[وقفة عند سيرة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك] (٨٦ - ٩٦ هـ)
فقرتان، ج ٤ ص ٢١١
- ج ٤ ص ٢١١
مات الحجاج! فاسترجعتُ. قال: اسكُتْ ما يُسرّ مولاك أن في يده تفاحةً يشُمّها (١) . (٤٩٦: ٦ - ٤٩٧) .
- (١)[وقفة عند سيرة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك] (٨٦ - ٩٦ هـ) عرف الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بأعمال صالحة وفتوح ذكرتها كتب التاريخ فقد أقام الجهاد في أيامه وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة (كما قال السيوطي) وكان مع ذلك يُخَتِّنُ الأيتام، ويُرَتِّبُ لهم المؤدبين، ويُرتِبُ للزمْنى من يخدمهم وللأضراء من يقودهم وعمّر المسجد النبوي ووسعه ورزق الفقهاء والضعفاء والفقراء وحرّم عليهم سؤال الناس وفرض لهم ما يكفيهم وضبط الأمور أتمَّ الضبط، قال ابن أبي عبلة: رحم الله الوليد وأين مثل الوليد؟ افتتح الهند والأندلس وبنى مسجد دمشق وكان يعطيني قطع الفضة أقسمها على قرّاء مسجد بيت المقدس. [تاريخ الخلفاء (ص ٢٢٤)]. ونود هنا أن نذكر رأي الأخباري الصدوق المدائني رحمه الله: إذ أخرج ابن جرير قال: حدثني عمر بن شبة: حدثنا علي بن محمد المدائني قال: كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم بني المساجد بدمشق، ووضع المنائر، وأعطى الناس، وأعطى المجذومين، وقال لهم لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادمًا، وكل ضرير قائدًا، وفتح في ولايته فتوحات كثيرة عظامًا، وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد الروم، فتح الأندلس والهند والسند وأقاليم بلاد العجم حتى دخلت جيوشه إلى الصين. [انظر البداية والنهاية (٧: ٣١٢) وتاريخ الطبري (٦: ٤٩٧)]. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: بني الوليد بن عبد الملك جامع دمشق على الوجه الذي ذكرنا فلم يكن له في الدنيا نظير، وبنى صخرة بيت المقدس عقد عليها القبة، وبنى المسجد النبوي ووسعه حتى دخلت الحجرة النبوية التي فيها القبر فيه. وله آثار حسان جدًّا ثم كانت وفاة الوليد في يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة أعني: سنة ست وتسعين. [البداية والنهاية (٧: ٣١٢)]. ومن واجب المؤرخ المسلم الملتزم أن يبحث في أمهات الكتب ليكشف عن زيف أهل البدع والأهواء من المؤرخين الذين شوّهوا كثيرًا من الحقائق التاريخية ونسبوا إلى بعض الخلفاء ما ليس فيهم كالواقدي إذ وصف الوليد بأنه جبار وتبعه بعض الأئمة المتأخرين كالسيوطي رحمه الله. ولكن تلك الفرية لم تنطل على الحافظ المؤرخ المحدث المفسر ابن كثير فرد على الواقدي المتروك المبتدع فريته تلك إذ قال الواقدي: "وكان الوليد جبارًا ذا سطوة شديدة لا يتوقف إذا غضب". فرده ابن كثير قائلًا: يُرادُ بهذا الوليد بن يزيد الفاسق لا الوليد بن عبد الملك باني الجامع. [البداية والنهاية (٧: ٣١٢)]. وقد استوقفتنا رواية عند البسوي قال: أخبرنا ابن وهب: حدثني الليث: عن عقيل: عن ابن = = شهاب: أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن الوليد بن عبد الملك أرسل إليه بالظهيرة في ساعة لم يكن يرسل إليه في مثلها فوجده في قيطون صغير له بابان باب يدخل عليه فإذا هو قاطب عينيه فأشار إليَّ أن اجلس، فجلست بين يديه مجلس الخصم وليس عنده إلَّا ابن الديان قائمًا بسيفه فقال: ما تقول فيمن يسب الخلفاء أترى أن يقتل؟ قال: فسكت، فانتهرني وقال: ما لك لا تتكلم؟ فسكت فعاد لمثلها فقلت: أقتل يا أمير المؤمنين؟ قال: لا ولكنه سبَّ الخلفاء. قال: فقلت: فإني أرى أن ينكل به فيما أنهك من جهة الخلفاء. قال: فرفع رأسه إلى ابن الريان قال: وما أظنه إلَّا أنه يقول اضربوا رقبته، فقال: إنه فيهم لتائه (أو لنابه)، ثم حوّل وركه فدخل إلى أهله. فقال لي ابن الريان: به انقلب. [المعرفة والتاريخ (١: ٦٠٣) تاريخ دمشق (٤٥: تر ٥٢٤٢)]. قلنا: وهذه الرواية تبين لنا ما يلي: لقد تأثر الوليد بن عبد الملك بما انتهى إلى أسماعه من أن الخصوم يسبون الخلفاء ويتعرضون لهم ومع ذلك لم يصدر أمرًا بعقوبة أو شيء ولكنه استدعى عمر بن عبد العزيز المعروف بعلمه وورعه وتقواه ومعارضته للمظالم. ويبدو أن تلك الأقوال قد استفزت الوليد وأثارت غضبه حتى دفع به إلى أن يستدعي عمر بن عبد العزيز في وقت لم يكن يستدعي فيه في الأيام العادية ومعلوم أن الوليد عاش ردحًا من الزمن يصارع الخصوم ويقاتل لتثبيت دعائم حكمه ولكنه لم يأمر بقمع المعارضة السلمية كما يذكر بعض الباحثين والناقدين والله أعلم. ولعل في الوليد حدّة أو شدة، والحدّة شيء وما يدّعيه البعض من أنه كان جبارًا عنيدًا شيء آخر والله أعلم. وأما عن ظلمه بإبقاء الحجاج على المشرق فقد تحدثنا عنه بما فيه الكفاية وذلك من مثالبه التي لا تخفى. وإن كان البعض يحاول إيجاد مبررات لتولية الحجاج كما ذكر الشيخ الحصيني المؤرخ عن هؤلاء البعض فقال: (ومن رأى وتصفح تاريخ الخوارج وما كانت عليه العراق من الفتن وتكالب رؤوس الخوارج على الخلفاء وصلابتهم وثباتهم على مبدئهم وغايتهم التي يرمون إليها، وما استولى على نفوس الناس من العامة والقواد إذ ذلك من الملل من الحرب وسآمة الخوض فيها بل من سماع ذكرها على الموقف الذي كان فيه عبد الملك، وعذره في اختيار الحجاج عاملًا على العراق وخصوصًا مع ما عرف به أهله من التسرع للفتنة والخفة والانصياع فيها واتباعهم كل صائح إليها مع ابتلائهم واختيار أنجح المؤثرات فيهم فعلم بالاختبار الرجل فرماهم به (أي رمى الخوارج من أهل العراق وغيرهم بالحجاج). اهـ (ص ٩٣). قلنا: ومهما كانت المبررات فلا عذر في تولية الحجاج والنصوص النبوية تنهى الإمام عن تولية الضعيف والذي ليس بأهل فكيف بتولية الظالم والغليظ الجلف؟ ونختتم وقفتنا هذه بذكر جانب من الأعمال الصالحة التي قام بها الخليفة الوليد بن = = سبع وثمانين: عمر بن عبد العزيز. ثمان وثمانين: عمر بن الوليد بن عبد الملك. تسع وثمانين: عمر بن عبد العزيز. تسعين: عمر بن عبد العزيز. إحدى وتسعين: الوليد بن عبد الملك. اثنتين وتسعين: عمر بن عبد العزيز. ثلاث وتسعين: عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك. أربع وتسعين: مسلمة بن عبد الملك. خمس وتسعين: بشر بن الوليد بن عبد الملك. القضاة قضاء المدينة: ولى الوليد بن عبد الملك عمر بن عبد العزيز المدينة سنة ست وثمانين في آخرها أو في أول سنة سبع، فولى عمر القضاء عبد الرحمن بن يزيد بن جارية، ثم عزله واستقضى أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ثم عزله الوليد وولى عثمان بن حيان المري، ثم ولى أبا بكر بن حزم المدينة سنة ثلاث وتسعين. وعلى الكوفة: عامر الشعبي. وفي سنة ست وتسعين: فيها جمع سليمان بن عبد الملك العراق ليزيد بن المهلب بن أبي صفرة. وولى الخراج صالح بن عبد الرحمن. [تاريخ خليفة (ص ٣١٤ - ٣١٧)].
- ج ٤ ص ٢١٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .