خلافة يزيد بن معاوية سنة ٦٠

٦ فقرات، ج ٤ ص ٦٠

  1. وفي هذه السنة بويع ليزيدَ بن معاوية بالخلافة بعد وفاة أبيه، للنّصف من رجب في قول بعضهم، وفي قول بعضهم: لثمانٍ بقِينَ منه - على ما ذكرنا قبلُ من وفاة والده معاوية - فأقرّ عُبيَد الله بن زياد على البَصرة، والنُّعمان بن بشير على الكوفة (١) .

    1. (١)لقد كان تولي يزيد الحكم خطوة مغايرة لما عرفه الناس في عهد الخلافة الراشدة، صحيح أن الناس قد بايعوا للحسن بن علي بعد أبيه - رضي الله عنهما - إلّا أن سيدنا علي لم يَدْعُ الناس إلى بيعة ابنه من بعده، وعلى أية حال فإن الخلافة إنما تنعقد ويتم برضيّ من الأمة متمثلة بأهل الحل والعقد ولو أوصى الخليفة لمرشح من بعده فلا بد لأهل الحل والعقد أن ينظروا في ذلك وذلك يطول شرحه وليس محله هنا. ونرجع إلى المسألة من الناحية التاريخية فنقول: لقد اجتهد الإمام معاوية واجتهاده ذو شقين أصاب في الأول وأخطأ في الثاني، فقد خشي سيدنا معاوية - رضي الله عنه - على الأمة أن تمزَّقها الفرقة والفتنة إن لم تكن اصطلحت على خليفة من بعده وكان يرى ابنه من بين بقية أبناء الصحابة أجدر الناس بسياسة الأمور وإدارة الحكم وإن لم يكن أفضلهم علمًا وورعًا، وكان يرى في تولية يزيد ضمانًا للأمن والاستقرار والهدوء السياسي الذي دام عقدين من الزمان في ظل حكمه - رضي الله عنه -، فسيدنا معاوية أصاب عندما أيقن بضرورة إجماع الأمة على خليفة قبل أن يموت ولكنه أخطأ في اختياره ليزيد لذلك المنصب أما عاطفة الأبوة فلا نستطيع أن ننفيه ولا نثبته كذلك. = = ولا نقول أكثر من هذا في حق كاتب وحي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخليفة المسلمين الذي بايعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم من وجهاء الصحابة - رضي الله عنهم - وأرضاهم. قال العلامة ابن خلدون: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة العامة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذٍ من بني أمية. إن بنو أمية يومئذٍ لا يرضون سواهم وهم عصابة قريش وأهل الملة أجمع وأهل الغلب منهم فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع وإن كان الظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة ذلك وعدالتهم مانعة منه. اهـ. (مقدمة ابن خلدون ص ٢١٠). وجزى الله ابن خلدون عن المسلمين وتاريخهم خيرًا فلا نزيد عليه فقد كفانا ردَّ هذه الشبهة، والحمد لله أولًا وآخرًا. ولقد رَوى الطبري أخبارًا في هذه المسألة ذكرناها جميعًا في قسم الضعيف فلا تصح منها رواية ولو واحدة، وفي متونها نكارات وكذلك روى غير الطبري روايات أخرى تتهم سيدنا معاوية بتهم باطلة منها أنه - رضي الله عنه - تحدَّث مع العبادلة من الصحابة من أهل الحل والعقد فأبوا أن يبايعوا ليزيد ولكن معاوية صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار زعموا أن ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير لن يبايعوا يزيد، وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له" فقال أهل الشام: والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس الأشهاد وإلا ضربنا أعناقهم. فقال: "سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالشر لا أسمع هذه المقالة من أحدٍ منكم بعد اليوم"، ثم نزل، فقال الناس: بايع ابن عمر وابن الزبير وابن أبي بكر وهم يقولون: لا والله ما بايعنا، فيقول الناس: بلى وارتحل معاوية فلحق بالشام. اهـ. ولو رجعنا إلى أصل الرواية لوجدناها عند خليفة في تاريخه (ص ٢١٣) من طريق النعمان بن راشد عن الزهري عن ذكوان مولى عائشة. ولو راجعنا أقوال أئمة الجرح والتعديل في النعمان بن راشد لوجدناها كما يلي: قال أحمد: مضطرب الحديث روى أحاديث مناكير. وقال النسائي: ضعيف كثير الغلط. وقال ابن معين: ليس بشيء. وذكره العقيلي وابن الجوزي وابن عدي في الضعفاء. قلنا: فإذا كان هذا حال النعمان بن راشد فكيف نعتمد على متن رواية بهذا الإسناد وحتى لا يزعم بعض الناس أننا نكتب التاريخ كما نتمنى وكما يحلو لنا نذكر هنا رأي الأستاذ العش = = -رحمه الله- وهو يشكك في تلك الروايات التاريخية المتعلقة بولاية العهد ليزيد. يقول الدكتور يوسف العش: ونجد في هذه المناسبة رواية تبين لنا موقف معاوية من الأمر فيقال لنا: إن معاوية سافر بألف فارس إلى المدينة ليحصل على بيعة النفر الثلاثة المهمين - أي: الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، ومعهم ابن عباس - لكن هؤلاء أدركوا عواقب الأمور، فخرجوا إلى مكة هاربين، ولحق بهم معاوية إلى مكة، وجمعهم، وكلمهم في شأن البيعة فأجابه عنهم ابن الزبير فحضه ... إلخ. وفيه يقول معاوية: وسأذهب بكم إلى المسجد الجامع وعلى رؤوسكم السيف، فمن خالف أمري أصابه السيف، وسار بهم إلى المسجد، وخطب في الناس يقول: إن هؤلاء النفر الذين يرجع إليهم الأمر قد وافقوا على بيعة يزيد، فهلموا إليها، وسكت النفر فأقبل الناس عليها. وقد رفض كثير من المؤرخين هذه الرواية لأنها تخالف طبع معاوية، ونحن لا ندري أنرفضها أم نقبلها، فإنا إذا رفضناها افترضنا أن معاوية ترك القرشيين الأولين أحرارًا في المبايعة لابنه، وفي هذا خطر كل الخطر. وإذا قبلناها نراها تخالف طبع معاوية، فهو لم يكن ليجرد ألف فارس يسير بهم ويجبر الصحابة بهذه الرواية التمثيلية، والذي يبقى أمامنا هو أن نفترض أنه سافر إلى الحجاز، ووجد أسلوبًا حكيمًا يبايع فيه الناس ابنه بمحضر من هؤلاء النفر دون أن يظهروا عدم رضاهم عن بيعته، ودون أن يبايعوه بأنفسهم. والحق أن هؤلاء لم يبايعوا يزيد، ويظهر ذلك في وصية معاوية لابنه حين وفاته، إذ يوصيه بعدم التواني بأخذ البيعة منهم. أهـ[الدولة الأموية (ص ١٦٣ - ١٦٤)]. قلنا: وهذه الرواية التي ناقشها الدكتور العش وشكك في صحتها هي في حقيقة الأمر غير صحيحة الإسناد والمتن والحمد لله. قلنا: وبعد بحث طويل في كتب الحديث والتراجم والتاريخ لم نجد رواية تاريخية صحيحة السند ولا غرابة في متنها أو نكارة سوى رواية واحدة في حلية الأولياء رجال إسنادها ثقات، وهي الرواية الوحيدة (حسب علمنا القاصر) التي تبين ما دار بين معاوية وبقية الصحابة من أهل الحل والعقد من الذين سكنوا بجوار الحرمين الشريفين ولم نجد فيها حشوًا. فقد أخرج الحافظ أبو نعيم من طريق صالح بن كيسان عن الزهري قال: أخبرني القاسم بن محمد بن أبي بكر: أن معاوية أخبر أن عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، خرجوا من المدينة عائذين بالكعبة من بيعة يزيد بن معاوية، قال: فلما قدم معاوية مكة تلقاه عبد الله بن الزبير بالتنعيم فضاحكه معاوية وسأله عن الأحوال، ولم يعرض بشيء من الأمر الذي بلغه، ثم لقي عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر فتفاوضا معه في أمر يزيد، ثم دعا معاوية ابن الزبير فقال له: "هذا صنيعك أنت، استزللت هذين الرجلين وسننت هذا الأمر، وإنما أنت ثعلب روّاغ لا تخرج من جحر إلَّا دخلت في =
    ج ٤ ص ٦٠
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٤ ص ٦١
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٤ ص ٦٢
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = آخر". فقال ابن الزبير: "ليس بي شقاق ولكن أكره أن أبايع رجلين أيكما نطيع بعد أن أعطيكما العهود والمواثيق؟ فإن كنت مللت الإمارة فبايع ليزيد فنحن نبايعه معك". فقام معاوية حين أبوا عليه، فقال: "ألا إن حديث الناس ذات غور وقد كان بلغني عن هؤلاء الرهط أحاديث وجدتها كذبًا وقد سمعوا وأطاعوا ودخلوا في صلح ما دخلت فيه الأمة". [حلية الأولياء (/ ٣٣٠)]. وليس في هذه الرواية ما يؤكد أن معاوية قد أعلن للناس أن هؤلاء الصحابة قد بايعوا ليزيد ولكن فيه أنه - رضي الله عنه - حاورهم ودخل معهم في جدال بالحسنى وتبين له أن بعض الناس يقولون عنهم ما لم يتقولوه، وسنبين فيما بعد أسباب امتناعهم ثم قبول بعضهم البيعة فيما بعد. أصول السياسة الشرعية كانت واضحة لا كما يقول المستشرقون ومن تأثر برأيهم من أن فقهاء الأمة استحدثوا هذه الأصول بعد قرون. قلنا: إن الحوار الطويل والنقاش الذي دار بين مؤيدي ولاية العهد ليزيد وبين معارض ذلك من الصحابة يدلان دلالة واضحة على أن مسألة الشورى في الحكم، وأصول السياسة الشرعية الأخرى كانت واضحة المعالم عند السلف الصالح لعلمهم الجمِّ بأدلة الكتاب والسنة لا كما يقول الدكتور الموصلي من الجامعة في بيروت من أن بعض مسائل السياسة الشرعية ابتدعها الفقهاء بعد قرون عدة من أمثال الماوردي وغيره والمناقشة التي دارت في سقيفة بني ساعدة بين الصحابة - رضي الله عنهم - وما تمخضت عنها من نتائج وكذلك استخلاف أبي بكر لعمر - رضي الله عنه - وترك عمر الأمر شورى بين عددٍ من أهل الحل والعقد، وطلب سيدنا علي من أهل الحل والعقد وغيرهم من وجهاء الأمة أن يبايعوا له علانية من على المنبر وبرضىً منهم، وكذلك ما دار بين الموالين لتولية يزيد والمعارضين لذلك من الصحابة كل ذلك على ثبوت فقه الحكم وإدارته من ذلك العهد المبكر اعتمادًا على أدلة الكتاب والسنة وسنرى ذلك خلال مناقشتنا لهذه الروايات التاريخية القيمة الثمن ومنها: أخرج البخاري في صحيحه [كتاب التفسير (ح ٤٨٢٧)] عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا فقال: خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: {وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي} فقالت عائشة: من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلَّا أن الله أنزل عذري. قلنا: والشيء الذي قاله عبد الرحمن بن أبي بكر هو ما بينته رواية ابن أبي حاتم عن عبد الله بن المديني قال: إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله قد أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيًا حسنًا وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر فقال عبد الرحمن بن أبي بكر، أهِرَقلية؟ إن أبا بكر والله ما جعلها في أحدٍ من ولده ولا أحدٍ من أهل بيته =
    ج ٤ ص ٦٣
  5. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = ولا جعلها معاوية في ولده إلَّا رحمةً وكرامة لولده -. [تفسير ابن كثير (سورة الأحقاف آية ١٧)]. قلنا: وهذا يعني أن سلف هذه الأمة من الصحابة الكرام كانوا على علم واطلاع واسعين بأصول السياسة الشرعية وقواعد الخلافة الراشدة وكان الراجح عندهم أن يكون الأمر شورى بين الأمة وتحت إشراف أهل الحل والعقد. والحق يقال: فإن الروايات التاريخية الصحيحة تؤكد أن الخليفة معاوية - رضي الله عنه - استشار أهل الحل والعقد واحترم رأيهم وأكرمهم ولم يعاقبهم على رأيهم وإن كان مخالفًا (صراحة) لرأيه هو - رضي الله عنه - في مسألة ولاية العهد، والرواية التالية تؤكد ذلك، والحوار السابق واللاحق دليل على أن ذلك التاريخ تاريخ عقيدة. عن محمد بن سيرين قال: لما أراد معاوية أن يستخلف يزيد بعث إلى عامل المدينة أن أوفد إليَّ من تشاء، قال: فوفد إليه عمرو بن حزم الأنماري، فاستأذن، فجاء حاجب معاوية يستأذن، فقال: هذا عمرو بن حزم قد جاء يستأذن، فقال: ما حاجتهم إلي؟ قال: يا أمير المؤمنين، جاء يطلب معروفك، فقال معاوية: إن كنت صادقًا فليكتب ما شاء، فأعطه ما شاء ولا أراه. قال: فخرج إليه الحاجبُ فقال: ما حاجتك؟ اكتب ما شئتَ فقال: سبحان الله، أجيء إلى باب أمير المؤمنين فأحجب عنه؟ أحِبُّ أن ألقاه فأكلمه. فقال معاوية للحاجب: عده يوم كذا وكذا إذا صلى الغداةَ، فليجئ قال: فلما صلَّى معاوية الغداة، أمر بسرير فجعل في إيوانٍ له، ثم أخرج الناس عنه، فلم يكن عنده أحد سوى كرسي وضع لعمرو، فجاء عمرو، فاستأذن، فأذن له فسلم عليه، ثم جلس على الكرسي، فقال له معاوية: حاجتك؟ قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: لعمري لقد أصبح ابن معاوية واسط الحَسَب في قريش، غنيًّا عن الملك، غنيًّا إلَّا عن كل خير، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الله لم يسترع عبدًا رعيةً إلَّا وهو سائله عنها [كيف صنع فيها؟ ] ". وإني أذكرك الله يا معاوية في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بمن تستخلف عليها. قال: فأخذ معاوية ربوة وأخذ يتنفس في غداة قرّ، وجعل يمسح العرق عن وجهه ثلاثًا، ثم أفاق، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإنك امرؤ ناصح، قلت: برأيك بالغٌ ما بلغ، وإنه لم يبق إلَّا ابني وأبناؤهم، وابني أحق من أبنائهم، حاجتك؟ قال: ما لي حاجة. قال: ثم قال له أخوه: إنما جئنا من المدينة نضرب أكبادها من أجل كلماتٍ؟ قال: ما جئت إلّا لكلمات. قال: فأمر لهم بجوائزهم.
    ج ٤ ص ٦٤
  6. وفي هذه السنة وجّه أهلُ الكوفة الرسل إلى الحسين - عليه السلام - وهو بمكّة يدعونه إلى القدوم عليهم، فوجه إليهم ابن عمّه مُسلم بن عَقِيل بن أبي طالب - رضي الله عنه - (١) . (٥: ٣٤٧) .

    1. = قال: وخرج لعمرٍو مثله. أخرجه أبو يعلى في مسنده (ح ٧١٧٤) وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد (٧/ ٢٤٩ / ح ١٢٠٧٨). قلنا وهذه الرواية تؤكد مقولتنا السابقة من أن ذلك التاريخ تاريخ عقيدة، فالخوف من الجليل هو الذي دفع هذا الصحابي الجليل أن يقطع تلك المسافات الطويلة ليقول للخليفة ما يراه واجبًا عليه امتثالًا لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: "الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". ذكر الطبري رواية وضعناها في قسم الضعيف وهي (٥/ ٣٤٦ - ٣٤٧)، وهي من طريق الواقدي المتروك، ولم نجد لأغلب المتن ما يؤيده وفيه من تلفيقات الواقدي ما فيه فذكرنا الرواية في قسم الضعيف ولكن ورد ضمن السياق متن مرفوع صحيح، وإن كان السند بهذه الحالة ضعيف وهو عن أبي شريح مرفوعًا، فقد أخرج البخاري في صحيحه [كتاب جزاء الصيد (ح ١٨٣٢)] من طريق المقبري عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغد من يوم فتح مكة فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به "إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ولا يعضد بها شجرة فإن أحدٌ ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله أذن لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب" فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم ولا فارًا بخزية. قلنا: والحديث أخرجه أحمد (ح ١٦٣٧٧) وفي أوله: لما بعث عمرو بن سعيد إلى مكة بعثه يغزو ابن الزبير أتاه أبو شريح فكلمه وأخبره بما سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... الحديث. وليس في الروايات الصحيحة تفاصيل هزيمة جيش عمرو بن الزبير ولا أسره وما إلى ذلك مما ذكرها الواقدي مع مبالغاته وأوهامه المعروفة.
    2. (١)ثم أخرج الطبري رواية مطولة في هذه الحادثة ذكرناها في قسم الضعيف (٥/ ٣٤٧ - ٣٤٩) ففي إسنادها مجهول وضعيف وفي متنها ما يخالف الرواية الصحيحة الأخرى التي أخرجها الطبري نفسه بعد صفحات كما سنذكر.
    ج ٤ ص ٦٥