خلافة عبد الملك بن مروان (٧٣ - ٨٦ هـ)
٣ فقرات، ج ٤ ص ١٧٦
- ج ٤ ص ١٧٦
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = الجزيرة: ولاها عبد الملك أخاه محمد بن مروان، فلم يزل عليها حتى مات عبد الملك والوليد. أرمينية وأذربيجان: ضمهما إلى محمد بن مروان سنة ثلاث وثمانين حتى مات عبد الملك، فعزل محمد بن مروان سنة خمس وثمانين، واستخلف على أرمينية وأذربيجان عبد الله بن حاتم بن النعمان الباهلي، فمات عبد الله، وولى محمد بن مروان عبد العزيز بن حاتم بن النعمان. اليمامة: يزيد بن هبيرة، ثم إبراهيم بن عربي الليثي حتى مات عبد الملك. الصائفة: مالك بن عبيد الله الحنفي ثم ولى ابنه الوليد بن عبد الملك ثم محمد بن مروان بن الحكم، ثم عمرو بن محرز الأشجعي. [تاريخ خليفة بن خياط]. خلافة عبد الملك بن مروان (٧٣ - ٨٦ هـ) قلنا: سبق أن ذكرنا رواية الطبري من طريق شيخه الثقة وهو عمر بن شبة ينقل رأي الأخباري الصدوق المدائني إذ يقول: مات عبد الملك سنة ست وثمانين وكانت ولايته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يومًا [الطبري ٦: ٤١٧] أي أنه عدَّ ولايته المعتبرة من بعد وفاة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه. وقال الخطيب البغدادي في ترجمة عبد الملك بن مروان: فكانت خلافته من مقتل ابن الزبير إلى أن توفي ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر [تاريخ بغداد (١٠: ٣٩١)]. وقال الحافظ ابن كثير: وهو أمير المؤمنين عند ابن حزم وطائفة. قال الذهبي: إن صحت خلافة مروان فإنه خارج على ابن الزبير باغ فلا يصح عهده إلى ولديه إنما تصح إمامة عبد الملك من يوم قتل ابن الزبير. [تاريخ الإسلام ٦٠ - ٨١ هـ: ١٣٣]. ولقد ذكرنا ما جرى من الحوادث الجسام من بعد وفاة معاوية بن يزيد وحتى وفاة الصحابي الجليل أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير الذي حكم الشطر الأكبر من أرض الخلافة مدة سبع سنين. وفي هذه الأسطر القليلة نذكر القارئ الكريم ببعض أعمال الخليفة عبد الملك بن مروان من بعد وفاة ابن الزبير. ولقد ذكرنا آنفًا زيف الروايات التي تذكر أنه أطبق المصحف ساعة توليه الحكم وقال: هذا فراق بيني وبينك وذكرنا أنه من علماء المدينة المعروفين يومها لدى الناس، وأنه حتى آخر أيامه كان يجلس في حلقات العلم، ولا بأس أن نكرر هنا رواية مسلم التي ذكرناها آنفًا. فقد أخرج مسلم عن أبي قزعة أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: =
- ج ٤ ص ١٧٧
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = (يا عائشة لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحجر فإن قومك قصّروا في البناء)، فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بينى ابن الزبير. [صحيح مسلم: كتاب الحج: ح ٤٠٤: ١٣٣٣]. ومن أعمال عبد الملك الحضارية: ضرب الدنانير ولقد ذكرنا روايات الطبري في هذا الباب آنفًا وكذلك رواية ابن الجوزي عن مالك بن أنس رضي الله عنه: "أول من ضرب الدنانير عبد الملك وكتب عليها القرآن" [المنتظم ٢٩٥: ١٦٤٩]. قال الأستاذ يوسف العش رحمه الله: فليست القضية قضية إنشاء مصنع للنقود، ونقل السكة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية فحسب بل يدخل في هذا الأمر وزن النقود وشكلها: أما وزنها فله علاقة بالزكاة فيجب أن يسهل وزن النقد أداء الزكاة بحسب الأصول الشرعية، وهكذا جعل عبد الملك وزن الدراهم متفقًا مع حسابات الزكاة بحيث لا تكون هنالك صعوبات في حساب إخراجها فجعل الدرهم ستة دوانق بحيث أصبح العشرة دراهم سبعة مثاقيل. [الدولة الأموية: ص ٢٢٥]. وقال الحافظ ابن كثير - في ترجمة عبد الملك -: سمع عثمان بن عفان وشهد الدار مع أبيه، وهو ابن عشر سنين، وهو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة اثنتين وأربعين. [البداية والنهاية (٧: ٢١٢)]. قلنا: والإسلام أمرنا أن نقول الحق ولو على أنفسنا فالخليفة عبد الملك خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، والله أعلم، بما فعل وللأمانة التاريخية أمام الله أولًا ثم أمام المسلمين نقول: إن عبد الملك يتحمل قسطًا وافرًا من الظلم الذي مارسه الحجاج بعد أن سلطه على العراق وسائر المشرق - مهما كانت نواياه - والظلم الذي مارسه الحجاج كان معول هدمٍ في عهد الأمويين بقي أثره حتى أفل نجمهم والله تعالى أعلم. ومعلوم لدى الناس جميعًا أن الإنسان حين تقترب منيته وتحين ساعة المفارقة يرق قلبه وتصغر الدنيا في عينه ويندم على سيئاته، ويتمنى لو أنه لم يتقلد منصبًا حتى لا يحمل ظلم الناس وكذلك كان حال عبد الملك -رحمه الله تعالى- فقد قال سعيد بن عبد العزيز - لما احتضر عبد الملك -: أمر بفتح أبواب قصره فلما فتحت سمع قصارًا بالوادي فقال: ما هذا؟ قالوا: قصَّار (أي: الذي يصبغ الثياب ويقصرها) فقال: يا ليتني كنت قصارًا أعيش من عمل يدي، فلما بلغ سعيد بن المسبب قوله قال: الحمد لله الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفرُّ إليهم، وقال: لما حضره الموت جعل يندم ويندب ويضرب بيده على رأسه ويقول: وددت أني اكتسبت قوتي يومًا بيوم واشتغلت بعبادة ربي عزَّ وجلَّ وطاعته. [البداية والنهاية (٢١٨: ٧)]. وأخيرًا فإننا نريد أن نربط بين أعمال الخلفاء الراشدين وآثار سنتهم في الحكم المتبقية من =
- ج ٤ ص ١٧٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = بعدهم. فمعلوم لدينا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه دوّن الدواوين، ومنها ديوان العطاء وديوان الخراج و ... إلخ. وديوان العطاء: يختص بتوزيع الأعطية على الرعايا جميعًا (ما يسمى اليوم بحقوق المواطنين، وخاصة المجاهدين، ويسجل في هذا الديوان أسماء الناس واستحقاقاتهم). نعم كان الإسلام يعرف هذا منذ عهد قديم (قبل أربعة عشر قرنًا) ولكن ما نقول لمستشرق أغمض عينيه فلا يرى حسنة من حسنات التاريخ الإسلامي! ومن الأعمال الحضارية التي طوّرها عبد الملك هو ذلك العمل التجديدي في ديوان الخراج الذي يعتمد على الأرقام والحساب وهو ديوان يتضمن أسماء الأراضي الزراعية ومقادير محاصيلها مع مقدار الخراج الموضوع عليها وكانت هذه المعلومات تكتب بلغة البلاد المفتوحة (أي: الفارسية في العراق، والقبطية في مصر، والرومية بالشام) فعمد عبد الملك إلى توحيد لغتها فأصبحت جميعًا بلغة القرآن (العربية) وبذلك أصبح عصب مهم من اقتصاد الخلافة واضحًا ومفتوحًا أمام الخليفة بعد أن كان صعبًا عليه أن يقرأها دون الاستعانة بمترجمين أو دون استدعاء القائمين عليها ولكن بعد توحيد لغة الدواوين أصبح الاقتصاد الإسلامي في قبضة الخلافة وذلك إنجاز إداري في غابر الزمان لو تدبره المنصف لتبين له عظمة التاريخ الإسلامي. وأخيرًا فإن خلفاء بني أمية (خلا اليزيدين؛ يزيد بن معاوية، ويزيد بن الوليد الفاسق) كانوا يتولون الحج كل عام أو يرسلون من ينوب عنهم من الأمراء، فالناس يرون الخليفة يصلي الصلوات الخمس ويحكم في قضاياهم ويدير شؤونهم ويتولون الحج ويشاركون مع سائر الأمة في شعائر الحج ومناسكه. كما أخرج ابن سعد في طبقاته قال: أخبرنا محمد بن بكر الرساني قال: أخبرنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن محمد بن صهيب أنه رأى عبد الملك بن مروان يبتاع بمنى بدنة. [الطبقات الكبرى (٥: ٢٣٥)]. قلنا: والثابت تاريخيًا أن عبد الملك قد أمر بتعريب الدواوين وكتابتها جميعًا بلغة القرآن [المصدر الأول من مصادر هذا الدين] وأمر بضرب النقود كذلك، وبهاتين العمليتين الحضاريتين أضاف إلى جهود الفتوحات والدعوة الإسلامية أمورًا أخرى أدت بالنتيجة إلى قوة نظام الخلافة ووحدة الصف من الشرق إلى الغرب وكما اعترف أحد المستشرقين (المعادين للتاريخ الإسلامي) وهو: أندريه مايكل إذ قال: لقد أقام الأمويون نظامًا من أقوى النظم التي عرفتها البشرية بأسرها، وبفضلهم دخل الإسلام في ذروة العصور الوسطى .... وكان لهذا الحدث عواقب يصعب حسابها فلأول مرة تقع هاتان المنطقتان من مصب أنهار السند إلى أسبانيا تحت سلطة واحدة وتندمج في مجال اقتصادي واحد وتنظمها ثقافة واحدة. [الإسلام وحضارته: الباب الرابع: ٩٧].