ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومئة ذكر خبر قتل الحارث بن سريج بخراسان
فقرة واحدة، ج ٤ ص ٣٧٢
- ج ٤ ص ٣٧٢
فمما كان فيها من الأحداث قتل الحارث بن سريج بخراسان (٣) .
ج ٤ ص ٣٧٣قال عليّ: قال زهير بن الهُنيْد: خرج الكرمانيّ إلى بِشْر بن جُرْموز، وعسكر خارجًا من المدينة؛ مدينة مَرْو، وبشر في أربعة آلاف، فعسكر الحارث مع الكرمانيّ، فأقام الكرمانيّ أيامًا بينه وبين عسكر بِشْر فرسخان، ثم تقدّم حتى قرب من عسكر بشر، وهو يريد أن يقاتله، فقال للحارث: تقدّم. وندم الحارث على اتباع الكرمانيّ، فقال: لا تعجل إلى قتالهم، فإني أردّهم إليك، فخرج من العسكر في عشرة فوارس؛ حتى أتى عسكر بِشْر في قرية الدّرزِيجان، فأقام معهم وقال: ما كنتُ لأقاتلكم مع اليمانية، وجعل المضرِيّون ينسلّون من عسكر الكرمانيّ إلى الحارث حتى لم يبق مع الكِرمانيّ مضريّ غير سَلَمة بن أبي عبد الله، مولى بني سُلَيم؛ فإنه قال: والله لا أتبع الحارث أبدًا فإني لم أره إلا غادرًا ومهلّب بن إياس، وقال: لا أتبعه فإني لم أره قطّ إلا في خيل تطّرد. فقاتلهم الكرمانيّ مرارًا، يقتتلون ثم يرجعون إلى خنادقهم، فمرَّةً لهؤلاء ومرّة لهؤلاء، فالتقوْا يومًا من أيامهم، وقد شرب مَرثد بن عبد الله المجاشعيّ، فخرج سكران على بِرْذون للحارث، فطُعن فصُرع، وحماه فوارس من بني تميم؛ حتى تخلص، وعار البرذون، فلما رجع لامه الحارث، وقال: كدتَ تقتل نفسك، فقال للحارث: إنما تقول ذلك لمكان برْذونك، امرأتي طالق إن لم آتك ببرذَوْن أفرَه من برذونك من عسكرهم، فالتقوا من غد، فقال مرثد: أيّ برذون في عسكرهم أفره؟ قالوا: برذون عبد الله بن دَيسَم العَنَزيّ - وأشاروا إلى موقفه - حتى وصل إليه، فلما غشيَه رمى ابن ديسم نفسه عن برْذوْنه، وعلّق مرثد عنان فرسه في رمحه، وقاده حتى أتى به الحارث، فقال: هذا مكان بِرْذونك، فلقي مخلد بن الحسن مرثدًا، فقال له يمازحه: ما أهيأ برذون ابن ديسم تحتَك! فنزل عنه، وقال: خذه، قال أردت أن تفضحني! أخذتَه منا في الحرب وآخذه في السلم! ومكثوا بذلك أيامًا، ثم ارتحل الحارث ليلًا، فأتى حائط مَرْو فنقب بابا، ودخل الحائط، فدخل الكِرماني، وارتحل، فقالت المضريّة للحارث: قد تركنا الخنادق فهو يومنا، وقد فررت غير مَرّة، فترجّل. فقال: أنا لكم فارسًا
ج ٤ ص ٣٧٤خير مني لكم راجلًا، قالوا: لا نرضى إلا أن تترجّل، فترجّل وهو بين حائط مَرْو والمدينة، فقتِل الحارث وأخوه وبشر بن جرموز وعدّة من فرسان تميم، وانهزم الباقون، وصُلِب الحارث وصَفتْ مَرْو لليمن، فهدموا دور المضريّة، فقال نصر بن سيار للحارث حين قتل:
يا مُدْخِلَ الذلِّ على قومِهِ ... بعْدًا وسُحْقًا لك مِنْ هالِكِ!
شُؤمُكَ أَرْدَى مُضرًا كلَّها ... وغضَّ مِنْ قَومِكَ بالحارِكِ
ما كانتِ الأَزدُ وأَشياعُها ... تطْمَعُ فِي عمرو ولا مالكِ
ولا بَنِي سَعْدٍ إذا أَلجَمُوا ... كُلَّ طِمِرٍّ لونُهُ حالِكِ
ويقال: بل قال هذه الأبيات نصر لعثمان بن صدقة المازنيّ (١) .
- (٣)وكذلك قال خليفة: وفي هذه السنة وهي سنة ثمان وعشرين ومئة لجأ الحارث بن سريج إلى الكرماني وإلى الأزد، وقال: تعالوا نقاتل هذا الباغي يعني نصر بن سيار فقاتلوا نصرًا فهزموه فلما جنّ نصرًا الليلُ خرج متوجهًا إلى أبرشهر فطمع الحارث أن تجتمع عليه تميم وشامهم فقالوا نحن معك فمال إليهم فاجتمعت مضر مع الحارث وبايعوه واجتمعت اليمن وربيعة مع الكرماني فاقتتلوا فقتل الحارث لا يدرى من قتله وهزمت تميم وغلب الكرماني على مرو وكتب العهود وفي ذلك يقول نصر بن سيار في قتل الحارث بن سريج: يا مدخل الذلّ على قومه بعدًا ... وسحقًا لك من هالك ما كانت الأزد وأشياعها ... تطمع في عمرو ولا مالك (تأريخ خليفة / ٤٠٥). = = وأما ما ذكره الطبري من تفاصيل كثيرة فلم نجد لها ما يؤيدها ولم يروه الطبري بطريق مسند موصول صحيح. فذكرناها في قسم المسكوت عنه فليراجع هناك (٧/ ٣٣٠ - ٣٤٠).
- (١)هذا الخبر ذكره الطبري من مرويات المدائني الصدوق الأخباري عن زهير بن هنيد (أبي الذيال) وهو صدوق حسن الحديث وفي متن هذه الرواية ما يقوي رواية خليفة السابقة مع مثيلتها (أي رواية الطبري) من هزيمة الحارث ومقتله وانتصار الكرماني مع اليمانية الذين تحالفوا معه.