[ذكر بقية أخبار يزيد بن الوليد بن عبد الملك]
١٣ فقرة، ج ٤ ص ٣٣٩
- ج ٤ ص ٣٣٩
فمن ذلك ما كان من قتل يزيد بن الوليد الذي يقال له الناقص الوليد بن يزيد.
- ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف قُتِل:
-
قد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته، وما ذكر عنه من تهاونه واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته ولما وليَ الخلافة وأفضت إليه، لم يزدد في
ج ٤ ص ٣٤٠الذي كان فيه من اللهو واللذة والركوب للصيد وشرب النبيذ ومنادمة الفُسَّاق إلا تماديًا وحدًّا - تركت الأخبار الواردة عنه بذلك كراهة إطالة الكتاب بذكرها - فثقل ذلك من أمره على رعيته وجنده، فكرهوا أمرَه.
-
وكان من أعظم ما جنى على نفسه حتى أورثه ذلك هلاكه إفساده على نفسه بني عفيه بني هشام وولد الوليد، ابني عبد الملك بن مروان، مع إفساده على نفسه اليمانية، وهم عُظْم جند أهل الشأم.
-
ذكر بعض الخبر عن إفساده بني عمّيه هشام والوليد:
حدثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ، عن المنهال بن عبد الملك، قال: كان الوليد صاحبَ لهو وصيد ولذات؛ فلما ولي الأمر جعل يكره المواضع التي فيها الناس حتى قُتل؛ ولم يزل ينتقل ويتصيد، حتى ثقل على الناس وعلى جنده، واشتدّ علي بني هشام؛ فضرَب سليمان بن هشام مئة سوط وحلَق رأسه ولحيته، وغَرّبه إلى عَمّان فحبسه بها؛ فلم يزل بها محبوسًا حتى قتل الوليد.
قال: وأخذ جارية كانت لآل الوليد، فكلّمه عمر بن الوليد، فيها فقال: لا أردّها، فقال: إذن تكثر الصّواهل حول عسكرك. قال: وحبس الأفقم يزيدَ بن هشام، وأراد البيعة لابنيه الحكَم وعثمان فشاور سعيد بن بَيهس بن صُهيب، فقال: لا تفعل؛ فإنهما غلامان لم يحتلما؛ ولكن بايع لعَتيق بن عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، فغضب وحبسه حتى مات في الحبس. وأراد خالد بن عبد الله على البَيعة لابنيه فأبى، فقال له قوم من أهله: أرادك أمير المؤمنين على البَيعة لابنيه فأبيتَ، فقال: ويحكم! كيف أبايع مَنْ لا أصلّي خلفه، ولا أقبل شهادته! قالوا؛ فالوليد تُقبل شهادته مع مُجونه وفسقه! قال: أمْر الوليد أمر غائب عني ولا أعلمه يقينًا؛ إنما هي أخبار الناس؛ فغضب الوليد على خالد (١) .
- (١)أحمد بن زهير ثقة وشيخه علي المدائني صدوق والمنهال ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حجر مقبول من الثالثة [تقريب / تر ٤٧٠٦) ومثل هذا قبلنا روايته في قسم الصحيح وبالشروط التي ذكرنا في المقدمة وكررناها مرارًا أثناء البحث. وهذه الرواية تذكر مجونه وفسقه وبعده عن إدارة شؤون الناس وظلمه لرعيته وخاصة أقربائه وأبناء عمومته.
-
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ، عن يزيد بن مصَاد الكلبيّ، عن
ج ٤ ص ٣٤١عمرو بن شَراحيل، قال: سيّرنا هشام بن عبد الملك إلى دَهْلك؛ فلم نزل بها حتى مات هشام، واستُخلف الوليد، فكُلِّم فينا فأبى، وقال: والله ما عمل هشام عملًا أرْجَى له عندي أن تناله المغفرة به من قَتْله القَدَريّة وتسييره إياهم. وكان الوالي علينا الحجاج بن بشر بن فيروز الديلمي، وكان يقول: لا يعيش الوليد إلا ثمانية عشر شهرًا حتى يقتل؛ ويكون قتلُه سبب هلاك أهل بيته. قال: فأجمع على قتل الوليد جماعة من قُضاعة واليمانيَة من أهل دمشق خاصة، فأتى حُرَيث وشبيب بن أبي مالك الغسانّي ومنصور بن جُمهُور ويعقوب بن عبد الرحمن وحِبال بن عمرو؛ ابن عمّ منصور، وحميد بن نصر اللخميّ والأصبغ بن ذؤالة وطُفيل بن حارثة والسَّريّ بن زياد بن عِلاقة خالدَ بن عبد الله، فدعوْه إلى أمرهم فلم يجبهم، فسألوه أن يكتم عليهم، فقال: لا أسمَي أحدًا منكم. وأراد الوليد الحجّ، فخاف خالد أن يفتكُوا به في الطريق. فأتاه فقال: يا أمير المؤمنين، أخّر الحجّ العام، فقال: ولم؟ فلم يخبره، فأمر بحبسه وأن يُستأدَى ما عليه من أموال العراق (١) .
- (١)في هذا الإسناد حذف لاسم الواسطة بين المدائني ويزيد بن مصاد كما أشار الحافظ ابن عساكر عند تخريجه لهذا الخبر من طريق الطبري فقال (ابن عساكر) أظنه أسقط عمر بن مروان بن علي بن محمد ويزيد بن مصاد والله أعلم [تأريخ دمشق / ٤٦/ ٧٥]. وأما عن إسناد رواية الطبري فشيخه ثقة والمدائني صدوق ولكن لم نجد ليزيد بن مصاد ترجمة سوى ما ذكره ابن عساكر دون جرح أو تعديل أما راوي الخبر (شاهد) فقد وثقه أبو زرعة وغيره [تأريخ دمشق ٤٦ / تر ٥٣٥١] وللشطر الأخير من الرواية ما يشهد لها كما سنذكر ولعلّ إدراجًا في المتن [لا يعيش إلا ثمانية عشر شهرًا] فعلى عادة الرواة المجاهيل وغيرهم من بعض القصاص يروون أخبارًا تحدد وفاة كل خليفة سواء كان ذلك عن طريق رؤيا أو تنبؤ أو إخبارًا من منجم، وكل ذلك غير صحيح. ولقد أخرج ابن عساكر ويخره من طريق ابن أبي خيثمة عن ابن أبي الشيخ عن أبي سفيان الحميري (وصالح بن سليمان) قالا: أراد الوليد بن يزيد أن يحجَّ وهو خليفة فاتّعد فتية من وجوه اليمن أن يفتكوا به في طريقه وسألوا خالدًا القسري أن يكون معهم فأبى، قالوا فاكتم علينا قال نعم فأتاه خالد فقال يا أمير المؤمنين دع الحج عامك هذا فإني خائف عليك قال ومن الذي تخافهم عليَّ؟ فسمّهم لي قال قد نصحتك ولن أسمّيهم لك قال إذا أبعث بك إلى عدوك يوسف بن عمر قال وإن فعلت، قال فبعث به إلى يوسف بن عمر فعذبه حتى قتله ولم يسمّ له القوم [مختصر تأريخ دمشق ٢٦/ ٣٧١] وبغية الطلب لابن العديم. وابن أبي خيثمة هو الإمام الثقة وشيخه سليمان بن أبي الشيخ الواسطي نزيل بغداد وثقه = = أبو داود وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٧٤ / تأريخ بغداد / ٩/ ٥١) وأبو سفيان الحميري صدوق وسط ولقد ولد سنة ١١٢ هـ كما جزم كشل صاحب تأريخ واسط / ١٧٥ / وهذا يعني أنه عاصر تلك الأحداث في الرابعة عشر من عمره ولكنه نزيل واسط ورحل إلى بغداد ولم نجد من يذكر أنه كان في الشام حين نوى الوليد الحج ودار الحوار بينه وبين القسري ولم يحضر ذلك الحوار بلا شك، وصاحبه الذي شاركه في هذه الرواية ليس بالمرضي كما قال الذهبي في الميزان وهذه طرق تتعاضد ببعضها والله أعلم.
- ج ٤ ص ٣٤٢
حدثني أحمد، قال: حدثنا عليّ، قال: قال ابن بشر بن الوليد بن عبد الملك: دخل أبي بشرُ بن الوليد على عمّي العباس، فكلّمه في خلع الوليد وبيعة يزيد، فكان العباس ينهاه، وأبي يرادّه، فكنت أفرح وأقول في نفسي: أرى أبي يجترئ أن يكلم عمي ويردّ عليه قوله! وكنت أرى أن الصواب فيما يقول أبي، وكان الصّواب فيما يقول عمّي، فقال العباس: يا بني مروان؛ إني أظنّ الله قد أذن في هلاككم؛ وتمثّل قائلًا:
إني أَعِيذُكُمُ باللهِ مِنْ فِتنٍ ... مثلِ الجبالِ تَسَامَى ثم تندَفعُ
إنَّ البريَّةَ قد مَلَّتْ سِياسَتكُمْ ... فاسْتَمْسِكُوا بِعَمُود الدينِ وارتَدعُوا
لا تلحِمُنَّ ذِئابَ الناسِ أنفُسَكُم ... إنَّ الذئاب إذا ما أُلحِمتْ رَتَعُوا
لا تَبْقَرُنَّ بأَيديكم بُطونَكمُ ... فثَمّ لا حَسَرةٌ تغْني ولا جَزعُ (١)
- (١)لرواية الطبري هذه ما يؤيدها فقد أخرج خليفة بن خياط قال حدثني إسماعيل بن إبراهيم قال حدثني عبد الله بن واقد الجرمي وكان شهد قتل الوليد قال: لما أجمعوا على قتل الوليد قلدوا أمرهم يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان وبايعه من أهل بيته عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فخرج يزيد بن الوليد فأتى أخاه العباس ليلًا فشاوره في قتل الوليد فنهاه عن ذلك إلى آخر الخبر كما سنذكر بعد قليل. [تأريخ خليفة / ٢٣٧].
-
حدّثني أحمد بن زُهير، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدثنا عمرو بن مروان الكلبي، قال: حدّثني رَزين بن ماجد، قال: غَدَوْنا مع عبد الرحمن بنَ مصاد، ونحن زُهاء ألف وخمسمئة؛ فلما انتهينا إلى باب الجابية ووجدناه مغلقًا، ووجدنا عليه رسولًا للوليد، قال: ما هذه الهيئة وهذه العُدّة! أما والله لأعلمنّ أمير المؤمنين. فقتله رجل من أهل المِزّة، فدخلنا من باب الجابية، ثم أخذنا في زُقاق الكلبيّين، فضاق عنا، فأخذ ناس منا سوق القمح؛ ثم اجتمعنا على باب المسجد، فدخلنا على يزيد، فما فرغ آخرُنا من التَّسليم عليه؛ حتى جاءت
ج ٤ ص ٣٤٣السَّكاسك في نحو ثلثمئة، فدخلوا من باب الشرقيّ حتى أتوا المسجد، فدخلوا من باب الدّرَج، ثم أقبل يعقوب ابن عُمير بن هانئ العبسيّ في أهل داريّا، فدخلوا من باب دمشق الصغير، وأقبل عيسى بن شبيب التغلَبيّ في أهل دُومَة وحرَسْتا، فدخلوا من باب تُوما، وأقبل حُمَيد بن حبيب اللخميّ في أهل دير المرّان والأرْزَة وسَطْرا، فدخلوا من باب الفراديس، وأقبل النَّضْر بن الجَرَشيّ في أهل جَرَش وأهل الحديثة ودير زكَّا، فدخلوا من باب الشرقيّ، وأقبل ربْعيّ بن هاشم الحارثيّ في الجماعة من بني عُذْرة وسَلامان، فدخلوا من باب توما، ودخلت جُهَينة ومن والاهم مع طلحة بن سعيد، فقال بعض شعرائهم:
فجاءَتهُمْ أنصارهُمْ حين أَصْبَحُوا ... سكاسِكُها أهلُ البُيُوتِ الصَّنادِدِ
وكلبٌ فجاؤُوهُمْ بِخَيلٍ وعُدَّةٍ ... منَ البَيض والأَبدانِ ثمّ السَّواعِدِ
فأَكرمْ بهم أحياءَ أنصار سُنَّةٍ ... همُ مَنَعُوا حُرْماتِها كلَّ جاحدِ
وجاءتهُمُ شعبان والأَزدُ شُرَّعًا ... وعَبْسٌ ولخمٌ بين حامٍ وذائِد
وغَسّانُ والحَيَّانِ قيسٌ وتَغْلِبٌ ... وأَحْجَمَ عنها كل وانٍ وزاهِدِ
فما أَصْبَحُوا إلا وهُمْ أَهلُ مُلكِها ... قَد استَوثَقوا من كلِّ عاتٍ وماردِ (١)
- (١)هذا إسناد حسن إلى رزين بن ماجد، ورزين هذا الذي شهد الوقعة لعلّه الأعرج مولى آل عباس يروي عن علي بن عبد الله بن عباس [الثقات ٦/ ٣٠٨] والله أعلم.
-
حدثني أحمد بن زهير، عن عليّ بن محمد، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: حدّثني قُسَيم بن يعقوب ورَزين بن ماجد وغيرهما، قالوا: وجّه يزيد بن الوليد عبدَ الرحمن بن مصاد في مئتي فارس أو نحوهم إلى قَطَن؛ ليأخذوا عبدَ الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، وقد تحصّن في قصره، فأعطاه الأمانَ فخرج إليه، فدخلْنا القصر، فأصبنا فيه خُرْجَين، في كل واحد منهما ثلاثون ألف دينار. قال: فلما انتهينا إلى المِزّة قلت لعبد الرحمن بن مَصاد: اصرف أحد هذين الخُرْجين إلى منزلك أو كليهما، فإنك لا تصيب من يزيد مثلهما أبدًا، فقال: لقد عجلتُ إذًا بالخيانة، لا والله لا يتحدّث العرب أني أوّل من خان في هذا الأمر، فمضى به إلى يزيد بن الوليد. وأرسل يزيد بن الوليد إلى عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فأمره فوقف بباب الجابية، وقال: من كان له عطاء فليأت إلى عطائه، ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معُونة. وقال
ج ٤ ص ٣٤٤لبني الوليد بن عبد الملك ومعه منهم ثلاثة عشر: تفرّقوا في الناس يرَوْنكم وحضورهم، وقال للوليد بن رَوْح بن الوليد: أنزل الرّاهب، ففعل (١) .
- (١)هذا إسناد حسن إلى قسيم ورزين اللذين شهدا الحادثة أي أن (عمرو بن مروان الكلبي) رواه عن شاهدين هما رزين وقد تقدمت ترجمته وقسيم بن يعقوب وقسيم هذا لعله قسيم مولى عمارة الذي يروي عن قزعة ويروي عنه أبان بن صالح [الجرح والتعديل ٧/ ١٤٨ / تر ٨٢٣] والثقات [٧/ ٣٤٨] وإلا لم ندر من هو والله أعلم.
-
حدثني أحمد عن عليّ، عن عمرو بن مروان الكلبيّ، قال: قال نوح بن عمرو بن حويّ السكسكي: خرجنا إلى قتال الوليد في ليالٍ ليس فيها قمر؛ فإن كنت لأرى الحصى فأعرف أسوَده من أبيضه. قال: وكان على ميسرة الوليد بن يزيد الوليدُ بن خالد، ابن أخي الأبرش الكلبيّ في بني عامر - وكانت بنو عامر ميمنة عبد العزيز - فلم تقاتل ميسرة الوليد ميمنةَ عبد العزيز، ومالوا جميعًا إلى عبد العزيز بن الحجاج. قال: وقال نوح بن عمرو: رأيت خدَم الوليد بن يزيد وحشَمه يوم قُتِل يأخذون بأيدي الرجال، فيدخلونهم عليه.
-
وقتل الوليد بن يزيد يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة مشة لست وعشرين ومئة، كذلك قال أبو معشر؛ حدثني بذلك أحمد بن ثابت، عمن ذكره، عن إسحاق بن عيسى، عنه. وكذلك قال هشام بن محمد ومحمد بن عمر الواقديّ وعليّ بن محمد المدائنيّ.
-
واختلفوا في قَدْر المدة التي كان فيها خليفةً؛ فقال أبو معشر: كانت خلافته سنة وثلاثة أشهر، كذلك حدثني أحمد بن ثابت، عمّن ذكره. عن إسحاق بن عيسى، عنه.
وقال هشام بن محمد: كانت خلافته سنة وشهرين واثنين وعشرين يومًا.
-
واختلفوا أيضًا في مبلغ سنّه يوم قتل، فقال هشام بن محمد الكلبيّ: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقال محمد بن عمر: قتل وهو ابن ست وثلاثين سنة، وقال بعضهم، قتل وهو ابن اثنتين وأربعين سنة. وقال آخرون: وهو ابن إحدى
ج ٤ ص ٣٤٥وأربعين سنة، وقال آخرون: ابن خمس وأربعين سنة، وقال بعضهم: وهو ابن ست وأربعين سنة (١) .
- (١)ذكر الطبري هنا أقوال الأخباريين المشهورين في تتبع هذه الأمور (أبو معشر - الواقدي والمدائني) وكذلك ذكر خليفة تأريخ مقتله من طرق فقال حدثني الوليد بن هشام عن أبيه عن جده وعبد الله بن مغيرة عن أبيه وأبو اليقظان وغيرهم قالوا: قتل الوليد بالنجراء من تدمر على أميال يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومئة وهو ابن خمس وثلاثين أو ست وثلاثين [تأريخ خليفة / ٢٣٦] وانظر تأريخ دمشق لابن عساكر [٦٣ / تر ٨٠٦٤] وأنساب الأشراف [٨/ ٣٧٨٨].