مقتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - وتفاصيل الوقعة المشهورة بكربلاء

فقرتان، ج ٤ ص ٦٦

  1. قال أبو جعفر: حدّثني الحسين بن نصر قال: حدَّثنا أبو ربيعة، قال: حدَّثنا أبو عوَانة، عن حصين بن عبد الرحمن قال: بَلَغنا أنّ الحسين - عليه السلام - ... وحدّثنا محمد بن عمار الرازيّ، قال: حدَّثنا سعيد بن سليمان، قال: حدَّثنا عباد بن العوّام قال: حدَّثنا حصين، أنّ الحسين بن عليّ - عليه السلام - كتب إليه أهلُ الكوفة: إنه معك مئة ألف، فبعث إليهم مسلم بن عَقِيل، فقدم الكوفة، فنزل دارَ هانئ بن عُروة، فاجتمع إليه الناس، فأخبر ابن زياد بذلك، زاد الحسين بن نَصْر في حديثه: فأرسل إلى هانئ فأتاه، فقال: ألم أوقّرْك! ألم أكرمْك! ألم أفْعَلْ بك! قال: بلى، قال: فما جزاءُ ذلك؟ قال: جزاؤه أن أمنعك، قال: تمنعني! قال: فأخذ قضيبًا مكانه فضربه به، وأمَرَ فكُتِفَ ثم ضرِب عنقه، فبلغ ذلك مسلم بن عقِيل، فخرج ومعه ناس كثير، فبلغ ابنَ زياد ذلك، فأمر بباب القصر فأغلِق، وأمر مناديًا فنادى: يا خيلَ اللهِ اركبي، فلا أحد يجيبه، فظنّ أنه في ملإ من الناس.

    قال حصين: فحدّثني هلال بن يسَاف قال: لقيتُهم تلك اللَّيلة في الطريق عند مسجد الأنصار، فلم يكونوا يمرّون في طريق يمينًا ولا شِمالًا إلا وذهبت منهم طائفة؛ الثلاثون والأربعون، ونحو ذلك، قال: فلمّا بلغ السوق، وهي ليلة مظلمة، ودخلوا المسجد، قيل لابن زياد: والله ما نرى كثيرَ أحَد، ولا نسمع أصواتَ كثير أحد، فأمر بسقف المسجد فقُلع، ثم أمر بحراديّ فيها النيران، فجعلوا ينظرون، فإذا قريب خمسين رجلًا. قال: فنزل فصعِد المنبر وقال للناس: تميّزوا أرباعًا أرباعًا؛ فانطلق كلّ قوم إلى رأس رُبْعهم، فنهض إليهم قومٌ يقاتلونهم، فجُرح مسلم جراحةً ثقيلة، وقتل ناس من أصحابه، وانهزموا؛ فخرج مسلم فدخل دارًا من دُور كِندة، فجاء رجل إلى محمد بن الأشعث وهو جالس إلى ابن زياد، فسارّه، فقال له: إنّ مسلمًا في دار فلان، فقال ابن زياد: ما قال لك؟ قال: إنّ مسلمًا في دار فلان، قال ابن زياد لرجلين: انطلِقا فأتِياني به، فدخلا عليه وهو عند امرأة قد أوقدتْ له النار، فهو يغسل عنه الدّماء، فقالا

    ج ٤ ص ٦٧له: انطلقْ، الأميرُ يدعوك، فقال: اعقدا لي عقدًا؛ فقالا: ما نملك ذاك؛ فانطلق معهما حتى أتاه فأمر به فكُتِف ثمّ قال: هِيهْ هِيهْ يا بن خليّة - قال الحسين في حديثه: يا بن كذا - جئتَ لتنزعَ سلطاني! ثم أمر به فضربتْ عنقُه. قال حصين: فحدّثني هلال بن يساف أن ابن زياد أمر بأخذ ما بين واقصةَ إلى طريق الشأم إلى طريق البصرة، فلا يدَعون أحدًا يلِج ولا أحدًا يخرج، فأقبل الحسين ولا يشعر بشيء حتى لقيَ الأعراب، فسألهم، فقالوا: لا والله ما ندري، غير أنا لا نستطيع أن نلِجِ ولا نخرج، قال: فانطلق يسير نحوَ طريق الشأم نحو يزيد، فلقيتْه الخيول بكرْبَلاء، فنزل يناشدهم الله والإسلام، قال: وكان بعث إليه عمر بن سعد وشَمر بن ذي الجَوْشن وحُصين بن تميم، فناشَدهَم الحسين اللهَ والإسلامَ أن يسيّروه إلى أمير المؤمنين، فيضع يده في يده، فقالوا: لا، إلا على حكم ابن زياد؛ وكان فيمن بعث إليه الحُرّ بن يزيد الحَنظلَيّ ثم النَّهْشَليّ على خيل، فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم: ألا تقبلون من هؤلاء ما يَعرِضون عليكم! والله لو سألكم هذا التُّرك والدَّيلم ما حلّ لكم أن تردّوه! فأبَوْا إلا على حكم ابن زياد، فصرف الحرُّ وجهَ فرسه، وانطلق إلى الحسين وأصحابه، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلَهم، فلما دنا منهم قلب ترسَه وسلَّم عليهم، ثمّ كرّ على أصحاب ابن زياد فقاتلهم، فقتل منهم رجلين، ثم قتِل رحمة الله عليه.

    ج ٤ ص ٦٦
  2. وذكر أن زُهير بن القين البَجليّ لقي الحسينَ وكان حاجًّا، فأقبل معه، وخرج إليه ابن أبي بحريّة المراديّ ورجلان آخران وعمرو بن الحجّاج ومعن السُّلميّ، قال الحصين: وقد رأيتهما.

    قال الحصين: وحدّثني سعد بن عبيدة، قال: إنّ أشياخًا من أهل الكوفة لَوُقوف على التلّ يبكون ويقولون: اللهم أنزِل نصرك، قال: قلت: يا أعداء الله، ألا تنزلون فتنصرونه! قال: فأقبل الحسين يكلّم من بعث إليه ابن زياد، قال: وإني لأنظر إليه وعليه جبّة من بُرُود، فلما كلّمهم انصرف، فرماه رجلٌ من بني تميم يقال له: عمر الطُّهَويّ بسهم، فإني لأنظر إلى السهم بين كتفيه متعلِّقًا في جبّته، فلما أبوْا عليه رجع إلى مصافّه، وإني لأنظر إليهم، وإنهم لقريب من مئة رجل، فيهم لصُلب عليّ بن أبي طالب - عليه السلام - خمسة، ومن بني هاشم ستة

    ج ٤ ص ٦٨عشر، ورجل من بني سُلَيم حليفٌ لهم، ورجلٌ من بني كنانة حليفٌ لهم، وابن عمر بن زياد.

    قال: وحدّثني سعد بن عبيدة، قال: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد، إذ أتاه رجل فسارَّه وقال له: قد بعث إليك ابن زياد جُوَيرَيةَ بن بدر التميميّ، وأمرَه إن لم تقاتل القومَ أن يضربَ عُنقَك؛ قال: فوثب إلى فرسه فركبه، ثم دعا سلاحه فلبسه، وإنه على فرسه، فنهض بالناس إليهم فقاتَلوهم، فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد، فوُضع بين يديه، فجعل يَنكُت بقضيبه، ويقول: إنّ أبا عبد الله قد كان شمِط؛ قال: وجيء بنسائه وبناته وأهله، وكان أحسن شيء صنعَه أن أمر لهنّ بمنزل في مكان معتزل، وأجرَى عليهنّ رزقًا، وأمر لهنّ بنفقة وكسوة. قال: فانطلق غلامان منهم لعبد الله بن جعفر -أو ابن ابن جعفر - فأتيَا رجلًا من طيِّيء فلجآ إليه، فضرب أعناقهما، وجاء برؤوسهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد؛ قال: فهمّ بضرب عنقه، وأمر بداره فهدمت.

    قال: وحدّثني مولى لمعاوية بن أبي سُفْيان قال: لما أتِيَ يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه، قال: رأيته يبكي، وقال: لو كان بينه وبينه رحم ما فعل هذا (١) .

    1. (١)ورجال إسناد الطبري هنا ثقات، وأغلب المتن موصول خلا ما ذكره الحصين مرسلًا (٥/ ٣٩١) في بداية الرواية وكذلك ما ذكر أثناء الرواية وهو قوله: وذكر أن زهير بن القين البجلي لقي الحسين وكان حاجًّا فأقبل معه وخرج إليه ابن أبي بحرية المرادي ورجلان آخران وعمرو بن الحجاج ومعن السلمي، قال الحصين وقد رأيتهما (٥/ ٣٩٢). وكذلك روى الحصين السطرين الأخيرين عن مولى لمعاوية أبهم اسمه والله أعلم، وانظر البداية والنهاية (٣/ ٣٨٣). وأخرج أبو زرعة بهذا الإسناد فقال: حدثنا سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام عن حصين قال: أدركت من مقتل الحسين قال: فحدثني سعد بن عبيدة قال: فرأيت الحسين وعليه جبَّة برود ورماه رجل يقال له عمرو بن خالد الطهوي بسهم فنظرت إلى السهم معلقًا بجبته. [البداية والنهاية (٦/ ٣٨٢)]. قلنا: ولا نجد في رواية الطبري هذه من المبالغات التي ذكرها أبو مخنف في رواياته الملفقة المليئة بالحشو والكذب وحتى رواية الطبري حين تكون مرسلة (عن الحصين فقط) ففيها غرابة أو نكارة وعندما يرويها الحصين موصولة (عن سعد بن عبيدة أو هلال بن سياف) فلا نكارة فيها ولا غرابة. = = ونكرر هنا قولنا السابق: "إن أي ضعف في السند يؤثر بالسلب على متن الرواية التاريخية مبالغةً أو نسيانًا أو قلبًا للحقائق أو حشوًا أو طعنًا في عدالة الصحابة وما إلى ذلك". الإمام الحسين بن علي يتراجع عن اجتهاده ويتبين له صواب جمهور الصحابة فيما خالفوه من الرأي هذه الرواية الصحيحة عند الطبري عن خروج الحسين واستشهاده - رضي الله عنه - تؤيد أن الحسين بن علي - رضي الله عنهما - كان رجلًا حصيفًا عاقلًا ما كان ليلقي بنفسه في المهالك كما يصور الشلبي وغيره من أنه يشبه ملاكًا صغيرًا طاهرًا كطفل يمد يده إلى القمر ليبلغه، ولولا أنه وثق بتلك العهود والعقود والأيمان التي أرسلها شيعة الكوفة لما خرج - رضي الله عنه -. ولكنه حين وصل إلى الميدان وعاين الأمر بأمِّ عينيه أراد أن يفاوض ويذهب إلى يزيد ليبايعه أو يذهب إلى الثغور مجاهدًا بعدما تبين له صواب اجتهاد الصحابة ورجحان رأيهم ولكن كتائب الفاسق عبيد الله نفّذوا فعلتهم الشنيعة فأخزاهم الله من قتلةٍ مجرمين لم يراعوا حرمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آل بيته وريحانته سيد شباب أهل الجنة - رضي الله عنه - وأرضاه. محنة الأمة باستشهاد الإمام الجليل الحسين بن علي - رضي الله عنها - قلنا: الذي ثبت تاريخيًا أن الحسين بن علي - رضي الله عنهما - بعث ابن عمه مسلم بن عقيل - رضي الله عنه - إلى الكوفة ليتأكد من صحة وصدق بيعة شيعة الكوفة له ولكي يوطد الأمر ويكتب إليه بذلك فكان أن قتل مسلم بن عقيل - رضي الله عنه - في أواخر سنة ستين [تاريخ الذهبي ٦٠ - ٨١ هـ / ١٧١] ولقد وردت روايات موضوعة وأخرى شديدة الضعف أكثرها من طريق رواة متروكين كذابين وضاعين كأبي مخنف (لوط بن يحيى) والواقدي والكلبي ولقد وضعناها جميعًا في قسم الضعيف، وحاول الأئمة المتأخرون أن ينقوا التاريخ الإسلامي من هذه الروايات ومع ذلك فقد ذكروا بعضها كما فعل ابن كثير رحمه الله ثم قال: وللشيعة الرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة وفيما ذكرنا كفاية وفي بعض ما أوردناه نظر ولولا أن ابن جرير الطبري وغيره من الحفاظ والأئمة ذكروه ما سقته. أ. هـ[البداية والنهاية] (٦/ ٤٢٣)]. ولقد ذكر الكذاب الوضاع أبو مخنف أباطيل وتهم في رواياته منها أن ابن الزبير شجع الحسين بن علي على الخروج إلى الكوفة كي يقتل ويخلو له الجو ... إلى آخر ذلك الحشو والنكارة وقد ذكرنا جميع رواياته في الضعيف والحمد لله على نعمة الإسناد حقًّا إن قول الطبري في مقدمته بوجود روايات مستشفعة في تاريخه ينطق تمامًا على روايات أبي مخنف الباطلة. ورأينا لزامًا أن نذكر هنا في قسم الصحيح الروايات التاريخية الصحيحة التي تبين رأي = = الصحابة الواضح في عدم جدوى خروجه - رضي الله عنه - وأنه لم يقتنع برأيهم حتى خرج ثم اقتنع باجتهادهم ولكن بعد فوات الأوان وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. ١ - عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - ورأيه في خروج الحسين رافضًا ظلم يزيد وولاته ورافضًا البيعة ليزيد. من الضروري أن نبين رأي ابن الزبير أولًا لأن عددًا من المؤرخين تأثروا بالروايات المكذوبة والضعيفة للطعن في عدالة الصحابة وتشويه العلاقة بين فرسي الرهان (الحسين وعبد الله) وأخوي الدرب الشاق وحاملي راية تغيير المنكر ونشر العدل، والروايات التي تتهم ابن الزبير بأنه شجع الحسين على الخروج هي من طريق التالف الهالك أبي مخنف أو من طريق آخر فيه مجهول العين. أما الروايات التي اعتمدناها فتبين غير ذلك إذ أن ابن الزبير - رضي الله عنه - حذر الحسين بن علي - رضي الله عنه - من الخروج إلى الكوفة لأن شيعة الكوفة تسببوا في قتل أبيه وجرح أخيه. أخرج يعقوب بن سفيان قال: حدثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان ثنا عبد الله بن شريك عن بشر بن غالب قال: قال ابن الزبير للحسين أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟ فقال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحبَّ إليَّ من أن تستحل بي يعني مكة. [البداية والنهاية (٦/ ٣٦٩)]. قلنا: ورجال هذا الإسناد ثقات سوى عبد الله بن شريك فهو صدوق وثقة عند بعضهم. وشيخه بشر بن غالب بن جناده وذكره ابن حبان في الثقات وهو غير بشر بن غالب الكوفي المتروك وغير بشر بن غالب الأسدي المجهول. [وانظر لسان الميزان (تر ١٦٣٩) وثقات ابن حبان (٤/ ٦٩)]. وأخرج الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب بن عبد الله، أخبرني من سمع هشام بن يوسف يقول عن معمر قال: سمعت رجلًا يحدث عن الحسين أنه قال لعبد الله بن الزبير: "أتتني بيعة أربعين ألفًا يحلفون بالطلاق والعتاق إنهم معي" فقال ابن الزبير: "أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟ " قال هشام: فسألت معمرًا عن الرجل، فقال: هو ثقة. [البداية والنهاية (٦/ ٣٧٠)]. قلنا: ولا يخفى وجود مجهول في هذا الإسناد إلَّا أنه يتعاضد بالذي قبله وإن كان في متنه غرابة والله أعلم. ٢ - رأي عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - روى سفيان عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس قال: استشارني الحسين في =