ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ذكر ما كان فيها من الأحداث

٦ فقرات، ج ٤ ص ١١٧

  1. فمن ذلك مسيرُ عبد الملك بن مَرْوان فيها إلى العراق لحرب مُصعب بن الزبير (١) . [٦: ١٥١] .

    1. (١)ثم أخرج الطبري رواياتٍ عدةٍ منها الموصولة والمرسلة والمعضلة وكالروايات التي تلي هذه الرواية.
    ج ٤ ص ١١٧
  2. فحدّثني عمر بن شَبّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، قال: أقبل عبدُ الملك من الشأم يريد مُصعبًا -وذلك قبل هذه السنة، في سنة سبعين- ومعه خالد بن عبد الله بن خالد بن أسِيد، فقال خالد لعبد الملك: إن وجَّهتَني إلى البصرة وأتْبعْتَني خيلًا يسيرة رجوتُ أن أغلب لك عليها. فوجَّهه عبد الملك، فقدمها مستخفيًا في مواليه وخاصّته، حتى نزل على عمرو بن أصمع الباهليّ (٢) . (١٥٢: ٦) .

    قال عمر: قال أبو الحسن: قال مسلمة بن محارب: أجار عمرو بن أصمع خالدًا، وأرسل إلى عبَّاد بن الحُصين وهو على شُرطة ابن معمرَ -وكان مُصعب إذا شخص عن البصرة استخلَف عليها عبيدَ الله بن عبيد الله بن معمر- ورجا عمرو بن أصمع أن يبايعه عبَّاد بن الحُصين- بأنّي قد أجَرْتُ خالدًا فأحببت أن تعلم ذلك لتكون لي ظَهرًا. فوافاه رسولُه حين نزل عن فرسه، فقال له عبّاد: قل له: والله لا أضع لبدَ فرسي حتى آتيَكَ في الخيل. فقال عمرو لخالد: إني لا أغرّك، هذا عبَّاد يأتينا الساعة، ولا والله ما أقدر على منعك، ولكن عليك بمالك بن مسْمَع.

    قال أبو زيد: قال أبو الحسن: ويقال إنَّه نزل على عليّ بن أصمع، فبلغ ذلك عبَّادًا فأرسل إليه عبَّاد: إني سائر إليك (٣) . [٦: ١٥٢] .

    1. (٢)وإسناد الطبري إلى المدائني صحيح، وهو بدوره رواه معضلًا، وانظر الرواية التي تليها.
    2. (٣)قلنا: وهذه رواية أخرى رواها الطبري مرسلًا عن مسلمة بن محارب والسطر الأخير رواه عن المدائني معضلًا.
  3. حدّثني عمر بن شبَّة، قال: حدّثني عليّ بن محمد، عن مسلمة وعَوانة أنّ

    ج ٤ ص ١١٨خالدًا خرج من عند ابن أصمع يركُض، عليه قميص قُوهيّ رقيق، قد حَسَره عن فخذيه، وأخرَج رجليه من الرّكابين؛ حتى أتى مالكًا، فقال: إني قد اضطررتُ إليك، فأجرْني، قال: نعم، وخرج هو وابنه، وأرسل إلى بكْر بن وائل والأزد؛ فكانت أوّل راية أتته رايةُ بني يشكرُ. وأقبل عبَّاد في الخيل، فتواقَفُوا، ولم يكن بينهم، فلما كان من الغد غدوْا إلى حُفرة نافع بن الحارث التي نُسبت بعدُ إلى خالد، ومع خالد رجال من بني تميم قد أتوْه؛ منهم صعصعة بن معاوية، وعبد العزيز بن بشْر، ومرّة بن مِحْكَان، في عدد منهم؛ وكان أصحاب خالد جُفريَّة ينسبون إلى الجُفْرة، وأصحاب ابن معمر زُبَيريَّة، فكان من الجُفْريَّة عبيد الله بن أبي بَكْرة وحُمْران والمغيرة بن المهلّب، ومن الزبيريّة قيس بن الهيثم السُّلَميّ، وكان يستأجر الرجل يقاتلون معه، فتقاضاه رجل أجرةً فقال: غدًا أعطيكها، فقال غَطَفان بن أنيف، أحد بني كعب بن عمرو:

    لِبئس ما حكَمت ياجلاجِلُ ... النَّقْدُ دَينٌ والطِّعانُ عاجِلُ

    وأنْتَ بالبابِ سميرٌ آجِلُ

    وكان قيس يعلّق في عنق فرسه جلاجل، وكان على خيل بني حنظلة عمرو بن وبرة القحيفيّ، وكان له عبيد يؤاجرهم بثلاثين ثلاثين كلّ يوم، فيعطيهم عشرة عشرة، فقيل له:

    لبئس ما حكمت يابنَ وَبرَة ... تُعطَى ثلاثينَ وتُعْطِي عَشَرهْ

    ووجَّه المصعب زَحْر بن قيس الجُعْفيّ مَددًا لابن معمَر في ألف، ووجَّه عبدُ الملك عبيد الله بنَ زياد بن ظَبْيانَ مددًا لخالد، فكَره، أن يدخلَ البَصرة، وأرسل مطرَ بنَ التّوأم فرجع إليه فأخبره بتفرّق الناس، فَلحق بعبد الملك (١) . (٦/ ١٥٢ - ١٥٣) .

    قال أبو زيد: "قال أبو الحسن: حدّثني مسلمة أنّ المُصعَب لمَّا انصَرف عبدُ الملك إلى دمَشق لم يكن له همَّة إلّا البصرة، وطَمِع أن يُدرك بها خالدًا، فوجده قد خرج، وأمّن ابنُ مَعمر النَّاس، فأقام أكثرهم، وخاف بعضهم مُصعَبًا

    ج ٤ ص ١١٩فشخص، فغضب مُصعَب على ابن مَعمَر، وحلف ألّا يوليه، وأرسل إلى الجُفريّة فسبَّهم وأنّبهم (١) . (٦/ ١٥٤) .

    1. (١)هذا إسناد مرسل متعدد المخارج، ولذا ذكرنا الرواية في قسم الصحيح.
    2. (١)هذا إسناد مرسل صحيح.
  4. حدّثني عمر، قال: حدَّثنا محمَّد بن سَلّام، عن عبد القاهر بن السَّريّ، قال: همَّ أهلُ العراق بالغَدْر بمُصعَب، فقال قيسُ بن الهيثم: ويحكم! لا تُدخلوا أهلَ الشأم عليكم، فوالله لئن تَطعَّموا بعيشكم لَيُصْفِينّ عليكم منازلَكم، والله لقد رأيتُ سيّدَ أهل الشأم على باب الخليفة يفرح إن أرسَلَه في حاجة، ولقد رأيتُنا في الصّوائف وأحدُنا على ألف بعير، وإنّ الرجل من وجوههمْ ليَغزُو على فرسه وزادهُ خَلْفَه.

    قال: ولمَّا تدَانَى العسكران بدَير الجاثَليق من مَسْكنَ، تَقدّم إبراهيمُ بن الأشتر فحَمَل على محمَّد بن مَرْوان فأزاله عن موضعه، فوجَّه عبدُ الملك بن مروان عبدَ الله بن يزيد بن معاوية، فقرب من محمد بن مروان، والتقى القومُ فَقُتِل مُسلم بن عمرو الباهليّ، وقتِل يَحيَى بن مبشِّر، أحد بني ثعلبة بن يَرْبوع، وقتل إبراهيم بن الأشتر، فهرب عتَّاب بن وَرْقاء -وكان على الخيل مع مصعَب- فقال مصعب لقطنَ بن عبد الله الحارثيّ: أبا عثمان، قدّم خيلك، قال: ما أرى ذلك، قال: ولِمَ؟ قال: أكرَه أن تُقتَل مذْحجٌ في غير شيء، فقال لحجَّار بن أبجَر: أبا أسيد، قدّم رايتَك، قال: إلى هذه العَذرة! قال: ما تتأخَّر إليه والله أنتن وألأم؛ فقال لمحمَّد بن عبد الرّحمن بن سعيد بن قَيس مثل ذلك، فقال: ما أرَى أحدًا فَعَلَ ذلك فأفْعله. فقال مصعب: يا إبراهيم ولا إبراهيمَ ليَ اليوم! [٦: ١٥٧ - ١٥٨] .

  5. حدّثني أبو زيد، قال: حدّثني محمَّد بن سلام، قال: أخبِر ابنُ خازم بمسير مُصعب إلى عبد الملك، فقال: أمَعَه عمر بن عُبيد الله بن معمر؟ قيل: لا، استَعمله على فارس، قال: أفمعَه المهلَّبِ بن أبي صفرة؟ قيل: لا، استعمله على الموصل، قال: أفمعَه عبَّاد بن الحُصين؟ قيل: لا، استخلفه على البصرة، فقال: وأنا بخُراسان!

    خُذينِي فجُرّينِي جَعارِ وأَبْشِري ... بلَحْمِ امِرئٍ لم يَشْهَدِ اليوْمَ ناصِرُهْ

    ج ٤ ص ١٢٠فقال مصعب لابنه عيسى بن مُصعَب: يا بُنيّ، اركَب أنتَ ومن معك إلى عمِّك بمكَّة فأخبره ما صنع أهلُ العراق، ودّعني فإني مقْتول.

    فقال ابنهُ: واللهِ لا أخبر قريشًا عنك أبدًا، ولكن إن أردت ذلك فالحقْ بالبصرة فهم على الجماعة، أو الحَقْ بأمير المؤمنين، قال مصعب: واللهِ لا تتحدّث قريش أني فررت بما صنعتْ ربيعةُ من خذلانها حتى أدخُل الحرمَ مُنْهزِمًا، ولكن أقاتل، فإنْ قُتلت فلعَمْري ما السَّيف بعار، وما الفرار لي بعادة ولا خُلُق، ولكن إن أردت أن تَرجع فارجع فقاتلْ، فرجع فقَاتل حتَّى قتل. [٦: ١٥٨] .

  6. قال عليّ بن محمَّد عن يحيى بن سعيد بن أبي المُهاجر، عن أبيه إن عبد الملك أرسل إلى مصعب مع أخيه محمد بن مروان: إنّ ابن عمِّك يعطيك الأمان، فقال مصعب: إنّ مثلي لا ينصرف عن مثلِ هذا الموقف إلَّا غالبًا أو مغلوبًا. [٦: ١٥٨ - ١٥٩] .

    قال أبو جعفر: وقد قيل: إنّ ما ذكرتُ من مَقتَل مصعب والحرب الَّتي جرتْ بينه وبين عبد الملك كانت في سنة اثنتين وستين، وأن أمر خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد ومصيره إلى البَصْرة من قِبَل عبد الملك كان في سنة إحدى وسبعين، وقُتِل مصعب في جُمَادَى الآخرة (١) . [٦: ١٦٢] .

    1. (١)قلنا: ولقد أرخ خليفة لمقتل مصعب بسنة (٧٢ هـ) [تاريخ خليفة (٢٦٤)]. وأرخ ابن كثير لمقتله بسنة (٧١ هـ) ونسب ذلك إلى الجمهور. [البداية والنهاية (٧/ ١٢٤)].