ذكر يوشع بن نون - عليه السلام -
٣ فقرات، ج ١ ص ٣٥٢
- ج ١ ص ٣٥٢
فقال بعضهم: لم يسِرْ يوشع إلى أريحا, ولا أمِر بالمسير إليها إلّا بعد موت موسى، وبعد هلاك جميع من كان أبى المسيرَ إليها مع موسى بن عمران، حين أمرهم الله تعالى بقتال مَنْ فيها من الجبارين، وقالوا: مات موسى وهارون جميعًا في التيه قبل خروجهما منه (١) . (١: ٤٣٥) .
- = عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقول سعد ونشطه ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأحمسي، عن طارق -هو ابن شهاب- أن المقداد قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: يا رسول الله .. إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا فإنا معكما مقاتلون. وهذا إسناد جيد من هذا الوجه، وله طرق أخرى. [مسند أحمد / ح ١١٨٤٩]. قال أحمد: حدثا أسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، لقد شهدت من المقداد مشهدًا, لأن أكون أنا صاحبه، أحب إليّ مما عدل به، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو على المشركين فقال: والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ولكننا نقاتل عن يمينك، وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك، فرأيت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرق لذلك وسر بذلك. رواه البخاري في التفسير، والمغازي من طرق عن مخارق به. [مسند أحمد / ٣٦٩٨] وصحيح البخاري [كتاب المغازي / ح ٣٩٥٢]. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا علي بن الحسين بن علي، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد، عن أنس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار .. إياكم يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: إذًا لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك. رواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس به، ورواه النسائي، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، عن أنس به نحوه. وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى، عن عبد الأعلى، عن معتمر، عن حميد، عن أنس به نحوه.
- (١)صحيح.
- ذكر من قال ذلك:
-
حدثني عبد الكريم بن الهيثم، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا سفيان، قال: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله تعالى: لما دعا موسى يعني بدعائه قوله: {قَال رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَينَنَا وَبَينَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ}. قال: فدخلوا التيه، فكلّ من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات في التيه، قال: فمات موسى في التيه، ومات هارون قبله. قال: فلبثوا في تيههم أربعين سنة، وناهضَ يوشعُ بمن بقي معه مدينة الجبّارين فافتتح يوشع المدينة (١) . (١: ٤٣٥) .
- (١)صحيح. لقد ذكر الطبري روايات عدة في ذكر يوشع بن نون فتى موسى - عليه السلام - وجلّها مأخوذ من الإسرائيليات ونحن ذاكرون هنا ما صحّ سنده في خبر يوشع هذا علمًا أننا لم نجد نصًّا نبويًا صريحًا ينص على نبوته إلا أن ابن كثير ذكر أنه نبي وقال: اتفق أهل الكتاب على ذلك كما في قصص الأنبياء لابن كثير، ولم نجد كما ذكرنا نصًّا نبويًا يؤكد ذلك إلَّا أن مفهوم حديثين نبويين يحتملان ذلك: الأول: ما أخرجه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة مرفوعًا (ح ٨٣١٥) إن الشمس لم تحبس على بشرٍ إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس، وقال الحافظ ابن كثير: انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري (قصص الأنبياء / ٣٣١). وأخرجه الطحاوي كذلك (شرح مشكل الآثار ح ١٠٦٩). الثاني: ما أخرجه البخاري (كتاب فرض الخمس / ح ٣١٢٣) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها, ولا أحد بني بيوتًا ولم يرفع سقوفها, ولا أحد اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليهم فجمع الغنائم ... الحديث وفي آخره: ثم أحلّ الله لنا الغنائم رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا". والحديث أخرجه مسلم (ح ١٧٤٧) وأحمد (ح ٨٢٣٨) وغير واحد، والله أعلم. قلنا: فإذا كانت الشمس لم تحبس إلا ليوشع بن نون كما في الحديث الأول وأن نبيًّا من الأنبياء خرج غازيًا فدعا فحبس الله الشمس له ولجيشه حتى فتحوا العصر، فالجمع بين الحديثين يشير إلى أن يوشع بن نون نبي، وهو الذي خرج غازيًا فحدث للشمس ما قدر الله لها من الحبس. وهذا استنباط وفهم للنصوص ولعله لا يكون كذلك والله أعلم. = = وأما الحافظ ابن حجر فقد قال رحمه الله أثناء شرحه للحديث: قوله (غزا نبي من الأنبياء) أي أراد الغزو، وهذا النبي هو يوشع بن نون كما رواه الحاكم من طريق كعب الأحبار وبين تسمية القرية كما سيأتي، وقد ورد أصله من طريق مرفوعة صحيحة أخرجها أحمد من طريق هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس" (فتح الباري ٦/ ٣٤٦ / ط الفكر). قلنا: وقال القاضي عياض رحمه الله في شرح مسلم (ح ١٧٤٧ - غزا نبي من الأنبياء .. الحديث) وقال: إن الذي حبست عليه الشمس هو يوشع بن نون (إكمال المعلم ٦/ ٥٣) والله تعالى أعلم بالصواب.