[ذكر خبر قتل أبي مسلم الخراساني]
١٤ فقرة، ج ٥ ص ٤٩
- ج ٥ ص ٤٩
وفي هذه السنة قُتل أبو مسلم.
- * ذكر الخبر عن مقتله وعن سبب ذلك:
-
حدّثني أحمد بن زهير، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد، قال: حدَّثنا سلمة بن محارب ومسلم بن المغيرة وسعيد بن أوس وأبو حفص الأزديّ والنعمان أبو السريّ ومحرز بن إبراهيم وغيرهم، أن أبا مسلم كتب إلى أبي العباس يستأذنه في الحجّ -وذلك في سنة ست وثلاثين ومئة- وإنما أراد أن يصلي بالناس.
-
فأذن له، وكتب أبو العباس إلى أبي جعفر وهو على الجزيرة وأرمينيةَ وأذْرَبيجان: إن أبا مسلم كتب إليّ يستأذن في الحجّ وقد أذنتُ له؛ وقد ظننتُ أنه إذا قدم يريد أن يسألني أن أولِّيهُ إقامة الحجّ للناس، فاكتب إليّ تستأذنني في الحج؛ فإنك إذا كنتَ بمكة لم يطمع أن يتقدّمك، فكتب أبو جعفر إلى
ج ٥ ص ٥٠أبي العباس يستأذنه في الحجّ فأذن له، فوافى الأنبار، فقال أبو مسلم: أما وجد أبو جعفر عامًا يحجّ فيه غيرَ هذا! واضطغنها عليه (١) .
- (١)قول الطبري: (حدثني أحمد بن زهير قال حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا مسلمة بن محارب) جزء من إسناد مركب ورجال هذا الإسناد (الجزء) بين الثقة والصدوق وهو موصول إلى الراوي المعاصر للأحداث وانظر تعليقنا بعد قليل. ثم رجع الحديث إلى حديث الأولين، قالوا: لما صدر الناس عن الموسم نفر أبو مسلم قبل أبي جعفر فتقدمه، فأتاه كتاب أبي العباس واستخلاف أبي جعفر فكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يعزّيه بأمير المؤمنين ولم يهنئه بالخلافة، ولم يقم حتى يلحقه ولم يرجع فغضب أبو جعفر فقال لأبي أيوب: أكتب كتابًا غليظًا فلما أتاه كتاب أبي جعفر كتب إليه يهنئه بالخلافة فقال يزيد بن أسيد السلمي لأبي جعفر: إني أكره أن تجامعه في الطريق والناس جنده وهم له أطوع وله أهيب وليس معك أحد، فأخذ برأيه فكان يتأخر ويتقدم أبو مسلم وأمر أبو جعفر أصحابه فقدموا فاجتمعوا جميعًا وجمع سلاحهم، فما كان في عسكره إلا ستة أذرع فمضى أبو مسلم إلى الأنبار ودعا عيسى بن موسى إلى أن يبايع له، فأتى عيسى فقدم أبو جعفر فنزل الكوفة وأتاه أن عبد الله بن علي قد خلع فرجع إلى الأنبار، فدعا أبا مسلم فعقد له، وقال له: سر إلى ابن علي فقال له أبو مسلم: إن عبد الجبار بن عبد الرحمن وصالح بن الهيثم يعيباني فاحبسهما، فقال أبو جعفر: عبد الجبار على شرطي - وكان قبل على شرط أبي العباس، وصالح بن الهيثم أخو أمير المؤمنين من الرضاعة، فلم أكن لأحبسهما لظنك بهما، قال: أراهما آثر عندك مني! فغضب أبو جعفر فقال أبو مسلم: لم أرد كل هذا. تحدثنا عن هذا الإسناد المركب فيما سبق وهذا الخبر يبيّن أن أبا مسلم لم يخاطب المنصور بأمير المؤمنين أولًا، بل عزاه فقط ثم خاطبه بأمير المؤمنين لما أغلظ له -ولعل أبا مسلم لم يعلم بأن أبا العباس قد استخلف المنصور من بعده فكان ذلك عن غير قصد منه كما أخرج البلاذري قال وحدثني ابن الأعرابي عن المفضل قال: أتت أبا مسلم وفاة أبي العباس ولم يعلم أنه قد ولى المنصور الخلافة بعده فكتب إلى المنصور عافاك الله وامتع بك أتاني خبر وفاة أمير المؤمنين رحمه الله فبلغ مني أعظم مبلغ وأمسّه وجعًا فأعظم الله أجرك وأجر مصيبتك ورحم الله أمير المؤمنين وغفر له وجزاه بأحسن من عمله، فلما قرأ المنصور كتابه = = استشاط غضبًا [أنساب الأشراف / البلاذري / تحقيق الدوري / ١٨٥]. وأخرج البلاذري رواية أخرى في تأييد روايته هذه [المصدر السابق].
- ج ٥ ص ٥١
ثم رجع الحديث إلى حديث الذين ذكر عليّ عنهم قصة أبي مسلم في أول الخبر، قالوا: ولما انهزم عبد الله بن عليّ بعث أبو جعفر أبا الخصيب إلى أبي مسلم ليكتب له ما أصاب من الأموال، فافترى أبو مسلم على أبي الخصيب وهمّ بقتله، وجاء القوّاد إلى أبي مسلم، فقالوا: نحن ولينا أمر هذا الرجل، وغنِمْنا عسكره، فَلِمَ يَسأل عما في أيدينا؛ إنما لأمير المؤمنين مِنْ هذا الخُمْس؟ ! .
-
فلما قدم أبو الخصيب على أبي جعفر أخبره أنّ أبا مسلم همّ بقتله، فخاف أن يمضيَ أبو مسلم إلى خُراسان، فكتب إليه كتابًا مع يقطين؛ أن قد وليتك مصر والشأم؛ فهي خير لك من خُراسان، فوجّه إلى مِصر من أحببت، وأقم بالشأم فتكون بقرب أمير المؤمنين؛ فإن أحبّ لقاءك أتيتَه من قريب. فلما أتاه الكتاب غضب، وقال: هو يوليني الشأم ومصر، وخراسان لي! واعتزم بالمضيّ إلى خراسان، فكتب يقطين إلى أبي جعفر بذلك.
-
وأما عليّ فإنه ذكر عن شيوخه الذين تقدّم ذكرنا لهم أنهم قالوا: كتب أبو مسلم إلى أبي جعفر: أما بعد: فإني اتخذت رجلًا إمامًا ودليلًا على ما افترضه الله على خلقه؛ وكان في محلّة العلم نازلًا .. وفي قرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قريبًا؛ فاستجهلني بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعًا في قليل قد تعافاه الله إلى خلقه؛ فكان كالذي دُلّي بغرور؛ وأمرني أن أجرّد السيف، وأرفع الرحمة، ولا أقبل المعذرة، ولا أقِيل العثرة، ففعلت توطيدًا لسلطانكم حتى عرَّفكم الله من كان جهلكم، ثم استنقذني الله بالتَّوْبة، فإن يعف عني فقِدْمًا عُرِف به ونسِب إليه؛ وإن يعاقبني فيما قدمَت يداي وما الله بظلام للعبيد.
-
وخرج أبو مسلم يريد خُراسان، مراغمًا مشاقًا، فلما دخل أرضَ العراق،
ج ٥ ص ٥٢ارتحل المنصور من الأنْبار فأقبل حتى نزل المدائن، وأخذ أبو مسلم طريق حُلوان، فقال: رُبّ أمرٍ لله حُلوان، وقال أبو جعفر لعيسى بن عليّ وعيسى بن موسى ومَنْ حضره من بني هاشم: اكتبوا إلى أبي مسلم، فكتبوا إليه يعظمون أمره، ويشكرون له ما كان منه، ويسألونه أن يتم على ما كان منه وعليه من الطاعة، ويحذّرونه عاقبة الغدر، ويأمرونه بالرجوع إلى أمير المؤمنين؛ وأن يلتمس رضاه، وبعث بالكتاب أبو جعفر مع أبي حميد المروروذيّ، وقال له: كلم أبا مسلم بأليَن ما تكلِّم به أحدًا، ومنِّه وأعلمه أني رافعه وصانِع به ما لم يصنعه أحد، إن هو صلح وراجع ما أحبّ؛ فإن أبي أن يرجع فقلْ له: يقول لك أمير المؤمنين: لستُ للعباس، وأنا برئ من محمد، إن مضيتَ مشاقًّا، ولم تأتني؛ إن وكلت أمرَك إلى أحد سواي. وإن لم أل طلبك وقتالك بنفسي؛ ولو خُضْتَ البحر لخضتُه، ولو اقتحمت النار لاقتحمتها حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك (١) ولا تقولنّ له هذا الكلام حتى تأيس من رجوعه، ولا تطمع منه في خير.
- (١)في هذه العبارة دسُّ وتحريف ولا نظنّه من قبل مسلمة بن محارب فهو أخباري مأمون ولكنه من قبل غيره من المجاهيل من شيوخ المدائني وهذه سلبية من سلبيات الإسناد المركب عند المؤرخين؛ إذ يخلطون المتون ويركبون أسانيدها فيختلط الحابل بالنابل والصواب أن المنصور قال أنا بريء أو نفيت من العباس وليس فيه ذكر للرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -. لأن المنصور خليفة مسلم صاحب عقيدة يسليمة وإيمان وإن أخطأ في الأزمات والفتن فلا ولم يصل به الحد إلى أن يقول (وأنا بريء من محمد إن لم أقتلك)، وقد أخرج البلاذري عن زهير بن مسيب وغيره أن المنصور كتب كتابًا إلى أبي مسلم لطيفًا مع أبي حميد المروروذي نفيت من العباس لئن مضيت ولم تلقني ولا وكلت أمرك إلى أحد سواي ولو خضت إليك البحر الأخضر حتى أموت أو أقتلك ... إلخ. [أنساب الأشراف / ٣/ ١٩٤].
-
فسار أبو حُميد في ناس من أصحابه ممن يثق بهم؛ حتى قدموا على أبي مسلم بحُلْوان، فدخل أبو حميد وأبو مالك وغيرهما، فدفع إليه الكتاب، وقال له: إنّ الناس يبلّغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله، وخلاف ما عليه رأيه فيه،
ج ٥ ص ٥٣حسدًا وبغيًا؛ يريدون إزالة النعمة وتغييرَها، فلا تفسد ما كان منك؛ وكلّمه، وقال: يا أبا مسلم، إنك لم تزل أمينَ آل محمد؛ يعرفك بذلك الناس، وما ذخر الله لك من الأجر عنده في ذلك أعظم مما أنت فيه من دنياك، فلا تحبطْ أجرَك، ولا يستهوينّك الشيطان. فقال له أبو مسلم: متى كنت تكلِّمني بهذا الكلام! قال: إنك دعوتَنا إلى هذا وإلى طاعة أهل بيت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بني العباس، وأمرتَنا بقتال مَنْ خالف ذلك؛ فدعوتنا من أرَضين متفرّقة وأسباب مختلفة، فجمعنا الله على طاعتهم، وألف بين قلوبنا بمحبّتهم، وأعزّنا بنصرنا لهم، ولم نلق منهم رجلًا إلا بما قذف الله في قلوبنا، حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذة، وطاعة خالصة؛ أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أمَلنا أن تُفسد أمرنا، وتفرّق كلمتنا؛ وقد قلت لنا: مَنْ خالفكم فاقتلوه، وإن خالفتُكم فاقتلوني! فأقبَل على أبي نصر، فقال: يا مالك، أما تسمع ما يقول لي هذا؟ ! ما هذا بكلامه يا مالك! قال: لا تسمع كلامه، ولا يهولنك هذا منه، فلعمري لقد صدقتَ ما هذا كلامه؛ ولَمَا بعد هذا أشدّ منه، فامض لأمرك ولا ترجِعْ فوالله لئن أتيتَه ليقتلنّك؛ ولقد وقع في نفسه منك شيء لا يأمنك أبدًا، فقال: قوموا، فنهضوا فأرسل أبو مسلم إلى نيزك، وقال: يا نيزك، إني والله ما رأيت طويلًا أعقَل منك، فما ترى، فقد جاءت هذه الكتب، وقد قال القوم ما قالوا؟ قال: لا أرى أن تأتيَه، وأرى أن تأتي الرّيّ فتقيم بها، فيصير ما بين خراسان والرّي لك؛ وهم جندُك ما يخالفك أحدٌ، فإن استقام لك استقمت له، وإن أبي كنتَ في جندك، وكانت خراسان من ورائك، ورأيت رأيك، فدعا أبا حميد، فقال: ارجع إلى صاحبك، فليس من رأي أن آتيَه، قال: قد عزمت على خلافه؟ قال: نعم، قال: لا تفعل، قال: ما أريد أن ألقاه، فلما آيسه من الرجوع، قال له ما أمره به أبو جعفر، فوجَم طويلًا، ثم قال: قم، فكَسره ذلك القول ورعّبه.
-
وكان أبو جعفر قد كتب إلى أبي داود -وهو خليفة أبي مسلم بخُراسان- حين
ج ٥ ص ٥٤اتّهم أبا مسلم: إنّ لك إمْرَة خراسان ما بقيتُ، فكتب أبو داود إلى أبي مسلم: إنا لم نخرج لمعصية خلفاء الله وأهل بيت نبيّه - صلى الله عليه وسلم -، فلا تخالفنّ إمامك ولا ترجعنّ إلا بإذنه، فوافاه كتابه على تلك الحال؛ فزاده رُعبًا وهَمًّا، فأرسل إلى أبي حُميد وأبي مالك فقال لهما: إني قد كنت معتزمًا على المضيّ إلى خراسان، ثم رأيت أن أوجّه أبا إسحاق إلى أمير المؤمنين فيأتيني برأيه؛ فإنه ممن أثق به فوجهه، فلما قدم تلقاه بنو هاشم بكلّ ما يحبّ وقال له أبو جعفر: اصرفه عن وجهه؛ ولك ولاية خراسان؛ وأجازه فرجع أبو إسحاق إلى أبي مُسلم، فقال له: ما أنكرتُ شيئًا، رأيتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم، وأشار عليه أن يرجع إلى أمير المؤمنين، فيعتذر إليه مما كان منه، فأجمع على ذلك، فقال له نيزك: قد أجمعتَ على الرجوع؟ قال: نعم، وتمثّل:
ما للرجال مع القضاء مَحَالةٌ ... ذَهَبَ القضاءُ بحيلة الأَقوامِ
فقال: أمّا إذا اعتزمتَ على هذا فخار الله لك؛ واحفظْ عني واحدة؛ إذا دخلتَ عليه فاقتله ثم بايع لمن شئت، فإنّ الناس لا يخالفونك، وكتب أبو مسلم إلى أبي جعفر يخبره أنه منصرف إليه (١) .
قالوا: قال أبو أيوب: فدخلتُ يومًا على أبي جعفر وهو في خِباء شَعر بالرومية جالسًا على مُصلَّى بعد العصر، وبين يديه كتاب أبي مسلم فرمى به إليّ فقرأته، ثم قال: والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنَّه، فقلت في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون! طلبتُ الكتابة حتى إذا بلغتُ غايتها فصرتُ كاتبًا للخليفة، وقع هذا بين الناس! والله ما أرى أنا إن قُتِل يرضى أصحابُه بقتله، ولا يدَعُون هذا حيًّا؛ ولا أحدًا ممن هو بسبيل منه، وامتنع مني النوم، ثم قلتُ: لعلّ الرّجل يقدَم وهو
ج ٥ ص ٥٥اآمن؛ فإن كان آمنًا فعسى أن ينال ما يريد؛ وإن قدم وهو حَذِر لم يقدر عليه إلا في شرّ، فلو التمست حيلة! فأرسلتُ إلى سلمة بن سعيد بن جابر، فقلت له: هل عندك شكر؟ فقال: نعم، فقلت: إن وليتُك ولاية تصيب منها مثل ما يصيب صاحب العراق؛ تدخل معك حاتم بن أبي سليمان أخي؟ قال: نعم، فقلت - وأردت أن يطلع ولا ينكر: وتجعل له النصف؟ قال: نعم، قلت: إنّ كَسْكَر كالت عامَ أوّل كذا وكذا، ومنها العام أضعاف ما كان عام أوّل؛ فإن دفعتُها إليك بقَبالتها عامًا أوّل أو بالأمانة أصبتَ ما تضيق به ذرعًا، قال: فكيف لي بهذا المال؟ قلت: تأتي أبا مسلم، فتلقاه وتكلمه غدًا، وتسأله أن يجعل هذا فيما يرفع من حوائجه أن تتولّاها أنت بما كانت في العام الأوّل؛ فإنّ أمير المؤمنين يريد أن يولِّيَه إذا قدم ما وراء بابه، ويستريح ويريح نفسه، قال: فكيف لي أن يأذن أمير المؤمنين في لقائه؟ قلتُ: أنا أستأذن لك؛ ودخلت إلى أبي جعفر؛ فحدثته الحديث كله، قال: فادع سلمَة، فدعوته، فقال: إن أبا أيوب استأذن لك، أفتحب أن تلقى أبا مسلم؟ قال: نعم، قال: فقد أذنتُ لك، فأقرئه السلام، وأعلمه بشوقنا إليه، فخرج سلمة فلقيه، فقال: أميرُ المؤمنين أحسنُ الناس فيك رأيًا، فطابت نفسه؛ وكان قبل ذلك كئيبًا.
- (١)هذا إسناد مركب ومنه إسناد واحد فقط رجاله بين الثقة والصدوق (أحمد بن زهير عن المدائني عن مسلمة بن محارب) ومسلمة بن محارب ثقة معاصر لتلك الأحداث وانظر الرواية الآتية.
-
فلما قدم عليه سلمة سرّه ما أخبره به وصدّقه، ولم يزل مسرورًا حتى قدم.
قال أبو أيوب: فلما دنا أبو مسلم من المدائن أمَر أميرُ المؤمنين الناس فتلقوْه؛ فلما كان عشية قدم، دخلت على أمير المؤمنين وهو في خِباء على مصلَّى، فقلت: هذا الرجل يدخل العشيّة، فما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أقتله حين أنظر إليه، قلت: أنشدك الله؛ إنه يدخل معه الناس؛ وقد علموا ما صنع؛ فإن دخل عليك ولم يخرج لم آمن البلاء، ولكن إذا دخل عليك فأذن له أن ينصرف؛ فإذا غدا عليك رأيت رأيك، وما أردتُ بذلك إلا دفعه بها، وما ذاك إلا من خوفي عليه وعلينا جميعًا من أصحاب أبي مسلم، فدخل عليه من عشيته
ج ٥ ص ٥٦وسلم، وقام قائمًا بين يديه، فقال: انصرف يا عبدَ الرحمن فأرحْ نفسك، وادخل الحمام؛ فإن للسفر قشَفًا، ثم اغدُ عليَّ، فانصرف أبو مسلم وانصرف الناس، قال: فافْتَرى عليّ أمير المؤمنين حين خرج أبو مسلم؛ وقال: متى أقدر على مثل هذه الحالة منه التي رأيته قائمًا على رجليه، ولا أدري ما يحدث في ليلتي! فانصرفت وأصبحت غاديًا عليه؛ فلما رآني قال: يا بن اللخناء، لا مرحبًا بك! أنك منعتَني منه أمسِ؛ والله ما غمضتُ الليلة، ثم شتمني حتى خفتُ أن يأمر بقتلي، ثم قال: ادع لي عثمان بن نَهيك، فدعوتُه، فقال: يا عثمان، كيف بلاء أمير المؤمنين عندك؟ قال: يا أمير المؤمنين إنما أنا عبدُك، والله لو أمرتَني أن أتّكِيء على سيفي حتى يخرج من ظهري لفعلت، قال: كيف أنت إن أمرتُك بقتل أبي مسلم؟ فوجَم ساعةً لا يتكلم، فقلت: مالك لا تتكلم! فقال قولة ضعيفة: أقتله؛ قال: انطلِق فجيء بأربعة من وجوه الحرس جُلْد، فمضى؛ فلما كان عند الرّواق، ناداه: يا عثمان يا عثمان؛ ارجع؛ فرجع، قال: اجلس؛ وأرسِلْ إلى مَنْ تثق به من الحرس، فأحضرْ منهم أربعة، فقال لوصيف له انطلق: فادعْ شبيب بن واج، وادعُ أبا حنيفة ورجلين آخرين؛ فدخلوا فقال لهم أمير المؤمنين نحوًا مما قال لعثمان، فقالوا: نقتله، فقال: كونوا خَلْف الرواق؛ فإذا صفَّقت فاخرجوا فاقتلوه.
-
وأرسل إلى أبي مسلم رسلًا بعضهم على إثر بعض، فقالوا: قد ركب، وأتاه وصيف، فقال: أتى عيسى بن موسى، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ألا أخرج فأطوف في العسكر، فأنظر ما يقول الناس؟ هل ظن أحد ظَنًّا، أو تكلم أحد بشيء؟ قال: بلى، فخرجتُ وتلقاني أبو مسلم داخلًا، فتبسّم وسلمت عليه ودخل، فرجعت؛ فإذا هو منبطحٌ لم ينتظر به رجوعي، وجاء أبو الجهم، فلما رآه مقتولًا قال: إنا لله وإنا إليه راجعون! فأقبلت على أبي الجهم، فقلت له: أمرتَه بقتله حين خالف، حتى إذا قُتِل قلتَ هذه المقالة! فنبّهت به رجلًا غافلًا،
ج ٥ ص ٥٧فتكلم كلام أصلح ما جاءَ منه، ثم قال: يا أمير المؤمنين؛ ألا أردّ الناس؟ قال: بلى، قال: فمرْ بمتاع يحوّل إلى رواق آخر من أرواقك هذه، فأمر بفرُش فأخرجت؛ كأنه يريد أن يهييّء له رواق آخر، وخرج أبو الجهم، فقال: انصرفوا، فإن الأمير يريد أن يقيل عند أمير المؤمنين، ورأوا المتاع ينقَل فظنوه صادقًا، فانصرفوا ثم راحوا، فأمر لهم أبو جعفر بجوائزهم، وأعطى أبا إسحاق مئة ألف.
قال أبو أيوب: قال لي أمير المؤمنين: دخل عليّ أبو مسلم فعاتبتُه ثم شتمتُه، فضربه عثمان فلم يصنع شيئًا، وخرج شبيب بن واج وأصحابه فضربوه فسقط، فقال وهم يضربونه: العفو، فقلت: يا بن اللخناء، العفو والسيوف قد اعتورتْك! وقلت: اذبحوه، فذبحوه (١) .
- (١)مضى الحديث عن هذا الإسناد وشيوخ المدائني رووه عن شاهد عيان (أبو أيوب) وهو وزير للمنصور ولا نستطيع أن نعتمد عليه وحده في إثبات كل هذه التفاصيل إلا أننا سنذكر ما يؤيد أصل الخبر وبعضًا من هذه التفاصيل. ١ - أخرج ابن عساكر من طريق أحمد بن مروان عن أحمد بن عباد عن محمد بن سلام الجمحي قال دخل أبو مسلم على أبي العباس فسلم عليه وعنده أبو جعفر فقال له يا أبا مسلم هذا أبو جعفر فقال يا أمير المؤمنين هذا موضع لا يؤدى فيه إلا حقك ا. هـ[تأريخ دمشق / ٣٥/ ٤١٧]. ٢ - وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن يحيى الصولي عن المغيرة بن محمد حدثني محمد بن عبد الوهاب حدثني علي بن المعافى قال: كتب أبو مسلم إلى المنصور حين استوحش منه أما بعد فقد كنت اتخذت إمامًا وجعلته على العين دليلًا لقرابته والوصية التي زعم أنها صارت إليه فأعطاني عشوة الضلالة وأوهقني في ربقة الفتنة وأمرني أن آخذ بالظنة وأقتل على التهمة ولا أقبل المعذرة فهتكت بأمره حرمات حكم الله صيانتها (وفي رواية الطبري / حتم الله صونها) وسفكت دماء فرض من الله حقنها وزريت الأمر على أهله ووضعته = = منه في غير محله فإن يعف الله عني فبفضل منه وإن يعاقب فبما كسبت يداي وما الله بظلام للعبيد [تأريخ دمشق ٣٥/ ٤١٨]. وفي رواية أخرى عند ابن عساكر [٣٥/ ٤٢٠] ونبغ في الفتنة واستجهلني بالقرآن يحرفه عن مواضعه طمعًا في قليل من الدنيا زائل ومثل لي الضلالة في صورة الهدى وأمرني أن أجرد السيف وأقتل بالظنة ... إلخ. قلت وهذه اتهامات وجّهها أبو مسلم إلى الإمام وهو يدافع عن نفسه ويبرر سلوكه وتصرفاته وكان الإمام يومها قد توفي. فكيف لنا أن نصدق أبا مسلم في ادعائه أضف إلى ذلك فإن أبا جعفر المنصور وهو المعاصر لهما وشاهد عيان في هذه المسائل قد ردّ عليه اتهامه قائلًا [ولم ينسخ لك أمرًا إلا كنت لأرشدهما تاركًا ولأغواهما موافقًا] [تأريخ دمشق ٣٥/ ٤٢٠] اهـ. ٣ - وأخرج ابن عساكر من طريق القاضي أبي الطيب الطبري ومحمد بن الحسين قالا: ثنا المعافي بن زكريا ثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي، نا أبو العباس المنصوري قال: لما قتل المنصور أبا مسلم قال: رحمك الله أبا مسلم فإنك بايعتنا وبايعناك وعاهدتنا وعاهدناك ووفيت لنا ووفينا لك وإنك بايعتنا على أنه من خرج علينا قتلناه وإنك خرجت علينا فقتلناك وحكمنا عليك حكمك لنا على نفسك قال: ولما أراد المنصور قتله دس له رجالًا من القواد منهم شبيب بن واج وتقدم إليهم فقال: إذا سمعتم تصفيقي فاخرجوا إليه فاضربوه. فلما حضر وحاوره طويلًا ... قال المنصور: يا للعجب أتقتلهم حين عصوك وتعصيني فلا أقلتلنَّك ثم صفق فخرج القوم وبدرهم إليه شبيب فضربه فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه فقال له المنصور اضربه قطع الله يدك فقال أبو مسلم يا أمير المؤمنين استبقني لعدوك قال وأي عدوٍ أعدى لي منك اضربوه فضربوه بأسيافهم حتى قطعوه إربًا إربًا [تاريخ دمشق ٣٥/ ٤٢٤]. ٤ - وأخرج ابن عساكر من طريق الصولي عن الغلابي عن يعقوب بن جعفر عن أبيه قال خطب الناس المنصورُ بعد قتل أبي مسلم فقال أيها الناس لا تنفروا فيه وإن أبا مسلم بايع لنا على أنه من نكث بيعتنا وأضحى خبثًا لنا فقد أبحنا دمه ونكث وغدر وفجر وكفر فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا [تأريخ دمشق / ٣٥/ ٤٣٥]. = = ٥ - وأخرج ابن عساكر من طريق أحمد بن مروان ثنا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال: سمعت الرياشي يقول كان نصر بن مالك على شرطة أبي مسلم فلما جاءه أمر أبي جعفر بالقدوم عليه استشاره فنهاه عن ذلك وقال: لا تأمنه عليك فقال له أبو جعفر: استشارك أبو مسلم في القدوم فنهيته؟ فقال: نعم قال: وكيف ذلك؟ قال: سمعت أخاك إبراهيم يحدث عن أبيه قال: لا يزال الرجل يزداد في رأيه ما نصح لمن استشاره وكنت له كذلك وأنا اليوم لك كما كنت له ا. هـ[تأريخ دمشق ٣٥/ ٤٣٥]. وهذا ما رواه الطبري بلا إسناد (٧/ ٤٩٤) ولفظ الطبري مختلف في عدم ذكر بعض التفاصيل ونصه: - وقدم أبو نصر على أبي جعفر فقال: أشرت على أبي مسلم بالمضي إلى خراسان؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين كانت له عندي أيادٍ وصنائع فاستشارني فنصحت له وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتني نصحت لك وشكرت، فعفا عنه فلما كان يوم الراوندية قام أبو نصر على باب القصر وقال أنا اليوم البواب، لا يدخل أحد القصر وأنا حي فقال أبو جعفر: أين مالك بن الهيثم؟ فأخبروه فرأى أنه قد نصح له. اهـ. ٦ - أما يعقوب بن سفيان البسوي (٢٧٧ هـ) فقد أخرج (وقد قال قوم) هكذا ... خبرًا وفيه يذكر البسوي خروج عبد الله بن علي ثم قتال ضد أبي مسلم وانتصار أبي مسلم عليه وهزيمة عبد الله وقدومه إلى البصرة ... إلخ وفي آخر الخبر: وبعث أبو جعفر بيقطين بن موسى إلى أبي مسلم يأمره بإحصاء ما في عسكر عبد الله بن علي، فغضب أبو مسلم من ذلك وأجمع على الخلاف والكره وشخص أبو جعفر إلى المدائن وشخص أبو مسلم فأخذ طريق خراسان يريدها مخالفًا لأبي جعفر [المعرفة والتأريخ ١/ ٦]. ثم قال البسوي: وقتل أبو مسلم يوم الأربعاء لسبع ليالٍ خلون من شعبان في هذه السنة (١٣٧) [١/ ٦]. ولم يذكر البسوي تفاصيل مقتله. ٧ - وأما خليفة بن خياط (٢٤٠ هـ) فقد قال: وفي سنة سبع وثلاثين ومئة لقي أبو مسلم عبد الله بن علي فاقتتلوا قتالًا شديدًا ثم انهزم عبد الله بن علي فأتى البصرة وبعث أبو جعفر سلمة بن سعيد بن جابر وكان صهر أبي مسلم كانت خالته تحت أبي مسلم فلحق أبا مسلم قبل أن يدخل الري فسأله القدوم على أبي جعفر فقدم معه وأبو جعفر بالمدائن. = = فقتله أبو جعفر بالرومية وذلك يوم الأربعاء لأربع بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومئة، فسمعت يحيى بن المسيب قال: قتله وهو في سرادقات ثم بعث إلى عيسى بن موسى فأعلمه بذلك وأعطاه الرأس والمال فخرج به ونثر الأموال فتشاغل الناس بها، [تأريخ خليفة / ٢٧٢]. تعليقنا على هذه الروايات جميعًا (روايات الطبري وابن عساكر وخليفة والبسوي) لم نورد هذه الروايات لتأكيد تفاصيل مقتله فحتى أبو أيوب الوزير (الذي روى عنه شيوخ المدائني تفاصيل مقتل أبي مسلم) لم يشهد ذلك المشهد بل روى الحادثة بصيغتين -ولكن الذي نستطيع قوله أن أبا مسلم كان داهية فاحتاج أبو جعفر المنصور إلى الصبر والمحاولة الواحدة تلو الأخرى لاستدراجه وأرسل الرسل والكتب والسفراء ثم استقبله بحفاوة وأكرمه حتى أوقعهُ في الشرك فكان أدهى من أبي مسلم والله تعالى أعلم.
- ج ٥ ص ٥٨
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- ج ٥ ص ٥٩
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .