أسباب انحسار أمر بني أمية في الشرق الإسلامي وانتقال إدارة الخلافة إلى بني العباس

٤ فقرات، ج ٤ ص ٤٢٤

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = الأمويين وانتقال إدارة الخلافة إلى بني العباس والله ولي التوفيق وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. أسباب انحسار أمر بني أمية في الشرق الإسلامي وانتقال إدارة الخلافة إلى بني العباس وقبل أن ندخل في التفاصيل نحاول أن نفسّر جانبًا من تأريخ القرون الأولى الفاضلة تفسيرًا إسلاميًا فبعد أن ميّزنا الصحيح من السقيم من بين الروايات التأريخية نريد أن تتوضح لدينا صورة التاريخ الإسلامي أكثر فأكثر حين نربطها بسنن وكليات عن التفسير الإسلامي للتأريخ علمًا بأن هذا التفسير لا يغفل العوامل المادية والبشرية بل هي تحتل مساحة كبيرة مصداقًا لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، وكما أننا دافعنا عن عدالة الصحابة وحاولنا ما استطعنا أن نظهر حقائق التاريخ الإسلامي كما هي ونفينا تلك الشبه الموجهة إلى الخلفاء الأمويين وأئمة أهل البيت على حد سواء فإننا نرى لزامًا أن نبيّن المظالم التي حدثت في عهد بعضهم وكانت معاول هدم في جسد الخلافة. ١ - من السنن التأريخية التي تحدث عنها القرآن الكريم قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} وخصوص السبب لا ينفي عموم اللفظ ونسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: (دولة الإسلام لا تدوم مع الظلم، ودولة الكفر تدوم مع العدل) ومن أسباب انحسار أمر بني أمية وتخليهم عن إدارة الخلافة وقوع هذه المظالم؛ أوقعة الحرة، وقعة كربلاء، حصار الكعبة، هذه الوقائع المعروفة أدت إلى استشهاد عدد من الصحابة والتابعين من بينهم سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي رضي الله عنهما، وابن حواري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وابن غسيل الملائكة، وآخرون ذكرنا أسماءهم في حينها. أضف إلى ذلك تولي الحجاج بن يوسف إمارة العراق وما جاورها من الشرق لعقدين من الزمان واستبداده وظلمه معروف للقاصي والداني وقد ختم مظالمه بقتله إمام التابعين وسيدهم سعيد بن جبير رضي الله عنه. نقول إن ما سبق ذكره من المظالم ترك جرحًا كبيرًا في جسد الأمة أرّق وأقلق علماءها وخواصها قبل عوامّها، وكما هو معلوم فإنّ من الكليات التي تحدث عنها القرآن الكريم قوله تعالى: {لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} فقد أفل نجمهم في تلك البلاد نتيجة لما كسبت أبديهم - ومع ذلك فإن الدارس لتاريخ الطبري (قسم الصحيح) فيما يتعلق بأيام الخلافة في عهد الأمويين يتبيّن له أن مساحة تلك المظالم ضئيلة بالنسبة لأعمال الخير والعدل والجهاد والإعمار ونشر الإسلام في أرجاء المعمورة والتي قام بها أولئك الخلفاء والقادة العظام ومن ورائهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولقد أثبتنا أن سيرة كثير من الخلفاء الأمويين راحت ضحية التزوير والتلفيق التأريخي. =
    ج ٤ ص ٤٢٤
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = يقول العلامة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله تعالى في مقدمته وهو يتحدث عن توالي خلفاء بني أمية وأحوالهم (ثم تدرج الأمر في ولد عبد الملك وكانوا من الدين بالمكان الذي كانوا عليه وتوسطهم عمر بن عبد العزيز فنزع إلى طريقة الخلفاء الأربعة والصحابة جهده ولم يهمل ثم جاء خلفهم واستعملوا طبيعة الملك في أغراضهم الدنيوية ومقاصدهم ونسوا ما كان عليه سلفهم من تحري القصد فيها واعتماد الحق في مذاهبها فكان ذلك مما دعا الناس إلى أن نعوا لأفعالهم وأدالوا بالدعوة العباسية فيهم وولي رجالها الأمر فكانوا من العدالة بمكان وصرفوا الملك في وجوه الحق ومذاهبه ما استطاعوا حتى جاء بنو الرشيد من بعده فكان منهم الصالح والطالح (المقدمة / ٩٩). فهذا كلام العلامة ابن خلدون يبيّن أن الناس نصروا الدعوة بقيادة بني العباس وساعدوهم لاستلام دفة الحكم الإسلامي لأنهم شعروا بأن بعض الخلفاء من بني أمية أخذوا يبتعدون شيئًا فشيئًا عن سيرة الخلفاء الراشدين والخليفة الجليل معاوية بن أبي سفيان وإن كان من بينهم من طغى عمله الصالح على غير ذلك كسليمان ومن بعده عمر بن عبد العزيز الذي بلغ أفقًا ساميًا في العدل ومن ثم يزيد بن عبد الملك، وهشام، ويزيد الملقب بالناقص. ٢ - إن حركات الخروج المسلحة على اختلاف مشاربها قد أنهكت قوى الخلافة واستنزفت طاقاتها وهدرت أموالها العامة وأضرت بالأمة حكامًا ومحكومين وكل ذلك عامل آخر يضاف إلى بقية العوامل والأسباب. ٣ - ولقد مارس بعض الخلفاء مخالفات شرعية كالوليد بن يزيد الملقب بالفاسق، فتعاونت الأمة فيما بينها وبقيادة بني أمية أنفسهم فأطاحوا به ونصبوا يزيد خليفة من بعده لظهور تنسكه وتدينه، ولكن الأمر ازداد سوءًا بعد وفاة يزيد هذا، فاستكمل الظلم حلقاته فكان أن نزع الله الملك من بني أمية وآتاه بني العباس مصداقًا لقوله تعالى: { ... تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ... }. ٤ - إن ابتعاد الأمويين (في أكثر الأحيان) عن نظام الشورى فيما يتعلق باختيار الخليفة كان له الأثر الكبير في مسار الخلافة وولد هذا الابتعاد كما يقول أستاذنا الفاضل عماد الدين خليل (كثيرًا من ردود الأفعال وبالتالي من حركات المعارضة المسلحة والسلمية والتي استنفذت من جسد الأمة الإسلامية الكثير من العناء والدماء بل إن بعضها تحول إلى تعصب مذهبي وصل حد الإنغلاق في عدائه مع خصومه) [تحليل للتاريخ الإسلامي / ٣٧]. ٥ - وأخيرًا فإن الهرم سبب طبيعي جعله الله بداية النهاية للأفراد والجماعات على حدّ سواء وإذا أصيبت دولة بالهرم فلا ينفع معها إصلاح الحكام المتأخرين كما حصل ليزيد الناقص سنة ١٢٦ هـ والذي سنتحدث عنه فيما بعد، ولقد عقد العلامة ابن خلدون فصلًا في مقدمته وهو الفصل السادس والأربعون يبين فيه أن الهرم إذا نزل بدولة لا يرتفع عنها، وإذا كان الهرم طبيعيًا في الدولة كان حدوثه بمثابة حدوث الأمور الطبيعية، فالهرم من الأمراض المزمنة =
    ج ٤ ص ٤٢٥
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = والأمور الطبيعية تتبدل. (المقدمة / ٢٧٥). قلنا ويقصد ابن خلدون بقول أمور طبيعية أي سنن كونية تأريخية لا تتبدل لقوله تعالى: {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}. ويقول ابن خلدون في نهاية هذا الفصل: (وربما عند آخر الدولة قوة تتوهم أن الهرم قد ارتفع عنها ويومض ذبالها إيماضة الخمود كما يقع في الذبال المشتعل فإنه عند مقاربة انطفائه يومض إيماضة توهم أنها اشتعال وهي انطفاء فاعتبر ذلك، ولا تغفل سر الله تعالى وحكمته في إطراد وجوده على ما قدر فيه ولكل أجل كتاب. (المقدمة / ٢٧٥). ورحم الله المراغي المفسر وهو يفسر آية عظيمة من القرآن الكريم فيها سنة من السنن التأريخية التي تمثل أصلًا من أصول التفسير الإسلامي للتأريخ، ألا وهو قوله تعالى في سورة آل عمران: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ}، قال المراغي: أي وتلك الأيام نداولها بين الناس ليقوم بذلك العدل ويستقر النظام ويعلم الناظر في السنن العامة والباحث في الحكم الإلهية أنه لا محاباة في هذه المداولة ا. هـ (تفسير المراغي ٤/ ٨٠). أما بقية الأسباب الآتية الذكر عن نجاح الدعوة التغييرية الجديدة فهي تتعلق ببني العباس: ٦ - لقد رفع بنو العباس شعار (الرضا من آل محمد) وبذلك استطاع دعاة بني العباس أن يجمعوا عددًا كبيرًا من الوجهاء والقادة والعلماء حولهم - ولا داعي إلى البحث عن عوامل لم يكن لها ذكر يومها كالأحقاد الفارسية والتعصب القومي وما إلى ذلك من أقاويل المستشرقين. وقد بينا في قسم الصحيح أن الجيش الذي زحف من خراسان بقيادة قحطبة بن شبيب كان يتألف من عشرات الآلاف من الفاتحين من القبائل العربية التي لحقت بجيش الفتح الإسلامي بالإضافة إلى أهالي خراسان المتكونين من التركمان الفرس والعرب، ولعل البعض يتصور أن خراساني تعني فارسي وقد رد هذه الشبهة العلامة شاكر رحمه الله في موسوعته التأريخية ويؤيد ذلك ما ذكره الطبري من وجود آلاف من جنود الشام والعراق والحجاز الذين رابطوا في أراضي خراسان وما تاخمها وخاضوا معارك شرسة ضد الترك والسغد وفتح الله على أيديهم بلدانًا كثيرة، ثم شاركوا في هذا التغيير الجديد وعلى أية حال لا داعي لتحميل النصوص التأريخية أكثر مما تحتمل فالأمة يومها ما كانت تعرف التعصب للفارسية، أو العربية، أو التركية بل كان شعارها {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ولكن من لا يفهم التفسير الإسلامي للتأريخ يحاول أن يلوي أعناق الروايات كي يفسر ذلك التاريخ تفسيرًا ماديًا فتبدو تلك الصورة الوضاءة مشوهة بعيدة عن الحقيقة. ٧ - لقد أبدى دعاة بني العباس وقادتهم بساطة وتواضعًا هو من صلب الخلق الإسلامي، قال ابن خلدون: وكان أبو مسلم ليس له حرس ولا حجاب ولا غلظة الملك فكان الناس يأسون بذلك (٣/ ١٤٧). ٨ - إن أئمة أهل السنة منذ القدم يكنون لآل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبًّا خاصًا وتقديرًا ليس =
    ج ٤ ص ٤٢٦
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = لغيرهم من الأئمة ومرويات الحديث مليئة بالمتون الصحيحة في مناقب آل البيت ووصايا الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأمته بأن يوقروا آل بيته وذلك عامل مهم وسرّ من أسرار نجاحِ الحركة التغييرية الجديدة الداعية إلى الكتاب والسنة والعودة بالخلافة إلى رشدها والرضا من آل محمد. ٩ - إن آل علي (الحسين، زيد بن علي، وابنه يحيى، وغيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم) كانوا متسرعين في حركاتهم ولم يسبقوا الخروج بعمل منظم ودؤوب مع طول نفس بل اعتمدوا على عواطف جياشة تجاه أهل البيت دون تنظيم لتلك العواطف والطاقات والصبر على ذلك وإعدادها لساعة الانطلاق، على عكس ما فعله بنو العباس إذ استغرقت مرحلة الإعداد فترة طويلة (قرابة ربع قرن). ١٠ - ولا تكتمل الصورة للقارئ الكريم إلا بعد مراجعته لعوامل انحسار بني أمية واختفائهم من الساحة، إن خلفاء بني أمية فقدوا سيطرتهم على الأطراف فضلًا عن زعزعة سلطتهم داخل الشام حيث دار الخلافة وقد ساعد تولي الفاسق (الوليد بن يزيد) في كسر شوكة الخلافة والحط من هيبة الخليفة في أعين الناس. ويروي لنا ابن خياط رواية تبين ضعف السلطة المركزية للخلافة وانهيار هيبة الخليفة إلى حدّ أمكن المتنفذين من حوله أن يزوروا كتابًا باسم الخليفة الصالح يزيد بن الوليد الملقب بالناقص، فقد أخرج خليفة: (قال: فحدثني العلاء بن برد بن سنان، قال: حدثني أبي، قال: حضرت يزيد بن الوليد حين حضرته الوفاة فأتاه (قطن) فقال: إن رُسل من وراء بابك يسألونك بحق الله لمّا وليت أمرهم أخاك إبراهيم. فقطب وقال بيده على جبهته: أنا أولي إبراهيم؟ ! ثم قال لي يا أبا العلاء: إلى من ترى أعهد؟ فقلت: أمر نهيتك عن الدخول في أوله، فلا أشير عليك في آخره، قال وأصابته إغماءة حتى ظننت أنه قد مات، ففعل ذلك غير مرة، قال: فقعد قطن فافتعل عهدًا على لسان يزيد بن الوليد ودعا ناسًا فأشهدهم عليه، قال أبي: لا والله ما عهد إليه يزيد شيئًا ولا إلى أحد من الناس) (تأريخ خليفة / ٣٨٧). قلنا ورجال هذا الإسناد ثقات. ١١ - وأخيرًا التوقيت الموفق لانطلاق أبي مسلم الخراساني ومعاونيه: قدر الله سبحانه وتعالى لقادة الحركة التغييرية الجديدة التوفيق في اختيار الوقت المناسب للانطلاق فالخلافات بين مراكز القوى في خراسان على أشدها، والصراع بين أمراء بني أمية على أشده وهم يتنافسون منصب الخلافة كما أرخ خليفة لذلك الصراع ضمن أحداث سنة سبع وعشرين ومئة، فبوب قائلًا: (خبر بيعة مروان بن محمد وخلع إبراهيم بن الوليد، فيها وقعت الفتنة) (خليفة / ٣٩١). قلنا فحصل بين أمراء بني أمية ما حصل من القتال والصراع الشديد انتهى بانهيار إبراهيم بن الوليد وخلعه نفسه وبيعته لمروان بن محمد في نهاية المطاف، وفيها (أي سنة ١٢٧ هـ) خلع أهل حمص ودمشق مروان بن محمد فسار إليهم وهزمهم وقتل رؤساءهم، ومن جهة =
    ج ٤ ص ٤٢٧