه أحد ولم يُجْرِ ذلك لمن نقب فما سبيلك عليه! فكتب فيهم إلى عمر، فأجابه عمر: إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلَّا الإسلام، فدعْهم على ألا يُنصِّروا وليدًا، واقبل منهم إذا أسلموا، فقبل منهم على ألا يُنَصّروا وليدًا، ولا يمنعوا أحدًا منهم من الإسلام، فأعطَى بعضهم ذلك فأخذوا به، وأبي

    ج ٣ ص ٢٤٠بعضهم إلَّا الجِزاء، فرضيَ منهم بما رضيَ من العِبَاد وتَنُوخ (١) . (٤: ٥٣/ ٥٤ / ٥٥) .

    1. (١)إسناده ضعيف وسنذكر بعض الشواهد لقصة فتح الجزيرة ونذكر بقية الروايات في قسم الضعيف. اتفق أئمة التأريخ المتقدمون والمتأخرون على أن فتح الجزيرة كان بعد فتح معظم العراق وفتح معظم أرض الشام، والجزيرة هي المنطقة المحصورة بين الفرات ودجلة وشطره في العراق والآخر في الشام، ولا خلاف بين المؤرخين: أن الصحابي الجليل عياض بن غنم الفهري هو الذي قاد الجيوش المجاهدة لفتح هذه البلاد، وإن كان فتحها أسهل بكثير من فتح أرض السواد ومدن الشام وذلك لأن أهلها أيقنوا أنهم بين فكي كماشة؛ ولذلك قال ابن عبد البر القرطبي في ترجمة عياض بن غنم: عياض بن غنم لا أعلم خلافًا: أنه افتتح عامة بلادَ الجزيرة والرقة وصالحه وجوه أهلها، ونقل عن البخاري قوله: وهو عامل عمر بالشام (الاستيعاب ٣/ ٣٠٤ / ت ٢٠٣٧). ولكن الخلاف بين المؤرخين في مسألة فتحها عنوة أو صلحًا، ويبدو من خلال الروايات التاريخية الضعيفة وغيرها أن أغلب هذه الأرض فتحت صلحًا ولقد ذكرنا معظم روايات الطبري في فتح الجزيرة في قسم الضعيف، وذكرنا معها روايات أخرى ضعيفة السند كذلك، وسنذكر هنا بعض الروايات الضعيفة السند وأخرى صحيحة (ولكنها قليلة) وهي تتقوى ببعضها فهي مراسيل متعددة المخارج نأخذ بها في التاريخ فقط وبالشروط التي ذكرنا آنفًا. وتصلح شواهد لهذه القصة إن شاء الله تعالى: ١ - أخرج خليفة: حدثنا وكيع بن الجراح قال أخبرنا ثور عن عبد الرحمن بن عائذ: أن خالد بن الوليد دخل حمامًا بآمد، وذكر فيه حديثًا (تأريخ خليفة / ١٣٩). قلنا: وهذا إسناد صحيح، والخبر يدل على مشاركة خالد في فتوح الجزيرة منها (آمد). ٢ - وأخرج البلاذري قال: حدثنا شيبان بن فروخ قال: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن السفاح الشيباني: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يأخذ الجزية من نصارى بني تغلب فانطلقوا هاربين ولحقت طائفة منهم ببعدٍ من الأرض. فقال النعمان بن زرعة أو زرعة بن النعمان: أنشدك الله في بني تغلب فإنهم قوم من العرب نائفون من المجزية، وهم قوم شديدة نكايتهم فلا يُعَنْ عدوك عليك بهم، فأرسل عمر في طلبهم فردّهم وأضعف عليهم الصدقة (فتوح البلدان / ٢٥٠). قلنا: ورجال هذا الإسناد ثقات غير السفاح الشيباني فهو مقبول، والإسناد مرسل. ٣ - وأخرج البلاذري قال: حدثني عمرو الناقد قال: حدثني أبو معاوية عن الشيباني عن السفاح عن داود بن كردوس قال: صالحَ عمر بن الخطاب بني تغلب بعدما قطعوا الفرات وأرادوا اللحاق بأرض الروم على أن لا يصبغوا صبيًّا ولا يكرهون على دينهم وعلى أن عليهم = = الصدقة مضعفة قال: وكان داود بن كردوس يقول: ليست لهم ذمة؛ لأنهم قد صبغوا في دينهم يعني: العمودية (فتوح البلدان / ٢٥١). قلنا: وداود بن كردوس لم يوثقه سوى ابن حبان والله أعلم. ٤ - وأخرج البلاذري قال: فحدئني الحسين بن الأسود قال: حدثني يحيى بن آدم عن المبارك عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري قال: ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة إلَّا نصارى تغلب، أو قال: نصارى العرب (فتوح البلدان / ٢٥١). وهذا إسناد مرسل ولكن يقويه ما أخرج البلاذري في فتوحه وغيره عن غير الزهري، والله أعلم. وذكر البلاذري في أنساب الأشراف (القسم الخامس / ٥٩٥/ ٧٤٧) في ترجمة عياض بن غنم: أسلم قبل الفتح، وشهد الحديبية مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وولَّاه عمر الجزيرة، وكان أبو عبيدة استخلفه اهـ. ٥ - وقال الحافظ في الإصابة: أخرج ابن مندة من طريق الزهري عن عروة عن عياض بن غنم: أنه رأى نبطًا يشمَّسون في الجزية فقال لعاملهم: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا. وقد قيل في هذا عن عروة عن هشام بن حكيم. ثم قال الحافظ: أورده ابن مندة في ترجمة عياض بن غنم الفهري، أو الأشعري، وعروة لم يدرك الفهري، لكن قد أخرج ابن مندة من طريق عائذ عن جبير بن نفير: أن عياض بن غنم وقع على صاحب داريا حين فتحت فأغلظ له هشام بن حكيم ... فذكر القصة وفيها: فقال عياض لهشام: ألم تسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يقل له علانية) - ثم قال الحافظ: وأخرجه الحاكم في المستدرك من هذا الوجه، ووقع عنده عياض بن غنم الأشعري، وأظن الأشعري وهمًا والله أعلم. (الإصابة في تمييز الصحابة / ٤/ ٦٣١ / ت ٦١٥٦). قلنا: وحديث ابن مندة أخرجه لمسلم في صحيحه (٤/ ٢٠١٨) وأحمد في مسنده (٣/ ٤٠٤) والبيهقي في الكبرى (٩/ ٢٠٥). قلنا: وعند البيهقي (٩/ ٢٠٥) باب النهي عن التشديد في جباية الجزية من طريق الزهري عن عروة: أن هشام بن حكيم رضي الله عنه وجد رجلًا وهو على حمص يشمس ناسًا من القبط ... إلخ. وفي صحيح مسلم (ناسًا من النبط). وقد ذكر خليفة بن خياط فتح الجزيرة في أحداث سنة (١٨ هـ). ولقد ذكر ابن كثير فتح الجزيرة ضمن سنة (١٧ هـ) وأما شيخه الذهبي فقد ذكر فتح الجزيرة ضمن أحداث سنة (١٨ هـ) فقال: وفي أوائلها وجّه أبو عبيدة بن الجراح عياض بن غنم الفهري إلى الجزيرة فوافق أبا موسى قد قدم من البصرة فمضيا فافتتحا حرّان ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة، وقيل: صلحًا (تأريخ الإسلام - عهد الخلفاء الراشدين / ١٨٦).
    ج ٣ ص ٢٣٨
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٣ ص ٢٤١