الخليفة هشام بن عبد الملك ١٠٥ هـ - ١٢٥ هـ "مناقبه ومثالبه"
١١ فقرة، ج ٤ ص ٣٢٨
- ج ٤ ص ٣٢٨
وفي هذه السنة ولي الخلافة بعد موت هشام بن عبد الملك الوليدُ بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، وليَها يوم السبت في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومئة في قول هشام بن محمد الكلبيّ.
-
وأما محمد بن عمر فإنه قال: استُخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك يوم الأربعاء لست خلْون من شهر ربيع الآخر من شهر خمس وعشرين ومئة.
-
وقال في ذلك عليّ بن محمد مثل قول محمد بن عمر (١) .
- (١)وكذلك قال خليفة أي أنه ولي الخلافة سنة (١٢٥) هـ في شهر ربيع الآخر [تأريخ خليفة ٢٣١] وانظر [تأريخ الإسلام / أحداث ووفيات سنة ١٢١ - ١٤٠ هـ / ص ١٢]. الخليفة هشام بن عبد الملك ١٠٥ هـ - ١٢٥ هـ "مناقبه ومثالبه" مناقبه: ١ - كان هشام إداريًا حازمًا دقيقًا: لقد ذكرنا في قسم الصحيح قبل قليل رواية الطبري المسندة الموصولة (ورجال إسناده بين ثقة وصدوق) يشهد فيها عمّ الخليفة العباسي (عبد الله بن علي) أنه فتّش دواوين خلفاء بني مروان فوجد دواوين هشام بن عبد الملك أصحّها وأصلحها للعامة والسلطاان سواءً بسواء - والرواية الثانية عن - غسان بن عبد الحميد: لم يكن أحدٌ من بني مروان أشد نظراص في أمر أصحابه ودواوينه ولا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام. ٢ - السياسة المالية لهشام بن عبد الملك: لقد عرف هشام رحمه الله تعالى بحرصه على المال العام فضبط موارد ومخارج بيت المال- ولقد ذكرنا الرواية في قسم الصحيح وفيها يقول هشام: وأما ما ترون من جمعي هذا المال وصونه فإنه لكم، وسنذكر هنا ما يؤيد هذا المفهوم فقد أخرج ابن عساكر عن أبي عمير بن النحاس (ثقة) حدثني أبي قال: كان لا يدخل بيت مال هشام مال حتى يشهد أربعون قسامة لقد أخذ من حقه ولقد أعطي لكل ذي حق حقه [مختصر تأريخ دمشق ٩٩/ ٢٧ وتأريخ = = الإسلام / أحداث ووفيات / ١٢١ - ١٤٠ هـ / ٢٨٣]. وأخرج البلاذري حدثني محمد بن أنس الأسدي عن ابن كناسة الأسدي قال: قدم رصافة هشام رجل من بني أسد، ثم من بني فقعس على هشام، فدخل عليه حين جلس للعامة، فقال: يا أمير المؤمنين أتت علينا سنونٌ ثلاثٌ أجحفت بالأموال ونحبت قلوب الرجال، فأما الأولى منهنّ فأذابت الشحم، وأما الثانية فَنَحَضَتِ اللحم، وأما الثالثة فهاضت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن تكن لله فبثوها في عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تحظرونها عنهم وتمنعونها ذوي خلّتهم، وإن تكن لكم فتصدقوا فـ {إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} قال هشام: هذه حاجتك في خاصتك، فما حاجتك في عامتك؟ قال: ما لي حاجة في خاصة دون عامة، فكتب هشام إلى خالد بن عبد الله أن أنفق على من أقحمته السنة حتى يأتي الله بالحيا والخصب. وكتب بمثل ذلك إلى إبراهيم بن هشام عامله بالمدينة فأنفقا، فاحتسب بألفي ألف درهم، واحتسب إبراهيم بسبعين ألف دينار فسميت السنة سنة خالد. [كتاب جمل من أنساب الأشراف / ٨/ ٣٥٨٤]. وأخرج البلاذري: حدثنا محمد بن الأعرابي عن المفضّل الضبيّ قال: دخل قرواش بن حبيب على هشام في غمار الناس فقال: إنا أنضاء سفر، وفَلّ سنة، وعندكم أموال فإن تكن لله فبثوها في عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تمنعونهم إياها، وإن تكن بينكم وبينهم فقد أسأتم الأثرة وتركتم النِّصْفَة. فقال هشام: نحن أقفال عند الله مفاتيحها، فإذا أذن في شيء فتحنا له [المصدر السابق / ٨/ ٣٥٨٠]. وأخرج البسوي من طريق إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده قال (كنت عند هشام بن عبد الملك جالسًا فأتاه رجل فقال يا أمير المؤمنين إن عبد الملك أقطع جدي قطيعة فأقرها الوليد وسليمان حتى إذا استخلف عمر رحم الله عمر - نزعها ... الخبر وفيه قال (أي هشام) والله إن فيك لعجبًا تذكر من أقطع جدك ومن أقرها في يده فلا ترحّم عليه وتذكر من نزعها فترحّم عليه فأنا قد أمضينا ما صنع عمر- رحم الله عمر - قُمْ) المعرفة والتأريخ ١/ ٦٠٤. ٣ - تواضع هشام بن عبد الملك للعلماء والعامة على حد سواء: أ - أخرج ابن الجوزي من طريق عمير بن مرداس قال ثنا الحميدي قال سمعت سفيان بن عيينة يقول دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله فقال له يا سالم: سلني حاجة فقال له إني لأستحي من الله أن أسأل في بيت الله غيره فلما خرج في أثره فقال له: الآن قد خرجت فسلني حاجة فقال له سالم من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة فقال من حوائج الدنيا فقال له ما سألت من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها [المنتظم ٧/ ١١٤]. ب - وأخرج البسوي قال: ثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان بن عيينة حدثني أبي قال حجّ هشام بن عبد الملك فطاف في البيت ومعه سالم بن عبد الله فأراد أن يدخل الحجر فزاحمه = = سالم هكذا وأشار سفيان بمنكبيه، فطاف من وراء الحجر، قال سفيان: شهده أبي [المعرفة والتأريخ ٢/ ٢٢٦]. ج - أخرج البلاذري من طريق المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال خالد بن صفوان: دخلت على هشام بن عبد الملك في يوم شديد الحر وهو في بركة ماؤها يغمر الكعبين وقد وضع له كرسي فجلس عليه فلما رآني دعا لي بكرسي ثم جلس يسائلني فأقبلت أحدثه ثم قال: يا خالد لربّ خالدٍ جلس مجلسك كان أحب إليّ منك -يعني خالد بن عبد الله القسري- قال: فقلت: يا أمير المؤمنين لو تفضلت عليه بصفحك وتغمّدته بحلمك؟ فقال: إن خالدًا أدلَّ فأملَّ وأوجف فأعجف فسكت [كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/ ٣٦٠٠] ومسلمة أخباري مأمون وأما خالد بن صفوان فقد قال فيه الذهبي أحد فصحاء العرب ومن مشاهير الأخباريين [تأريخ الإسلام / المجلد السابق / ٨١]. وهذه أمثلة على تواضع هشام واختلاطه بالعامة والخاصة في الأيام العادية ومشاركة الناس في مناسباتهم وأحزانهم وما إلى ذلك فقد صح عن هشام بن عبد الملك أنّه صلّى على عددٍ من أئمة التابعين حين حضر جنازتهم - فكان يحج معهم ويزاحمونه عند الحجر ويموتون فيصلي عليهم ويدخل عليه الناس في وقت استجمامه وراحته - يا ترى كم تتغيّر الصورة لو قبلنا فقط روايات المؤرخين الثقات وبأسانيدهم الصحيحة بدلًا من أكوام الروايات المهلهلة التي لفّقها أبو مخنف والكلبي وغيرهما - ولقد أخرج ابن عساكر من طريق أبي بكر بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيد قال دخل عقال بن شبة على هشام فأراد أن يقبل يده فمنعه وقال مَهْ لا يفعل هذا من العرب إلا الهلوع ولا من العجم إلا الخضوع [٤٠/ ٤٨١]. ٤ - حب هشام لمجالس العلم والعلماء وتكفله لمعاشهم والسؤال عنهم واستشارتهم في أمور الحكم: أ - معلوم لدى المؤرخين (متقدمين ومتأخرين) أن الإمام الزهري رحمه الله تعالى كان كالظل للخليفة هشام يشير عليه في أمور الخير ويعينه على الحكم بكتاب الله وسنة نبيّه وكان هشام يُحُبه ويُجلّه - فقد أخرج البسوي من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد أن هشام بن عبد الملك سأل الزهري أن يملي على بعض ولده فدعا بكاتب فأملى عليه أربعمئة حديث ثم خرج الزهري من عند هشام فقال أين أنتم يا أصحاب الحديث فحدثهم تلك الأربعمئة حديث ثم أقام هشام شهرًا ... إلى آخر الخبر [المعرفة والتأريخ ١/ ٦٤٠ / و ١/ ٦٣٠] وأخرج البسوي قال: حدثني عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه: أن هشام بن عبد الملك قضى دين ابن شهاب ثمانين ألف درهم [المعرفة والتأريخ ١/ ٦٣٠] وهذا إسناد صحيح وأخرج ابن العديم من طريق الوليد بن شجاع قال حدثني محمد بن شعيب بن شابور قال أخبرنا الوليد بن سليمان بن أبي الساري عن رجاء بن حيوة أنه حدثه قال: كتب هشام بن = = خالد أبا بكر بن عبد الرحمن بن حويطب من بني عامر بن لؤي، ثم عزله واستقضى محمد بن صفوان الجمحي، ثم عزل هشام خالدًا سنة تسع عشرة ومئة، وكتب إلى أبي بكر (بن محمد) بن عمرو بن حزم فلم يزل قاضيًا حتى مات. [تأريخ خليفة /
- ج ٤ ص ٣٢٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٤ ص ٣٣٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٤ ص ٣٣١
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = عبد الملك إلى عامله أن يسأله عن حديث قال رجاء فكنت قد نسيته لولا أنه كان عندي مكتوبًا [بغية الطلب ٨/ ٣٦٢٣]. وأخرج الفسوي من طريق محمد بن أبي عمر عن سفيان قال: قال هشام بن عبد الملك لأبي حازم يا أبا حازم ما النجاة من هذا الأمر؟ قال: يسير. قال وما ذاك؟ قال لا تأخذن شيئًا إلا من حلّه ولا تضعنّ شيئًا إلّا في حقه قال ومن يطيق ذلك يا أبا حازم؟ قال من طلب الجنة وهرب من النار [المعرفة والتأريخ ١/ ٦٧٩]. ٥ - هشام كان يجد من يعينه على الحق ويزيد الذي سبقه لم يجد. لعلّ القارئ الكريم يتسائل وما علاقة هذه المسألة بمناقب خليفة الوقت هشام - فأقول وبالله التوفيق: إن الباحث المنصف حين يتدبّر روايات التأريخ الصحيحة يجد أن كوكبة من العلماء برزوا في عهد عمر بن عبد العزيز أعانوه على عمله الإصلاحي والتغييري نحو إرجاع الخلافة إلى ما كان عليه أيام الراشدين ومعاوية وكذلك هشام وإن لم يصل إلى مستوى ابن عبد العزيز ولكنه بلغ قمة سامقة أعانه في ذلك البلوغ كوكبة من العلماء كالزهري وغيره ليس فقط في ميدان تذكير الحاكم بالحق والخير وإعانته على البرّ وإنما في مجال ترشيد الناس وتربيتهم وتوجيههم فكانوا بذلك مدارس عظيمة لتنشئة الجيل على الهدى والحق- فقال البسوي سعيد (بن عبد العزيز) قال كان سليمان بن موسى يقول إذا جاءنا العلم من الحجاز عن الزهري قبلناه وإذا جاءنا من الجزيرة عن ميمون بن مهران قبلناه وإذا جاءنا من العراق عن الحسن قبلناه وإذا جاءنا من الشام عن مكحول قبلناه] قال سعيد: فكان هؤلاء الأربعة علماء الناس في خلافة هشام] [المعرفة والتأريخ ٢/ ٤١٠] وهذا يذكرنا بما تعلّمناه من أساتذتنا من أن التأريخ الإسلامي تأريخ أمة وليس تأريخ أسر حاكمة ونضيف إلى كلامهم الكريم فنقول: إن الأمة بكل صنوفها حكامًا ومحكومين شاركوا في تسطير صفحات ذلك التأريخ بما فيه من قمم، وبما فيه غير ذلك، ولقد كان هشام حريصًا على تولية العلماء مناصب في إدارته؛ فقد أخرج الأصبهاني في حلية الأولياء عن التابعي الجليل إبراهيم بن أبي عبلة قال: أرسل إليّ هشام بن عبد الملك فقال: لي يا إبراهيم إنا قد عرفناك صغيرًا واختجرناك كبيرًا فرضينا سيرتك وحالك وقد رأيت أن أخلطك بنفسي وخاصتي واشركك في عملي وقد وليتك خراج مصر فقلت (أي إبراهيم) أما الذي عليه رأيك يا أمير المؤمنين فالله يجزيك ويثيبك وكفى به جازيًا ومثيبًا وأما الذي أنا عليه فمالي بالخراج بصر ومالي عليه قوة، قال: فغضب حتى اختلج وجهه وكان في عينه (حول) فنظر إلي نظر منكظًا ثم قال: لتلين طائعًا أو لتلين كارهًا؟ قال فأمسكت عن الكلام حتى رأيت غضبه انكسر وسورته قد طفئت فقلت يا أمير المؤمنين أتكلم؟ قال: نعم قلت: إن الله سبحانه قال في كتابه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا}. =
- ج ٤ ص ٣٣٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = فوالله يا أمير المؤمنين ما أغضب عليهن إذ أبين ولا أكرههن إذ كرهن، وما أنت بأحق أن تغضب علي إذا أبيت، ولا تكرهني إذا كرهت. قال: فضحك حتى بدت نواجذه. ثم قال: يا إبراهيم قد أبيت إلا فقهًا، لقد رضينا عنك ووافيناك (تهذيب الحلية ٢/ ١٩٥ / تر ٣٢١). وقبل أن نغادر هذه المسألة نقول: ليس هذا فقط من صنف العلماء وإنما كان من بين قواده وأمراءه وخاصة (أقاربه) من يعينه على الحق كخاله وأخيه (مسلمة) وأخيه الآخر محمدًا فمسلمة كان قائدًا شجاعًا صالحًا شديدًا على أعداء الخلافة الإسلامية. وكثير من القادة والعلماء كانوا يسمعون ويطيعون للخليفة هشام ومن قبله يزيد وعمر بن عبد العزيز وسليمان ولكن في طاعة الله فإذا أمر بمعصية لم يسمعوا له بل أنكروا عليه ولكن بالحجة واللسان دون اللجوء إلى السيف الذي طالما فرّق الجماعة وأحدث جراحات في الأمة وكان هذا دأب كثير من أئمة المسلمين كمحمد بن الحنفية وابن عباس وأنس بن مالك رضي الله عنهم ومن بعدهم الحسن البصري وغير واحد فالحسن البصري والشعبي عندما سألهما والي العراق في عهد يزيد هل ينفذ أوامر الخليفة بحذافيرها أم يسمع له في المعروف والحق فقط فأشارا عليه بالسمع في الطاعة فقط فإن يزيدًا لا يملك له عند الله شيئًا ولا يغني عنه. وأمر الله أولى بالاتباع فقد أخرج البلاذري من طريق المدائني عن المفضل بن فضالة قال بعث ابن هبيرة إلى الحسن والشعبي فاجتمعا عنده فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك عبد من عباد الله أخذ عهده لهم وأعطوه عهودهم أن يسمعوا له ويطيعوا، وإنه يأتيني منه أمور لا أجد من إنفاذها بُدًّا، والحسن ساكت فقال له لما بقول يا أبا سعيد؟ قال: إنّ الله مانعك من يزيد وإن يزيدًا غير مانعك من الله، وإنه يوشك أن ينزل بك أمر من السماء فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فلا يوسعه إلا عملك، يابن هبيرة إني أنهاك عن الله أن تتعرض له، فإن الله إنما جعل السلطان ناصرًا لدين الله وعباده فلا تركبوا عباد الله بسلطان الله فتذلوهم، وإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. [كتاب جمل من أنساب الأشراف ٨/ ٣٤٦٢]. ورواية أخرى أخرجها الكندي المصري (أبو عمر) قال: حدَّثنا أبو بشر الدُولابيّ قال: حدَّثني معاوية بن صالح الأشعري قال: أخبرني منصور بن أبي مُزاحم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: ولَّى هشام أخاه محمدًا مصر فقال له: أنا أليها على أنك إن أمرتني بخلاف الحقّ تركتُها. فقال: ذلك لك، فوليها شهرًا فأتاه كتاب لم يعجبه فرفض العمل وانصرف إلى الأردن وكان منزله بها في قرية يقال لها ريسون فكتب: أتترك مصر لريسون حسرة ستعلم يومًا أيّ بيعتك إربح قد أدرك هشام مثل هذا. فأجابه محمد: إنّي لست أشكّ في أن أربح البيعتين ما صنعت [كتاب الولاة والقضاة / ٧٣]. =
- ج ٤ ص ٣٣٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = ٦ - الجهاد ومعارك الفتوح أيام الخليفة هشام بن عبد الملك. (١٠٥ - ١٢٥ هـ) لو راجعنا أسماء القادة والأمراء الذين ولّاهم هشام على الجيوش الفاتحة لتبيّين لنا أن هشام كان يرسل أبناءه وإخوانه وأبناء عمومته على رأس الجيوش الفاتحة - بالله عليك أخي القارئ كم حقائق تأريخية طمست في خضم الروايات الملفقة - فها هو الخليفة هشام يختار أقرب المقربين إليه ليحاربوا في بلادٍ سحيقة البعد منقطعة الطرق فيها عدو شرس تمرّن على الكرّ والفرّ والغدر والحيلة! ! ! إلا أنها عقيدة التوحيد حين استقرت في تلك النفوس فدفعتها إلى تسجيل تلك الصفحات الناصعة من التاريخ الإسلامي ولكن أنّى لأقلام مستشرقة أن تذكر هذه الدرر وهذه الصفحات الناصعة البياض وإليك أسماء القادة والأمراء المجاهدين في عهده: ١ - معاوية بن هشام بن عبد الملك (ابن الخليفة). ٢ - سليمان بن هشام بن عبد الملك (ابن الخليفة). ٣ - مسلمة بن عبد الملك (أخو الخليفة). ٤ - محمد بن مروان (ابن عم الخليفة هشام). حركة الفتوحات والجهاد في عهد الخليفة هشام: غزا معاوية بن هشام أرض الروم فبعث ابن بطَّال (البطل المعروف) إلى حنجرة ففتحها (تاريخ خليلة / ٣٢٥). وفي سنة (١٠٩ هـ) غزا مسلمة بن عبد الملك وسرع الجيوش في أذربيجان فشتّوا بها (خليفة / ٣٢٥). وفي سنة (١٠٩ هـ) غزا معاوية بن هشام أرض الروم وافتتح حصنًا يقال له القطاسين (خليفة / ٣٥٢) وفي سنة (١١٠ هـ) غزا معاوية أرض الروم وافتتح حصنين من حصونهم صملة والبوة (ص ٣٥٣) (والطبري ٧/ ٥٤) وفي سنة (١٢١ هـ) هزم سعيد بن جممرو الحرشي ابن خاقان وقتل منهم مقتلة عظيمة فهرب طاغية الخزر وكتب إلى هشام بن عبد الملك (خليفة / ٣٥٧) (وانظر أحداث ١١٣ هـ عند الطبري ٥/ ٨٨) وفي سنة (١٢١ هـ) غزا مروان بن محمد من أرمينية غزوة السائحة فدخل من باب اللان ضمر بأرض اللان حتى خرج منها إلى بلاد الخزر ضمر ببلنجر وسمندر فانتهى إلى البيضاء التي يكون فيها خاقان فهرب خاقان (خليفة / ٣٦٤). وفي سنة (١٢١ هـ) خرج مروان بن محمد منطلقًا من أرمينية فأتى قلعة بيت السري وحصن نحو مسلم ثم دخل أرض تومان وصالح ملكها ثم سار إلى أرض زروبكرزان (تاريخ خليفة / ٣٦٧) وفي سنة (١١٤ هـ) سار مروان غازيًا حتى جاوز نهر أرم (خليفة / ٣٥٩) وفي سنة (١١٤ هـ) النقى البطل المسلم المعروف بابن بطال مع قسطنطين فهزم الله العدو وأسر قسطنطين في هذه المعركة (تاريخ خليفة / ٣٦٠) وفي سنة (١١٦ هـ) أغزى أرض السوس وأرض السودان فظفر وأصاب ذهبًا كثيرًا (خليفة / ٣٦١) وما ذكرناه جزء من فتوحات أخرى =
- ج ٤ ص ٣٣٤
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = حدثت في عهد أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك الذي كان حريصًا على إلقاء جذوة الجهاد متقدة وقدّم من أجل ذلك أبناءه وأخاه وابن عمه في مقدمة الجيوش الفاتحة ويوم أن جاء البشير إلى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بالفتح وانتصار المسلمين على خاقان فكبر (البشير) على الباب وهشام يكبر لتكبيره حتى انتهى إليه فقال الفتح يا أمير المؤمنين وأخبره فنزل هشام عن سريره فسجد سجدة الشكر (الطبري ٧/ ١٢٦) فرحم الله الخليفة العادل الزاهد المجاهد هشام بن عبد الملك وبهت أعداء الإسلام وأعداء تأريخه العظيم. ٧ - وهذه آراء بعض أئمة التأريخ في هشام بن عبد الملك: قال الحافظ ابن كثير: لما مات هشام بن عبد الملك مات ملك بني أمية وتولّى وأدبر أمر الجهاد في سبيل الله واضطراب أمرهم جدًّا وإن كانت تأخرت أيامهم بعده نحوًا من سبع سنين ولكن في اختلاف وهيج وما زالوا كذلك حتى خرج عليهم بنو العباس فاستلبوهم نعمتهم وملكهم وقتلوا منهم خلقًا وسلبوهم الخلافة] البداية والنهاية ٩/ ٣٦٩ وقال المدائني والهيثم وغيرهما: السوّاس من بني أمية ثلاث: معاوية، وعبد الملك، وبهشام اختتمت أبواب السياسة وحسن السير [شذرات الذهب ٢/ ١٠٥] وقال عماد الدين أبو الفداء: وكان هشام حازمًا سديد الرأي غَزيرَ العقل [المختصر بأخبار البشر ١/ ٢٠٥] هذا بالإضافة إلى شهادة خصومه بني العباس وقد ذكرناها في قسم الصحيح من قبل. ونختتم مناقبه بكلام المؤرخ الإمام الثقة ابن الجوزي إذ قال نقلًا عن علماء السير: قال علماء السير: كان هشام إذا صلّى الغداة كان أول من يدخل عليه صاحب حرسه فيخبره بما حدث في الليل ثم يدخل عليه موليان له صع كل واحد منهما مصحف فيقعد أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره حتى يقرأ عليهما جزأه، ويدخل الحاجب فيقول فلان بالباب وفلان وفلان فيقول ائذن، فلا يزال الناس يدخلون عليه فإذا انتصف النهار وضع طعامه ورفعت الستور فيدخل الناس وأصحاب الحوائج وكاتبه قاعد خلف ظهره فيقوم أصحاب الحوائج فيسألون حوائجهم، فيقول لا ونعم، والكاتب خلفه يرفع بما يقول حتى إذا فرغ من طعامه وانصرف الناس صار إلى قائلته فإذا صلى الظهر دعى بكاتبه فناظره فيما ورد من أمور الناس حتى يصلي العصر ثم يأذن للناس فإذا صلى العشاء الآخرة حضر سمّاره؛ الزهري وغيره [المنتظم ٧٢/ ٩٨]. وأما مثالب الخليفة هشام بن عبد الملك: ١ - تأخّره في عزل والي العراق خالد بن عبد الله القسري: ومن باب عدم بخس الناس أشياءهم نقول: إن خالدًا قام بأعمال خير، منها: استصلاح الأراضي الزراعية وحفر الأنهار، وإكرام أئمة أهل البيت كالإمام زيد وأبناء عمومته - وكان في الوقت نفسه حربًا على الزنادقة وأهل البدع والأهواء وكما قال ابن كثير كان قائمًا في إطفاء الضلال والبدع كما قدمنا من قتله للجعد بن درهم وغيره من أهل الإلحاد وقد نسب إليه =
- ج ٤ ص ٣٣٥
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = صاحب العقد أشياء لا تصح لأن صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع [البداية: ١/ ٢٢] وكذلك قال الذهبي: إن من حسناته قَتلهُ مغيرة بن سعيد الكذاب [سير أعلام ٥/ ٤٣٢] ولعل ذلك كان سببًا دفع أهل البدع والأهواء إلى نسج روايات ملفقة عن سوء سلوكه وحكمه ولكن كل ذلك لا يخفي ما ذكرته الروابات الصحيحة من إسرافه وتبذيره للمال العام وإنفاقه على الناس دون ضابط على العكس تمامًا من الخليفة يزيد بن عبد الملك وتأخّر هشام في عزله من مثالبه رحمه الله تعالى. والنقد نفسه يوجه إلى هشام لعدم عزله يوسف بن عمر بعد قتله لإمام من أئمة أهل البيت ألا وهو زيد بن علي رضي الله عنه. ٢ - بالرغم من حزم هشام وصبره وتواضعه فَقَدْ فَقَدَ توازنه المعهود حين بلغه أن يزيد يطمح إلى الخلافة وازداد حنقًا عندما حاوره في سنة (١٢١ هـ) وعلم من فصاحته وبلاغته ومنطقه الأخّاذ، فأساء معاملته وأغلظ في الكلام معه ولم يكرمه حق الإكرام الذي يستحق كإمام من أئمة أهل البيت الكرام، فكانت تلك المواجهة الكلامية السيئة التي قابل بها زيدًا سببًا أو شرارة أذكت روح الإباء والخروج عند الإمام زيد كما قال ابن عساكر: وفد على هشام بن عبد الملك فرأى منه جفوة فكان ذلك سبب خروجه وطلبه للخلافة [تأريخ دمشق ١٩/ ٤٥٠ / تر ٢٣٤٤]. والمعروف عن هشام كرهه الشديد لسفك الدماء وكان حريصًا على إقناع زيد بأي شكل من الأشكال بالرجوع إلى الحجاز وترك الكوفة ولقد طلب من والي العراق وبإلحاح أن يسرع في حثه على العودة إلى الحجاز وقد نجح في ذلك لولا تشبث شيعة الكوفة به وهو خارج الكوفة. وسوء تعامله مع الإمام زيد في لقائهما الأخير سنة (١٢١ هـ) من مثالبه الكبيرة وقد ترك أثره من بعد هشام. قال خليفة تحت عنوان: تسمية عمال هشام بن عبد الملك: مكة والمدينة والطائف: محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي سنة ست ومئة في جمادى الأولى، فلم يزل واليًا على مكة حتى مات هشام. المدينة: ولاها مع مكة محمد بن هشام بن إسماعيل، ثم عزله سنة أربع عشرة ومئة وولى خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم، ثم عزله سنة تسع عشرة ومئة، وكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فكان يصلي بالناس حتى قدم محمد بن إبراهيم بن هشام سنة تسع عشرة، فلم يزل واليًا حتى مات هشام. اليمن: ولاها هشام يوسف بن عمر الثقفي، فقدمها لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست ومئة، فلم يزل واليًا حتى كتب إليه في سنة عشرين ومئة بولايته على العراق، فسار واستخلف ابنه الصلت بن يوسف. ثم ولّاها أخاه القاسم بن عمر، فلم يزل واليًا حتى مات هشام. =
- ج ٤ ص ٣٣٦
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = البصرة: ولّاها خالد بن عبد الله القسري عند ولايته العراق أبان بن ضبارة بن عفير بن سيف بن ذي يزن من أهل حمص. والشرط: عقبة بن عبد الأعلى الكلاعي من أهل دمشق، ثم ولّى الشرط مالك بن المنذر بن الجارود العبدي، فقدمها في ذي القعدة سنة ست ومئة، ثم عزل مالك بن المنذر بن الجارود وولّى بلال بن أبي بردة سنة، ثم ولّى النضر بن عمر المُقرئ الحميري من أهل دمشق الصلاة، ثم عزله في آخر سنة عشر ومئة، وجمع الصلاة والشرط والقضاء لبلال بن أبي بردة حتى عزل خالد عن العراق سنة عشرين ومئة، وولى يوسف بن عمر الثقفي العراق فبعث الوازع بن عباد الكلبي فأخذ بلالًا، ثم ولّى يوسف كثير بن عبد الله السلمي ويكنى أبا العاج ثم عزله سنة اثنتين وعشرين ومئة وولّى القاسم بن محمد فلم يزل واليًا حتى مات هشام. الكوفة: ولاها خالدُ بن عبد الله عبد الملك بن جزء بن حدرُجان الأزدي من أهل فلسطين، ثم عزله وولّى إسماعيل بن أوسط البجلي، ثم عزله وولى عبد الله بن عمرو البجلي ثم عزله وولّى أخاه عاصم بن عمرو، ثم عزله وولى ضبيس بن عبد الله البجلي، ثم عزله وولّى نوفًا الأشعري، ثم عزله وولّى زياد بن عبيد الله الحارثي، ثم عزل خالدا سنة عشرين ومئة وولّى يوسف بن عمر، فولّى الحكم بن الصلت الثقفي، ثم عزله وولّى يوسف بن محمد بن القاسم الثقفي، ثم عزله وولّى محمد بن عبيد الله الثقفي، ثم عزله وولى زياد بن صخر اللخمي، ثم عزله وولّى عبيد الله بن العباس الكندي، ثم عزله وولّى أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي، فأقام جمعة حتى هرب يوسف بن عمر. خراسان: ولّى خالد بن عبد الله أخاه أسد بن عبد الله خراسان، ثم عزله هشام سنة ثمان ومئة وولى أشرس بن عبد الله السلمي ثم عزله سنة ثلاث عشرة ومئة وولّى الجنيد بن عبد الرحمن من مرة غطفان، ثم عزله سنة خمس عشر ومئة وولّى عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، ثم جمعت لخالد بن عبد الله الثانية فولّى أخاه أسد بن عبد الله، فمات أسد سنة عشرين ومئة قبل عزل خالد بقليل، واستخلف جعفر بن حنظلة البهراني ثم ولّى هشام نصر بن سيار الليثي حتى مات هشام. سجستان: ولّاها خالد بن عبد الله يزيد بن الغريف الهمداني، ثم الأصفح الكندي أبا خالد بن الأصفح الكندي، ثم عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، فلم يزل واليًا حتى عزل خالد وولّى يوسف بن عمر العراق، فولّاها محمد بن حجر بن قيس العبدي، ثم إبراهيم بن عاصم العقيلي فمات إبراهيم فولّاها يوسف حرب بن قطن بن قبيصة بن مخارق الهلالي، فلم يزل واليًا حتى مات هشام. السند: أقرَّ عليها خالد بن عبد الله الجنيد بن عبد الرحمن من مرة غطفان سنتين، ثم عزله وولّى تميم بن زيد القيني، ثم عزله وولّى الحكم بن عوانة، فقتلت الميذ الحكم، =