وقعة الحرة

٤ فقرات، ج ٤ ص ٨٤

  1. قال أبو جعفر الطبريّ: فحدّثني أحمد بن ثابت، عمّن حدّثه، عن إسحاق بن عيسى، عن أبي معشر، وحدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، عن محمد بن عمر، قالا: كانت وقعة الحرّة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجّة سنة ثلاث وستين، وقال بعضهم: لثلاثِ ليالٍ بقِين منه.

    ج ٤ ص ٨٤
  2. وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزُّبَيْر، حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني عبد الله بن جعفر، عن ابن عوف، قال: حجّ ابن الزبير بالناس سنة ثلاث وستين، وكان يسمّى يومئذ العائذ، ويرون الأمرَ شُورَى، قال: فلما كانت ليلة هلال المحرّم ونحن في منزلنا إذ قدم علينا سعيدٌ مولى المِسْور بن مخرَمَة، فخبّرنا بما أوقع مسلم بأهل المدينة وما نيل منهم، فجاءهم أمرٌ عظيم، فرأيت القوم شهروا وجدّوا وأعدّوا وعرفوا أنه نازل بهم (١) . [٥: ٤٩٤] .

    1. (١)وانظر تاريخ خليفة إذ ذكر وقعة الحرة ضمن أحداث سنة ٦٣ هـ[تاريخ خليفة (ع ٢٢٨)]. هذه الوقعة المؤلمة ليست الأولى التي أصابت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولقد قتل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عهده عليه الصلاة والسلام جمع يوم بئر معونة، واستحرّ بهم القتل في حروب الردة ولكن الفاجعة هنا أن الفتل استحرّ بهم من قبل جيش الشام وكان الأولى بذلك الجيش أن يدافع عن ثغور الخلافة في وجه الروم بدلًا من سفك دماء المسلمين وهذه الوقعة تؤكد مقولة بعض المؤرخين: من أن يزيد لم يكن حازمًا في إدارة الحكم وأنه لم يتابع تنفيذ الأمور بنفسه على عكس أبيه رضي الله عنه وبذلك ترك المجال للأمراء والقادة الميدانيين أن يتصرفوا كما يبدو لهم دون الرجوع إليه، وسنتطرق إلى ذلك عند حديثنا عن وفاة يزيد ورأي المؤرخين في سيرته. = = والذي يهمنا هنا أن نثبت الحقائق كما أخبرت الروايات الصحيحة وأن ننفي عن التاريخ الإسلامي المبالغات والإفتراءات والتزوير والكذب وتشويه الحقائق التاريخية، والله المستعان. قبل أن نذكر تفاصيل الوقعة نود أن نذكر كلامًا وجيزًا للمؤرخ خليفة بن خياط وهو يصور لنا الوضع السياسي للمدينة المنورة قبل حدوث المعركة ببرهة زمنية قصيرة. قال خليفة بن خياط: قال أبو اليقظان: دعوا إلى الرضا والشورى وأقروا على قريش عبد الله بن مطيع العدوي وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة وعلى قبائل المهاجرين معقل بن سنان الأشجعي، وأخرجوا من المدينة بني أمية، وقال غيره خلعوا يزيد فأرسل إليهم جيشًا عليه مسلم بن عقبة، [تاريخ خليفة (٢٣٧)]. قلنا: ولقد بالغت بعض كتب التاريخ في أرقام وأعداد القتلى في هذه الوقعة ولقد أخذنا على أنفسنا أن نرفض الأخبار إن لم تكن مسندة موصولة صحيحة فيما يتعلق بأحداث الفتنة إذ الفتنة مرتع خصب للوضاعين والكذابين والحاقدين على أعلام التاريخ الإسلامي علمًا بأننا تساهلنا في قبول الوفيات بدون إسناد واكتفينا بذكر تلك الوفيات في مصدر تاريخي متقدم موثوق أو عدة مصادر لأننا على يقين أن موت صحابي أو تابعي يترك أثرًا كبيرًا في نفوس معاصريه فتبقى في ذاكرتهم تلك السنة التي توفي فيها. وبالذات في هذه الوقعة الشهيرة فإن المؤرخ المتقدم الثّقة خليفة بن خياط قد ذكر أسماء الذين قتلوا في هذه الفاجعة ولا يتجاوز عددهم الأربعمئة، فلماذا كل هذه المبالغات؟ ولماذا هذا التهويل؟ ولماذا هذا التشويه للحقائق التاريخية ثم إن في متون الروايات التاريخية (التي تبالغ في ذكر أعداد القتلى) نكارة شديدة فالمدينة المنورة كباقي مدن الحجاز شديدة الحرارة ولم يكن يومها للناس فرق انتشال الضحايا أو ثلاجات ضخمة لحفظ الجثث فكيف لا تتعفن آلاف الجثث، وكيف لا يمتلئ جو المدينة بالعفونة، وكيف لا تتفشى الأمراض المعدية وكيف يستطيع الناس العيش في المدينة بسهولة بعد الحادثة وآثار آلاف الضحايا قريبة شاخصة حقًّا إن الوضاعين والكذابين يتركون ثغرات في رواياتهم فتتكشف عوراتهم بالإضافة إلى ضعف الإسناد ومن المتعارف عند علماء الحديث وأئمة النقد أن الرواية تتعرض لتمحيص السند والمتن قبل القبول بها ومن خلال المتون يحكم العلماء على الرواة والله أعلم. ونضرب مثالًا على ذلك فنقول مما لا شك فيه أن الأخباري الصدوق المدائني كغيره كثير من معاصريه جمعوا الروايات دون تمحيصها وهو يروي في هذه الحادثة عن شيخ من أهل المدينة أنه سأل الزهري كم كان القتلى يوم الحرة؟ فيجيب الزهري أكثر من عشرة آلاف! ! ! قلنا: أما الشيخ الذي سأل الزهري فمجهول فكيف نعتمد على أمثال هذه الرواية في تثبيت هذا العدد الضخم؟ . = = ونرجع الآن إلى رواية عروة بن الزبير الآنفة الذكر لنكملها: قال عروة: "فوجه إليه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة المري في جيش أهل الشام وأمره بقتال أهل المدينة فإذا فرغ من ذلك سار إلى مكة. قال: فدخل مسلم بن عقبة المدينة وهرب منه يومئذ بقايا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعبث فيها وأسرف في القتل ثم خرج منها فلما كان ببعض الطريق مات". وسبق أن ذكرنا تعليق الهيثمي على إسناد هذه الرواية في مجمع الزوائد وتعقيبنا على كلام الإمام الهيثمي هناك. ولنا عند هذا الجزء من متن الرواية وقفة: أما قوله: "وهرب منه يومئذٍ بقايا أصحاب رسول الله". ففيها غرابة لأن من بين أسماء القتلى عدد من الصحابة من المهاجرين والأنصار أي أن القتل استحر بالجميع صحابة وتابعين. علمًا بأن الإمام الحاكم أخرج هذه الرواية بهذا اللفظ كذلك موجزًا [المستدرك (٥/ ٥٤٩)] وسكت عنه. بينما ذكر الحافظ ابن حجر هذه الرواية ونسبها إلى الطبراني بلفظ: "فدخل مسلم بن عقبة المدينة وبها بقايا من الصحابة فأسرف في القتل ثم سار إلى مكة فمات ببعض الطريق". [الفتح (/ ٥٧٦)]. وكذلك أخرج الفاكهي في أخبار مكة رواية عروة الآنفة الذكر وليس فيها عبارة: "وهرب منه بقايا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ولعلّ العبارة تصحيف من بعض الرواة إلَّا أن يكون المعنى أن عددًا من الصحابة اعتزلوا الفريقين المتصارعين كأبي سعيد الخدري وغير واحد منهم فلما دخل مسرف بن عقبة المدينة تركوها كي لا ينالهم بطش ذلك المسرف وإلَّا فالصحابة الذين برزوا للقتال قتلوا هنالك ولم يتركوا ساحة المعركة وشجاعة الصحابة معروفة. أما قول الراوي: "وأسرف في القتل". فصحيح. إلَّا أننا لم نجد رواية تاريخية صحيحة تؤكد أن يزيد بن معاوية أمر باستحلال المدينة لثلاثة أيام أو أن جيش الشام استحل المدينة لثلاثة أيام، ولعل الجيش استحل المدينة لثلاثة أيام كتصرف فردي من قائد الجيش، ولا نستطيع أن نثبت هذا الاستحلال. والحق يقال: فإن الطرفين قد استماتا في القتال فكانت تلك الاستماتة سببًا في وقوع ذلك العدد من القتلى، ونحن لا نقول ما نقول بناءً على الظن والحدس والتخمين بل إن الرواية التاريخية الصحيحة تؤكد أن عددًا من أهل المدينة بايعوا عبد الله ابن غسيل الملائكة على الموت وكان يومها أميرًا على الأنصار، وعبد الله بن مطيع الأمير على من سواهم. [وانظر الفتح (٦/ ٢٢٠)]. فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبادة بن تميم قال: "لما كان يوم الحرة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة فقال ابن زيد: على ما يبايع ابن حنظلة الناس؟ قيل له: على الموت قال: = = لا أبايع على ذلك أحدًا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان شهد الحديبية". [صحيح البخاري / كتاب المغازي / ح ٤١٦٧]. وسبب آخر لكثرة القتلى هو خيانة بني حارثة لأهل المدينة وإدخالهم جيش الشام على حين غرة عليهم فوقع كثير من القتل كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- وأخرج يعقوب بن سفيان في تاريخه بسند صحيح عن ابن عباس قال: "جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا} يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة في وقعة الحرة. [فتح الباري (/ ٥٧٦)].
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٤ ص ٨٥
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ٤ ص ٨٦