[قصة زكريا ويحيى عليهما السلام]

٥ فقرات، ج ١ ص ٣٦٤

  1. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} فرددته خاسئًا" وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة [انظر صحيح البخاري / ٣٤٢٣]. وقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله" ثلاثًا، وبسط يده كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة" [انظر صحيح مسلم / كتاب المساجد ومواضع الصلاة / ٤٠/ ٢]. وقال أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا مرة بن معبد، حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان، قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائمًا يصلي، فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة. فلما فرغ من صلاته قال: "لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين الإبهام والتي تليها, ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم ألا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل". روى أبو داود منه: "فمن استطاع" إلى آخره عن أحمد بن سريج، عن أحمد الزبيري به [مسند أحمد / ١١٧٨٠] وسنن أبي داود / ح ٦٩٩]. نبيُّ اللهِ زَكَريّا عَلَيهِ السَّلام قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: [قصة زكريا ويحيى عليهما السلام]: قال الله تعالى في كتابه العزيز: بسم الله الرحمن الرحيم: {كهيعص
    2. (١)ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا
    3. (٢)إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا
    4. (٣)قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
    5. (٤)وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا
    6. (٥)يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
    7. (٦)يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا
    8. (٧)قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا
    9. (٨)قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا
    10. (٩)قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا
    11. (١٠)فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ = = الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: ١ - ١٥]. وقال تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَال كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: ٣٧ - ٤١]. وقال تعالى في سورة الأنبياء: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠]. وقال تعالى: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ} [الأنعام: ٨٥]. والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقص على الناس خبر زكريا - عليه السلام - وما كان من أمره حين وهبه الله ولدًا على الكبر، وكانت امرأته مع ذلك عاقرًا في حال شبيبتها قد أسنت أيضًا؛ حتى لا ييأس أحد من فضل الله ورحمته ولا يقنط من فضله تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} قال قتادة عند تفسيرها: إن الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي، وقال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداة أسرَّها عمن كان حاضرًا عنده مخافتة فقال: يا رب يا رب يا رب. فقال الله: لبيك لبيك لبيك. {قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} أي: ضعف وخار من الكبر {وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا} استعارة من اشتعال النار في الحطب، أي: غلب على سواد الشعر شيبة، وقوله: {وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} أي: ما عودتني فيما أسألك إلا الإجابة وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير إبانها ولا في أوانها وهذه من كرامات الأولياء، فعلم أن الرزاق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا وإن كان قد طعن في سنه {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} وقوله: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} قيل: المراد بالموالي العصبة، وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته فسأل وجود ولد من صلبه يكون برًّا تقيًّا مرضيًا ولهذا قال: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ} أي: من عندك بحولك وقوتك {وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي} أي: في النبوة والحكم في بني إسرائيل {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} يعني: كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي، وليس المراد = = ها هنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة ووافقهم ابن جرير ها هنا وحكاه عن أبي صالح من السلف، لوجوه: أحدها: ما قدمناه عند قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ} أي: في النبوة والملك لما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين علماء المواريث في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة" [صحيح البخاري / ٦٧٢١] نص على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يورث، ولهذا منع الصديق أن يصرف ما كان يختص به في حياته إلى أحد من ورثته الذين لولا هذا النص لصرف إليهم، وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس -رضي الله عنهم-، واحتج عليهم الصديق في منعه إياهم بهذا الحديث، وقد وافقه على روايته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وأبو هريرة وآخرون - رضي الله عنهم -. والثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" وصححه. الثالث: أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا إليها أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم، فإن من لا يصل إلى قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدًا يكون وارثًا له فيها. الرابع: أن زكريا - عليه السلام - كان نجارًا يعمل بيده ويأكل من كسبها، كما كان داود عليه السلام يأكل من كسب يده، والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهادًا يستفضل منه مالًا يكون ذخيرة له ولمن يخلفه من بعده. وهذا أمر بيّن واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهمه إن شاء الله. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، يعني: ابن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كان زكريا نجارًا" وهكذا رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه، عن حماد بن سلمة به [مسلم / ح ٢٣٧٩] و [أحمد / ح ١٧٩٥٢]. وقوله: {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} وهذا مفسر بقوله: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: ٣٩]. فلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد له والحالة هذه {قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} أي: كيف يوجد ولد من شيخ كبير، {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} يعني: وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرًا لا تلد، والله أعلم. كما قال الخليل: {أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ} وقالت سارة: {يَاوَيلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ =
    ج ١ ص ٣٦٤
  2. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ١ ص ٣٦٥
  3. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    ج ١ ص ٣٦٦
  4. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} [هود: ٧٢ - ٧٤]. وهكذا أجيب زكريا - عليه السلام -، قال له الملك الذي يوحى إليه بأمر ربه: {كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} أي: هذا سهل يسير عليه {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا} أي: قدرته أوجدتك بعد أن لم تكن شيئًا مذكورا، أفلا يوجد منك ولد وإن كنت شيئًا؟ ! وقال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} ومعنى إصلاح زوجته أنها كانت لا تحيض فحاضت. وقيل: كان في لسانها شيء، أي: بذاءة. {قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} أي: علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به {قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا} يقول علامة ذلك أن يعتريك سكوت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزًا، وأنت في ذلك سويّ الخلق صحيح المزاج معتدل البنية، وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب، واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والإبكار، فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورًا بها على قومه من محرابه {فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} والوحي ها هنا هو الأمر الخفي إما بكتابة، كما قاله مجاهد والسدي، أو إشارة كما قاله مجاهد أيضًا ووهب وقتادة، قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة: اعتقل لسانه من غير مرض. وقال ابن زيد: كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد. وقوله تعالى: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} يخبر تعالى عن وجود الولد، وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا - عليه السلام -، وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه. وأما قوله: {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا} وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك: {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا} أي: رحمة من عندنا، رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد، وعن عكرمة: {وَحَنَانًا} أي: محبة عليه، ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه، وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما. وأما الزكاة فهي طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل. والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره. ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرًا ونهيًا وترك عقوقهما قولًا وفعلًا فقال: {وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا} ثم قال: {وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان، فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر، فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه، ويصير إلى الآخر ولا يدري ما بين يديه، ولهذا يستهل صارخًا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها، وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها! . وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار، وصار بعد الدور =
    ج ١ ص ٣٦٧
  5. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    1. = والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور، وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور، فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور، وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير. ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال: {وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}. وأما قوله في الآية الأخرى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} فقيل: المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء، وقيل غير ذلك، وهو أشبه لقوله: {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً}. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يعد من البدلاء حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن. فقال: يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، قال: فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله عزَّ وجلَّ أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركن أن تعملوا بهن. وأولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مثل من اشترى عبدًا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك، وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا. آمركم بالصلاة فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا. وآمركم بالصيام فإن الله مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. آمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه. آمركم بذكر الله عزَّ وجلَّ كثيرًا، فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعًا في إثره فأتى حصنا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عزَّ وجلَّ. قال: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله، فإن من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثا جهنم، قال: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عزَّ وجلَّ المسلمين المؤمنين عباد الله عزَّ وجلَّ" (أحمد / ح ١٧١٧٠). وهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد، عن أبان بن زيد، عن يحيى بن أبي كثير به. =
    ج ١ ص ٣٦٨