الصراع القيسي اليماني بين الحقيقة والمبالغة
٩ فقرات، ج ٤ ص ٤٢٨
- ج ٤ ص ٤٢٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = ثانية ثارت الكوفة (موطن القلاقل) بايع أهلها عبد الله بن عبد الله بن جعفر، ومن جهة ثالثة ثار الخوارج وجرت بين الطرفين معارك دامية وقد عرف عن الخوارج شراستهم في الحرب وانتهت تلك المعارك بقتل قائدهم، ولقد ذكر الطبري تفاصيل هذه المعارك، وكذلك خليفة في تأريخه (ص ٣٩٥ - ٤٠٠) ثم في سنة ١٢٩ هـ خرج طالب الحق بحضرموت (تأريخ خليفة / ٤٠٥)، واجتمعت حوله طوائف منها الإباضية، وبعد استيلاءه على صنعاء وما حولها وجه قواده كأبي حمزة إلى مكة في عشرة آلاف مقاتل وألقى في الناس خطبته المعروفة (تأريخ خليفة / ٤٠٧). وفي هذه السنة ١٢٩ هـ تحركت الإباضية (تأريخ خليفة / ٤١١)، وفي أواخر سنة ١٢٩ هـ وبداية ١٣٠ هـ تجهز أبو حمزة وسار نحو المدينة المنورة إلخ ما ذكره خليفة في تأريخه. نقول هذه هي الظروف التي انطلقت فيها حركة التجديد التغييرية رافعة شعار الرضا من آل محمد، فقدر الله للجموع الزاحفة أن تتقدم وتدخل المدن الواحدة تلو الأخرى ابتداءً من خراسان وانتهاء بالكوفة حيث بايع الناس أمير المؤمنين أبا العباس عبد الله سنة ١٣٢ هـ، وأرخ خليفة لأول ظهور للدعوة على الملأ برمضان من سنة ١٢٩ هـ إذ يقول خليفة رواية عن شيخه الصدوق محمد بن ساوية قال: حدثني بيهس بن حبيب الرام، قال: ظهر أبو مسلم في رمضان سنة تسع وعشرين ومئة (تأريخ خليفة / ٤٣١). وقبل أن ننتهي من هذا الفصل نعود فنقول إن الأمة بكل صنوفها شاركت في هذه الحركة التغييرية التجديدية (علماء، وقادة، وأمراء، وعامة) وكما ذكرنا في قسم الصحيح فإن ابن الأمير الأموي القسري وهو محمد بن خالد بن عبد الله القسري قد رفع الأعلام السوداء ودعا إلى البيعة لآل محمد في مدينته الكوفة فسهل دخول الحسن بن قحطبة على رأس الجيش الزاحف ودون إراقة دماء وهيأ بذلك الأجواء لخروج الخليفة العباسي الأول من مخبأه بالكوفة ليبايعه الناس علنًا وبفتح الكوفة اجتازت هذه الحركة مرحلة حرجة للغاية، وخرجت من عنق الزجاجة كما يقولون - ورواية أخرى عند الطبري -كما في قسم الصحيح تبين أن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب سليل ذلك القائد الأموي الشجاع يسوّد بالبصرة قبل دخول الجيوش الزاحفة والبصرة ثاني أكبر مدينة آنذاك بولاية العراق وكل ذلك يعني أن القيسي واليماني والخراساني والعراقي والشامي والقرشي، وبعبارة أخرى الأمة بجميع شرائحها شاركت في هذا التغيير، فأين يذهب أعداء التأريخ الإسلامي من هذه الحقيقة التأريخية؟ وعبارات الروايات الصحيحة واضحة، منها على سبيل المثال لا الحصر: (وفي سنة اثنين وثلاثة ومئة سوّد سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بالبصرة ودعي إلى بيعة ... الخبر) (تأريخ خليفة / ٤٢٦). الصراع القيسي اليماني بين الحقيقة والمبالغة: إن غياب السلطة الإدارية الجازمة للخليفة (من أمثال هشام بن عبد الملك) وغياب قادة الفتح =
- ج ٤ ص ٤٢٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = العمالقة كالمهلب بن أبي صفرة وقتيبة والجراح وموسى بن نصير مع تدني مستوى التدين لدى بعض الخلفاء وفسوق بعضهم كالوليد الثاني الفاسق مع توقف عمليات الفتوح العظيمة كل ذلك أدى إلى بروز هذه الصراعات التي استغلها العباسيون ولكن هذه الصراعات لم تكن متأصلة أولًا ولم تظهر بوادرها إلا في عهد أسد بن عبد الله القسري والي خراسان الذي أثار هذه النعرة ولذلك عزله الخليفة هشام ولم يظهر هذا الصراع بصورة جلية ومؤثرة إلا بعد وفاة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك ومن ثم اختفت بمجرد انضواء الأمة تحت قيادة الدعوة الجديدة الداعية إلى الرضا من آل محمد والرجوع بالخلافة إلى راشديتها ولو كان ذلك الصراع متأصلًا بالفعل لما اختفى بهذه السهولة وهذا يكذب مزاعم بعض المستشرقين الذين أرادوا أن يجعلوا من الصراع القبلي عاملًا متأصلًا من عوامل حركة التأريخ الإسلامي يقول الدكتور عماد الدين خليل ومنذ وفاة هشام بن عبد الملك عام (١٢٥) وحتى سقوط الدولة الأموية عام (١٣٢ هـ) أخذت الأفعال وردود الأفعال القبلية تتصاعد وتزداد استشراء وكانت من بين الثغرات العديدة التي نفذت منها الدعوة العباسية لتحقيق أهدافها (في التأصيل الإسلامي للتأريح / ٧٩). الصفات العامة للنظام الإداري في عهد الأمويين وآراء المؤرخين المعاصرين في تقييم ذلك ونقدنا لبعض آرائهم: لقد حاول كثير من أساتذة التاريخ الإسلامي المعاصرون إظهار الوجه المشرق للتأريخ الإسلامي إلّا أنهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا بالكلية من تأثير الروايات الملفقة والتي رواها متروكون، أو رويت بلا إسناد (وخاصة فيما يتعلق بالقرن الأول) ولا نبرئ أنفسنا من الخطأ ولا ندعي أننا استطعنا التخلص تمامًا من تأثير هذه الروايات المتروكة ورواسبها، ولكن بذلنا ما في وسعنا لتفادي الاحتجاج بها، ولم تنج المناهج الجامعية من تأثير الروايات الضعيفة جدًّا، أو المكذوبة في مختلف أنحاء العالم وسنورد هنا مثالًا لجهد قام به أستاذان للتأريخ الإسلامي (بجامعة بغداد - كلية الآداب) فقد ألفا مجلدًا ضخمًا من خمسمئة صفحة تحت عنوان (عصر النبوة والخلافة الراشدة) وذلك سنة ١٩٨٦ م، (الكتاب المنهجي لكليتي الشريعة والآداب)، وفيه مقارنات قيمة بين النظم الإدارية والمالية في عهود مختلفة منها (الخلفاء الراشدون، عهد الأمويين، ثم العباسيين) والذي يهمنا هنا هو ما ذكره الأستاذان تحت عنوان طبيعة النظام الإداري الأموي (ص ٣٧٠) وسنذكر كلامهما فإن نوزعا فيه ذكرنا مواضع النقد: - قال المؤلفان: ومن ملاحظاتنا للنظام الإداري الأموي يمكنا أن نسخلص النقاط التالية -: (كان الأمويّون يدققون بعناية في اختيار الوالي الذي يولونه على الإقليم). قلنا وهذا صحيح، وإن كانت هناك حالات شاذة فلا قياس عليها وسنذكر أمثلة تؤيد قول المؤلفين. =
- ج ٤ ص ٤٣٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = المثال الأول: أخرج أبو نعيم في الحلية عن الوضيف بن عطاء قال: أراد الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد ... إلخ (تذهيب حلية الأولياء تر / ٣١٣/ ٢ / ١٧٧). قلنا والمعروف عن يزيد بن مرثد أنه إمام تابعي زاهد عابد. المثال الثاني: أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء عن هارون أبي محمد البربري أن عمر بن عبد العزيز استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة على قضائها وخراجها (تذهيب الحلية / ٣/ ٥٥ / تر ٢٥١). ومعلوم أن ميمون بن مهران إمام تابعي جليل. المثال الثالث: أخرج أبو نعيم في الحلية من طريق أبي هانئ عن إبراهيم بن أبي عبلة: بعث إليَّ هشام بن عبد الملك فقال لي: يا إبراهيم إننا قد عرفناك صغيرًا، واختبرناك كبيرًا، فرضينا سيرتك وحالك، ورأيت أن أخلطك بنفسي وخاصتي وأشركك في عملي، وقد وليتك خراج مصر ... الخبر (تهذيب حلية الأولياء / ٢ - ١٩٥/ ٣٢١). قلنا ولقد قال أبو نعيم في إبراهيم هذا وهو تابعي كان أمينًا قارئًا، وكان في علمه وقراءته هنيًا مريًا. المثال الرابع: قال أبو نعيم في الحلية في ترجمة التابعي الجليل رجاء بن حيوة (ت ١٢١ هـ) الفقيه المفهم المطعام مثير الخلفاء والأمراء. (تهذيب الحلية / ١٧٨/ ٢ تر ٣١٥). قلنا وكان رجاء مستشارًا مخلصًا ومقربًا من سليمان، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهما من خلفاء بني أمية، وهو الذي أعان سليمان على تسليم ولاية العهد إلى عمر بن عبد العزيز من بعده وكان أمر الله قدرًا مقدورًا. المثال الخامس: أخرج الروياني في مسنده (١/ ٣٢٦ / ح ٤٩٥) ثنا أحمد بن عبد الرحمن ثنا عمي عبد الله بن عياض عن أبيه أن يزيد بن المهلب لما ولي خراسان قال: دلوني على رجل كامل لخصال الخير فدلّ على أبي بردة الأشعري، فلما جاءه رآه رجلًا فائقًا، فلما كلمه رأى من مخبرته أفضل من مرآته، فقال: إني وليتك كذا وكذا من عملي فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، فقال: يا أيها الأمير ألا أخبرك بشيء حدثنيه أبي أنه سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: هاته، قال: إنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من تولى عملًا وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل بأهل فليتبوأ مقعده من النار، وأنا أشهد أيها الأمير أني لست بأهل لما دعوتني إليه، فقال: ما زدت علي أن حرّضتنا على نفسك ورغّبتنا فيك فاخرج إلى عهدك فإني غبر معفيك، فخرج ثم أقام فيهم ما شاء الله أن يقيم، فاستأذن في القدوم عليه، فأذن له ... الخبر وفي آخره: قال أبو بردة: وأنا أسألك بوجه الله إلّا ما أعفيتني أيها الأمير من عملك، فأعفاه. ٢ - كان الوالي على الإقليم يترك لأهل كل بلد، أو مدينة أن يختاروا لأنفسهم من يريدون ليكون عاملًا عليهم (٣٢١). ٣ - كان الخليفة الأموي ببعد أهل الرشوة والخيانة عن الإدارة (٣٧١). ٤ - وكان من البدع الجديدة في الإدارة الأموية إعطاء الولاية طعمة، أو ضمانًا للوالي كما فعل معاوية بن أبي سفيان حين عيّن عمرو بن العاص على مصر سنة ٣٨ هـ ... وكانت مصر =
- ج ٤ ص ٤٣١
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = جعلت له طعمة بعد عطاء جندها والنفقة على مصلحتهم، وهذه بدعة غير صحيحة في الإدارة الإسلامية إذ لا يجوز التخلي عن حقوق بيت مال المسلمين / ص ٣٧١ /، قلنا: لا يصح ما ذكره المؤلفان عن هذه البدعة الملصقة بأمير المؤمنين معاوية والله أعلم، وما ورد في هذا المجال لا يصح سندًا ولا متنًا كما ذكرنا في أثناء التحقيق. ٥ - قال المؤلفان ومن المظاهر الجديدة في العهد الأموي الزيادة في مظاهر الأبهة والفخامة في موكب الأمير أو الوالي ويبدو أن أبا سفيان أول من بدأ بها، ولذلك قال له عمر بن الخطاب أكسرويه يا معاوية؟ ، قلنا هذا كلام فيه نظر ولو أكمل الأستاذان الرواية دون تركها مبتورة لكانت الصورة أوضح، فالإيضاح الذي ذكره سيدنا معاوية على استفسار أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه خير شاهد نستشهد به، وسنذكر معه تعليق ابن خلدون رحمه الله وهو إمام من أئمة التأريخ الإسلامي، قال العلامة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله تعالى: (ولما لقي معاوية عمر رضي الله عنهما عند قدومه إلى الشام في أبهة الملك وزينة من العديد استنكر ذلك، وقال: أكسرويه يا معاوية؟ فقال: يا أمير المؤمنين أنا في ثغر تجاه العدو وبنا إلى مباهاتهم بزينة الحرب والجهاد حاجة، فسكت ولم يخطئه لما احتج عليه بمقصد من مقاصد الحق والدين، ... إلى أن يقول ابن خلدون: وأما عمر أراد بالكسروبة ما كان عليه أهل فارس في ملكهم من ارتكاب الباطل والظلم والبغي وسلوك سبله والغفلة عن الله وأجابه معاوية بأن القصد من ذلك ليس كسروية فارس وباطلهم وإنما قصده وجه الله فسكت (مقدمة ابن خلدون / ١٩٧). قلنا: وفي عبارة معاوية رضي الله عنه (بزينة الحرب والجهاد) ما يدفع الظن المتبادر إلى الذهن من أن الأبهة التي ذكرت تعني أبهة كسرى وقيصر وأبهة الملوك من المشي على البسط والفخامة وما إلى ذلك من الأمور المعهودة، وإنما هي عدة الحرب والجهاد تخويفًا وترهيبًا لأعداء الله على حدود الخلافة. والله أعلم. ٦ - يقول المؤلفان: تميز العديد من عمال الأمويين وولاتهم بالدهاء، والشجاعة، والقدرة الإدارية والفصاحة والبلاغة في الخطبة، والكتابة، وبالسخاء، والكرم ... إلى أن يقولا: وترك الخليفة لأهل مصر حرية اختيار شخص يعينه ويشير عليه في الشريعة والقضاء، فاختاروا الليث بن سعد كما يشير إلى ذلك الكندي (ص ٣٧٢)، وهو كما قالا. ٧ - يقول المؤلفان كان الخليفة الأموي في اختياره لولاته وعماله يوازن بين التكتلات القبلية اليمنية والمضرية والربيعية موازنة دقيقة بحيث يرضي مختلف الأطراف، وقد نجح بعض الخلفاء الأمويّون مثل معاوية بن أبي سفيان، وعبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، وهشام بن عبد الملك، إلى حد كبير في حفظ التوازن بين تلك التكتلات وخاصة في الأقاليم الحساسة (ص ٣٧٢). قلنا: لم يكن لهذه الموازنة مبررًا في عهد سيدنا معاوية فلم يظهر صراع بين القيسية واليمانية إلا في نهاية العهد الأموي، ولعل بوادر ذلك =
- ج ٤ ص ٤٣٢
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = الصراع بدأ في نهاية عهد عمر بن عبد العزيز. وإن كنا نعتقد بأن هذا الصراع لم يظهر إلى السطح كعامل من العوامل المشتركة في إحداث التغيير إلا بعد وفاة الخليفة هشام رحمه الله. ٨ - كان الخليفة الأموي يستعين بفقهاء الأقاليم، أو علماء الأمصار ويأخذ برأيهم ويشجعهم على الكتابة إليه إذا سمعوا، أو شاهدوا ظلامة وتعسف من عامل، أو والٍ (ص ٣٧٢) وتوضيحًا للحقيقة التأريخية. أقول من السنن الحسنة التي أحدثت أيام معاوية كما أخرج المدائني (أنساب الأشراف ٤/ ١٣٦)، والطبري من طريق محمد بن إبراهيم عن أبيه قال: (كان عامل معاوية على المصر من الأمصار إذا أراد أن يكتب إلى معاوية نادى مناديه: من يكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب زر بن حبيش كتابًا لطيفًا ورمى به في الكتب ... الخبر)، وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ١٨٤) عن الشعبي قال: كتب زر بن حبيش إلى عبد الملك بن مروان كتابًا يعظه ... الخبر). أي أن هذه السنة صارت دارجة من بعد معاوية رضي الله عنه. وخلاصة القول أن سيدنا معاوية رضي الله عنه أوصى ولاته أن يحثوا الناس على رفع شكاواهم إلى أمير المؤمنين كلما أرسل الوالي بريده إلى دار الخلافة وهذه درة من درر التأريخ الإسلامي. ٩ - ويقول الأستاذان ورغم أن معاوية بن أبي سفيان من سنة غير صحيحة إداريًا وهي (لا قود من العمال) حيث اشتكى عنده جماعة من أهل البصرة على عامله عبد الله بن عمرو لأنه قطع يد أصحابهم ظلمًا، فأجابهم معاوية: أما القود من عمالي فلا يصح ولا سبيل إلى ذلك ولكن إذا شئتم وديت صاحبكم) ولكن لم يتبع خلفاء بني أمية هذه البدعة الإدارية (عصر النبوة والخلافة / ص ٣٧٣). قلنا: صحيح أن خلفاء بني أمية لم يتبعوا هذه البدعة لأنها لم تصح عن معاوية سندًا ولا متنًا، وأصل الرواية عند الطبري في تأريخه (٥/ ٢٩٩ - ٣٠٠) وأخرجها الطبري عن الوليد بن هشام، والمدائني من قولها، وكلاهما لم يدرك تلك السنة بل ولد المدائنى بعد أكثر من ثمانين سنة من السنة التي ذكر الطبري فيها الحادثة (٥٥ هـ) الآنفة الذكر فأنّى للمدائني أن يتأكد من صحة هذا الخبر (هذا بالنسبة للإسناد)، أما المتن ففيه نكارة شديدة فكيف بسيدنا معاوية وهو من علماء الصحابة يخالف نصًّا صريحًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلمته هذه على الملأ وشهرتها غنية عن التعريف بها، والحق يقال فإنّ رواية الطبري معضلة الإسناد، ومنكرة المتن، وهي من الروايات الملفقة من قبل المتروكين والوضاعين تلقفها المدائني رحمه الله، ثم سجلها الطبري، وفي تأريخه روايات كثيرة قال عنها في مقدمة تأريخه (مستشنعة) ولا أصل لها من الصحة. إلى هنا انتهى عرضنا لهذا الكتاب الجامعي وتعليقنا على ما ذكره الأستاذان. ١٠ - وإضافة أخرى هي التي أشار إليها الأستاذ مالك بن نبي مع بعض تعديل؛ فالأستاذ مالك يرى أن من حسنات الأمويين أنهم عملوا على تثبيت وترسيخ دعائم الحكم الإسلامي ونحن =
- ج ٤ ص ٤٣٣
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- = نقول صدق مالك فالحكم الإسلامي لم يتحول في سنة ١٣٢ هـ من ملكي إلى جمهوري أو من ليبرالي إلى اشتراكي وما إلى ذلك وإنما بقي الحكم الإسلامي على هيئة الخلافة المعهودة بل على العكس مما يقول المستشرقون فإنها رجعت لتكون أقرب إلى صورة الخلافة في أيامها الأولى قبل قرن من ذلك اليوم والتعديل الذي نريد أن نجريه على عبارة مالك هي أن الأمة كلها وبقيادة أهل الحل والعقد (في ذلك الوقت) شاركت في ترسيخ مفهوم الحكم الإسلامي الذي وضع لبنته الأولى المباركة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم تجلت معالم الخلافة الإسلامية أيام الخلفاء الراشدين الخمسة ثم العادلين من بني أمية ... ونعني بأهل الحل والعقد هنا أمراء بني أمية وعلماء الأمة يومها سواء كانوا صحابة أو تابعين والذي يراجع أحداث ذلك القرن الفاضل يتبين له وبكل وضوح أن الأمة جمعاء قد شاركت في تسجيل ذلك التاريخ .. وقريبًا من هذا المعنى قال الأستاذ شاكر مصطفى (وبالرغم من أنها تحمل اسم العباسيين إلا أنها مرحلة متصلة الجذور والأعماق والتطورات بالمرحلة الأموية السابقة ولم تكن انعطافًا في ذلك التاريخ بقدر ما كانت تتمة واستمرارًا) [من كتاب دولة بني العباس ١/ ١٠]. ونحن نوافق الأستاذ شاكر في الشطر الأول من كلامه فالخلافة متصلة الجذور ... إلخ. ولكن لنا تعقيب على شطر كلامه الأخير ... صحيح أن الإدارة العباسية للخلافة لم تكن انعطافًا في ذلك التأريخ ولكنها كانت تجديدًا ثم استمرارًا في ذلك التاريخ. ١١ - وأخيرًا فإن الحق ما شهد به الأعداء كما يقولون ومن بين أعداء التأريخ الإسلامي كثير من المستشرقين الذين يصطادون في الماء العكر المتكون من روايات المتروكين والوضّاعين ومن هؤلاء أندريه مايكل الذي طفحت كتاباته بتزوير التاريخ الإسلامي ومع ذلك لم يتمالك نفسه في لحظة من اللحظات واعترف بعظمة التاريخ الإسلامي وأشاد بدور الأمويين فقال (لقد أقام الأمويون نظامًا من أقوى النظم التي عرفتها البشرية بأسرها وبفضلهم دخل الإسلام في ذروة العصور الوسطى ... وكان لهذا الحدث عواقب يصعب حسابها فلأول مرة تقع هاتان المنطقتان -من مصاب السند إلى إسبانيا- تحت سلطة واحدة وتندمج في مجال إقتصادي واحد وتنظمها ثقافة واحدة) من كتاب الإسلام وحضارته الباب الرابع / ٩٧ ولا نريد أن نكرر ما قد كتبناه متفرقًا ضمن حديثنا عن سيرة الخلفاء من بني أمية مخافة السآمة والملل. وهكذا انتهينا من تأريخ الخلافة في عهد الأمويين (قسم الصحيح) والحمد لله. ويليه القسم المتبقي من تأريخ الطبري ابتداءً من (٧/ ٤٢١) وانتهاءًا بـ (١٠/ ١٥٢) أي ما يقرب من مجلدين ونصف ... وهو متعلق بتأريخ الخلافة في عهد العباسيين كما سجله الطبري ابتداءً من أحداث سنة ١٣٢ هـ وحتى سنة ٣٠٢ هـ حيث توقف الطبري عن كتابة هذا التأريخ. * * *
- ج ٥ ص ١
صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ
الخِلافَةُ في عَهْدِ العَبَّاسِيِّينَ
١٣٢ هـ-١٩٣ هـ
للإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ
(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)
-
حقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه
محمد بن طاهر البرزنجي
بإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق
محمد صبحي حسن حلّاق
اطلع على بعض فصول المجلد ووافق عليه كل من
د. علي محمد الصلابي ود. إبراهيم الجاف
راجع عددًا من تراجم الرُّواة
الشيخ عقيل المقطري
المجلد الخامس
دَار ابْن كَثير
- ج ٥ ص ٤
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق- بيروت
الرقم الدولي:
الموضوع: تاريخ
العنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠
التأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري
نوع الورق: أبيض
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: ٥٦١٦
القياس: ١٧×٢٤
نوع التجليد: فني- كعب لوحة
الوزن: ١٥ كغ
التنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل
التجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد
دار ابن كثير
دمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى
ص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢
بيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة
ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣
www.ibn-katheer.com - [email protected]