ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث

٩ فقرات، ج ٤ ص ٩

  1. فمما كان فيها من ذلك تسليم الحسن بن عليّ - عليه السلام - الأمرَ إلى معاوية ودخول معاويةَ الكوفة، وبيعة أهل الكوفة معاويةَ بالخلافة (١) . (٥: ١٦٢)

    1. (١)ذكر الطبري هنا ثلاث روايات: الأولى (عن الصلح بين الحسن ومعاوية رضي الله عنهما) (من مراسيل الزهري) وهو مرسل ضعيف كما بينا في قسم الضعيف فهو من طريق يونس بن يزيد عن الزهري وهو وإن كان من أصحاب الزهري إلّا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا. وقال أحمد في روايته عن الزهري: مناكير أو كما قال: وقد ظهرت هنا بعض أوهامه عن الزهري فقد زاد عما في الصحيح زيادات لم نجد لها متابعًا أو شاهدًا، والرواية الثانية كذلك من الطريق نفسه (مرسل الزهري) حول الصلح بين معاوية وقيس بن سعد رضي الله عنهما. والرواية الثالثة: في رجوع الحسن والحسين إلى المدينة وإسنادها ضعيف جدًّا، وقد ذكرنا هذه الروايات الثلاث في قسم الضعيف أما هنا فسنذكر أصل القصة في ما جرى من الصلح بين أمير المؤمنين معاوية والسيد الجليل الحسن بن علي رضي الله عنهما. ١ - أخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى قال: سمعت الحسن يقول: (استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها - فقال معاوية - وكان والله خير الرجلين -أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس، من لي بنسائهم، من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الله بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال فمن لي بهذا؟ قالا نحن لك، فما سألهما شيئًا إلا قالا نحن لك به فصالحه فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعلَّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. (فتح الباري ٥/ ٣٦١). ٢ - ورواية أخرى صحيحة تبيّن بوضوح القصد الإصلاحي لسيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه إذ تنازل عن الخلافة لمعاوية حقنًا لدماء المسلمين ومصداقًا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" أي بصيغة الإخبار. والحديث الذي أشرنا إليه ابتداءً هو ما أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٧٠) عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن بن علي: إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال: قد كان جماجم = = العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت تركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء أمة محمد ثم أبتزها بائتاس أهل الحجاز؟ وقال الحاكم: صحيح على شرط الشخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وذكره الحافظ ابن كثير من طريق محمد بن سعد ثنا أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن يزيد قال سمعت جبير بن نفير الحضرمي يحدث عن أبيه قال: قلت للحسن بن علي إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة؟ فقال: كانت جماجم العرب بين يدي يسالمون من سالمت ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله ثم أثيرها ثانيًا في أهل الحجاز. (البداية والنهاية ٨/ ٤٣). ٣ - وأخرج يعقوب بن سفيان قال: حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عون بن موسى سمعت هلال بن خباب: جمع الحسن رؤوس أهل العراق في هذا القصر - قصر المدائن - فقال: إنكم قد بايعتموني على أن تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا. (المعرفة والتأريخ ٣/ ٣١٧). مراجعة لروايات الطبري حول صلح سيدنا الحسن مع سيدنا معاوية رضي الله عنهم أجمعين. قبل أن نبدأ مراجعتنا هذه نود أن نذكر هنا أن مدة خلافة سيدنا الحسن رضي الله عنه متممة للخلافة الراشدة، وذلك للحديث الذي أخرجه الترمذي وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ... " الحديث. وقال الترمذي: هذا حديث حسن [سنن الترمذي (ح ٢٢٢٦)]. وقال الحافظ ابن كثير في شرحه لهذا الحديث: إنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين وذلك كماله ثلاثين سنة من موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. [البداية والنهاية (٨/ ١٦)]. قلنا: والخلافة المشار إليها في الحديث الآنف هي الخلافة الراشدة وإلَّا فإن الخلافة الإسلامية امتدت قرونًا وقد أخبر عليه الصلاة والسلام عن تولي آخرين بيَّنت رواية أخرى عند أبي داود مرفوعًا: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك، أو ملكه من يشاء". [سنن أبي داود (ح ٤٦٤٦٩)]. وكنا قد انتهينا من تحقيق وتخريج مرويات الطبري فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين وصلح الحسن مع معاوية رضي الله عنهما وخلافة سيدنا معاوية في نهاية سنة ١٩٩٨ م وعند مراجعتي للمسودة سنة ١٤٢٢ هـ (٢٠٠١ م) اطلعت على رسالة دكتوراه قيمة كتبها الأستاذ الفاضل الدكتور خالد بن محمد الغيث من جامعة أم القرى [مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري]. وكعادتنا بعد انتهاءنا من كل جزء من أجزاء الطبري فإننا ننظر فيما كتبه المعاصرون سواء = = الأقرب إلى الواقعة التأريخية أن فترة زمنية قصيرة كانت بين الصلح السري والعلني والله تعالى أعلم. ولقد فصل الحافظ ابن حجر في الفتح حول هذه المسألة التاريخية، وعلق على قول ابن بطال: ذكر أهل العلم بالأخبار أن عليًّا لما قتل سار معاوية يريد العراق وسار الحسن يريد الشام فالتقيا بمنزل في أرض الكوفة، فنظر الحسن إلى كثرة من معه فنادى: يا معاوية إني اخترت ما عند الله فإن يكن هذا الأمر لك ... إلخ. فقال ابن حجر: والمحفوظ أن كلام الحسن الأخيير إنما وقع بعد الصلح والاجتماع كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في الدلائل من طريقه ومن طريق غيره بسندهما إلى الشعبي قال: (لما صالح الحسن بن علي معاوية قال له معاوية: قم فتكلم، فقام فحمد الله فأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أكيس الكيس التقى وإن أعجز العجز الفجور ألا وإن الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حق لامرئ كان أحق له مني، أو حق لي تركته لإرادته إصلاح المسلمين وحقن دمائهم وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حيين ثم استغفر الله ونزل). [الفتح (١٣/ ٦٣)]. قلنا: والخبر أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٦ / ٢٠٩) عن الشعبي بلفظ (شهدت الحسن بن علي رضي الله عنه بالنخيلة حين صالحه معاوية رضي الله عنه فقال معاوية: إذا كان ذا فقم فتكلم وأخبر الناس أنك قد سلمت هذا الأمر لي ... ). الخبر وأخرج نحوه الحاكم في المستدرك (٣/ ١٧٥) والله أعلم.
    ج ٤ ص ٩
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٤ ص ١٠
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = كانت رسائل جامعية، أو غيرها، فإن زادوا علينا ولم نتوصل إليه نحن أثناء التحقيق نشير إلى ما توصلوا إليه وننسب الفضل إلى أهله. وما لم نوافقهم عليه بيناه مع الالتزام بأدب الخلاف - وكذلك بالنسبة لكتاب الأستاذ غيث فموقفنا من كتابه يتضح في ثلاثة مواقف: - زاد علينا مرات؛ ووافقناه مرات؛ وخالفناه مرات. أما الذي زاد علينا، فقد كتب في صلح الحسن مع معاوية رضي الله عنهما فصلًا ولقد أجاد في بحثه هذا، وقسم الصلح إلى مراحل واحتج بالأدلة الصحيحة من مختلف المصادر الموثوقة وبين خطأ الروايات الضعيفة، ولعلنا نختلف معه في شيء يسير كما سنذكر (١١٣ - ١٧٠) من كتابه فمن أراد أن يُلِمَّ بتفاصيل هذا الصلح فليراجعه هناك وجزى الله الأستاذ غيث عنا وعن التاريخ الإسلامي خير الجزاء. وأما الموضع الآخر ففي فصله المعنون أو الموسوم [تراجم رجال أسانيد الطبري] فقد قال في ترجمة أبي عمر المدني، لعله سعيد بن سلمة بن أبي الحسام العدوي مولاهم (ترجمة ٤١). وقال في ترجمة أبي محمد الأموي: لعله إسماعيل بن عمرو بن سعيد (ترجمة ١٠١) وقد ذكر في هاتين الترجمتين احتمالًا لم يخطر على بالنا فزاد علينا جزاه الله خيرًا وحلَّ لنا إشكالًا. ووافقناه في موضع مع اختلاف يسير، فقد قال في ترجمة عبد الرحمن بن صبح الأزدي: لعله عبد الرحمن بن صبيح الذي قال عنه الرازي: إنه سمع أبا هريرة ولم يورد فيه جرحًا ولا تعديلًا [ترجمة ٦٢]. والذي قلناه في ترجمة عبد الرحمن هذا: عبد الرحمن بن صبيح الأزدي والذي في تاريخ الطبري (صبح) وهو تصحيف والصواب ابن صبيح. والله أعلم. وأما المواضع التي لم نوافقه فيها فهي كالآتي: ١ - قال الأستاذ الفاضل (الغيث) -في ترجمة إسماعيل بن راشد السلمي-: أورده ابن حبان في ثقاته في طبقة أتباع التابعين [ترجمة ١٢]. قلنا: والفرق معلوم لدى الأستاذ غيث بين الراوي الذي أورده ابن حبان في الثقات وسكت عنه ابن أبي حاتم وبين الراوي الذي أورده ابن حبان في الثقات ولكن لم يسكت عنه ابن أبي حاتم كما هو الحال في هذا الراوي (إسماعيل بن راشد السلمي) فصحيح أن ابن حبان أورده في الثقات إلَّا أن ابن أبي حاتم قال: مجهول نقلًا عن أبيه. فالأصل أنه مجهول ولا عبارة في هذه الحالة بذكر ابن حبان له في كتاب الثقات. ٢ - قال الأستاذ الغيث في كتابه القيم [مرويات خلافة معاوية]- في ترجمة أبي إسماعيل =
    ج ٤ ص ١١
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = الهمداني: لعله إسماعيل بن مجالد الهمداني شيخ علي بن محمد المدائني (ترجمة ١٣) أ. هـ. قلنا: وهذا احتمال مستبعد للآتي: لم يذكر الأئمة الذين ألَّفوا في الأسماء والكنى وغير ذلك من التراجم أن كنية إسماعيل بن مجالد هو أبو إسماعيل ولكن قالوا: بأن كنيته أبو عمر. والسبب الآخر أننا لم نجد في أسماء الرواة الذين رووا عن الشعبي من اسمه أبو إسماعيل أو إسماعيل بن مجالد. وكذلك لم نجد في ترجمة إسماعيل بن مجالد أنه يروي عن الشعبي، وإسناد الطبري هكذا [المدائني عن أبي إسماعيل الهمداني وعلي بن مجاهد قالا، قال الشعبي]. قلنا: وإن كان هذا يحتمل الانقطاع [قالا: قال] فلم يصرحا بالتحديث والله أعلم. ٣ - وقال الأستاذ غيث في ترجمة عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي: أورده ابن حبان في ثقاته. [ترجمة ٦٥]. واكتفى الأستاذ غيث بهذا القدر، (وفاته أو نسي والله أعلم) قول ابن حبان فيه: مستقيم الحديث، وفرق بين ذكره في الثقات وبين ذكره مع توثيقه. وكذلك فاته توثيق الخطيب البغدادي له بقوله: من أئمة الحديث سمع أباه. [تاريخ بغداد (٩/ ٣٧١ / ت ٤٩٤٦)]. وعندما ترجم له ابن أبي حاتم ذكر أسماء رواة ثلاث عنه وهم ثقات: وقال: روى عنه، علي بن الحسين بن الجنيد حافظ حديث الزهري. [الجرح والتعديل (٦/ ٥ / ت ٢٧) و (١/ ٩٦ / ١، ٢٦٤، ٣١٠)]. ونحن نرى لهذا الأمر أهمية فالأستاذ غيث حكم على عدد من مرويات الطبري في مسألة الصلح بأنها ضعيفة، وهي من طريق [عبد الله بن أحمد بن شبويه عن أبيه عن سليمان عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري]. وبيان سبب ضعفها، فقد ذكر في ترجمة يونس بن يزيد أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا وإن كان ثقة. وقال في ترجمة شيخ الطبري [عبد الله بن أحمد]: أورده ابن حبان في الثقات ومعلوم أن ابن حبان متساهل في التوثيق، وقد ذكرنا ما فات الأستاذ غيث في ترجمة عبد الله. وبالنتيجة فإن الأستاذ غيث قال عن مرويات الطبري في مسألة الصلح هذه: احتوت الروايات الضعيفة التي أخرجها الطبري عن الصلح على إساءة بالغة لشخص الحسن بن علي رضي الله عنه حيث اتهمته للصلح من أجل الدنيا ومتاعها الفاني. [مرويات خلافة معاوية / ص ١١٣]. وللتعليق على كلام الأستاذ غيث نقول: أما أنها روايات ضعيفة فنعم، ولقد ذكرناها في قسم الضعيف لأنها ليست على شرط الكتاب =
    ج ٤ ص ١٢
  5. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = (صحيح تاريخ الطبري) وخاصة فيما يتعلق بسيرة الصحابة وهم عدول، ولكن ليست شديدة الضعف، ولولا أنها: أولًا: خالفت شرطنا الذي ذكرناه في قسم الصحيح. وثانيًا: لأن الرواية الصحيحة التي أخرجها البخاري في صحيحه وغيره عن أئمة الحديث والتاريخ فيها كفاية وغنية وهي تغنينا عن الروايات الضعيفة، ولكن مرويات الطبري في هذا العلم ليست شديدة الضعف ولولا السببين الآنفي الذكر لحوّلناها من الضعيف إلى قسم الصحيح. علمًا بأن الحافظ ابن حجر قد صحح إسناد الطبري هذا من باب تساهله في تصحيح الروايات التاريخية فقال: وأخرج الطبري بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري قال: جعل علي على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد وكانوا أربعين ألفًا بايعوه على الموت فقتل علي فبايعوا الحسن بن علي بالخلافة وكان لا يحب القتال ولكن يريد أن يشترط على معاوية لنفسه. [الفتح ١٣/ ٦٧]. ٤ - هذا فيما يتعلق بالإسناد، أما فيما يتعلق بالمتن فقد استوقفتنا عبارة الأستاذ الفاضل، احتوت الروايات الضعيفة التي أخرجها الطبري عن الصلح إساءة بالغة لشخص الحسن بن علي رضي الله عنهما حيث اتهمته بالسعي للصلح من أجل الدنيا ومتاعها الفاني. وتعقيبًا على هذا القول نقول: صحيح أننا ندافع عن عدالة الصحابة لأن أئمة الحديث وفقهاء أهل السنة والجماعة اتفقوا على عدالتهم استنادًا إلى النصوص الصريحة الصحيحة وهم نقلة الشريعة ولكن هذا لا يعني أن ننفي عنهم الطبجعة البشرية (الطبائع العادية) أو ننفي عنهم كل سلوك نظنه إساءة إلى عدالة الصحابة فسيدنا الحسن لم يقم بالصلح سعيًا وراء متاع الدنيا الفاني، وهذا ما اتفقنا فيه مع الأستاذ غيث. ولكن حرص الحسن رضي الله عنه على حصوله على بعض الشروط وفيها ما فرض له من المال سنويًا لا يعني إساءة لشخص الحسن ولا خدشًا في عدالته. والملفت للنظر أن الأستاذ غيث نفسه قد ذكر الفوائد التي استنبطها الحافظ ابن حجر من رواية الصلح عند البخاري. ومنها: جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحًا للمسلمين والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال، وجواز أخذ المال على ذلك وإعطائه بعد استيفاء شروطه. [ص: ١٣٦]. وكذلك نقل الأستاذ غيث شرح الحافظ ابن حجر لقول الحسن: وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، وأراد الحسن بذلك كله تسكين الفتنة وتفرقة المال على من لا يرضيه إلَّا المال، فوافقاه على ما شرط من جميع ذلك والتزما له من المال في كل عام والثياب والأقوات [ص ١٣٥] وانظر [الفتح ١٣/ ٧٠]. وكذلك نقل الأستاذ غيث قول الحافظ: إنا (أي أهل البيت)، جبلنا على الكرم والتوسعة =
    ج ٤ ص ١٣
  6. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = على أتباعنا من الأهل والموالي وكنا نتمكن من ذلك بالخلافة حتى صار ذلك لنا عادة. [ص ح ١٣٤] وانظر [الفتح ١٣/ ٦٩]. وبعد هذا التوضيح يدرك القارئ الكريم أن طلب الحسن لشروط مالية لنفسه لا ضير فيه ولا طعن فيه لعدالته رضي الله عنه وإضافة في التوضيح على كلام ابن حجر نقول: إن أئمة أهل البيت (في حينه) كانوا من أكثر الناس سخاءً وصلةً لأرحامهم أسوةً بجدهم عليه الصلاة والسلام، (وصلة الأرحام يكون بالمال غالبًا)، أضف إلى ذلك فإن الحسن وأباه رضي الله عنهما كانا إمامي عدل وخليفتين للمسلمين وتعود الناس أن يقصدوهم في طلب المال قضاءً لحاجاتهم، وتصور السخاء والإمامة والانتساب إلى النبي وعترته إذا اجتمعوا في رجل سيد كالحسن الذي شهد له جده عليه الصلاة والسلام بالسيادة فكيف يكون قصد الناس إليه وكيف يكون سخاؤه؟ وكم سيكون إنفاقه على الناس؟ وأما على نفسه فالكل يعرف زهد أئمة أهل البيت في حياتهم الخاصة رضي الله عنهم وأرضاهم. وكذلك أشارت رواية البخاري رحمه الله أن سيدنا الحسن كان حريصًا على ضمان شروطه. قال: فمن في بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سالهما شيئًا إلّا قالا: نحن لك به فصالحه. وأما عن مراحل الصلح فقد أجاد الأستاذ غيث كما ذكرنا فليراجع في موضعه من الكتاب القيم [مرويات خلافة معاوية]. ولقد ذكرنا في حينه رواية البخاري في صحيحه عن هذا الصلح (ح ٢٥٥٧) ورواية الحاكم [٣/ ٣١٧] ورواية يعقوب بن سفيان (٣/ ٣١٧) في المعرفة والتاريخ. وفيما يلي بعض الروايات في الباب. وأخرج ابن سعد في طبقاته من طريق عبد الله بن بكر (ثقة) حدثنا حاتم بن أبي صغيرة (ثقة) عن عمرو بن دينار (ثقة): (أن معاوية كان يعلم أن الحسن أكره الناس للفتنة فلما توفي علي بعث إلى الحسن فاصلح ما بينه وبينه سرًّا وأعطاه معاوية عهدًا إن حدث به حدث والحسن حيّ ليسمينه وليجعلن الأمر إليه فلما توثق منه الحسن -قال ابن جعفر-: والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب بثوبي وقال: يا هاهنا اجلس فجلست، فقال: إني قد رأيت رأيًا وإني أحب أن تتابعني عليه، قلت: ما هو؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي بين ساوية وبيني هذا الحديث فقد طالت الفتنة وسفكت الدماء وقطعت الأرحام والسبل وعطلت الفروج [يعني الثغور]. قال ابن جعفر: (جزاك الله خيرًا عن أمة محمد فأنا معك، فقال: ادع لي الحسين ... ) الخبر. [الطبقات (١/ ٣٣٠)]. وانظر [سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٦٤)، واللفظ هنا من سير أعلام النبلاء. انظر [تهذيب ابن عساكر ٤/ ٢٢٤)]. وهذه الرواية توكيد لرواية البخاري من أن الحسن ومعاوية رضي الله عنهما كانا يرغبان في =
    ج ٤ ص ١٤
  7. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = الصلح وحقن دماء المسلمين. ومن أئمة أهل البيت من يؤيد الحسن كعبد الله بن جعفر، ومن عداهم ممن لم يرغبوا في الصلع قد نزلوا على رأيه لأنه أكبر ولد عليّ وقد سماه عليه الصلاة والسلام سيدًا وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وأخرج يعقوب بن سفيان النسوي بإسناد رجاله بين الثقة والصدوق فقال [٣/ ٣١٨]: ثنا سعيد بن منصور عن عون بن موسى عن هلال بن خباب. وأخرج الخطيب البغدادي من طريقين: عن سعيد بن منصور عن عون بهن موسى عن هلال بن خباب. ومن طريق اين سعد عن موسى بن إسماعيل: عن عون بن موسى عن هلال بن خباب قال: (جمع الحسن بن علي رؤوس أصحابه في قصر المدائن فقال: يا أهل العراق لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث خصال لذهلت بقتلكم أبي ومطعنكم بغلتي (وفي الميزان، فخذي) وانتهابكم ثقلي (أو قال: ردائي) عن عاتقي، وإنكم قد بايعتموني على أن تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت، وإني قد بايعت معاوية فاسمعوا له وأطيعوا، قال: ثم نزل فدخل القصر) واللفظ لموسى بن إسماعيل [تاريخ بغداد (١/ ١٣٦)]. قلنا: والخبر أخرجه الذهبي في الميزان في ترجمة سكين بن عبد العزيز [ت ٩٢٧٢] والله أعلم. وقالا لهيثمي: وعن ابن سيرين أن الحسن بن علي قال: (لو نظرتم ما بين جابرس إلى جابلق ما وجدتم رجلًا جده نبي غيري وأخي وإني أرى أن تجتمعوا على معاوية وإن أدري لعله فتنة لكم وشاع إلى حين). قال معمر (الراوي): جابرس وجابلق: المشرق والمغرب. رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح [مجمع الزوائد (٤/ ٢٠٨)]. وأخرج الإسماعيلي الخطيب من طريق حماد بن زيد عن علي بن زيد وهشام عن الحسن .. الخبر (في صلح الحسن ومعاوية) وفي آخره قال: (فنظر إليهم أمثال الجبال في الربد، فقال: أضرب هؤلاء بعضهم ببعض في ملك من ملك الدنيا؟ لا حاجة لي به). [الإصابة (٢/ ٧٣)]. وأخرج ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، عن ابن شوذب قال: (لما قتل علي سار الحسن في أهل العراق، ومعاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن يجعل العهد له من بعده، فكان أصحاب الحسن يقولون: يا عار المؤمنين، فيقول: العار خير من النار). [الإصابة (٢/ ٧٣)]. وعلى أية حال فإن الحسن لم يكن يرغب في القتال في الفتنة من أول عهده، ولكنه انتظر =
    ج ٤ ص ١٥
  8. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = ظرفًا مناسبًا وأمرًا مهيئًا كي يعلن صلحه في توقيت مناسب، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، وصدقت نبوءة جده عليه الصلاة والسلام فيه. وإذا كانت الأمة الإسلامية قد نعمت بالأمن والأمان لعقدين من الزمان في عهد أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه فقد جعل الله لذلك - بقدره - سببين: الأول: تفضل أمير المؤمنين الحسن بن علي للصلح على القتال وتقديم المصلحة الأخروية على الدنيوية. والسبب الثاني: هو ما رزقه الله من الدهاء والحلم والحكمة والسياسة لسيدنا معاوية رضي الله عنه بالإضافة إلى رغبته كذلك في الصلح كما كان يرغب أخوه في الله الحسن بن علي. وإذِا اقتتل الأخوان يومًا فلا يخرجان بذلك من دائرة الإيمان لقوله تعالى: {فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ} [الحجرات: ١٠]. وسبق أن ذكرنا رواية الحاكم في المستدرك (٣/ ١٧٠) عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن بن علي: إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة، فقال: (قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت تركتها ابتغاء وجه الله تعالى وحقن دماء أمة محمد ... ) الخبر. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي والله أعلم. وكما قال الحافظ ابن حجر، فإنه (أي: الحسن) ترك الملك لا لقلةٍ ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله لما راه من حقن دماء المسلمين فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة. [الفتح (١٣/ ٦٦)]. ولقد سرد الأستاذ الفاضل خالد بن محمد الغيث بعضًا من هذه الروايات وزاد عليها روايات لم نذكرها نحن وهي صحيحة، وقسَّم الصلح إلى مراحل وبين من خلالها أن محاولة اغتيال الحسن رضي الله عنه تكررت مرة قبل الصلح ومرة بعدها. والذي نراه - والله أعلم - أنه جرت له محاولة اغتيال مرة واحدة، ولو طعنوه مرتين لذكر قائلًا: وطعني في فخذي مرتين. (مثلًا)، ولم نجد رواية صحيحة تذكر ذلك. وما ذكره البلاذري وغيره - مما ذكره الأستاذ غيث عند حديثه عن المرة الثالية - ذكر بلا إسناد، والله أعلم. ويبدو لنا ومن خلال الروايات أن الحسن راسل معاوية سرًّا في بداية الأمر كما تبين رواية ابن سعد [فلما توفي علي بعث إلى الحسن فاصلح الذي بينه وبينه سرًّا]، ثم بدأ الحسن يتحدث إلى أقرب المقربين إليه ابن عمه وأخيه، ثم لمَّا كان الوقت المناسب أعلن الصلح على الملأ. ولقد سرد الأستاذ جميع روايات الصلح سريها وعلنيَّها إلَّا أنه لم يشر إلى ذلك في شرحه للمراحل. وتوفيقًا بين رواية البخاري ورواية ابن سعد الصحيحة عن عمرو بن دينار نقول: =
    ج ٤ ص ١٦
  9. ١ م- حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قال: أخبرني سليمان بن بلال، عن الجارود بن أبي سَبْرة، قال: صالح الحسنُ - عليه السلام - معاوية، وشخَص إلى المدينة، فبعث معاوية بُسْر بن أبي أرطاة إلى البصرة في رجب سنة إحدى وأربعين وزياد متحصّن بفارس، فكتب معاوية إلى زياد: إن في يديك مالًا من مال الله، وقد ولِّيت ولاية فأدِّ ما عندك من المال، فكتب إليه زياد: إنه لم يَبقَ عندي شيء من المال، وقد صرفتُ ما كان عندي في وجهه، واستودعتُ بعضه قومًا لنازلة إنْ نزلت، وحملتُ ما فَضَل إلى أمير المؤمنين رحمةُ الله عليه، فكتب إليه معاوية: أن أقبِل إليّ ننظر فيما ولِّيت، وجرى على يديك، فإن استقام بيننا أمرٌ فهو ذاك، وإلا رجعتَ إلى مأمنِك؛ فلم يأته زياد، فأخذ بُسْر بني زياد الأكابر منهم، فحبسهم: عبد الرحمن، وعبيد الله، وعبّادًا، وكتب إلى زياد: لتقدمنّ على أمير المؤمنين أو لأقتلنّ بنيك، فكتب إليه زياد: لستُ بارحًا من مكاني الذي أنا به حتى يحكم الله بيني وبين صاحبك، فإن قتلتَ

    ج ٤ ص ١٨مَن في يديك مِن وَلَدي فالمصير إلى الله سبحانه، ومن ورائنا وورائِكم الحساب، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: ٢٢٧] فهمّ بقتلهم، فأتاه أبو بكرة فقال: أخذتَ ولدي وولد أخي غلمانًا بلا ذَنْب، وقد صالح الحسن معاوية على أمان أصحاب عليّ حيث كانوا، فليس لك على هؤلاء ولا على أبيهم سبيل؛ قال: إن على أخيك أموالًا قد أخذها فامتنع من أدائها؛ قال: ما عليه شيء، فاكفف عن بني أخي حتى آتِيَك بكتاب عن معاوية بتخلِيتَهم، فأجّله أيامًا، قال له: إن أتيتَني بكتاب معاوية بتخلِيتَهم وإلا قتلتُهم أو يُقبل زياد إلى أمير المؤمنين، قال: فأتى أبو بكرة معاويةَ فكلّمه في زياد وبنيه، وكتب معاوية إلى بُسر بالكفّ عنه وتَخلية سبيلهم، فخلّاهم (١) . (٥: ١٦٨/ ١٦٩) .

    1. (١)رجاله ثقات.
    ج ٤ ص ١٧