قصة الخضر وخبره وخبر موسى وفتاه يوشع - عليه السلام -
١٣ فقرة، ج ١ ص ٣١٤
- ج ١ ص ٣١٤
والذي روى أبيّ بن كعب في ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم - ما حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد، قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى، فقال: كذَب عدو الله، حدثنا أبيّ بن كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن موسى قام في بني إسرائيل خطيبًا فقيل: أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه حين لم يردّ العلم إليه، فقال: بل عبدٌ لي عند مجمع البحرين، فقال: يا ربّ، كيف به قال: تأخذ حوتًا فتجعله في مكْتل فحيث تفقده فهو هناك. قال: فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، ثم قال لفتاه: إذا فقدتَ هذا الحوت فأخبرني. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر حتى أتيا صخرة، فرقَد موسى فاضطرب الحوت في المكتل،
ج ١ ص ٣١٥فخرج فوقع في البحر، فأمسك الله عنه جَرْية الماء فصار مثل الطاق، فصار للحوت سرَبًا، وكان لهما عجبًا. ثم انطلقا، فلما كان حين الغداء قال موسى لفتاه: {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} قال: ولم يجد موسى النصَب حتى جاوز حيث أمرَه الله، قال: فقال: {أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} قال: فقال: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} . قال: يقصَّان آثارهما. قال: فأتيا الصخرة، فإذا رجل نائم مسجّى بثوبه، فسلَّم عليه موسى فقال: وأنَّى بأرضنا السلام! قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: يا موسى، إني على علم من علم الله، علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علَّمكه الله لا أعلمه، قال: فإني أتبعك على أن تعلمني ممَّا عُلمْتَ رُشْدًا. {قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} . فانطلقا يمشيان على الساحل، فإذا بملاح في سفينة، فعرف الخضر، فحمله بغير نَوْل، فجاء عصفور فوقع على حرفها فنقر -أو فنقد- في الماء، فقال الخضر لموسى: ما ينقص علمي وعلمك من علم الله إلَّا مقدار ما نقر -أو نقد- هذا العصفور من البحر.
قال أبو جعفر: أنا أشكُّ، وهو في كتابي هذا "نقر" . قال: فبينما هم في السفينة لم يُفجأ موسى إلَّا وهو يتد وتدًا أو ينزع تخْتًا منها، فقال له موسى: حمَلنا بغير نَوْل وتخرقها لتُغْرقَ أهلهَا! {لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} - قال فكانت الأولى من موسى نسيانًا - قال: ثم خرجا فانطلق يمشيان فأبصرا غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ برأسه فقتله، فقال له موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا}.
-
فانطلقا حتى إذا أتيا أهلَ قرية استطعما أهلها، فلم يجدا أحدًا يطعمهم ولا يسقيهم، فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضّ فأقامه بيده - قال: مسحه بيده - فقال له موسى: لم يُضيفونا ولم ينزلونا، {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا} . {قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ} قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لوددت أنه كان صبَر حتى يقصّ
ج ١ ص ٣١٦علينا قصصهم " (١) . (١: ٣٦٦/ ٣٦٧ / ٣٦٨)
- (١)هذا إسناد صحيح والحديث صحيح ومن طريق سفيان هذا أخرجه البخاري مختصرًا (ح ٤٧٢٥) ومطولًا (ح ٤٧٢٦) من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار به وسنأتي على ذكر الحديث بعد قليل.
-
حدثني العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: أنه تمارَى هو والحُرّ بن قيس بن حصن الفزاريّ في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمرَّ بهما أبيّ بن كعب، فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى - عليه السلام - الذي سأل السبيلَ إلى لقائه، فهل سمعتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر شأنه؟ قال: نعم إني سمعت رسول الله - يقول: "بينا موسى - عليه السلام - في ملأ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان أحد أعلم منك؟ قال موسى: لا، فأوحى الله إلى موسى: بَلى عبدنا الخَضِر، فسأل موسى السبيلَ إلى لقائه، فجعل الله الحوت آية، وقال له: إذا افتقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: {أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} ، قال موسى: {ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} الخضر، فكان من شأنهما ما قصَّ الله في كتابه" (٢) . (١: ٣٦٩/ ٣٦٨) .
- (٢)صحيح. هذا إسناد صحيح وأخرجه البخاري من طريق الأوزاعي به كما عند الطبري (صحيح البخاري / كتاب العلم / ح ٧٨) و (ح ٧٤٧٨).
-
حدثني محمد بن مرزوق قال: حدثنا حجاج بن المنهال، قال: حدثنا عبد الله بن عمر النميريّ، عن يونس بن يزيد، قال: سمعت الزهريّ يحدث قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: أنه تمارى هو والحُرّ بن قيس بن حصن الفزاريّ في صاحب موسى، فذكر نحو حديث العباس عن أبيه (٣) . (١: ٣٦٩) .
- (٣)صحيح. صحيح، وانظر ما قبله.
-
ثم رجع الحديث إلى حديث السديّ. قال: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً
ج ١ ص ٣١٧مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ} يقول: كثرة من الناس يسقون (١) (١: ٣٩٧) .
- (١)صحيح. صحيح.
-
حدثني أحمد بن محمد الطوسيّ، قال: حدَّثنا الحُمَيديّ عبد الله بن الزبير، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "سألت جبرئيل: أيّ الأجلين قَضَى موسى؟ قال: أتمهما وأكملهما" (٢) . (١: ٣٩٩) .
- (٢)صحيح. في إسناده إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، قال الحافظ في ترجمته عن الحكم بن أبان وعنه سفيان بن عيينة بخبر منكر والرجل نكرة وحديثه عن الحميدي وهذا الرجل ذكره ابن حبان في الثقات (لسان الميزان / ترجمة ٣٨١). قلنا: ومن طريق إبراهيم هذا أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل جبريل أي الأجلين قضى موسى قال: أتمهما) وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه (المستدرك ٢/ ٤٠٧). وأخرجه البزار من طريق أحمد بن أبان القرشي عن سفيان عن إبراهيم بن أعين عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، وقال البزار: لا نعرفه مرفوعًا عن ابن عباس إلَّا من هذا الوجه (كشف الأستار عن زوائد البزار ٣/ ٦٣). وأخرج الخطيب عن أبي ذر مرفوعًا: (إذا سُئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما وأبرهما ... الحديث) (تاريخ بغداد ٢/ ١٢٨) وفي إسناده عوبد بن أبي عمران متروك. وللحديث طرق أخرى مرسلة وموقوفة تتعارض بها جميعًا كما سنذكر بعد الروايتين التاليتين:
-
حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهوديّ بالكوفة - وأنا أتجهّز للحج -: إني أراك رجلًا يتبع العلم، أخبرني أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم وأنا الآن قادم على حَبْر العرب -يعني ابن عباس- فسأسأله عن ذلك، فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك وأخبرته بقول اليهوديّ، فقال ابن عباس: قضَى أكثرَهما وأطيَبهما؛ إنَّ النبيّ إذا وَعد لم يُخلف. قال سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهوديَّ فأخبرته، فقال: صدق وما أنزل الله على موسى. هذا والله العالم (٣) . (١: ٣٩٩)
- (٣)صحيح. هذا إسناد ضعيف إلَّا أن المتن صحيح موقوفًا كما أخرجه البخاري في طريقه من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله فقدمت ابن عباس فقال: قضى أكثرهما = = وأطيبهما إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال فعل (صحيح البخاري / ح ٢٦٨٤). وإليك أقوال أئمة الحديث في هذه المسألة: قال الحافظ ابن حجر بعد شرحه للحديث (٢٦٨٤): وهو في حكم المرفوع لأن ابن عباس كان لا يعتمد على أهل الكتاب كما سيأتي بيانه في الباب الذي يليه (٥/ ٦٢٧ / ط. دار الفكر). وقال الحافظ ابن كثير: فهذه طرق متعاضدة (تفسير القرآن العظيم ٢٦٥٦ / ط. المنار). وقال الإمام الشوكاني: بعد سرده لبعض طرق الحديث: وأما روايات أنه قضى أتم الأجلين فلها طرق يقوي بعضها بعضًا (فتح القدير ٤/ ٢٠٦). أما من المعاصرين فقد رجح الشيخ عبد الرزاق المهدي وقفه (أحكام القرآن / ١٧١٦). وأما المحدث الألباني فقد ذكر طرق الحديث وبين ضعف أسانيدها وذكر المرسل منها والموقوف والمرفوع ثم قال: فهذه طرق تتعاضد كما قال ابن كثير في تفسيره (٦/ ٣٣٥) فالحديث قوي. وقد رواه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس موقوفًا فهو من يقوي المرفوع لأنه في حكمه والله أعلم (السلسلة الصحيحة خ ١٨٨٠) قلنا: والقول ما قاله الألباني إلَّا أنه لم يذكر أن البخاري أخرجه كذلك موقوفًا عن ابن عباس (ح ٢٦٨٤) والله أعلم.
- ج ١ ص ٣١٨
فنودي: {يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ} . {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي}، يقول: أضرب بها الورق، فيقع للغنم من الشجر {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} ، يقول: حوائج أخرى أحمل عليها المزود والسقاء، فقال له: {قَال أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى}، {فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} يقول: ينتظر. فنوديَ: {يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} ، {أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} ، {وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ} العصا واليد آيتان، فذلك حين يدعو موسى ربه، فقال: {قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي}، يقول: كيما يصدقني {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} قال: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} -يعني بالقتيل- {قَال سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا} - والسلطان الحجة - {فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} ، {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ} (١) . (١: ٤٠٠/ ٤٠١) .
- (١)صحيح.
-
ولما جاوز ببني إسرائيل البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، {قَالُوا
ج ١ ص ٣١٩يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَال أَغَيرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ} وواعد الله موسى حين أهلك فرعون وقومَه ونجاه وقومَه ثلاثين ليلة (١) . (١: ٤٢١) .
- (١)صحيح. لقد ذكرنا الرواية (١/ ٤٢٣ / ق ٦٧٧) في قسم الضعيف فإسناده لا يستقيم وفي متنه نكارة وهو خبر طويل يتضمن تفسير بعض الآيات في قصة موسى - عليه السلام - إلَّا أن جزءًا منه يسيرًا (في بداية الخبر) من مكان الحسن - وقد أخرجه الطبري موقوفًا على ابن عباس أنه قال: (تجلى منه مثل طرف الخنصر فجعل الجبل دكا وخر موسى صعقا). فقد أخرج الترمذي من طريق عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا}. قال حماد هكذا وأمسك سليمان بطرف إبهامه على أنملة إصبعه اليمنى، قال: فساخ الجبل {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلَّا من حديث حماد بن سلمة حدثنا عبد الوهاب الوراق البغدادي، حدثنا معاذ عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه، هذا حديث حسن. اهـ. (سنن الترمذي / كتاب تفسير القرآن / ح ٣٥٧٤). وأخرجه الحاكم من طريقين عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعًا وفيه قال حماد هكذا ووضع الإبهام على مفصل الخنصر الأيمن قال فقال حميد لثابت: تحدَّث بمثل هذا قال: فضرب ثابت صدر حميد ضربة بيده وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدث به وأنا لا أحدث به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (المستدرك ٢/ ٣٢٥) والحديث أخرجه الطبري في تفسيره (ح ١٥٠٧٨) و (ح ١٥٥٨٨) وأخرجه أحمد من طريق معاذ بن معاذ العنبري قال: حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس مرفوعًا (المسند ح ١٢٢٦٠). قلنا: وإسناده حسن صحيح. وقال العلامة أرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم ورجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن رجال مسلم. اهـ. والحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٢٢) وأما ابن عدي (٦١/ ٤٣٥) فقد عده من غرائب حماد بن سلمة، وأما من المعاصرين فقد صححه العلامة أرناؤوط كما ترى وكذلك صححه المحدث الألباني (كما في صحيح سنن الترمذي) وأما الشيخ عبد الرزاق المهدي فضعفه وقال: ومع ذلك ذكره الألباني في صحيح الترمذي جريًا منه على ظاهر الإسناد والذي أراه أنه معلول لكن لا يتهيأ الحكم عليه بالوضع. وقد ورد من وجه آخر أخرجه الطبري (١٥٠٩٦). عن الأعمش عن رجل عن أنس وهذا إسناد ضعيف فيه راوٍ لم = = يُسمَّ فالحديث غير قوي ومع ذلك فليحرر (حاشية فتح القدير ٢/ ٢٩٩). قلنا: وما ذهب إليه الترمذي والحاكم وغيرهما من المتقدمين ثم الألباني وأرناؤوط من المعاصرين هو الأرجح ... وحماد لم ينفرد بهذا الحديث فقد أخرج نحوه ابن أبي عاصم (٤٨٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس وابن منده من طريق أحمد محمد الصيد عن سعيد بن عامر عن ثابت عن أنس وقال غريب من حديث شعبة (الرد على الجهمية / ٥٩). قلنا: وفي إسناده أحمد الصيد مجهول الحال فهذان طريقان يضاف إليهما طريق الأعمش الضعيف فهي طرق تتعاضد جميعًا ليرتفع الحديث إلى الحسن إن شاء الله والله تعالى أعلم.
- ج ١ ص ٣٢٠
فلما كلَّم الله موسى طمع في رؤيته، فسأل ربه أن ينظر إليه، فقال له: إنَّكَ {لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} إلى قوله: {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} .
ثم قال الله لموسى: {قَال يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيتُكَ} إلى قوله: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} . وقال له: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى} إلى قوله: {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} ، ومعه عهد الله في ألواحه.
-
ولما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل ألقى الألواح من يده، وكانت - فيما يذكرون - من زبرجد أخضر، ثم أخذ برأس أخيه ولحيته ويقول: {مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ} إلى قوله: {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} . فقال: {ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، فارعوى موسى وقال: {قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} .
-
وأقبل على قومه فقال: {يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} إلى قوله {عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} . وأقبل على السامريّ فقال: {قَال فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَال بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} إلى قوله: {وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا} . ثم أخذ الألواح، يقول الله: {أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} (١) . (١: ٤٢٦/ ٤٢٧) .
- (١)صحيح.
-
حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، مولى بني هاشم، عن أبي هريرة، قال: قال
ج ١ ص ٣٢١رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ملَك الموت كان يأتي الناس عِيانًا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه، قال: فرجع فقال: يا ربِّ أن عبدك موسى فقأ عيني، ولولا كرامتَه عليك لشققت عليه، فقال: ائت عبدي موسى، فقل له: فليضعْ كفه على متن ثور، فله بكلّ شعرة وارت يدُه سنة؟ وخيَّره بين ذلك وبين أن يموت الآن، قال: فأتاه فخيَّره، فقال له موسى: فما بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: فالآن إذًا، قال: فشمَّه شمة قبض روحه. قال: فجاء بعد ذلك إلى الناس خُفية" (١) . (١: ٤٣٤) .
- (١)هذا إسناد حسن صحيح وحماد ثقة إلَّا أن له أوهامًا وهو أعلم الناس بحديث ثابت وحميد الطويل تجنبه البخاري وقال الحاكم: ما خرَّج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول إلَّا من حديثه عن ثابت وقد خرَّج له في الشواهد عن طائفة (وانظر ميزان الاعتدال، ترجمة ٢٢٥١). قلنا: ولعلَّ ما في الحديث من غرابة من أوهام حماد ونعني بذلك عبارة (كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا) وإلا فبقية الحديث صحيح أخرجه البخاري عن أبي هريرة (ح ٣٤٠٧) ولفظه: (أرسل ملك الموت إلى موسى - عليه السلام -، فلما جاءه صكه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطى يده بكل شعرة سنة. قال أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت قال فالآن. قال فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة. قال أبو هريرة رضي الله عنه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو كنت ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر" قال: وأخبرنا معمر عن همام حدثنا أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر تعليقًا على هذه الرواية قوله (قال وأخبرنا معمر عن همام ... إلخ) هو موصول بالإسناد المذكور، ووهم من قال إنه معلق فقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر، ومسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق كذلك (فتح الباري ٧/ ١٠٤). قلنا: وأما حديث أحمد فهو في مسند أبي هريرة (ح ١٠٩٠٤) وقال الشيخ أرناؤوط: رجاله رجال الصحيح وفي أوله نكارة وهي قوله (كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا) وهذه اللفظة تفرد بها عمار بن أبي عمار وعنه حماد بن سلمة ولكل منهما بعض المناكير. اهـ. قلنا: وأما حديث عبد الرزاق مرفوعًا، فهو كذلك من حديث أبي هريرة (ح ٢٠٥٣٠) وأما مسلم فقد رواه موقوفًا (١٥٧ / ح ٢٣٧٢) مرفوعًا والحديث أخرجه الحاكم وصححه على شرط مسلم (المستدرك ٢/ ٥٧٨) وأخرجه أحمد (ح ٨١٧٢) من طريق همام عن أبي هريرة مرفوعًا وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد مرفوعًا كما عند الطبري (كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا ... الحديث وفي آخره فكان يأتي الناس خفية). وقال الهيثمي: في الصحيح طرف منه رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح / مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٤ / ح ١٣٧٨٣). = = نبيُّ الله موسى عليه السَّلام لقد استشهد الطبري رحمه الله بالآيات القرآنية وفسَّرها بيانًا لقصة موسى - عليه السلام - ولكنه رحمه الله خلط التفسير بالإسرائيليات وآثرنا هنا أن نذكر تفسير ابن كثير لهذه الآيات (كما في البداية والنهاية) بعد أن حذفنا الإسرائيليات واختصرنا ولله الحمد. قال الحافظ ابن كثير: وهو موسى بن عمران، قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} [مريم: ٥١ - ٥٣]. وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن. وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة وغير مطولة. وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير. وسنورد سيرته هاهنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة. وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات التي ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان. [قلنا هكذا قال ابن كثير، ولكننا حذفنا ما ذكره ابن كثير من الإسرائيليات أثناء تفسيره للآيات الواردة في قصة موسى - عليه السلام - وبني قومه]. قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم {طسم