ذكر الأخبار عن خروج الضحاك محكما ودخوله الكوفة، ومن أين كان إقباله إليها
٥ فقرات، ج ٤ ص ٣٦٧
- ج ٤ ص ٣٦٧
اختلف في ذلك من أمره، فأما أحمد، فإنه حدّثني عن عبد الوهاب بن إبراهيم، قال: حدّثني أبو هاشم مخلَّد بن محمد، قال: كان سبب خروج الضحاك أنّ الوليد حين قتل خرج بالجزيرة حرَوريّ يقال له سعيد بن بهدل
ج ٤ ص ٣٦٨الشيبانيّ في مئتين من أهل الجزيِرة؛ فيهم الضحّاك، فاغتنم قتلَ الوليد واشتغال مرْوان بالشام، فخرج بأرض كَفرْتُوثا، وخرج بِسطام البيهسيّ وهو مفارق لرأيه في مثل عِدّتهم من ربيعة، فسار كلّ واحد منهما إلى صاحبه؛ فلما تقارب العسكران وَجه سعيد بن بهدل الخَيبريّ - وهو أحد قواده، وهو الذي هزم مَرْوان - في نحو من مئة وخمسين فارسًا ليبيّته، فانتهى إلى عسكره وهم غازُون، وقد أمر كلّ واحد منهم أن يكون معه ثوب أبيض يجلّل به رأسَه، ليعرف بعضهم بعضًا، فبكّروا في عسكرهم فأصابوهم في غرّة، فقال الخيبريّ:
إن يك بسْطامٌ فإني الخَيبَرِي ... أَضْرِبُ بالسَّيف وأَحْمِي عَسْكَري
فقتلوا بِسطامًا وجميعَ من معه إلا أربعة عشر، فلحِقوا بمروان، فكانوا معه فأثبتهم في روابطه، وولّى عليهم رجلًا منهم يقال له مقاتل، ويكنى أبا النعثل، ثمّ مضى سعيد بن بهدل نحو العراق لما بلغه من تَشْتيت الأمر بها واختلاف أهل الشام، وقتال بعضهم بعضًا مع عبد الله بن عمر، والنضْر بن سعيد الحرَشيّ وكانت اليمانية من أهل الشام مع عبد الله بن عمر بالحيرة، والمضريّة، مع ابن الحرَشى بالكوفة؛ فهم يقتتلون فيما بينهم غَدوة وعشيّة.
قال: فمات سعيد بن بهدل في وجهه ذلك من طاعون أصابه؛ واستخلف الضحاك بن قيس من بعده؛ وكانت له امرأة تسمى حوْماء، فقال الخيبريّ في ذلك:
سَقى الله يا حَوْماءُ قَبْرَ ابْنِ بَهْدَلٍ ... إِذا رَحَل السارونَ لَمْ يَتَرَحَّل
قال: واجتمع مع الضَّحاك نحوٌ من ألف ثمّ توّجه إلى الكوفة، ومرّ بأرض الموصل، فاتّبعه منها ومن أهل الجزيرة نحو من ثلاثة آلاف، وبالكوفة يومئذ النَّضْر بن سعيد الحَرَشيّ ومعه المضريّة، وبالحيرة عبد الله بن عمر في اليمانية، فهم متعصبون يقتتلون فيما بين الكوفة والحيرة، فلما دنا إليه الضحاك فيمن معه من الكوفة اصطلح ابن عمر والحَرشيّ، فصار أمرهم واحدًا، ويدًا على قتال الضحاك، وخندقا على الكوفة، ومعهما يومئذ من أهل الشام نحوٌ من ثلاثين ألفًا، لهم قوّة وعدّة، ومعهم قائد من أهل قِنَّسْرِين، يقال له عبّاد بن الغُزَيِّل في ألف فارس، قد كان مروان أمدّ به ابن الحَرَشيّ، فبرزوا لهم، فقاتلوهم، فقتِل يومئذ عاصم بن عمر بن عبد العزيزِ وجعفر بن عباس الكنديّ، وهزموهم أقبح
ج ٤ ص ٣٦٩هزيمة، ولحق عبد الله بن عمر في جماعتهم بواسِط، وتوجّه ابنُ الحَرشيّ - وهو النّضر - وجماعة المضريّة وإسماعيل بن عبد الله القسْريّ إلى مَرْوان، فاستولى الضحاك والجزريّة على الكوفة وأرضها، وجَبَوُا السواد. ثم استخلف الضحاك رجلًا من أصحابه - يقال له مِلْحان - على الكوفة في مئتي فارس، ومضى في عظْم أصحابه إلى عبد الله بن عمر بواسط، فحاصره بها؛ وكان معه قائد من قواد أهل قِنَّسرين يقال له عطية الثعلبي - وكان من الأشدّاء - فلما تخوّف محاصرة الضّحاك خرج في سبعين أو ثمانين من قومِه متوجهًا إلى مَرْوان، فخرج على القادسيّة، فبلغ مِلْحان ممرُّه، فخرج في أصحابه مبادرًا يريده، فلقيه على قنطرة السَّيلَحِين - ومِلْحان قد تسرع في نحو من ثلاثين فارسًا - فقاتله فقتله عطية وناسًا من أصحابه، وانهزم بقيتهم حتى دخلوا الكوفة، ومضى عطية حتى لحق فيمن معه مروان (١) .
- (١)لقد تحدثنا عن رجال هذا الإسناد في المقدمة وسيورد الطبري روايات أخرى للمقارنة ولكنها متحدة في الفحوى وهي جميعًا تحكي خروج الضحاك الخارجي وسيطرته على الكوفة وقتاله كما سيأتي.
-
وأما أبو عبيدة معمر بن المثنَّى، فإنه قال: حدثني أبو سعيد، قال: لما مات سعيد بن بَهدل المرّيّ، وبايعت الشراة للضحاك، أقام بشهرزُور وثابت إليه الصُّفْريّة من كلّ وجه حتى صار في أربعة آلاف، فلم يجتمع مثلهم لخارجيّ قطّ قبله. قال: وهلك يزيد بن الوليد وعامله على العراق عبد الله بن عمر، فانحط مروان من أرمينيَة حتى نزل الجزيرة، وولِّي العراق النَّضْر بن سعيد - وكان من قوّاد ابن عمر - فشخص إلى الكوفة، ونزل ابن عمر الحيرة، فاجتمعت المضريّة إلى النّضر واليمانية إلى ابن عمر، فحاربه أربعة أشهر، ثم أمدّ مروان النَّضْر بابن الغزيِّل، فأقبل الضحاك نحو الكوفة وذلك في سنة سبع وعشرين ومئة، فأرسل ابن عمر إلى النّضْر: هذا لا يريد غيري وغيرك، فهلمَّ نجتمع عليه [فتعاقدا عليه] ، وأقبل ابن عمر، فنزل تلّ الفتح وأقبل الضّحاك ليعبر الفرات، فأرسل إليه ابن عمر حمزة بن الأصبغ بن ذؤالة الكلبي ليمنَعه من العبور، فقال عبيد الله بن العباس الكنديّ: دعه يعبر إلينا، فهو أهون علينا من طلبه. فأرسل ابن عمر إلى حمزة يكفُّه عن ذلك، فنزل ابنُ عمر الكوفة، وكان يصلي في مسجد
ج ٤ ص ٣٧٠الأمير بأصحابه، والنضر بن سعيد في ناحية الكوفة يصلِّي بأصحابه، لا يجامع ابن عمر ولا يصلي معه؛ غير أنهما قد تكافآ واجتمعا على قتال الضحاك، وأقبل الضحاك حين رجع حمزة حتى عَبَر الفرات، ونزل النُّخَيلة يوم الأربعاء في رجب سنة سبع وعشرين ومئة، فخفّ إليهم أهلُ الشام من أصحاب ابن عمر والنضر، قبل أن ينزلوا، فأصابوا منهم أربعة عشر فارسًا وثلاث عشرة امرأة. ثم نزل الضحاك وضرب عسكره، وعبَّى أصحابه، وأراح، ثم تغادوا يوم الخميس، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فكشفوا ابنَ عمر وأصحابَه، وقتلوا أخاه عاصمًا؛ قتله البِرْذَون بن مرزوق الشيبانيّ، فدفنه بنو الأشعث بن قيس في دارهم، وقتلوا جعفر بن العباس الكنديّ أخا عبيد الله، وكان جعفر على شرْطة عبد الله بن عمر، وكان الذي قتل جعفرًا عبد الملك بن علقمة بن عبد القيس، وكان جعفر حين رهقه عبد الملك نادى ابنَ عمّ له يقال له شاشلة، فكرّ عليه شاشلة، وضربه رجل من الصُّفْريّة، ففلق وجهه.
قال أبو سعيد: فرأيته بعد ذلك كأنّ له وجهين، وأكبّ عبد الملك على جعفر فذبحه ذبحًا، فقالت أم البرذون الصُّفْرِيّة:
نَحْنُ قَتَلْنَا عاصمًا وجَعْفَرا ... والفارِسَ الضَّبّيَّ حِينَ أَصْحَرا
ونَحْن جئنا الخَنْدق المقَعَّرا
فانهزم أصحاب ابن عمر، وأقبل الخوارج، فوقفوا على خندقنا إلى الليل ثم انصرفوا، ثم تغادينا يوم الجمعة؛ فوالله ما تتاممنا حتى هَزُمونا، فدخلنا خنادقنا، وأصبحنا يوم السبت؛ فإذا الناس يتسللون ويهربون إلى واسط، ورأوا قومًا لم يروْا مثلهم قطّ أشدّ بأسًا؛ كأنهم الأسْد عند أشبالها، فذهب ابن عمر ينظر أصحابَه، فإذا عامّتهم قد هربوا تحت الليل، ولحق عظْمهم بواسط فكان ممّن لحق بواسط النضر بن سعيد وإسماعيل بن عبد الله ومنصور بن جمهور والأصبغ بن ذؤالة وابناه: حمزة وذؤالة، والوليد بن حسان الغسانيّ وجميع الوجوه، وبقي ابن عمر فيمن بقي من أصحابه مقيمًا لم يبرح (١) .
- (١)وهذه هي الرواية الثانية التي أخرجها الطبري وهي من مرويات الأخباري الثقة معمر بن المثنى والذي يرويه بدوره عن شاهد عيان (أبي سعيد) ويؤيد الروايتين ما أخرجه خليفة ضمن حديثه عن وقائع سنة ١٢٧ هـ، قال خليفة: وفي هذه السنة وهي سنة سبع وعشرين ومئة مات = = سعيد بن بحدل الخارجي فحدثني إسماعيل بن إبراهيم أن سعيد بن بحدل لما حضرته الوفاة بشهرزور اجتمع إليه قواده فدعاهم أن يستخلف عليهم رجلًا منهم ... إلخ وفيه أن قادة الخوارج اختاروا الضحاك أميرا عليهم بعد عملية الشورى. ثم أخرج خليفة قال: قال إسماعيل بن إبراهيم حدثني الوليد بن سعيد الشيباني أن سعيد بن بحدل جعلها شورى بين ستة منهم الضحاك والخيبري وشيبان وعبيدة بن سوار التغلبي وكان غائبًا بأذربيجان فبايعوا الضحاك ثم قدم عبيدة فأبى أن يرضى بالضحاك فقالوا له لتدخلن فيما دخلنا فيه أو لنسعدنك برماحنا فبايعه ثم وجه الضحاك حبناء بن عصمة الشيباني في خيل إلى تكريت فغلب عليها فبعث بمالها إلى الضحاك ووجه أبا الريش خالد بن الريش إلى حولايا وأرضها فلقي جميع بن مقرن الكلبي وحريث بن أبي الجهم فقتل جميع وانهزم حريث فأتى المدائن ووجه عبد الله بن عمر الأصبغ بن ذؤالة فنزل المدائن فأقبل أبو الريش وعبثل وحبناء بن عصمة فالتقوا جميعًا بالمدائن فقطع الأصبغ بن ذؤالة الجسر وانصرف إلى الكوفة وأقبل الضحاك بن قيس يريد الكوفة فنزل دير الثعالب في ثلاثة آلاف والمكثر يقول في أربعة آلاف وبعث عبد الله بن عمر عبد الله بن العباس الكندي في عشرة آلاف فتواقفوا وبينهم الفرات فقال مسكين يا عبيد الله اختر إن شئت أن تعبر إلينا ولك الذمة ألا نحركك حتى تقطع جميع من معك وإما أن تعطينا مثل ذلك فنعبر إليكم فأبى ذلك عبيد الله وانصرف إلى الكوفة وعبر مسكين الفرات وأقبل الضحاك فنزل بشاطئ الفرات وضرب الناس معابر فعبروا وسار مسكين فوجد ابن عمر وأهل الشام وأهل الكوفة على أفواه السكك وقد خندقوا وذلك يوم الأربعاء لليالٍ خلون من شعبان سنة سبع وعشرين ومئة فاقتحم أصحاب مسكين الخنادق فأصيب منهم سبعة عشر إنسانًا من رجل وامرأة وبلغ ذلك الضحاك فبعث حبناء بن عصمة في ناس وعزم عليهم ألا يقاتلوا تلك الليلة وأقبل الضحاك فيمن معه فحمل عليهم حتى إذا كان حيث تناله النشاب أنزل من كل كردوس عصابة نشطوا للقتال فلم يلبث أهل الشام أن انهزموا وعبروا الخنادق فدخلوا الكوفة ثم رجعوا من ساعتهم وذلك يوم الخميس فرجعوا إلى مواقفهم وحمل بعضهم عليهم فقتل عاصم بن عمر بن عبد العزيز وجعفر بن العباس وانهزم أهل الشام ثم غدا ابن عمر يوم الجمعة وحضض الناس ووجه الأصبغ بن ذؤالة في عشرة آلاف فأخذ المحجة كأنه يريد الشام والضحاك ومن معه وقوف وهو يريد أن يخالفهم إلى عسكرهم وقد كان بلغهم فخلفوا شيبان في العسكر فانطلق الأصبغ ومن معه حتى إذا كانوا بإزاء الضحاك على ابن عمر وعليهم فلم يلو أحد منهم على صاحبه فلما جنّهم الليل خرج أهل الشام من الكوفة متوجهين في كل وجه فلم يبقٍ فيها منهم أحد فأصبح ابن عمر فخرج متوجهًا إلى واسط فنادى الضحاك ألا تتبعوا موليًا ولا تجرحوا أحدًا وقد أجلناكم يا أهل الشام ثلاثًا فمن دخل فيما دخلنا فيه فله ما لنا ومن أحب أن يتوجه حيث شاء من الأرض فليتوجه آمنًا فمن أتاهم ألحقوه بهم ومن شخص لم يعرضوا له وبعث حبناء بن عصمة إلى = = قصر الكوفة فباع الفيء وأصاب خزائن كثيرة وسلاحًا وأموالًا فلما كان أول يوم من شهر رمضان سار الضحاك إلى واسط فاستخلف على الكوفة ملحان وسار الضحاك حتى نزل على ابن عمر بواسط فقاتله وفارس أهل الشام والقائم بتلك الحرب منصور بن جمهور فقتل جحشنة ابن أخي منصور في تلك الحرب وحمل منصور على عكرمة فقتله [تأريخ خليفة / ٣٩٧] فهذه الروايات اللطبري وخليفة) وإن اختلفت في التفاصيل ولكنها تتحد في أصل الخبر ألا وهو خروج الضحاك الخارجي وجريان الأمور في بداية المعارك لصالحه ووصوله إلى الكوفة وحصاره لواسط وللخبر تتمة كما سيأتي. وانظر البداية والنهاية (٨/ ١٣) فقد ذكر ابن كثير الخبر مختصرًا.
- ج ٤ ص ٣٧١
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٤ ص ٣٧٢
وحجّ بالناس في هذه السنة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز وهو عامل مروان على المدينة والطائف حدثني بذلك أحمد بن ثابت الرازي عمن ذكره عن إسحاق بن عيسى عن أبي معشر، وكذلك قال الواقدي وغيره (١) .
- (١)قال خليفة: وأقام الحج سنة سبع وعشرين ومئة عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز بين مروان [تأريخ خليفة / ٣٩٨].
-
وكان العامل على العراق النَّضر بن الحرشيّ وكان من أمره وأمر عبد الله بن عمر والضحاك الحَرُوريّ ما قد ذكرت قبلُ. وكان بخراسان نصر بن سيار وبها من ينازعه فيها كالكرمانيّ والحارث بن سُرَيج (٢) .
- (٢)انظر قوائم الولاة في نهاية عهد مروان.