(ذكر خبر البيعة ليزيد بولاية العهد)

٤ فقرات، ج ٤ ص ٣٠

  1. وفيها دعا معاوية الناس إلى بيعة ابنه يزيد من بعده وجعله ولي العهد (٢) .

    1. (٢)أخرج الطبري أربع روايات في هذه المسألة أسانيدها ضعيفة جدًّا وسنذكر هنا أصح ما ورد في الباب (وإن كان فيه مقال والله أعلم). ١ - أما معاوية رضي الله عنه فقد أجمع أهل الحل والعقد على بيعته أميرا للمؤمنين بعد أن صالحه سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما وسلّم له الخلافة ولم يكن ببال معاوية في بداية حكمه أن يولي ابنه يزيد ولكن تولدت في ذهنه هذه الفكرة فيما بعد فقد ذكر الحافظ ابن كثير عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال: بعثني زياد في شغل إلى معاوية، فلما فرغت من أمري قلت: يا أمير المؤمنين لمن يكون الأمر من بعدك؟ فسكت ساعة ثم قال: يكون بين جماعة إما كريم قريش سعيد بن العاص، وإما فتى قريش حياء ودهاء وسخاء، عبد الله بن عامر وإما الحسن بن علي فرجل سيد كريم وإما القارئ لكتاب الله الفقيه في دين الله الشديد في حدود الله مروان بن الحكم وإما رجل فقيه عبد الله بن عمر، وإما رجل يتردد الشريعة مع دواهي السباع ويروغ روغان الثعلب فعبد الله بن الزبير (البداية والنهاية ٨/ ٨٨). قلنا: وعبد الملك وقبيضة كلاهما ثقة فإن صحّ هذا يعني أن أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه كان لا يفكر في تولية ابنه يزيد حتى وفاة الحسن بن علي رضي الله عنه لأن سياق الرواية يدل على أن الحسن كان حيًّا في حينه. ٢ - وعلى ما يبدو (والله أعلم) فإن مشاركة ابنه يزيد مع كبار الصحابة في غزو القسطنطينية = = ونجاحه في بعض مهامه المناطة به وخاصة بعد وفاة الحسن دفعت معاوية رضي الله عنه إلى التفكير في تولية زياد الحكم من بعده واستتباب الأمور له قبل أن يتوفاه الله ظنًّا منه أن كلمة المسلمين ستجتمع على ابنه يزيد وينعم المجتمع الإسلامي بالأمن فاجتهد معاوية رضي الله عنه فاختار ابنه يزيد للخلافة من بعده ولكن اجتهاده هذا كان مرجوحًا لأنه بذلك أحدث شرخًا كبيرًا بتعطيله ركنًا أساسيًا من أركان السياسة الشرعية وأعني ركن الشورى والله أعلم - ونحن لا نظن بصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا خيرًا فنقول: أراد أمير المؤمنين معاوية أن يجمع أمر المسلمين من بعده على رجل أنسب للحكم فوجد ابنه الرجل المناسب فاجتهد فلم يصب في اجتهاده وخالف الشورى فلم يأخذ برأي أهل الحل والعقد قبل أن يعلن عن اجتهاده هذا، نعم هذا ما نظنه في معاوية رضي الله عنه وإن كنا أمرنا باجتناب الظن. فاجتنابنا للظن في حق الصحابة أولى ولم ترد رواية صحيحة السند تبين أن معاوية أراد شرًّا بالمسلمين حين ولاهم ابنه من بعده ولا يستبعد أن يكون لعاطفة الأبوة دور في ذلك الاختيار ولكن لا دليل على ذلك ولقد ذكر ابن كثير فقال: ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته وكان ظن أن لا يقوم أحد من الصحابة في هذا المعنى، ولهذا قال لعبد الله بن عمر فيما خاطبه به: إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع، فقال له ابن عمر: إذا بايعه الناس كلهم بايعته ولو كان عبدًا. ٣ - ولقد قلنا في بداية حديثنا هذا أن الروايات التي تتحدث عن أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد لا تخلو أسانيدها من مقال ولكن أعرضنا عن الروايات الضعيفة الأسانيد جدًّا وسنذكر أقلها ضعفًا أي أصحّ ما علمنا في الباب والله أعلم. فلقد أخرج خليفة: حدثنا وهب بن جرير بن حازم قال: حدثني أبي قال: نا النعمان بن راشد عن الزهري عن ذكوان مولى عائشة قال: لما أجمع معاوية أن يبايع لابنه يزيد، حجَّ فقدم مكة في نحو من ألف رجل، فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فلما قدِمَ معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر ابنه يزيد فقال: من أحقُّ بهذا الأمر منه، ثم ارتحل فقدم مكة فقضى طوافَهُ، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد وقال: أما بعد يا بن عمر فإنك قد كنتَ تحدثني أنك لا تحب أن تَبيت ليلةً سوداء ليس عليك أمير، وإني أحذرك أن تَشُقَّ عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم، فلما سكت تكلم ابن عمر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم، فلم يروا في أبنائهم ما رأيت أنت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار، وإنك تحذِّرني أن أشق عصا المسلمين وأن أسعى في فساد ذات بينهم، ولم أكن لأفعل. = = إنما أنا رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم، فقال: يرحمك الله، فخرج ابن عمر، وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهد وأخذ في الكلام، فقطع عليه كلامه فقال: إنك والله لوَدِدتَ أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا والله لا نفعل، والله لترُدّنَّ هذا الأمر شورى في المسلمين، أو لنعيدنَّها عليك جذعة ثم وثب فقام. فقال معاوية: اللهم اكفنيه بمَا شئت، ثم قال: على رِسلك أيها الرجل لا تشرفن بأهل الشام - فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك - حتى أخبر العشية أنك قد بايعت ثم كن بعد ذلك على ما بدا لك من أمرك. ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا بن الزبير إنما أنت ثعلب روَّاغ كلما خرج من جحر دخل آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما وحملتهما على غير رأيهما، فتكلم ابن الزبير فقال: إن كلنت قد مللتَ الإمارة فاعتزلها، وهلُمَّ ابنك فلنبايعه، أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع؟ لأيكما نطيع؟ ! لا نجمع البيعة لكما والله أبدًا. ثم قام، فراح معاوية فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذوات عواز، زعموا أن ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر الصديق لم يبايعوا يزيد! قد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له فقال: أهل الشام لا والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الناس وإلا ضربنا أعناقهم، فقال: منه سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالسوء، لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم، ثم نزل، فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر، ويقولون: لا والله ما بايعنا. ويقول الناس: بلى لقد بايعتم، وارتحل معاوية فلحق بالشام. (تأريخ خليفة / ٢١٣، ٢١٤). قلنا: ورجال هذا الإسناد رجاله الصحيح سوى النعمان بن راشد وهو صدوق سيئ الحفظ. ٤ - وأما ما ورد من تهديد سيدنا معاوية لأعيان الصحابة (العبادلة الأربعة) وممارسة التخويف والضغط فلا يصح إسناده ومن ذلك ما أخرجه خليفة من طريق جويرية بن أسماء قال: (سمعت أشياخ أهل المدينة يحدثون أن معاوية ... الخبر) وهذا يعني أن في الإسناد مجاهيل فكيف نعتمد عليها في الاحتجاج والله أعلم. ٥ - ولعل من قائل يقول إذا كان هذا الأمر المستحدث (ولاية العهد لابن الخليفة) مخالفًا لأصول السياسة الشرعية المتبعة في عهد الخلافة الراشدة فلماذا بايع عدد من الصحابة ليزيد وفي مقدمتهم فقيه الصحابة عبد الله بن عمر؟ قلنا: إنهم فعلوا ذلك اعتمادًا على أصل من أصول السياسة الشرعية ألا وهو الأخذ بالمصلحة الشرعية الراجحة عند (خوف الفتنة) وافتراق الأمة، كما أخرج خليفة بن خياط قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: نا سفيان عن محمد بن المنكدر. قال ابن عمر حين بويع يزيد بن معاوية: إن كان خيرًا رضينا وإن كان بلاءً صبرنا - (تأريخ خليفة / ٢١٧). =
    ج ٤ ص ٣٠
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٤ ص ٣١
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٤ ص ٣٢
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = قلنا: ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح- وفي رواية أخرى أخرجها خليفة أوضح من سابقتها إذ قال خليفة: وحدثنا عبد الرحمن قال: نا أبو عوانة عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن قال: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: أتقولون إن يزيد ليس بخير أمة محمد، لا أفقه فيها فقهًا ولا أعظمها فيها شرفًا؟ قلنا: نعم. قال: وأنا أقول ذلك، ولكن والله لئن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق، أرأيتم بابًا لو دخل فيه أمة محمد وسِعهم، أكانَ يعجز عن رجل واحد لو دخل فيه؟ ! قلنا: لا. قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل رجل منهم لا أهريق دم أخي، ولا آخذ ماله، أكان هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: فذلك ما أقول لكم. ثم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يأتيك من الحياء إلا خير" (تأريخ خليفة / ٢١٧). قلنا: ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح غير داود بن عبد الله الأودي وهو ثقة، مجدع الأطراف (البداية والنهاية ٨/ ٨٣). قلنا: وإن كان إسناد هذا القول إلى معاوية صحيحًا فهو بيت القصيد وفي رواية أخرى ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٨٧) عن ابن سيرين وقال رجاله رجال الصحيح وخلاصته أن عمرو بن حزم الأنصاري استأذن على معاوية ثم دار بينهم حوار حول من الأولى بالحكم بعد معاوية هل أبناء الصحابة المعروفون ومنهم علية القوم الذين نالوا شرف الصحبة حين كانوا في مقتبل عمرهم (كعبد الله بن عمر وابن الزبير والحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر). وتحدث معه عمرو بكل صراحة ووضوح أداءً منه لفريضة النصح لإمام المسلمين وعامتهم وتقبل معاوية هذا النصح الجريء وأبدى قناعاته قائلًا (وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، فابني أحق من أبنائهم). قلنا: وهذا يعني أنه - رضي الله عنه - كان يرى ابنه أولى بالحكم منهم وبالإضافة إلى حرصه على جمع المسلمين على رجل من بعده يحفظ للأمة المسلمة أمانها وأمنها فوقع اختياره على ابنه يزيد ولم يصب في اجتهاده. وكان معاوية يدعو ربه قائلًا (اللهم إن كنت تعلم أني وليته لأنه فيما أراه أهلًا لذلك، فأتم له ما وليته وإن كنت وليته لأني أحبه فلا تتم ما وليته). ولقد بيّن الإمام الذهبي اسم هذا الصحابي الذي روى عنه حميد بن عبد الرحمن الحميري إذ قال الذهبي رحمه الله: وقال حميد بن عبد الرحمن: دخلنا على بشير وكان صحابيًّا حين استخلف يزيد فقال: يقولون إنما يزيد ليس بخير أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنا أقول ذلك، ولكن يجمع الله أمة محمد أحب إليّ من أن تفترق. (تأريخ الإسلام / عهد معاوية / ١٦٩). =
    ج ٤ ص ٣٣