ذكر خبر داود - عليه السلام -
فقرة واحدة، ج ١ ص ٣٥٤
- ج ١ ص ٣٥٤
قال أبو جعفر: فلما نزلت نقمة الله بقارون حمِد الله على ما أنعم به عليهم المؤمنون الذين وعظوه وأنذروه بأمر الله، ونصحوا له من المعرفة بحقّه والعمل بطاعته، وندِم الذين كانوا يتمنّوْن ما هو فيه من كثرة المال، والسعة في العيش على أمنيتهم، وعرفوا خطأ أنفسهم في أمنيتها، فقالوا ما أخبر الله عزّ وجلّ عنهم في كتابه: {وَيكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا} ، فصرَف عنا ما ابتلى به قارون وأصحابه مما كنا نتمناه بالأمس لخسف بنا كما خسف به وبهم. فنجّى الله تعالى من كلّ هول وبلاء نبيَّه موسى والمؤمنين به المتمسكين بعهده من بني إسرائيل، وفتاه يوشع بن نون المتبعين له بطاعتهم ربهم، وأهلك أعداءه وأعداءهم: فرعون وهامان وقارون والكنعانيين بكفرهم وتمردهم عليه وعتوهم، بالغرق بعضًا، وبالخسف بعضًا، وبالسيف بعضًا، وجعلهم عبرًا لمن اعتبر بهم، وعظة لمن اتعظ بهم، مع كثرة أموالهم وكثرة عدد جنودهم، وشدة بطشهم، وعظم خلقهم وأجسامهم، فلم تغن عنهم أموالهم ولا أجسامهم ولا قواهم ولا جنودهم وأنصارهم عنهم من الله شيئًا؛ إذْ كانوا يجحدون بآيات الله، ويسعوْنَ في الأرض فسادًا، ويتّخذون عباد الله لأنفسهم خَوَلًا، وحاق بهم ما كانوا منه آمنين؛ نعوذ بالله من عمل يقَرِّب من سخطه، ونرغب إليه في التوفيق لما يدني من محبته، ويزلف إلى رحمته (١) ! فلما ملك
ج ١ ص ٣٥٥سليمان بناءه وشرّفه، وكان عمر داود - فيما وردت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مئة سنة. (١: ٤٨١) .
- (١)صحيح. ذكر خبر داود - عليه السلام - لقد أخرج الطبري روايات عدة في أخبار داود - عليه السلام - من (١/ ٤٧٦ - ١/ ٤٨٥) وجميعها بأسانيد ضعيفة جدًّا أو ضعيفة على الأقل ولم يصح في تفاصيل متونها بل أغلبها مستقاة من = = الإسرائيليات وحتى تفسير الآيات خلطها رحمه الله ببعض الإسرائيليات. فآثرنا أن نذكر الآيات القرآنية مع تفسيرها اللغوي عند الحافظ ابن كثير بعد حذف ما في التفسير من الإسرائيليات، ولكننا لا نرى بأسًا أن نذكر ما صحّ سنده من حديث روي في قصة داود - عليه السلام - قبل أن نذكر الآيات القرآنية مع تفسيرها: ١ - أخرج البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: كنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلاثمئة مؤمن (صحيح البخاري / كتاب المغازي / ح ٣٩٥٨). قلنا: والملاحظ أن الروايات الصحيحة لا تبالغ في ذكر الأعداد والأرقام، بينما الروايات الضعيفة المتأثرة أو المستقاة من الإسرائيليات تذكر أرقامًا خيالية. ٢ - أخرج البخاري في صحيحه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحبّ الصلاة إلى الله صلاة داود وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا ولا يفرّ إذا لاقى" صحيح البخاري / كتاب الأنبياء (ح ٣٤١٩) ومسلم (١٨٩/ ١١٥٩). قلنا: وهذه صورة داود العابد الناسك المجاهد وهي صورة في الأعالي كالثريا، بينما صورته الإسرائيليات كما يشتهي اليهود من تشويه صورة الأنبياء بما لا يليق بعصمتهم عليهم الصلاة والسلام. ٣ - لقد رزق الله سبحانه داود صوتًا جميلًا يتلو به كلام الله سبحانه، وعندما سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوت أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن قال عليه الصلاة والسلام: "لقد أعطي أبو موسى مزمارًا من مزامير داود" مسند أحمد / ح ٨٦٥٤ من حديث أبي هريرة / وقال ابن كثير: على شرط مسلم. ٤ - وأخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "خفف الله على داود القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده" صحيح البخاري / كتاب الأنبياء (ح ٣٤١٧). وسنذكر الآن بعض الآيات القرآنية الكريمة الواردة في ذكر نبي الله داود - عليه السلام - مع شيء يسير من التفسير اللغوي: ١ - قال الله تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} قال الطبري: قتلوهم بقضاء الله وقدره وقال الشوكاني: أي بأمره وإرادته. {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} المعنى: الملك السلطان والحكمة النبوة. {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ = = وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ} قال الطبري: يعني الله تعالى ذكره بذلك: ولولا دفع الله أي أن يدفع الله الناس بعضهم ببعض وهم أهل الطاعة له والإيمان به. ٢ - وقال تعالى في سورة سبأ {وَلَقَدْ آتَينَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. ٣ - وقال تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَينَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} يعني ذا قوة في العبادة والعمل الصالح. ٤ - وقال سبحانه وتعالى في سورة (ص): {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَال أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَال لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ}. قلنا: والآية القرآنية بينت أنه - عليه السلام - أيقن أن الله ابتلاه فاستغفر لذنبه وسجد لله سبحانه، فما هو هذا الابتلاء ومن أي ذنب استغفر وتاب وسجد؟ ظاهر الآيات القرآنية وهي {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} تشير إلى أن داود - عليه السلام - حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر.