خلاصة القول في بيعة علي رضي الله عنه

فقرتان، ج ٣ ص ٣٧٣

  1. ٢٥٥ - وأخبرنا عليّ بن مسلم، قال: حدَّثنا حَبّان بن هلال، قال: حدَّثنا جعفر بن سليمان عن عوف، قال: أما أنا فأشهد أني سمعتُ محمد بن سيرين يقول: إنّ عليًّا جاء فقال لطلحة: ابسط يدك يا طلحة لأبايعك، فقال طلحة: أنت أحقّ، وأنت أمير المؤمنين، فابسط يدَك، قاله: فبسط عليّ يده فبايَعه (١) . (٤: ٤٣٤) .

    1. (١)إسناده مرسل فابن سيرين لم يدرك الحادثة، ولكن له ما يشهد له كما ذكرنا سابقًا في (٤/ ٤٢٩).
    ج ٣ ص ٣٧٣
  2. ٢٥٦ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، عن الحارث الوالبيّ، قال: جاء حُكَيم بن جبلة بالزّبير حتى بايع؛ فكان الزُّبَيْر يقول: جاءني لصٌّ من لُصوص عبد القيس فبايعت واللُّجّ على عنقي (٢) . (٤: ٤٣٥) .

    1. (٢)إسناده ضعيف ومتنه صحيح. خلاصة القول في بيعة علي رضي الله عنه تؤكد الروايات الصحيحة: أن الصحابة والتابعين أسرعوا إلى بيعة سيدنا علي رضي الله عنه خليفة للمسلمين في اليوم الذي قتل فيه سيدنا عثمان، ومن لم يستطع مبايعته في ذلك اليوم فقد بايعه في اليوم الثاني، والبيعة كانت في المسجد النبوي وقد ذكرنا رواية محمد بن الحنفية عند أحمد بسند صحيح، وسنذكر هنا رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد في فضائل الصحابة بسند صحيح عن المسور بن مخرمة، وجاء فيها: [فرقي على المنبر، فقيل: ذاك علي على المنبر، فمال الناس فبايعوه] وقال حسن بن فرحان المالكي صاحب كتاب (بيعة علي بن أبي طالب): وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وكما ترى فهي لا تذكر خلافًا بين الناس في بيعة علي رضي الله عنه. قلنا: والقول ما قاله؛ وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١٥/ ٢٢٨) حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثني أبو بكر بن عياش عن مغيرة عن إبراهيم عن علقمة. الخبر وفيه يقول الأشتر (ولكني رأيت طلحة والزبير والقوم بايعوا عليًّا طائعين غير مكرهين). وصحح الحافظ إسناده في الفتح (١٣/ ٥٨) وهذه الرواية الصحيحة تكذب الروايات الضعيفة التي تذكر أن الأشتر = = سلّ سيفه وأجبر الزبير، وطلحة على البيعة. وأخرج الحاكم في المستدرك (٣/ ١١٤) عن الأسود بن يزيد النخعي قال: لما بويع علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال خزيمة بن ثابت وهو واقف بين يدي علي على المنبر: إذا نحن بابعنا عليًّا فحسبنا ... أبو الحسن فما نخاف من الفتن وجدناه أولى الناس بالناس إنه ... أطب قريش بالكتاب وبالسنن كلمة أخيرة في بيعة طلحة والزبير هل كانت كرهًا أم لا لقد ذكرنا أدلة صحيحة فيما سبق: أن بيعة الزبير وطلحة لسيدنا علي ثابتة وهنالك روايات تشير إلى أنهما بايعا تحت الإكراه وبحثنا عنها فما وجدنا فيها رواية صحيحة السند يحتج بها، ولقد اجتهد كثيرون من الأخوة الأفاضل المعاصرين في تفنيد هذه الأقوال ومنهم محمد أمخزون في كتابه (تحقيق مواقف الصحابة) وكذلك حسن بن فرحان المالكي في رسالته الممتازة (بيعة علي رضي الله عنه في ضوء الروايات الصحيحة) ودراسة المالكي شيقة وعلمية وجديرة بالدراسة والتمعن، وكذلك ما كتبه د. أمخزون، ولا نريد أن نطيل هنا أكثر مما ذكرنا، فمن أراد المزيد فليراجع ما كتباه في هذا الموضوع فقد اتفقا في نتيجة بحثهما القيّم على أمر طيب، فجزاهما الله خيرًا. وأما كلمتنا الأخيرة (المحققان) فنقول وبالله التوفيق: الذي ترجح لدينا أن الزبير وطلحة رضي الله عنهما كانا يرغبان الناس في بيعة علي، وذلك واضح من رواية الأحنف بن قيس، وأنهما بايعا أول الناس طائعين راغبين. فقد أخرج ابن أبي شيبة في صنفه (١٥/ ٢٦٠): حدثنا غندر عن شعبة عن سعد بن إبراهيم قال: سمعت أبي يقول: بلغ علي بن أبي طالب أن طلحة يقول: إنما بايعت واللج على قفاي فأرسل ابن عباس فسألهم قال: فقال أسامة: (أما واللج على قفاه فلا ولكن بايع وهو كاره) وإسناده صحيح والفرق واضح بين الكاره والمكره وأخذًا بالاعتبار قول أسامة (ولكن بايع وهو كاره) نقول: إن كان هناك احتمال آخر فهو أنهما كانا كارهين لحظة البيعة لأنهما كانا يريان ضرورة الحسم في مسألة قتلة عثمان والقصاص منهم قبل إجراء البيعة، وإلا فإنهما لم يختلفا في أولوية علي رضي الله عنه وأحقيته بالخلافة، ولو كانت كراهيتهما من أجل عدم قناعتهما بأحقية علي؛ لقالا له عندما سألهما بعد ذلك: ألم تبايعاني؟ فكان عليهما أن يقولا: نعم بايعناك ولكن كارهين غير مقتنعين بخلافتك، ولكنهما أجابا بأنهما يطلبان دم عثمان ليس إلا، أي: أنهما كانا يريان ذلك أشد ضرورة، ونحن لا نشك أن أمر الخلاقة أولى وأن عليًّا كان مع الأصوب والأولى. = = فقد أخرج الحافظ الذهبي عن يحيى بن سليمان أنه قال: قال أبو مسلم الخولاني وجماعة لمعاوية أنت تنازع عليًّا؟ هل أنت مثله؟ فقال: لا. والله إني لأعلم أن عليًّا أفضل مني وأحق بالأمر، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلومًا، وأنا ابن عمه وأنا أطالب بدمه؟ فَائْتوا عليًّا فقولوا له فليدفع إليّ قتلة عثمان، وأسلّم له ... الخبر (سير أعلام النبلاء ٣/ ١٤٠) (البداية والنهاية ٨/ ١٢٩) وجوّد الحافظ إسناده (فتح الباري ١٣/ ٩٢). وروى ابن ديزيل من طريق عمرو بن سعد بإسناده أن قراء أهل العراق وقراء أهل الشام عسكروا ناحية ... الخبر وفيه: وخرج أبو الدرداء وأبو أمامة فدخلا علي معاوية فقالا له: يا معاوية! علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلامًا وأقرب منك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحق بهذا الأمر منك، فقال: أقاتله على دم عثمان وإنه أدى قتلة، فاذهبا إليه فقولا له: فليقدنا من قتلة عثمان، ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام (البداية والنهاية ٧/ ٢٧٠). قلنا: (المحققان): الكلّ يعلم أن سيد الأنصار (سعد بن عبادة) اقتنع بأحقية أبي بكر للخلافة ولكنه لم يبايع حتى توفي رضي الله عنه، فهل كان ذلك قدحًا في إجماع الصحابة على بيعة أبي بكر رضي الله عنه؟ كلا. وكذلك الحال مع معاوية رضي الله عنه فقد كان مقرًا بأحقية علي رضي الله عنه للخلافة ولكنه كان يرى أن يحاسب قتلة عثمان أولًا ويعاقبوا حفاظًا على هيبة الخليفة وحتى لا يتخذها الناس عادة كلما كرهوا من أميرهم شيئًا قاموا إليه فقتلوه. ونحن لسنا بصدد هذه المسألة فالأرجح عندنا هو ما ذهب إليه علي رضي الله عنه من أن الأولى والأوجب هو توطيد دعائم الخلافة وعطاء البيعة، ثم معاقبة قتلة عثمان بعد استقرار الأمور، ولكن بيت القصيد هنا هو أن تخلف أحد أعيان الصحابة أو اثنين عن البيعة لا يقدح في إجماع الصحابة على أحقية سيدنا علي بالخلافة، والله تعالى أعلم. إجماع أهل الحل والعقد من الصحابة على بيعة علي رضي الله عنه وخلاصة القول فإن أهل الحل والعقد من الصحابة والذين كانوا وقتها في مكة والمدينة قد بايعوا سيدنا عليًّا خليفة رابعًا للمسلمين وبهم تنعقد البيعة باتفاق أهل السنة والجماعة وبقية الناس تبع لهم في ذلك؛ ولذلك قال الإمام الأشعري رحمه الله: (وتثبت إمامة علي بعد عثمان رضي الله عنه بعقد من عقد له من الصحابة من أهل الحل والعقد ولأنه لم يدع أحدًا من أهل الشورى غيره في وقته، وقد اجتمع على عدله وفضله) (الإبانة عن أصول الديانة / ٧٨) وقال الإمام أحمد بن حنبل رمز أهل السنة والجماعة: علي رحمه الله إمام عادل، ويقول أيضًا: ما يدفع علي من الخلافة، وقد سماه جماعة من أصحاب رسول الله أمير المؤمنين منهم عمار بن ياسر، وأبو مسعود. (السنة ٣/ ٤١٣) وقال ابن سعد في طبقاته: لما قتل عثمان رضي الله عنه يوم الجمعة لثماني عثرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وبويع لعلي بن أبي طالب رحمه الله بالمدينة الغد من يوم قتل عثمان بالخلافة بايعه طلحة =