ذكر الأحداث التي كانت بين نوح وإبراهيم خليل الرحمن عليهما السلام

٥ فقرات، ج ١ ص ٢٢٨

  1. فكان من قصَّتهم ما حدَّثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش، قال: حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن حَسَّان البكريّ، قال: قدمتُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فمررت بامرأة بالرَّبذة، فقالت: هل أنتَ حاملي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قلتُ: نعم، فحملتُها حتى قدمت المدينة، فدخلتُ المسجد، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر، وإذا بلالٌ متقلِّد السيف، وإذا رايات سُودٌ، قال: قلت: ما هذا؟ قالوا: عمرو بن العاص قدم من غَزْوته، فلمَّا نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن منبره أتيته فاستأذنته، فأذن له، فقلتُ: يا رسول الله، إنّ بالباب امرأةً من بني تميم، قد سألتني أن أحمِلها إليك، قال: يا بلال، ائْذَن لها، قال: فدخلتْ، فلما جلستْ قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم، وكانت الدبَرَة عليهم، فإن رأيت أن تجعل الدَّهناء بيننا وبينهم فعلت، قال: تقول المرأة فأين تضطر مُضرَك يا رسول الله؟ قال: قلت: مثَلِي مثل معزىً حملت حَتْفًا، قال: قلت: أو حملتُك تكونين عليّ خصمًا! أعوذ بالله أن أكون كوفد عاد. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وما وفد عاد؟ قال: قلت: على الخبير سقطت؛ إن عادًا قحطت، فبعثتْ من يَسْتَسْقِي لها، فمرّوا على بكر بن معاوية بمكة يَسقيهم الخمر، وتُغنّيهم الجرادتان شهرًا، ثم بعثوا رجلًا من عنده، حتى أتى جبال مَهْرة، فدعا، فجاءت سحابات، قال: وكلّما جاءت قال: اذهبي إلى

    ج ١ ص ٢٢٩كذا، حتى جاءت سحابة، فنُودي منها: خُذها رمادًا رِمْدَدًا، لا تدع من عاد أحدًا. قال: فسمعه وكتمهم حتى جاءهم العذاب (١) . (١: ٢١٧/ ٢١٨) .

    قال أبو كريب: قال أبو بكر بعد ذاك في حديث عاد، قال: فأقبل الذي أتاهم، فأتى جبال مَهْرة فصعد فقال: اللهمّ إني لم أجئك لأسير فأفاديه، ولا لمريض أشفيه، فاسق عادًا ما كنت مُسْقيه! قال: فرُفعت له سحابات. قال: فنُودي منها: اختر، فجعل يقول: اذهبي إلى بني فلان اذهبي إلى بني فلان. قال: فمرّت آخرها سحابة سوداء؛ فقال: اذهبي إلى عاد. قال: فنوديَ منها: خُذها رمادًا رِمْدَدًا، لا تدع من عاد أحدًا. قال: وكتمهم والقوم عند بكر بن معاوية يشربون. قال: وكره بكر بن معاوية أن يقول لهم من أجل أنهم عنده، وأنهم في طعامه. قال: فأخذ في الغناء وذكَّرهم (٢) . (١: ٢١٨) .

    1. (١)هذا إسناد حسن صحيح والحديث أخرجه أحمد (ح ١٥٩٥٣) من طريق سلام أبي المنذر عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن الحارث بن حسَّان قال: مررت بعجوز بالربذة منقطع بها من بني تميم ... الحديث مع اختلاف في الألفاظ، والحديث أخرجه غير واحد كما سنبين بعد الرواية الآتية.
    2. (٢)صحيح.
    ج ١ ص ٢٢٨
  2. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا زيد بن حُباب، قال: حدثنا سلَّام أبو المنذر النَّحْويّ، قال: حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن الحارث بن يزيد البكريّ، قال: خرجت لأشكوَ العلاء بن الحضرَميّ إلى رسول لله - صلى الله عليه وسلم، فمررت بالرَّبذة، فإذا عجوز منقطَع بها من بني تميم، فقالت: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجةً، فهل أنت مُبْلغي إليه؟ قال: فحملتُها، فقدمتُ المدينة - قال أبو جعفر: أظنه قال: "فإذا رايات سود" - قال: قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث بعمرو بن العاص وجْهًا. قال: فجلست حتى فرغ، قال: فدخل منزله -أو قال رَحْلَه- فاستأذنتُ عليه، فأذن لي. قال: فدخلت فقعدت، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ قال: قلت: نعم، وكانت الدَّبَرة عليهم، وقد مررت بالرَّبَذة، فإذا عجوز منهم منقطَع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب، فأذن لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخلت، فقلت: يا رسول الله، اجعل بيننا وبين تميم الدَّهنَاءَ حاجزًا، فحمِيت العجوزُ واستوفزت، وقالت: فأين تضطر

    ج ١ ص ٢٣٠مضرَك يا رسول الله؟ قال: قُلت: أنا كما قالوا: "معزىً حملتْ حَتْفًا" ، حملتُ هذه ولا أشعر أنها كائنة لي خصمًا، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد! قال: وما وافد عاد؟ قلت: على الخبير سقطت، قال: وهو يستطعمني الحديث قلت: إن عادًا قَحِطُوا فبعثوا "قَيلًا" وافدًا، فنزل على بَكْر، فسقاه الخمر شهرًا، وتغنِّيه جاريتان يقال لهما الجرادتان، فخرج إلى جبال مَهْرة، فنادى: إني لم أجئ لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه، اللهم اسق عادًا ما كنت تُسقيه! فمرَّت به سحابات سود، فنودي منها: خذها رمادًا رِمْدَدًا، لا تبقي من عاد أحدًا. قال: فكانت المرأة تقول: لا تكن كوافد عاد، فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح يا رسول الله إلَّا قدْرَ ما يجري في خاتمي. قال أبو وائل: وكذلك بلغني (١) . (١: ٢١٨/ ٢١٩) .

    1. (١)هذا إسناد حسن صحيح والحديث أخرجه أحمد (ح ١٥٩٥٤) من طريق زيد بن حبان (كما عند الطبري) وإسناده حسن، وحديث الحارث هذا أخرجه الترمذي مختصرًا كما عند أحمد والطبري وقال: روى غير واحد هذا الحديث عن سلام أبي المنذر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث بن حسان ويقال الحارث بن يزيد. اهـ. (سنن الترمذي / ح ٣٢٧٣). والحديث أخرجه النسائي في السنن الكبرى (ح ٨٦٠٧). ولقد حسَّن الحافظ ابن حجر إسناده من رواية أحمد وقال: والظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه وإنما بنيت بعد إبراهيم حين أسكن هاجر وإسماعيل بواد غير ذي زرع، فالذين ذكروا في سورة الأحقاف هم عاد الأخيرة (فتح الباري ٩/ ٥٥١ / طبعة دار الفكر).
  3. حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: حُدّثت أنه لما أخذتهم الصيحة أهلك الله مَنْ بين المشارق والمغارب منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حَرَم الله، منعه حرمُ الله من عذاب الله قيل: ومن هو يا رسول الله: ؟ قال: أبو رِغال، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أتى على قرية ثمود لأصحابه: "لا يدخلنّ أحدٌ منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم" ، وأرَاهم مُرتقَى الفصيل، حين ارتقى في القارة.

    قال ابن جريج: وأخبرني موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمران، أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أتى على قرية ثمود قال: "لا تدخلُنَّ على هؤلاء

    ج ١ ص ٢٣١المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبَكم ما أصابهم ".

    قال ابن جريج: قال جابر بن عبد الله: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أتى على الحجْر، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فلا تسألوا رسولَكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية، فبعث الله لهم الناقة، فكانت تَرِد من هذا الفجّ وتصدُر من هذا الفجّ، فتشرب ماءهم يوم ورْدها" (١) . (١: ٢٣١) .

    1. (١)لقد ذكر الطبري هنا حديثًا في قصة واحدة ولكن فرقه على ثلاثة أسانيد، الأول من طريق ابن جريج قال: حدثت، والثاني من طريق ابن جريج عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمران مرفوعًا. والثالث من طريق ابن جريج عن جابر مرفوعًا، والحديث رواه غير واحد من الأئمة مختصرًا ومطولًا وفي أسانيد أكثرها ضعيف سوى طريق سنذكرها. أخرج أحمد في مسنده من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال: لما مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحجر قال لا تسألوا الآيات وقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعصوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يومًا ويشربون لبنها يومًا، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله، قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: أبو رغال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه). (مسند أحمد / ح ١٤١٦٠). وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والبزار وأحمد بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح وقد تقدمت لهذا الحديث طرق مختصرة في غزوة تبوك (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد / ح ١١٠٧٨). قلنا: وحديث جابر (عند أحمد) أورده الحافظ ابن كثير وقال: وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو في شيء من الكتب الستة (قصص الأنبياء / ١١٢). قلنا: وحديث جابر هذا أخرجه الحاكم (٢/ ٣٤١) وصححه ووافقه الذهبي وأخرجه الطحاوي في شرح المشكل (ح ٣٧٥٧) وقال العلامة أرناؤوط: وسنده قوي (انظر مسند أحمد / ح ١٤١٦٠). قلنا: والحديث أخرجه الطبراني (ح ١٢٩٣١) وأورده الحافظ البوصيري من طريق محمد بن يحيى بن أبي عمر ثنا يحيى بن سليم عن ابن خثيم عن أبي الزبير ثنا جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزل الحجر في غزوة تبوك ... الحديث) ولم يسم الرجل، وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح (إتحاف الخيرة المهرة / ٨ / ح ٧٧١٣). وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي / ح ٤٤٢٠) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: = = قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحاب الحجر: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلَّا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم". وأخرجه أحمد في مواضع في مسنده عن عبد الله بن عمر كما في (ح ٥٩٨٤) عن ابن عمر قال: (لما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس عام تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود ... الحديث وفي آخره (ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، قال: إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليه". قلنا: وإسناده صحيح والحديث أخرجه مسلم (ح ٢٩٨١) وابن حبان (ح ٥٩٩١) من مسند عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -.
  4. حدثني إسماعيل بن المتوكل الأشجعيّ، قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: حدثنا عبد الله بن واقد، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيمٍ، قال: حدثنا أبو الطفيل قال: لما غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة تبوك، نزل الحِجْر فقال: "أيها الناس لا تسألوا نبيَّكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيَّهم أن يبعث لهم آية، فبعث الله تعالى ذكرهُ لهم الناقة آية، فكانت تلِجُ عليهم يوم وِرْدها من هذا الفجّ فتشرب ماءهم، ويوم وردهم كانوا يتزودون منه، ثم يحلبونها مثل ما كانوا يتزوّدون من مائهم قبل ذلك لبنًا، ثم تخرج من ذلك الفجّ. فعتوا عن أمر ربهم وعقروها، فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام، وكان وعدًا من الله غير مكذوب، فأهلك الله مَنْ كان منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلَّا رجلًا واحدًا كان في حرم الله، فمنعه حرم الله من عذاب الله، قالوا: ومَنْ ذلك الرجل يا رسول الله؟ قال: أبو رِغال (١) .

    1. (١)إسناده ضعيف ولكن المتن صحيح (مختصر عن الذي قبله) فالحديث هنا صحيح لغيره والله أعلم. وسبق أن ذكرنا رواية الإمام أحمد في مسنده (ح ١٤١٦٠) عن جابر - رضي الله عنه - قال: لما مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجر قال: "لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح .... الحديث". وانظر الرواية السابقة فقد ذكرنا الحديث بتمامه.
    ج ١ ص ٢٣٢
  5. (١: ٢٣١/ ٢٣٢) .